ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الشفاعة و مفهومها الإسلامي \ الشيح حسن الجواهري

«ملخص»

ثمة إشكال عقلي على الشفاعة هو أنها تشبه الوساطة الدينوية، ولكن الأشكال يتضح حين نعرف أقسام الشفاعة: شفاعة العمل، شفاعة الله الابتدائية، والشفاعة المركوزة والشفاعة لا تنافي العقل، ولا الشرع، وثمة أيات نافية للشفاعة وأخرى مثبتة لها، ويمكن الجمع بينها بأن المثبتة تنفي الشفاعة الاستقلالية عما سوى الله.

الشفاعة: أن يتقدم الشفيع إلى الله سبحانه ويطلب منه تخفيف العقاب والعفو عن الشخص الذي يستحق العقاب بعمله الشنيع، وهذا الذي يشفع إما أن يكون عملاً صالحاً من أعمال الإنسان أو ولياً صالحاً له حق على الله تعالى، فيطلب من الله سبحانه وتعالى التخفيف أو العفو عن المخطئ.

وقد أشكل على الشفاعة بإشكال عقلي مركز، وحاصلة: أن شفاعة الشافع لا

* - من أساتذة الحوزة العلمية في مدينة قم.

(٧٩)

يعقل دخلها في تقليل استحقاق المذنب للعقاب، لأن الاستحقاق وعدمه يتبع ما يصدر من نفس الفاعل من عمل، لا ما يصدر من شخص آخر، فعلى أي أساس تتدخل الوساطة في مجرى فعلية العذاب في حساب الله تعالى، بعد أن لم يكن للوساطة - الشفاعة - دخل في مرحلة الاستحقاق؟ وحينئذٍ، فإن كان المذنب قابلاً للعفو فلماذا لا يعفى عنه، بغض النظر عن الشفاعة والوساطة؟

أقسام الشفاعة

إن الشفاعة تنقسم إلى ثلاثة أقسام:

١ - شفاعة العمل: الذي يعمله الإنسان، كصلاته وصومه وحجه وعمله الصالح من الخيرات والمبرات في سبيل الله وأمثال ذلك، فإن هذه الأعمال تشفع للإنسان في تقليل عقابه على الأفعال المنكرة، أو العفو عنها، ومن هذا القسم شفاعة القرآن، فقد ورد في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وآله - : «إن القرآن شافع مشفع، وما حل مصدق» [١].

ومن هذه الشفاعة شفاعة القيادة التي يهتدي بها الفرد في حياته.

٢ - شفاعة الله الابتدائية: وهي المغفرة التي تصدر من الله سبحانه وتعالى، ابتداءً ومن دون طلب من أحد الشافعين للغير، وذلك لأن الله سبحانه «قد سبقت رحمتهُ غضبهُ».

فأصالة الرحمة والمغفرة ثابتة في حقه، وهذه الرحمة والمغفرة كسائر أنحاء رحمة الله الكونية التي لها نظام وقانون خاص، فكما أن هذا العالم يخضع لنظم وقوانين كونية معينة، فكذلك عفو الله ومغفرته ورحمته تعالى في يوم القيامة، لابد أن تكون خاضعة لنظام معين لتصل إلى المذنبين، وهذا النظام المعين هو عبارة عن وصول هذه الرحمة والمغفرة عن طريق الكملين من

(٨٠)

الأنبياء والأوصياء، والشهداء والصالحين، ولا يمكن أن تكون هذه الرحمة عن طريق العاصين الجناة، لأنها خرق حكمة الله وطريقته في إيصال الناس إلى الكمال.

