ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دور العصبيات في إضعاف الكيان الاسلامي \ الاستاذ عبد الكريم آل نجف

"ملخّص"

العصبيات القبلية والقومية حالة عشائرية غير حضارية تؤدي الى تمزّق الامة وتشتت أهدافها، وضياع المثل الاعلى الصحيح بين ظهرانيها، ولنا في التاريخ عبرة، والباحث في هذا المقال يسلط الضوء على هذه العصبيات في العصر الاموي، وفي العصر العباسي، ويبين ما أدت اليه من ضياع هيبة الحكم الاسلامي، وتشرذم المسلمين. وهذه الصور التي يذكرها هي طبعا ما ادت اليه ممارسات الحكم الاموي والعباسي، ولم يتطرق البحث الى الصور المشرقة التي أدت اليها التربية الاسلامية بين المسلمين متمثلة في انصهار القوميات والاخوة بين القبائل، والتعايش الانساني الرائع بين العرب والفرس والترك والبربر والاسود والابيض.

فالمقال يركز فقط على نتائج سياسة التمييز القبلي والعنصري التي ظهرت في تاريخ المسلمين نتيجة انحراف الجهاز الحاكم عن المشروع الاسلامي.

إن الاستقراء التاريخي للصراع بين خط النبوات والرسالات السماوية في مرحلة الاسلام وما قبله وحتى يومنا هذا يؤكد بأن العصبيات كانت تمثل الخطر الاكبر على هذا الخط.

فالقرآن يحدثنا بأن عصبية إبليس كانت المواجهة الاولى التي عورض بها التوحيد، وأن عصبية تقليد الآباء كانت الشعار الدائم لجبهة المعارضين لخط النبوات بكل حلقاته، والتاريخ يؤكد إضافة الى ذلك بأن عصبية قريش لعبت دوراً محورياً في مقاومة المشركين للإسلام. وأن ظهور هذه العصبية بأشكال جديدة في ظل الاسلام قد لعب دوراً انحرافياً كبيراً في التاريخ الاسلامي. وفي التاريخ الحديث كانت القومية المتطرفة الخطر الأكبر على الاسلام والمسلمين، بينما كانت الشيوعية أقلّ خطراً منها بكثير.

وفي هذه الدراسة نحاول إلقاء الضوء على بعض مظاهر وجوانب خطر العصبية على الأمّة الاسلامية في الفترتين الاموية والعباسية.

العصبية الأموية

كان الفرع الاموي أشدّ الفروع القرشية عصبية، وكانت هذه العصبية تتعارض مع قيم الاسلام ومبادئه وتدفع رؤوس الامويين الى اتخاذ مواقف لا تتناسب مع إنسانية الاسلام وعدالته.

فقد ورد أن المطرف بن المغيرة دخل على معاوية في أيام حكمه واقترح عليه الانصاف مع بني هاشم، خاصة وأنه لم يبق منهم من يخشاه، فردّ عليه معاوية بموقف قاطع إذ قال: "هيهات هيهات، ملك أخوتيم فعدل وفعل ما فعل فواللّه ماعدا أن هلك فهلك ذكره، وإن أخا هاشم يصرخ به في كل يوم خمس مرات، أشهد أن محمداً رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) فأي عمل يبقى بعد هذا لا ام لك؟ الا دفنا دفنا" [٢].

وقد أُثر عن معاوية أنه قال بعد توقيع الصلح مع الحسن (عليه السلام): "رضينا بها ملكاً" [٣]. وقد كان من أبرز مظاهر عصبيتهم ابتكار فكرة ولاية العهد التي أرست دعائم حكم قبلي خاص بهم.

ونتيجة لهذه العصبية الجامحة أصبح العهد الاموي زاخراً بالعصبيات المستفحلة المتصارعة بين القبائل العربية تارة وبين العرب والموالي أخرى، وبين العرب والبربر ثالثة، وبين العرب والسود رابعة.

١ - تأجيج الصراعات القبلية العربية

نُقل عن الجاحظ قوله عن معاوية: "وكان معاوية يحب أن يغري بين قريش" فلا يكتفي بالاغراء بين القبائل العربية. والاكثر من ذلك أنه كان يحاول الوقيعة بين فروع الاسرة الاموية ذاتها [٤]. كل هذا والفصل الخطير من السياسة القبلية لدى الامويين لم يبدأ بعد، فإن أخطر فصول هذه السياسة كان يتمثل باثارة النزاع الطويل العريض بين عرب الشمال وعرب الجنوب. ومع أن هذه المأساة كانت قد تفجّرت لأول مرة في عهد مروان بن الحكم الا أن جذورها تعود الى زمن معاوية الذي ألقى بذورها الاولى بين قبائل العراق والشام من الفريقين. وقبل ذلك لم يعرف العرب تقسيم أنفسهم الى عرب شمال وعرب جنوب حتى قامت دولة الامويين على أكتافِ عرب الشام المتألفين من المضريين واليمنيين، وكان المضريون يعرفون بالقيسيين وبعرب الشمال فيما بعد، بينما عرف اليمنيون بالكلبيين وبعرب الجنوب فيما بعد. وكان يمنيو العراق موالين لعلي ابن أبي طالب، فصار معاوية يتعصب بسبب ذلك لمضر العراق ضدهم لاغراء الطرفين بالعداوة. بينما نراه في الشام يتعصب لليمن على مضر، فكانت القبائل اليمنية في الشام تحضى بعطاء معاوية ويعمّها الرخاء، بينما حرم القيسية من العطاء ولم يفرض لها العطاء الا في وقت متأخر [٥]،

