ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العقل في التراث الاسلامي \ الاستاذ عز الدين وهدان

«ملخص»

هذه المتابعة تشكل قراءة مكثفة لموضوع العقل، وفق المفهوم الإسلامي السلفي، مع مناقشة موضوعية يسيرة للمفهوم المعتزلي والفلسفي داخل دائرة التراث الفكري الإسلامي، ولم تتطرق إلى الفلسفات الغربية الحديثة، أو اليونانية التي أطالت البحث في ميدان العقل فضلّت وأضلّت، فالهدف هو توصيف الفكر الإسلامي، الذي بينه الإسلام، وخاطبه القرآن الكريم، بمعزل عن الجدل المنطقي والفلسفي حول ماهية العقل وأقسامه وأنواعه.

* * *

مفهوم العقل

يدور المعنى اللغوي لكلمة «عقل» في أغلب المعاجم العربية - وغير العربية - حول معان، هي: الربط، والضبط والإمساك، والحفظ [١] وهذا هو المعنى الحسي المادي للكلمة وكثير من جزئياته تتوفر في العقل البشري، فهو يحفظ صاحبه، ويمنعه مما يضره، وبه يضبط أموره ويفهمها، ويميز بين السقيم والسليم وقد اختلف الناس في تحديد مكان العقل في الجسم، أهو في الرأس؟ أم في القلب؟ أم في سائر الجسد [٢]؟ .

وقد تعددت التعريفات الاصطلاحية للعقل تعدداً كبيراً تبعاً لكثرة المتحدثين في ذلك من الفلاسفة وأهل الفرق المختلفة فجاء كل تعريف حاملاً معتقد قائله، ومن أشهر تعريفات العقل أنّه:

١ - «قوة غريزية للنفس تتمكن به من إدراك الحقائق، والتمييز بين الأمور» [٣].

٢ - «جوهر مجرد عن المادة في ذاته مقارن لها في فعله، وهي النفس الناطقة، أو هو جوهر روحاني خلقه الله متعلقاً بالبدن» [٤].

٣ - «القوة المدركة في الإنسان، وهو مظهر من مظاهر الروح محله المخ، كما أن الإبصار من خصائص الروح آلته البصر» [٥].

ولا خلاف في أن العقل نعمة منّ الله بها على الإنسان ليعرف حقائق الأمور، ويفصل بين الحسن والقبيح. لا نستطيع إدراك حقيقتها أو كنهها وإنّما نعرفها بما دل عليها من أفعال وتصرفات، يتضح من خلالها أن هذا كامل العقل أو ناقصه أو راجحه أو لا عقل له.

ويقسم فلاسفة العرب العقل إلى نوعين: غريزي، ومكتسب [٦] … فأما الغريزي فهو العلم بالمدركات الضرورية، واستعداد النفس لتقبل النظريات واكتسابها، وهذا ما يسميه بعضهم «العقل بالملكة» [٧] وأما المكتسب أو المسموع، فهو نتيجة اكتساب النظريات واختزانها في العقل الغريزي فالعقل الغريزي، هو الأصل الذي خلقه الله، والمكتسب هو الفرع الذي تم ونما بوجود الأصل، فإذا اجتمعا قوى كل منهما صاحبه [٨]. والغريزي هو مناط التكليف وسببه، فإن فقد فلا تكليف، وبه سمي الإنسان عاقلاً، وتميز عن سائر المخلوقات، والمكتسب هو مكان المدح والذم، أو إن المدح والذم يقعان على أثره، «فكل موضع ذمّ الله فيه الكفار بعدم العقل فإنه يشير إلى المكتسب دون الغريزي» [٩]. وهناك تقسيم آخر للعقل وهو: عقل نظري وعقل عملي [١٠] وهذا اختلاف في التسمية فقط، أم المعنى فيتفق مع التقسيم السابق، فالنظري يساوي الغريزي، والعملي يساوي المكتسب وقد وردت تفسيرات وتقسيمات وتعريفات كثيرة عند الفلاسفة امتزجت بالمفهوم اليوناني الوثني، وانحرفت عن المفهوم الإسلامي للعقل، ولا يتسع المجال لحصرها هنا [١١].

والذي نخلص إليه أن العقل ملكة وغريزة فطرية مدركة وهبها الله سبحانه الإنسان وميزه بها، يستطيع عن طريقها التصديق والتصور البديهي للأمور الضرورية، وتصقل هذه الغريزة، وتتسع مداركها بما تتلقاه من علوم وتجارب في الحياة.