وهذان القسمان من الشفاعة لا يرد عليهما الإشكال المتقدم، لأن شفاعة العمل تعني قبوله من الله عزّوجلّ ومن ثم تقليل العذاب عن صاحبه بالمغفرة، وإن شفاعة الله الابتدائية ما هي إلاّ إيصال الرحمة والمغفرة إلى العباد من غير طلب، تحنناً منه تعالى وكرماً، ومثل هذه الشفاعة كمثل إيصال الماء والغذاء لعباده في هذه الدنيا، ولكن هذين النوعين من الشفاعة هما أمر صوري وشكلي فهو نوع إجلال واحترام ظاهري للشفاع، لأن الشافع إذا كان يشفع بالعمل فليس له دور حقيقي في العفو والمغفرة، وإنّما الدور الحقيقي للعمل، وإذا كان الشافع وهو الولي أو النبي - بما أن الله جعل رحمته قد سبقت غضبه، وقد جاءت عن طريقهم - فحينئذٍ يكون دور الشفيع كدور الدواء الذي يؤثر في انبساط الصحة والسلامة على العباد، وكدور الجبل الذي تصطدم به الرياح الصاعدة الحارة لتلتقي بالرياح الباردة ليتكون المطر، أو كدور الشمس في تبخير مياه البحار والمحيطات لتتدخل في عملية نزول المطر أيضاً.

وحتى لو قلنا: إن الشفيع يتوسط عند الله فيكون توسطه مؤثراً تكويناً في تقليل العذاب أو العفو، فإنه لا يخرج عن كون الشفيع هو مثل تأثير الأسباب التكوينية في العالم، كتأثير الدواء لشفاء العبد أو تأثير الشمس والماء والهواء لإدامة الحياة، فلا فضل للشفيع، كما لا فضل لهذه التأثيرات الكونية.

٣ - الشافعة المركوزة عند المسلمين: بمعنى أن يبدأ العبد المذنب بطلب من الشفيع أن يشفع له، وهذا الطلب يؤثر في الشفيع، فينبعث الشفيع من قبل هذا المذنب ويطلب من المولى أن يغفر للعبد المذنب ويتجاوز عن ذنبه أو يقلل

(٨١)

العذاب عليه على أقل تقدير، وهذا الشفيع بدوره يؤثر في المولى، فيعدل المولى عن حكمه ويتجاوز عن عبده المذنب ويعفو عنه.

وهذا القسم من الشفاعة، هو الذي يحصل للشفيع عظمة وإجلالاً عند العبد المذنب ورفعة ومقاماً عند الله تعالى، وهذا هو الظاهر من أدلة الشفاعة القرآنية والروائية.

ثم إن الأشكال العقلي على الشفاعة يرد عليها بالمعنى الثالث، فلابد أن نبحث عن جواب هذا الأشكال ورده أو قبولـه، فإن رددنا الأشكال العقلي، فحينئذٍ لا داعي للقول بخلاف ما قالت به الأدلة الشرعية من معنى الشفاعة الثالث، وإن قبلنا الإشكال العقلي، فلابد من صرف الأدلة الإثباتية إلى خلاف ظاهرها، فننكر الشفاعة بالمعنى الثالث ونقول بالشفاعة بالمعنى الأول أو الثاني.

الإشكال على الشفاعة

إن الإشكال على الشفاعة المتقدم، يمكن توسعته إلى إشكالات خمسة عقلية:

١ - الشفاعة تنافي التوحيد في العبادة، وهذا ما قاله الوهابيون أتباع محمّد بن عبد الوهاب.

٢ - يلزم من الاعتقاد بالشفاعة الاعتقاد بأن شفقة ورحمة الشفيع أوسع من رحمة الله.

٣ - الاعتقاد بالشفاعة يوجب تجرؤ نفوس العباد وتشويقها إلى المعاصي.

٤ - يلزم من الاعتقاد بالشفاعة أن نقول: «إن الله يقع تحت تأثير الشفيع ويبدل غضبه بالرحمة».

٥ - الشفاعة نوع استثناء وتفرقة بين المذنبين، وهو خلاف العدالة من الله تعالى [٢].

(٨٢)

حل الإشكال

١ - إن الشفاعة بالمعنى الثالث لا تنافي التوحيد في العبادة، وذلك لأن توسيط الولي والنبي إلى الله لا يعني عبادته، حتّى ينافي التوحيد في العبادة، فكم فرق بين عبادة شخص أو توسيطه في أمر إلى الغير.