وتقرب الى اليمن فتزوج ميسون أم يزيد وهي ابنة بجدل زعيم قبيلة كلب، وزوّج ابنه يزيد من هذه القبيلة ايضا، وقد اعتمد في حروبه على سائر الفروع اليمنية، وهذه المحاباة سببت اعتزاز اليمن واشتداد بأسها وربما جعلها ذلك أحياناً تستطيل على الدولة، بينما سرت النقمة في القيسية عليها، وربما سمع معاوية كلمة من بعضهم أثارت قلقه ومخاوفه فرآى أن يضرب اليمانيين بالمضريين القيسيين، وخصص للمضريين عطاءً وبعث الى مسكين الدارمي - الذي كان قد طلب من معاوية أن يفرض له في العطاء فأبى - يخبره بتحقق رغبته، فردّ عليه الدارمي موقفه بأبيات يصف فيها بني أمية بأنهم "بني خلفاء اللّه" ويرشّح يزيد لخلافة أبيه معاوية، ويذكر فيها أسماء عبد اللّه بن عامر ومروان بن الحكم وسعيد بن العاص بنحو يعمّق الخلاف داخل الاسرة الاموية ويؤكد الفرع السفياني ضد سائر الفروع [٦].

ومن الطبيعي أن ينعكس هذا المنهج على ولاته أيضاً، فنجدهم يحرصون على تأجيج الخصومات القبلية القديمة واصطناع خصومات جديدة لإلهاء الناس بعضهم ببعض [٧].

وظلت نيران العصبية بين الطرفين تضطرم الى أن وصلت حد الانفجار بوفاة معاوية الثاني، حيث هاج عرب الشام من الفريقين - اليمن ومضر - حين مالت قبيلة كلب اليمنية الى بني أمية وتحولت قيس المضرية الى عبداللّه بن الزبير. ثم انقسمت كلب نفسها بين الولاء لخالد بن يزيد بن معاوية، أخي معاوية وبين الولاء لمروان بن الحكم. واستمر النزاع بين الكلبية حتى عام ٦٤هـ حينما عقد الطرفان مؤتمر الجابية الذي بايعوا فيه مروان بالخلافة على أن يكون خالد بن يزيد من بعده. فاغتاض القيسيون من هذا الاتفاق الذي حذف وجودهم السياسي وأخذوا يحاولون الانتقام، فاختاروا الضحاك بن قيس قائداً لهم وساروا لحرب مروان الذي تحرك هو الآخر لحربهم والتقى الطرفان في مرج راهط سنة ٦٥هـ وكانت النتيجة هزيمة القيسيين ومقتل الضحاك نفسه. وعقب ذلك طاردت الدولة القيسيين ووقعت الحروب المتتالية بين الطرفين في المركز والاطراف، وأصبحت كل ولايات الدولة من خراسان وحتى المغرب، وبعد ذلك الاندلس مسرحاً لهذه المأساة الكبيرة.

وربما هدأت الفتنة قليلاً بمجيء عمر بن عبد العزيز واعتماده مبدأ التسوية في العطاء بين القبائل، لكنها عادت بعد وفاته بأعتى صورها. إذ لم يتورع يزيد بن عبد الملك (١٠١ - ١٠٥هـ) عن تفجير الفتنة من جديد عندما مال الى القيسية وأثار غضبهم على اليمنية ومكنهم من الانتقام منهم.

وكان الخليفة إذا مال الى طرف مال ولاته اليه، فكان انبعاث الفتنة في المركز يعني انبعاثها في الاطراف. بل كان الصراع في هذه الاطراف أحياناً أكثر احتداماً من صراع المركز كما في شمال أفريقية والاندلس [٨].

وقد انعكست هذه القبلية الهائجة على حركة الادب في هذا العصر. فأدب الهجاء والمنافرة والمديح بروح قبلية سيطر على الشعر السياسي آنذاك. كما حاولت العصبيات أن ترتدي ثوباً دينياً زائفاً وذلك حينما وجدت القبائل في الحديث النبوي وثيقة مقدسة يمكنها أن تمهر هذه القبيلة أو تلك بشرف خالد أو ذل آبد. فصارت القبائل تتسابق فيما بينهاعلى انتحال الاحاديث في فضلها أو فضل مدنها وذم خصومها أو مدنهم، فظهرت عشرات الاحاديث التي تتحدث عن فضائل بعض القبائل والمدن والاقوام أو ذمها [٩]. وهذا ماتجد له أثراً واضحاً في المدوّنات الحديثية المتداولة بين أيدي المسلمين مثل كنز العمال للمتقي الهندي.

وستستمر هذه العصبية حتى آخر الحكم الاموي وظهور بوادر أفوله وقيام حكم جديد لا يملك العرب فيه دوراً حاسماً، فأخذت الاطراف تتنادى للوحدة، ولكن زمن الوحدة كان قد ولّى وعصر النفوذ غير العربي قد أقبل بشكل أضعف العصبية العربية عموماً وضعفت معها عصبية قيس ومضر، فلانجد لها أثراً هامّا الا في بداية حكم المنصور الذي نقله جنده الى الكرخ جنوبي بغداد بسبب الفتنة بين هذين الحيين من العرب. ثم استشار في وضع الجيش فأشير عليه بإحداث الفتنة بين الطرفين لتفريقهم، فنفّذ المشورة ونجحت الخطة.