٢ - إن المدعى في الشفاعة ليس هو أن يكون الشفيع أكثر رحمة من الله تعالى حتّى يشكل على الشفاعة بهذا الإشكال، بل المدعى في الشفاعة أحد أمرين:

الأول: أن الشفيع باعتباره بشراً مثلنا يملك ما نملكه من أحاسيس بشرية وعواطف نفسية، والعبد المذنب قد لا يكون مستحقاً للعفو بملاكات الرحمة الإلهية الخالية من الاحساسات البشرية، ففتح الله لعباده باب الرحمة والعفو التي تنبع من شفاعة الشفيع الذي يحس وينفعل ويتأثر فيأتي العبد الولي الذي يقع تحت هذه التأثيرات الانفعالية مثلنا، وإن كان يختلف عنا في عدم إعمال هذه الانفعالات فيما لا ينبغي، فالولي مستعد لتأجيل قتل عمرو إلى أن يسكن غضبه، حتّى يكون قتله إياه خالصاً لوجه الله تعالى.

ويصح للولي أن يطلب من الله تعالى المغفرة للعبد المذنب بشرط أن تكون الشفاعة لهذا العبد المذنب مما ينبغي وفيها المصلحة.

الثاني: أن نفرض أن هذا المذنب الذي لا يرحم - بغض النظر عن الشفاعة - يكون له حق على الشفيع، مثل زيارة الشفيع وإهداء ثواب الصلاة المستحبة إليه، أو إهداء ثواب الإطعام والعمل الصالح وهداية الناس - بواسطة ذكر طريقته في العمل الصالح - إليه وعلى هذا فالشفيع يكون بصدد مجازاة هذا العبد المذنب بالخير، فتأتي الشفاعة وتكون معقولة إن لم يكن فيها إشكال آخر.

إذن: عرفنا أن هذين الأمرين المدعى إثبات أحدهما في الشفاعة لا يستبطنان

(٨٣)

أن الشفيع أكثر رحمة وشفقة من الله تعالى.

٣ - إننا لا ندعي القطع من قبل العاصي بأن الولي سوف يشفع له حتماً من قبل الله تعالى بحيث ترفع كلّ التبعات وسيبقى قابلاً للشفاعة ولا تجره معصيته إلى أن يصل في خبثه وسوء عاقبته إلى مرحلة تنتفي قابليته للشفاعة.

نحن لا ندعي كلّ هذه الإدعاءات السابقة حتّى يأتي الإشكال الثالث، وهو - التجري على الله تعالى - لو قبلنا فكرة الشفاعة، بل إن فكرة الشفاعة تعطي الأمل للعبد المذنب في عفو الله عنه وترفع اليأس ليس إلاّ، لا أنها توجب التجري.

ولو أن أحداً أساء فهم الشفاعة، أو استغلها في التجري على الله في انتهاك حرماته، فهذا ليس إشكالاً على الشفاعة، كما قد يقع الفهم الخاطيء والاستغلال بالنسبة إلى فكرة عفو الله تعالى عن العاصين، أو فكرة انفتاح باب التوبة على العباد.

إن قبول الله سبحانه شفاعة الشفيع، ليس معناه أنّه وقع تحت تأثير الشفيع، بل كلّ ما في الأمر: أن الأعمال الحسنة الصادرة من الشفيع الذي يستحق بها الثواب والإجلال من قبل الله تعالى، قد جعل الله تعالى له الثواب الجزيل وقبول شفاعته جزاء على أعماله الصالحة، وهذا لا يستلزم البداء المحال، لأن الله تعالى قد بنى من أول الأمر على العفو عن هذا العبد المذنب، إذا شفع له الشفيع، والله سبحانه وتعالى يعلم بشفاعة الشفيع له، فإن هذا لا يمت إلى تبدل الغضب بالرحمة والوقوع تحت التأثير.

٥ - إن عقاب العاصي في نفسه لم يكن ظلماً، وعلى هذا فإن العفو عن بعضهم بواسطة شفاعة الشفيع هو إحسان إليهم، ونحن نعلم أن تخصيص الإحسان بشخص دون شخص ليس ظلماً إلى من لا يقدم إليه الإحسان [٣]. على أن الشفاعة في يوم القيامة قد تشمل كلّ من له قابلية للشفاعة بلا استثناء وتبعيض إذن

(٨٤)

ارتفع الإشكال الخامس.

وقد عرفت أن الشفاعة بالمعنى الثالث: لا يتوجه إليها أي إشكال من الإشكالات الخمسة المتقدمة، حيث أنها عبارة عن إعطاء ثواب الشفيع إلى المشفوع له، لأن المشفوع له كان له الحق على الشفيع وهو أمر معقول وعرفي.

ثم إنه قد يدفع أصل الإشكال العقلي على الشفاعة بما يذكر في حل مشكلة العقاب حيث يقال: إن عمل المذنب يكون فيه اقتضاء تكويني للعقاب - وليس هو علة مستقلة للعقاب - وهذا الاقتضاء قد يوجد مانع في تأثيره، ألا وهو شفاعة الشافعين من الأولياء والصالحين - بناءً على أساس مالهم من قرب عند الله تعالى في أعمالهم الخيرة التي يحسن تلبية طلبهم كجزاء وثواب على أعمالهم الصالحة، وعلى أساس الحق الذي للمشفوع له على الشفيع من إهداء ثواب أعماله الحسنة له، وعلى أساس أن العفو عن هذا الذنب ليس قبيحاً، بل كان المفروض عدم الداعي إلى العفو عنه، فإذا جاءت الشفاعة، فهي من الدواعي للعفو عنه - أما إذا لم يوجد مانع من تأثير الاقتضاء للعقاب، فإن يؤثر أثره حيث أن الله تعالى أو عد عبيده بالعذاب تربية لهم وإيفاء بوعديه، وحينئذ تكون أخبار الشفاعة وقبول الشفيع أن يشفع للعاصين وقبول الله تلك الشفاعة هي بمنزلة المانع من تأثير المقتضي التكويني للعقاب، وإلا فإن المقتضي يؤثر أثره في عقاب العاصين.

الشفاعة من ناحية الأدلة الإثباتية

توجد في القرآن الكريم والسنة النبوية أدلة تثبت الشفاعة، وهذه ستأتي قريباً، ولكن قد توجه الإشكالات على الشفاعة على ضوء الآيات القرآنية، فمن أهمها: ﴿ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾ [٤].

(٨٥)

٢ - إن بعض الآيات القرآنية تنفي تدخل أي شيء في شأن العبد يوم القيامة غير الله سبحانه فهو بيده الأمر وحده، قال تعالى: ﴿يوم لا تملك نفس لنفس شيئاً والأمر يومئذ لله﴾ [٥].

٣ - إن بعض الآيات القرآنية تحصر الشفاعة في الله تعالى كقولـه تعالى: ﴿ليس لهم من دونه ولي ولاشفيع﴾ [٦]، وقولـه: ﴿قل لله الشفاعة جميعاً﴾، وقولـه تعالى: ﴿ما لكم من دونه من ولي ولا شفيع﴾ [٧].

والجواب على الإشكال الأول، هو:

١ - إن الآية القرآنية التي تقول: ﴿وأن ليس للإنسان إلاّ ما سعى﴾ فإنها لا تدل على أكثر من أن أساس ما يلقاه الإنسان من خير أو شر، إنما هو من عمله وسعيه، أما العفو والمغفرة والشفاعة فهي موقوفة على عمله أيضاً، بحيث يكون العمل ممهداً للعفو أو الشفاعة التي أكثرى ما تكون لأصحاب النوايا الحسنة.

٢ - إن الآية القرآنية قابلة للتخصيص، وعلى هذا يطبق هنا القانون في شأنها، فيكون المعنى أنّه ليس للإنسان إلاّ ما سعى والشفاعة التي تصدر في حقه من قبل الأولياء والصالحين، بشرط أن تثبت الشفاعة بأدلتها الخاصة التي سوف تأتي إن شاء الله.

٣ - إذا قبلنا أن الآية القرآنية تنافي الشفاعة، فهي أيضاً تنافي عفو الله ومغفرته، وبما أنّه لا يمكن القول بأن الآية تنافي عفو الله ومغفرته، وأن العفو والمغفرة شيء ثابت للعباد ولا إشكال عليه إذا كانت الآية مطلقة وشاملة للعفو والمغفرة فإنها تقيد، فيكون معناها أن ليس للإنسان إلاّ ما سعى وعفو الله ومغفرته.