٢ - العصبية بين العرب والموالي

تبنى الحكم الاموي التعادي بين القوميات. مستعدياً بذلك الموالي الذين كانوا يشكلون فئة مهمة نوعا وحجماً بالنسبة للمجتمع الاسلامي. وتعدّوا ذلك إلى إيذاء الفرس واستحقارهم الى حدود جعلت معاوية يفكر بـإبادتهم لولا أنه فكر بإبقاء نصفهم كخدم، فقد دعا الاحنف بن قيس وسمرة بن جندب وقال لهما: إني رأيت هذه الحمراء - يقصد الموالي - قد كثرت وأراها قد قطعت عليّ السلف، وكأني أنظر الى وثبة منهم على العرب والسلطان، فقد رأيت أن أقتل شطراً منهم وأدع شطراً لإقامة السوق وعمارة الطريق، فأخذا بتهدئته حتى غيّر رأيه [١٠].

وقد حدث أن تخاصم عربي ومولى بين يدي عبد اللّه بن عامر - والي عثمان على البصرة وابن خاله - فقال المولى: لا أكثر اللّه فينا مثلك، فقال العربي، بل كثّر اللّه فينا مثلك. فقيل له: يدعو عليك وتدعو له، قال: نعم يكسحون طرقنا ويخرزون خفافنا ويحوكون ثيابنا [١١].

ونرى الشعبي قاضي عمر بن عبد العزيز يبغض المسجد حتى صار في نظره ككناسة داره - على حد تعبيره - لأن الموالي كانت تصلى فيه [١٢]. وكان الموالي يقاتلون بغير عطاء حتى قال شاعرهم:

أبلغ أمية عني إن عرضت لها *** وابن الامير وأبلغ ذلك العربا

إن الموالي أضحت وهي عاتبة *** على الخليفة تشكو الجوعوالحربا

ويبدو أن شطراً من المجتمع العربي كان قد حُرم من الثقافة الاسلامية الاصيلة وربط ربطا وثيقا بالجاهلية العربية، فكان يتجاوب مع هذه السياسية، يشهد لذلك الخبر السابق عن خصومة المولى والعربي. بل اشتهرت بين العرب أفكار وممارسات من صميم الجاهلية. فكان من مأثوراتهم أن الصلاة لا يقطعها إلا حمار أو كلب أو مولى. وكانوا يمنعون الموالي من التقدم عليهم أو السير الى جنبهم في المشي. وإذا أقبل العربي من السوق وكان بيده شيء ولاقى مولى في طريقه دفعه اليه ليحمله عنه. وكانوا إذا حضروا طعاماً أوقفوا الموالي فوق رؤوسهم، وكان الخاطب لا يخطب بنت المولى من أبيها وإنما من مواليها العرب فإن زوجت بدون رضاهم فسخ العقد واعتبر زناً [١٣].

يقول د. علي حسني الخربوطلي:

"لم تكن حالة الموالي طوال الحكم الاموي إلا سلسلة من الظلم والاضطهاد، ولذلك كان الموالي ينتهزون الفرص للعمل على إضعاف الدولة الاموية، فانظموا الى كل خارج على هذه الدولة، فرحب الموالي بحركة ابن الزبير" ثم يقول في موقفهم من حركة المختار: "فانضم عشرون الفاً منهم الى جيش المختار وكانوا يسمون الجند الحمراء" [١٤] فجعل لهم نصيباً من الفيء مما أغضب متعصبي العرب. فابتدر شبث بن ربعي المختار قائلاً: "عمدت الى موالينا وهم فيء أفاءه اللّه علينا وهذه البلاد جميعا تأمل الاجر في ذلك والثواب والشكر، فلم ترض لهم بذلك حتى جعلتهم شركاءنا في فيئنا" [١٥].

وكانت طلائع الحركة المضادة من قبل الموالي للأمويين قد ظهرت بدءاً من عام ٤٣هـ وذلك في الكوفة عندما خرجت عصبة من الموالي ضد الحكم الاموي بعث المغيرة اليهم رجلاً من بجيله فناداهم: "يا معشر الاعاجم هذه العرب تقاتلنا على الدين فما بالكم؟ ؟ " وكأن الموالي ليس لهم أو لا يصح أن يكون لهم دين يقاتلون من أجله. فاجابوه: "إنا سمعنا قرآنا عجباً يهدي الى الرشد فآمنا به ولم نشرك بربنا أحدا، وإن اللّه بعث نبيا للناس كافة ولم يزوه عن أحد" لكن المغيرة سرعان ما أخمد حركتهم.

وما كادت الامور تضطرب بعد وفاة يزيد بن معاوية حتى عاد الموالي الى الثورة وذلك في البصرة، كما سارعوا الى تأييد حركة عبد اللّه بن الزبير ووقفوا خلف حركة المختار بقوة وصلابة. وعندما جاء الحجاج الى الحكم في العراق تضمن عهده الاسود صدور قوانين تلزم الموالي بـإعطاء الجزية والخراج كما لو كانوا من أهل الذمة، مخالفاً بذلك قواعد الاسلام. فقابل الموالي الموقف بالانضواء تحت راية عبد اللّه بن الجارود في حركته المعارضة للحجاج، كما ساهموا في ثورة عبد الرحمن بن محمد بن الاشعث بشكل بارز.