أما الجواب على الإشكال الثاني:

(٨٦)

فهو أن المفهوم من آية: ﴿يوم لا تملك لنفس شيئاً والأمر يومئذٍ لله﴾ أن كلّ شيء يحصل في يوم القيامة فهو بإذن الله ومشيئته، وبما أن الشفاعات إنّما تكون بمشيئة الله تعالى حيث له تعالى كلّ شيء حتّى الشفاعة، فيصح ويحسن إرجاع الأسباب الصغيرة إلى السبب الكبير وتحصر الأسباب في السبب الكبير، ولو لم يكن هذا هو المفهوم من الآية فلابد من القول به نتيجة قيام الأدلة التي سوف تأتي على أن الأولياء يشفعون يوم القيامة، وطبعاً شفاعتهم تكون بإذن الله تعالى.

أما الجواب على الإشكال الثالث: فقد يقال بأن الآيات القرآنية التي تحصر الشفاعة في الله تعالى مثل: ﴿ليس لهم من ولي ولا شفيع﴾ إذا أضفنا لها الآيات الدالة على الشفاعة بإذن الله تعالى مثل: ﴿ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه﴾ [٨] نفهم أن الشفاعة الاستقلالية هي لله تعلى أما الشفاعة بإذن الله فتكون للأئمة والأنبياء والأولياء الصالحين، ويكون هذا مثل ما جاء في علم الغيب حينما قال تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلاّ هو﴾ [٩]، ثم يقول تعالى: ﴿عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحداً إلاّ من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصداً ليعلم أن قد أبلغوا رسالات ربهم وأحاط بما لديهم وأحصى كلّ شيءٍ عدداً﴾ [١٠].

الآيات الدالة على نفي الشفاعة

قد ذكر القرآن الكريم بعض الآيات التي ظاهرها نفي الشفاعة من دون الله تعالى وهي:

١ - قوله تعالى ﴿واتقوا يوماً لا تجزي نفس عن نفس شيئاً ولا يقبل منها شفاعة﴾ [١١].

(٨٧)

٢ - ﴿يوم لا يغني مولى عن مولى شيئاً ولا هم ينصرون﴾ [١٢].

٣ - ﴿يوم تولون مدبرين مالكم من الله من عاصم﴾ [١٣].

٤ - ﴿فما لنا من شافعين ولا صديق حميم﴾ [١٤].

٥ - ﴿ولا يقبل منها عدل ولا تنفعها شفاعة﴾ [١٥].

٦ - ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يُطاع﴾ [١٦].

وهذه الآيات الستة قد لا تكون دالة كلها على نفي الشفاعة، لأن الآية الرابعة ليس فيها إطلاق للمؤمنين العاصين، بل هي خاصة بالمشركين أو غير المؤمنين، وذلك إذا نظرنا إلى سياقها، قال تعالى ﴿وبرزت الجحيم للغاوين وقيل لهم أين ما كنتم تعبدون من دون الله هل ينصرونكم أو ينتصرون فكبكبوا فيها هم والغاوون وجنود إبليس أجمعون قالوا وهم فيها يختصمون تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين وما أضلنا إلاّ المجرمون فمالنا من شافعين ولا صديق حميم فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين﴾

[١٧]

وكذلك الآية الثالثة، فإنها لا تدل على نفي الشفاعة، وإنّما تنفي أن يكون أحد في مقابل الله، يعصم من الله وهو «العاصم» بينما الشفاعة ليست كذلك، بل هي طلب من الله في المغفرة وعدم العذاب.

وكذلك الآية الثانية: فإنها وإن نفت أن يغني مولى عن مولى شيئاً، إلاّ أن فيها استثناء جاء بعد ذلك، وقد غفل عنه وهو ﴿إلاّ من رحم﴾ وتحتمل أن تكون رحمة الله بواسطة شفاعة الشافعين.

إذن بقي من الآيات الدالة على نفي الشفاعة ثلاث آيات.

الآيات الدالة على إثبات الشفاعة

١ - قوله تعالى: ﴿ما من شفيع إلاّ من بعد إذنه﴾ [١٨].