وهكذا حوّل الموالي سلسلة المظالم الاموية عليهم الى سلسلة من أعمال المقاومة والتحدي الذي كان لها أكبر الاثر في إضعاف الحكم الاموي وإسقاطه. وقد قرنوا تلك الاعمال بحركة فكرية واسعة دعوا فيها الى المساواة بين العرب والموالي على أساس الاسلام. متخذين من قوله تعالى: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا…. ) [١٦] شعاراً لهم. ومع أنهم كانوا يتلطفون بدعوتهم الى المساواة ويعتمدون على النصوص الدينية فيها إلا أنهم لم يروا من الجانب الاخر الا الجفاء والغلظة والتعصب الذميم. وكان من قولهم: "إننا لا ننكر تباين الناس ولا تفاضلهم ولا السيد منهم والمسود والشرف والمشروف ولكنا نزعم أن تفاضل الناس فيما بينهم ليس بآبائهم ولا بأحسابهم ولكنه بأفعالهم وأخلاقهم وشرف أنفسهم وبعد هممهم، ألا ترى أنه من كان دنيء الهمة ساقط المرؤة لم يشرف وإن كان من بني هاشم في ذؤابتها ومن أمية في أرومتها ومن قيس في أشرف بطن منها، إنما الكريم من كرمت أفعاله والشريف من شرفت همته، وهو معنى حديث النبي عليه الصلاة والسلام: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه، وقوله في قيس بن عاص: هذا سيد أهل الوبر، إنما قال فيه لسؤدده في قومه بالذب عن حر

يمهم وبذله رفده لهم…" وكان يردّ قائلهم بذلك على ماجاء من كتاب تفضيل العرب لابن قتيبة الذي فسّر نصوص المساواة مثل (إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم)، (إنما المؤمنون إخوة…) "ليس لعربي على أعجمي فضل الا بالتقوى" وغيرها بأنها تعني المساواة في الآخرة، وأن المساواة في الدنيا لاسبيل اليها لأن التفاوت قائم بين الشريف والمشروف، والنبي أمضاه في حديث: إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه وقوله في قيس بن عاصم: هذا سيد أهل الوبر" [١٧].

٣ - العصبية بين العرب والبربر

وتكرّر في المغرب ماحدث في المشرق من السلوك المتعصب اتجاه غير العرب. على الرغم مما امتاز به البربر من إخلاص وتفان وتمسك شديد بالاسلام جعلهم يندفعون في الجهاد من أجله خطوات واسعة نحو الامام. ومن المؤكد أن فتح الاندلس كان من الناحية البشرية بربريا في لحمته وسداه، ويكفي أن نشير الى أن طارق بن زياد الذي يعود له الفضل في فتح الاندلس كان بربريا، وأن القسم الاعظم من جند الفتح كان كذلك، وأن حشود المهاجرين البربر الهائلة الى الاندلس ملأت الارض هناك فوفرت بذلك العنصر البشري المطلوب لنشر الاسلام بين صفوف السكان، فالفتح كان يعتمد على البربر في قيادته وجنده ودعاته المدنيين. ولو أنهم طالبوا - وفقا لذلك - بالسيادة على الاندلس لكان لهم حقا مشروعاً في ذلك، ولكنهم لم يطالبوا به بل طالبوا بالمساواة فقط، ومع ذلك لم يعاملهم الحكم الاموي وفق الحد الادنى من مقياس العدل. فما كادت عمليات الفتح تنتهي حتى وجد البربر أنفسهم أناساً من الدرجة الثانية، ليس لهم دور سوى ملء المعسكرات والتهيؤ لخوض الحروب والخصومات القبلية التي يقرّرها الاموي بين اليمنيين والقيسيين تارة وبين العرب والمولدين أخرى. بل إنهم فقدوا السيادة على أنفسهم حتى في موطنهم ا

لاصلي شمال أفريقيا، وأكثر من ذلك فقد أراد أحد الولاة وهو عبيداللّه بن الحجاج الذي عيّن والياً على شمال افريقيا والاندلس عام ١١٦هـ أن يعتبر البربر جميعهم من أسلم منهم ومن لم يُسلم فيئاً للمسلمين، فكتب إلى رجاله باحصاء خمسهم واعتبارهم رقيقاً. أما قائدهم طارق بن زياد فإنه بدل أن يلقى التكريم والتقدير كقائد منتصر استُدعي وهو في أيام فتوحاته التي كانت فيها المدن الاندلسية تسقط على يديه الواحدة تلو الاخرى، استدعاه موسى بن نصير الذي أخذ يكيل اليه التهم والاهانات وأودعه السجن وقيل إنه سعى لقتله بسبب نيران الحسد التي شبّت فيه من الانتصارات التي حقّقها طارق، فأوقفه عند حد معين ثم استمر هو بمواصلة الفتح بنفسه.

وهكذا قام الصراع البربري - العربي منتظماً في سلسلة من الانتفاضات التي كانت تخمد فترة وتشتد أخرى لتدوم زهاء ثلاثة قرون انتهت بانتصار البربر على العرب في صورة مشابة تماماً لنهاية الصراع العربي مع البربر من جهة، والمولدين وهم سكان الاندلس الاصليين من جهة ثانية بظهور حركة ثقافية تدعو الى المساواة وترفض المنطق الاموي القائل بأفضلية العنصر العربي على ماسواه. وقد سُميت أيضاً بالشعوبية. كما سميت حركة ثالثة مشابهة ظهرت في الهند بالاسم ذاته.