(٨٨)

٢ - ﴿لا يشفعون إلاّ لمن ارتضى﴾ [١٩].

٣ - ﴿ولا يملكون الشفاعة إلاّ من اتخذ عند الرحمن عهداً﴾ [٢٠].

٤ - ﴿يومئذ لا تنفع الشفاعة إلاّ من أذن له الرحمن ورضي له قولاً﴾ [٢١].

٥ - ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلاّ لمن أذن له﴾ [٢٢].

٦ - ﴿وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾ [٢٣]

٧ - ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلاّ بإذنه﴾ [٢٤] [٢٥].

نقول:

١ - قد تقدم الجمع بين هذه الآيات المثبتة للشفاعة وبين الآيات الثلاثة النافية لها، وقلنا إن هذه الآيات تثبت الشفاعة للشافعين بإذن الله وإعطائه حق الشفاعة لهم، أما تلك الآيات فهي تنفي الشفاعة الاستقلالية عما سوى الله تعالى، وهذا الكلام يصح إذا كان الله سبحانه وتعالى في صدد بيان سعة رحمته واستيعاب غفرانه للعباد العاصين حتّى عن طريق شفاعة الشافعين.

٢ - وبالإمكان أيضاً، القول بأن دليل نفي الشفاعة مطلق، أما دليل إثباتها عند إذن الله تعالى فهو خاص، فيخصص به دليل نفي الشفاعة، فيختص نفي الشفاعة بغير مورد الإذن، وهذا الوجه عرفي مقبول، إذ أن الشفاعة التي تكون بإذن الله هي شفاعة الله في النتيجة، فلا يكون تنافٍ بين الدليل المطلق والدليل المقيد.

٣ - وبالإمكان أن نقول إن دليل إثبات الشفاعة مع الآن ناظر إلى دليل نفي الشفاعة إلاّ من قبل الله تعالى، وبهذا يريد دليل إثبات الشفاعة أن يقول: إن الشفاعة بإذن الله هي شفاعة الله، ولا مصادمة بينهما أصلاً.

٤ - إذا التفتنا إلى أن معنى الشفاعة لغة، هي النصر والعون - لا الوساطة -

(٨٩)

وقد تكون مأخذوة من الشفع الذي هو بمعنى الضم، فكأن الشفيع في حالة شفاعته ينضم إلى المشفوع له، وعلى هذا، فالآيات التي تنفي الشفاعة - إلاّ شفاعة الله - كأنها تقول: لا تنفع شفاعة الشافعين مالم يضم إليها شفاعة الله، أو أن نصرة المذنب لا تتم إلاّ بضم نصره الله للمذنب بعفوه ورحمته وهذا الكلام لا يحتاج إلى الإذن من الله بالشفاعة، وعليه فتكون شفاعة الشفيع هي شفاعة الله تعالى، وبهذا صح القول أن لا شفاعة الله تعالى، في حين أن الشفاعة من الغير للمذنبين موجودة، وإذا لم يقبل الله شفاعة الشافعين فمعنى ذلك عدم تمكينه للشفيع أن ينصر المذنب.

لذلك يقول الشيعة الإمامية فيما ورد عن أئمة أهل البيت - عليهم السلام - بصحة نيابة الحي عن الميّت في العبادات، أو إهداء الثواب إلى الميّت، وقد أشكل عليهم بقولهم: لا يعقل أن يكون عمل شخص دخيلاً في استحقاق شخص آخر، فما معنى رفع العقاب أو التخفيف عن تارك الصلاة بصلاة ولده أو غيره عنه أو إهداء ثواب العمل الصالح له؟

وقد تبين الجواب - مما تقدم في بحث الشفاعة - وخلاصته: أنا قلنا إن العفو من الله تعالى لتارك الصلاة مثلاً لم يكن قبيحاً، وإن كان عمله يقتضي العقاب، وحينئذٍ إذا وجدنا سبباً للعفو فلا محالة أن الله سبحانه وتعالى يعفو عنه، وهذا السبب عند الله قد يوجده ولد الميّت أو صديقه أو من استؤجر للصلاة عنه أو لقراءة القرآن، فإن الولد أو الصديق عندما يعمل عملاً مستحباً يريده الله تعالى لمصلحة فهو يستحق ثواباً وأجراً عليه، ومن المعقول أن يهدي هذا الإنسان ثواب عمله إلى أبيه أو صديقه الذي توفي. وبهذا ينتفع الميّت العاصي بفعل الخيرات من قبل غيره إذا أهدي الثواب إليه.