٤ - العصبية بين العرب والسود

والى جانب كل ذلك أثار الاموييون عصبية أخرى هي العصبية بين العرب والسود. يرى الدكتور عبده بدوي أن صراعاً بين العرب والسود قام على هامش الصراع القيسي اليمني، ذلك أن السود كانوا يعانون من العنصرية الاموية، وعند قيام ذلك الصراع وجدوا أنفسهم يميلون الى اليمنيين ويناصرونهم على العدنانيين - أي عرب الشمال القيسيين - لأن القحطانيين اليمنيين أقرب الى الاحباش موطناً وعنصراً، فكانوا من خلال ذلك يحاولون تأكيد ذاتهم، والاعلان عن تبرّمهم من العنصرية العربية تجاههم. وكان لهم شعراء رفعوا لواء المعارضة أمثال الحيقطان وسنيح بن رباح وعكيم الحبشي، ويبدو أن ذلك أول اصطدام علني بين الطرفين، وإن كان السود يعانون من الاستعلاء العربي عليهم منذ الجاهلية، وقد انعكس هذا الصراع على الأدب آنذاك، خاصة وأن زعماء السود كانوا شعراء. ولكن يلاحظ أن الجانب المنتسب للحكم الاموي لم يتورع عن استخدام التعابير البذيئة في شعره السياسي. فنرى جريراً يهجو الحيقطان لما رآه مرتديا قميصاً أبيض ببيت ساخر:

كأنه لما بدا للناسِ *** أ… حمار لُفّ في قرطاسِ

سمع الناس هذا البيت وأصبح على كل لسان فدخل الحيقطان داره ثم قال قصيدة جاء فيها:

وإن سواد اللون ليس بضائري *** إذا كنت يوم الروع بالسيف أخطرُ

فإن كنت تبغي الفخر في غير كنهه *** فرهط النجاشي منك في الناس أفخر

ألست كليبيا وأمك نعجة *** لكم في سمان الضأن عار ومفخر

فأما التي قلتم فتلك نبوة *** وليس بكم صون الحرام المستر

ويقصد بذلك عجز العرب عن رد جيش إبراهة الحبشي لما غزا الكعبة في عام الفيل [١٨].

ويرى الدكتور بدوي أن قصائد السود هي من أقسى ماقيل بحق العرب "وأنها تعرضت لجوانب ما نحسب أحداً من الشعوبيين قد تعرض لمثلها، ومن الملاحظ أنه برغم السخرية الجارحة لم يتعرضوا للدين، وإن كانوا ينفون فضله على العرب" [١٩].

العصبية العباسية

وأخيراً سقط الحكم الاموي بفعل الثورات المتلاحقة التي قامت ضده وآخرها الثورة العباسية التي قامت على ثلاثة عناصر هي: العصبية للعباس بن عبد المطلب وسلالته وشعار الرضا من آل محمد، ودعم الموالي، وهي عناصر تنطوي على دلالات تاريخية مهمة تكشف عن ظهور تطور سياسي واجتماعي وفكري عميق لصالح العالمية، وعن ضعف خط العصبية بنحوعام.

الا أن العصبة لازالت محور الحكم ولو بدائرة أضيق، حيث تنازل الحكم العباسي عن العصبية العربية والقرشية وتمسك بالعصبية للأسرة العباسية، وتمسكه هذا لم يكن من جهة الدم كما كان الأمر عليه في الحكم الاموي، بقدر ماكان ذلك ذريعة سياسية لتبرير حكمه، ولامتصاص شعار الرضا من آل محمد الذي كان يستقطب الامة ويعبئها في موقف مضاد لسلطة، ولتأمين تواصل السلطة في ذريتهم والحيلولة دون مطامع الطامحين اليها من غيرهم، وحيث أن الحكم لم يكن يستند الى أطروحة شرعية تستقطب الامة وتسعى لصالح الاسلام وتثير تلاحم المجتمع معه، فقد كان من الطبيعي أن يبحث عن الوسائل البديلة التي تؤمّن صولته وقدرته على التواصل والاستمرار ومواجهة التحديات، وماهي الا اللعب على حبال العصبيات بتقريب هذه القوميةواستبعاد تلك، وعندما يقتضي الأمر يضرب الحاكم بعضها ببعض، فقامت بسبب ذلك علاقات متشنجة بين العرب والفرس والترك والسود.

إن سقوط الحكم الاموي يعني سقوط العصبية العربية وبداية الانفتاح والتعادل بين القوميات المسلمة، فظهر في العصر العباسي دور الفرس والترك والسود والأكراد. وأخيراً جاء المغول والتتار غزاة ولكنهم سرعان ما دخلوا في الاسلام وأصبحوا واحدة من قوميات المسلمين. وعندما نتحدث عن الهواجس القومية في العصور العباسية لابد لنا من أن نستعرض حال القوميات التي يتكون منها.

أولاً - العرب

تواصلت مكانة العرب الرأسية في الدولة العباسية، ولم تكن العناصر الأخرى ترى في ذلك الا أمراً طبيعياً لا يثير لديها أي شعور بالحسد أو المنافسة، لأن العرب لازالوا بنظر الآخرين قطب المجتمع الاسلامي، ومهما اشتدت الخصومة بين الطرفين لا يمكنها أن تؤدي بغير العرب الى التفكير بـإسقاط العرب عن تلك المكانة. فمشاعر الفتح لدى العرب والانفتاح لدى غيرهم لازالت قائمة بين الطرفين، وهي تفرز اتفاقاً راسخاً على ذلك. ثم إن الثورة العباسية عربية القيادة، ولغة الدولة والمجتمع في العلوم والسياسة وكل شيء هي اللغة العربية. وفوق هذا وذاك أن أكثر فقهاء السنة اشترطوا في خليفة المسلمين الانتساب الى قريش، وكل ذلك يساعد على بقاء تلك المكانة محفوظة للعرب ولايسمح لغيرهم بـإلغائها.