وبعبارة أخرى: إن الله سبحانه وتعالى إذا قال: إن هذا العبد يقتضي عمله

(٩٠)

العقاب إلاّ إذا وجد سبب للعفو عنه، وهذا السبب هو أحد أمور:

١ - تحفيز محبي الميّت للعمل الصالح والعبادة، إما مباشرة منهم أو تسبيباً من قبل الآخرين بتنزيل أنفسهم منزلة الميّت وإتيان العمل الصالح.

٢ - أو بإتيان العمل الصالح المحبوب لله سبحانه والذي فيه مصلحة من قبل محبي الميّت، وإهداء ثوابه إلى الميّت.

٣ - أو تحفيز نفس الميّت بأن يوصي بهذه الأعمال الصالحة والمحبوبة. وعلى هذا يكون الميّت قد سبب وقوع هذه الأعمال بالخارج وهي محبوبة لله تعالى، وعلى هذا الأمر الثالث فإن نفس الميّت هو الذي يستحق الثواب على هذه الأعمال جزاء لما فعله من تسبيب.

أما بالنسبة للأمر الأول والثاني؛ فإن الثواب يكون للعامل الحي، وهو بدوره يقدمه لمحبوبه الميّت.

١ - المجازات النبوية للشريف الرضي، تحقيق طه محمّد الزنيي، ص ٣٠٧.

٢ - الإشكالات التالية ذكرها الشيخ المطهري في كتابه: العدل الإلهي، ص ٢٢٧ - ٢٥٩، وذكر أن هذه الاشكالات ترد على الشفاعة بالمعنى الثالث، وهو لم يقبلها وإنّما قبل الشفاعة بالمعنى الأول والثاني.

٣ - ذ كر السيد الطباطبائي في الميزان: ج ١، ص ١٦٢، إشكالات كثيرة على الشفاعة:

الأول هو: «أن رفع العقاب عن المجرم يوم القيامة بعدما أثبته الله تعالى بالوعيد، إما أن يكون عدلاً أو ظلماًَ، فإن كان عدلاً كان أصل الحكم المستتبع للعقاب ظلماً لا يليق بساحته تعالى وتقدس، وإن كان ظلماً، كانت شفاعة الأنبياء مثلاً، سؤالاً للظلم منه، وهو جهل لا يجوز نسبته إليهم صلوات الله عليهم».

وجوابه ما تقدم من عدم كون العقاب ظلماً ولا رفعه ظلماً، بل العقاب على الذنب للعبد المجرم عدل، ورفعه عن بعضهم فضل وإحسان.

(٩١)

٤ - النجم: ٣٩.

٥ - الانفطار: ١٩.

٦ - الأنعام: ٩.

٧ - السجدة: ٤.

٨ - يونس: ٣.

٩ - الأنعام: ٥٩.

١٠ - الجن: ٢٦ - ٢٨.

١١ - البقرة: ٤٨.

١٢ - الدخان: ٤١.

١٣ - غافرة: ٣٣.

١٤ - الشعراء: ١٠١.

١٥ - البقرة: ١٢٣.

١٦ - غافر: ١٨.

١٧ - الشعراء: ٩١ - ١٠٢.

١٨ - يونس: ٣.

١٩ - الأنبياء: ٢٨.

٢٠ - مريم: ٨٧.

٢١ - ١٠٩.

٢٢ - سبأ: ٢٣.

٢٣ - النجم: ٢٦.

٢٤ - البقرة: ٢٥٥.

٢٥ - روى البخاري أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه)، كان إذا قحطوا استسقى بالعباس بن عبد المطلب فقال: إنا كنا نتوسل بنبينا فاسقنا، قال: فيسقون. ج ١ / ١٢٤ و ج ٢: ٢٠٠.



[ Web design by Abadis ]