غير أن هذه المكانة مرّت بأدوار مختلفة. فعندما كانت قاعدة الحكم العباسي في العصر الأول فارسية كان الخليفة العربي يمسك بزمام الامور بقوة ولا يتوانى عن ضرب هذه القاعدة كلما نزعت الى نفوذ أكبر من الحد المقرر لها، كما في أمثلة أبي مسلم الخراساني والبرامكة والفضل بن سهل في أزمان المنصور والرشيد والمأمون، ولم ينفصل آنذاك عن الدولة المركزية أي جزء منها الا خراسان التي انفصلت عن سلطة المأمون إثر قيام الدولة الطاهرية (٢٠٥ - ٢٥٩) وهي فارسية، وتغيّر الأمر تغيراً كلياً في العصر العباسي الثاني الممتد من عهد المتوكل الى آخر القرن الرابع الهجري حيث كان النفوذ الحقيقي فيه للترك والظاهري للخليفة العربي الذي أصبح اُلعوبة بأيدي قواده الاتراك، وإذا نظرت الى العرب في العصر العباسي الثاني والعصر الذي يليه وجدت كيانهم السياسي يتوزع بين عدة نقاط، فالامويون في الاندلس، والادارسة في المغرب، والدلفية في كردستان الايرانية، ودولة الحمدانيين في الموصل وحلب (٣١٧ - ٣٩٤هـ) والمرادسيون في حلب (٤١٤ - ٧٧٢) ودولة بني عقيل في ديار بكر والجزيرة - في الاراضي التركية (٣٨٦ - ٤٨٩هـ) ودولة المزيديين في الحلة (٤٠٣ - ٥٤٥هـ) [٢٠].

أما بغداد مركز الخلافة العباسية فقد بقيت طيلة هذه المدة أسيرة النفوذ التركي تارة والفارسي تارة أخرى، وليس للخليفة العباسي من أمره الا كما قال الشاعر في وصف الخليفة المستعين (٢٤٨ - ٢٥٢هـ):

خليفة في قفص *** بين وصيف وبغا

يقـول ماقالا لـه *** كمـا يقول الببغا

وحوادث القتل والاعتداء على الخلفاء العباسيين من قبل القادة الاتراك كانت من أبرز معالم ذلك العصر التعيس بالنسبة للعرب.

ومما يلاحظ أن العرب يرجعون الى أصولهم القبلية الأولى كلّما خلوا بأنفسهم، فالدولة الحمدانية كانت تغلبية بينما كانت المرداسية كلابية. والمزيدية في الحلّة كانت أسدية، ولم تحفل هذه الدولة بما يقتضيه الزمان من الشعور العربي الواحد وارتدّت الى الشعور القبلي القديم، فنجد الحمدانيين وهم أقوى تلك الدول يتعصبون لقبيلتهم ضد بني كلاب وبني عقيل جريا على العصبيات القديمة. كما نجد بقايا هذه العصبيات في شعر دعبل الخزاعي يفتخر فيه باليمن ويرد فيه على الكميت افتخاره بنزار في قصيدة من ٦٠٠ بيت. كما أن عقبة بن سالم والي عمان والبحرين قد فتك بالقيسيين تعصباً لقومه [٢١].

وربما أسهم العباسيون في تأجيج العصبيات القبلية التقليدية بين العرب، فنجد إبراهيم الامام لما وجه أبا مسلم الخراساني الى دعاته، ووصّاهم أن يسمعوا له ويطيعوا قاله له: "إنك رجل من أهل البيت، احفظ وصيتي، انظر هذا الحي من اليمن فأكرمهم وأسكن بين أظهرهم فإن اللّه لايتم هذا الأمر إلا بهم، واتّهم ربيعة في أمرهم، وأما مضر فإنهم العدو القريب الدار، اقتل من شككت فيه وإن استطعت أن لا تدع بخراسان من يتكلم بالعربية فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله" [٢٢].

وكانت العصبية بين اليمنية والقيسية في خراسان على أشدها، ويحدثنا الطبري أن المنصور استشار قثم بن العباس بن عبيد اللّه بن العباس في معالجة ما في نفسه من مخاوف من احتمال أن يقوم الجيش بحركة ضد الحكم، فأشار عليه قثم بن العباس أن يترك الامر له ليعالجه دون أن يعلم الخليفة بالأمر، فوافق المنصور على ذلك، وفي الغد أرسل قثم غلامه الى مجلس الخليفة وتواطأ على أن يطلب الغلام في المجلس من قثم أن يبيّن له أي الحيين أفضل اليمن أم مضر، وأن يصرّ على هذا السؤال وإن تظاهر قثم بضربه وشتمه ورفض سؤاله، وهذا ما حصل فعلاً حيث أجاب قثم غلامه بعد رفض وضرب وشتم والغلام يتوسل به ويصرّ عليه بالاجابة، وكانت إجابة قثم بتفضيل مضر على اليمن، الأمر الذي أثار الحزازة التقليدية بين الطرفين، وعلى أثر ذلك افترق الجند فصارت مضر فرقة واليمن فرقة والخراسانية فرقة وربيعة فرقة، فالتقى قثم المنصور وأخبره بنجاح الخطة وأشار عليه بضرب كل فرقة بالاخرى عندما يلزم ذلك [٢٣]. على أن القدر الأكبر من تلك العصبيات تم تصديره الى الأندلس التي شهدت مهرجان العصبيات العربية المهاجرة من شروق الاندلس وحتى غروبها.

ثانياً - الفرس

وهم قاعدة الدولة ومحورها في العصر العباسي الاول. ومال العباسيون اليهم كثيراً، وربما تأزّمت علاقتهم مع الخليفة أحياناً إلا أنهم استطاعوا عبور هذه الازمات والعودة الى موقعهم السابق بسرعة، ومن معالم الميل العباسي الى الفرس أن نجد أكثر ولاة المنصور من الموالي. وذات مرّة تعرّض رجل للمأمون، وقال له: يا أمير المؤمنين انظر لعرب الشام كما نظرت لعجم أهل خراسان [٢٤].

وفي مطلع حكم العباسيين أخذت القبائل العربية تتنادى ضد الخطر الفارسي القادم عليه، لكن أبا مسلم الخراساني عرف كيف يفتت هذه الدعوة ويمحو أثرها.

وربما دفعهم شعورهم بالقوة في هذا العصر الى الاستغلاظ في دعوتهم القديمة الى التسوية مع العرب، وهي دعوة تفاوت فيها الموالي بين مُطالب بالمساواة مع العرب على أساس الاسلام وطامح الى الافضلية عليهم. وكانت هذه الدعوة قد نشأت كاحتقان في النفسية الفارسية بسبب المواقف الاموية ضدهم، وزاد سعير هذه الدعوة عندما قوبلت بالاتهام بالزندقة وبمزيد من القتل، فكانت النتيجة اشتداد الشعوبية وارتداد بعض دعاتها الى الجاهلية الفارسية.

تواصل النفوذ الفارسي في الحقبة الاولى منه ثمانية عقود ونصف من الزمن، وبعدها انتقل النفوذ فجأة الى الاتراك الذين أدخلتهم مصاهرة الرشيد لهم بأم المعتصم التاريخ الاسلامي من حيث لا يتوقعون، لكن هذه الطفرة التي وفّرها الحظ السعيد لهم عن طريق أم المعتصم التركية وبسبب الصراع العربي الفارسي الذي بلغ ذروته تحت رداء الولاء للأخوين المتناقضين، الامين ذي الام العربية والوزير العربي وهو الفضل بن الربيع والمأمون الذي كانت أمه فارسية ووزيره فارسياً أيضاً وهو الفضل بن سهل، وأخيراً تعصب الفرس للعباس بن المأمون حيث طرحوه خليفة بدلاً عن المعتصم، فأراد الاخير الانتقام منهم بإلغائهم من الخارطة السياسية والمجيء بالعنصر التركي بدلاً عنهم. هذه الطفرة أفقدت الترك توازنهم فجعلوا الخليفة بيدهم ألعوبة يأمرونه فيأتمر ويقتلونه متى شاؤوا. فتفككت الدولة العباسية وظهرت الدويلات في أطرافها، وكان للفرس منها حصة كبيرة. فالصفارية في فارس (٢٥٤ - ٢٩٠)، والسامانية في فارس وما وراء النهر (٢٦١ - ٣٨٩)، والزيارية في جرجان (٣١٦ - ٤٣٤)، وبنو بويه في الديلم ثم بغداد حيث اخضعوا الخليفة لسيطرتهم (٣٢٠ - ٤٤٧هـ). وفي هذا الظرف ضعفت العصبية بين العرب والفرس، و

من ذلك اتفاقهم على ترشيح العباس بن المأمون خليفة بدلاً عن المعتصم غداة تقريبه الاتراك على حسابهم، لكنهم لم يتركوها نهائياً، فالحمدانيون كانوا يصارعون الفرس البويهيين على بغداد.

ثالثاً - الترك

في سنة ٢٢٠هـ استقدم المعتصم الاتراك وجعلهم عكازاً لحكمه حتى بلغت عدّتهم ١٨ ألف مملوك، ومنذ ذلك الوقت لمعت أسماء أشناس وبغا ووصيف وابن طولون وغيرها في التاريخ الاسلامي، وكان من أثر ذلك ازدياد الغضب العربي عليهم وعلى المعتصم معاً، حتى أخذت تظهر العرب على المعتصم، ولكن لما اُسقط ما بأيديهم كانت النتيجة ازدياد نفوذ الاتراك حتى كتب المعتصم الى واليه في مصر بقطع العطاء عن العرب [٢٥].

وسار المتوكل على الاتجاه ذاته حتى كان مقتله بأيدي الاتراك، فكانت تلك سابقة ألحقت بمركز الخلافة ضعفاً شديداً وأرست للاتراك قاعدة قوية في العالم الاسلامي، فكان حكمهم يتمثل في مصر والشام بالطولونيين والاخشيديين، وفي أفغانستان والهند بالغزنويين، فضلاً عن العراق.

رابعاً - السود

وبرز دور السود في العصر العباسي أكثر مما كان عليه في السابق، ذلك أن معارضتهم للحكم الاموي شجعتهم على المشاركة في الحركة العباسية حيث كان جيش أبي مسلم الخراساني يضم فرقة من السود، ولكنهم وفي غمرة شعورهم السعيد هذاخرجت امرأة تنادي أحد القادة العرب في الجيش: "أما تأنف للعربيات المسلمات أن ينكحهن الزنوج؟ " فما كان من الغد إلا أن أحصاهم عداً فوجدهم أربعة آلاف وأمر بقتلهم جميعاً بسيوف الخراسانية [٢٦].

وكان من نتائج العصبية العربية ضد السودان أن وجدوا في نظرية الخوارج الداعية الى إعطاء الحكم لكل مسلم وإن لم يكن قرشياً، المبدأ الافضل لهم، فاعتنقوه، كما نجح الخوارج في عام ١٤٠هـ في تأسيس دولة مستقلة في الجنوب الغربي من المغرب وهي دولة بني مدرار وعاصمتها سلجماسة كان مؤسسها زنجي أسود اسمه عيسى بن يزيد الاسود.

وقد استطاع الاسلام أن يحقق للسود فرصة الوصول الى الحكم على يد كافور الاخشيدي وقيام الدولة الاخشيدية في مصر، وقد ذكر عن كافور هذا أنه كان عبداً مخصياً مثقوب الشفة السفلي بطين قبيح القدمين، ثقيل البدن، وكان بنو عياش من أهل مصر يستخدمونه في مصالح السوق، وكان يُربط عندهم من رأسه عند النوم، فاذا أرادوا منه حاجة ضرب بالحبل، لأنه لم يكن ينتبه بالصياح، ولكنه لما صار حاكماً صار كل عبد يرى نفسه أفضل من سيّده، وهذا إن دلّ على شيء فإنما يدلّ على شدة الامتزاج والاختلاط بين القوميات والاجناس في المجتمع الاسلامي [٢٧].

وكما كان للسود في هذا العصر دولة يعبّرون من خلالها عن ذاتهم المضطهدة كان لهم أيضاً ثورة هي ثورة الزنج التي استمرت ما بين عامي ٢٥٥ - ٢٧٠هـ وسيطروا أثناءها على أبادان والابلّة وأهواز والبصرة ورامهرمز وواسط. وكانوا يتركزون في البصرة والاهوار المحاذية لها، وكانوا يعيشون وضعاً اقتصادياً متردياً وعزلة اجتماعية قاسية، وقد رفعوا في مواجهة العصبية العربية جملة من النصوص الدينية شعاراً لهم كآية: (إنما المؤمنون إخوة) والحديث الشريف "شر الناس من أكل وحده ومنع رفده وضرب عبده"، وكانت فكرة الثورة مختمرة لديهم جميعاً ولا ينقصهم سوى القائد الذي يستطيع أن يجمعهم من حوله، وأخيراً تهيأ لهم هذا القائد وهو محمد بن علي المعروف بصاحب الزنج. وقاد ثورتهم انطلاقاً من البصرة ثم شملت المناطق المحيطة بها، وقد عجز الحكم العباسي عن السيطرة عليها فاستمرت ١٤ عاماً حتى تغلب عليها أخيراً الموفق العباسي وقتل صاحب الزنج.

هذه هي العصبيات الرئيسية التي تقاسمت الساحة الاسلامية آنذاك وحولتها الى ميادين للحروب والصراعات التي ماكادت سنة تخلو منها، وكان أحياناً ينضم طرف الى آخر في سبيل مواجهة طرف ثالث. وقد ظهرت الى جنبها عصبيات صغيرة أخرى كالاكراد ودولتهم الحسنوية في كردستان، والمولدين - ابناءالعرب من الاعجميات - والروم.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - باحث عراقي.

٢ - حياة الامام الحسين / ج ١ / ص نقلا عن شرح النهج ٢ / ٢٩٧.

٣ - ثورة الحسين / ص ٧٥.

٤ - المصدر نفسه / ص ٩٠ - ٩٣.

٥ - ثورة الحسين / ٧٧ نقلاً عن تاريخ التمدن الاسلامي جرجي زيدان ٤ / ٧٤ - ٧٥.

٦ - المصدر نفسه / ٩٥ - ٩٦.

٧ - المصدر نفسه / ٩٦ - ١٠١، ٨٩.

٨ - أشارت الى هذا الصراع المحتدم معظم المؤلفات والمصادر التي تناولت تاريخ الاندلس وشمال أفريقيا.

٩ - فجر الاسلام / ٢١٣ - ٢١٤.

١٠ - حياة الامام الحسين / ج ٢ / ص ١٣٥.

١١ - ثورة الحسين / ١٠٢.

١٢ - حياة الامام الحسين / ج ٢ / ١٣٦.

١٣ - ثورة الحسين / ١٠٣.

١٤ - الدولة العربية الاسلامية / ٢٥٩.

١٥ - المصدر نفسه / ٢٦٢.

١٦ - الحجرات / ١٣.

١٧ - العقد الفريد، ج ٣، ١٢٣ - ١٣٣.

١٨ - السود والحضاره العربية / ١٩١ - ١٩٨، ٢٥٤.

١٩ - المصدر نفسه / ص ٢٥٤.

٢٠ - ضحى الاسلام، ج ١، ٢١.

٢١ - ضحى الاسلام، ج ١، ٢١.

٢٢ - النزاع والتخاصم / ٩٥.

٢٣ - تاريخ الطبري، ج ٩، ص ٢٨١ - ٢٨٢.

٢٤ - ظهر الاسلام، ج ١، ص ٣.

٢٥ - المصدر نفسه / ص ٨.

٢٦ - السود والحضارة العربية / ١٤٥.

٢٧ - المصدر نفسه / ص ١٧٨.



[ Web design by Abadis ]