العقل في الكتاب والسنة

يخاطب القرآن الكريم الإنسان بوصفه كائناً عاقلاً، متميزاً عن غيره بهذه الصفة التي من خلالها يفرق بين الخير والشر، والحق والباطل، ويعرف ما يضره وما ينفعه عن طريقها ولم ترد آية في القرآن الكريم تعين العقل وتبين ما هو، وإنّما الذي ورد في مواضع كثيرة هي مشتقات العقل، ووظيفته، وعمله، من مثل (تعقلون، يعقلون، عقلوه، تعقل…. ) وقد بلغت تسعة وأربعين موضعاً [١٢].

ومن تلك الآيات: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينزل من السماء ماءً فيحيي به الأرض بعد موتها. إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون﴾ [١٣]، ﴿كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تعقلون﴾ [١٤]، ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾ [١٥]، ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾ [١٦]، وهناك آيات أخرى لم تذكر مشتقات العقل، وإنّما ركزت على وظائف العقل، كالتذكير، والتفكير، والنظر، والفقه، والتدبر، ونحوها، من مثل قوله تعالى: ﴿… قل هل يستوي الأعمى والبصير أفلا تتفكرون﴾ [١٧]، وقوله: ﴿… انظر كيف نصرف الآيات لعلهم يفقهون﴾ [١٨]، وقوله: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [١٩].

فالآيات هذه وغيرها تدعو دائماً إلى التعقل، أي توظيف العقل، والاستفادة منه فيما يفيد صاحبه، ولم يتوجه القرآن الكريم إلى بيان معنى العقل أو ماهيته، وإنّما كان الخطاب القرآني منصباً على توضيح أهمية العقل في كونه وظيفة تساعد الإنسان على التذكر، والتفكير، والنظر، والتدبر، ثم الخروج بنتيجة واحدة، وهي الإيمان بالله الواحد القهار، لأن العقل السليم لابد أن يهتدي إلى هذا.

وورد في التفسير أن كلمة «القلب» في القرآن الكريم لها ارتباط بالعقل، كما في قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [٢٠]، وقوله: ﴿إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد﴾ [٢١]. فقد فسر ابن عباس «القلب» في الآية الثانية بالعقل: وذلك لأن العقل قوة من قوى القلب وخادم من خدامه، وبه قال الليث: لأنه يعقل بالقلب فكنى عنه، وكذا قال مجاهد [٢٢]. والقلب ليس الجهاز المعروف لضخ الدم، إنّما هو اللطيفة المدركة التي وضعها الله في الإنسان، لتكون موضع أعمق الأفكار، وأصدقها، وأوثقها [٢٣].

وورد في القرآن الكريم مرادفات للعقل: كالحجْر، والفؤاد والنُهى، واللبّ، والحلم، وأسند إليها شيء من وظائف التعقل، من النظر والتفكير والذكر والتذكير، ونحوها، مما يدل على أن من اتصف بها قد اكتمل عنده العقل فأدرك حقيقة وجوده في هذا الدنيا، وفهم طبيعتها، ويستعين على هذا الإدراك بحاستي السمع والبصر، قال تعالى: ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون ﴾ [٢٤]، وقال: ﴿ومنهم من يستمعون إليك أفأنت تسمع الصمّ ولو كانوا لا يعقلون. ومنهم من ينظر إليك أفأنت تهدي العمي ولو كانوا لا يبصرون﴾ [٢٥]. وهذه الحواس تعضد العقل وتساعد في معرفة المحسوسات والمشاهدات في عالم الشهادة، في حين ينفرد العقل بمعرفة عالم الغيب [٢٦]. وهكذا يكون السمع والبصر طريقين من طرق التعقل التي تنتهي بالإنسان إلى المعرفة العقلية المنشودة.

من كل ما سبق نرى أن القرآن الكريم يتحدث عن العقل في مقام التعظيم، والتنبيه إلى وجوب العمل به، وكرر الحديث عنه في أطواره ووظائفه المختلفة، فعمّ الخطاب القرآني كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة، أو وظيفة عقلية [٢٧]. والهدف دائماً هو توظيف العقل والاستفادة منه في الخروج بنتيجة واحدة، هي الإيمان التام بالخالق المتفرد بالجلال والعظمة، عندما يجب إفراده بالعبادة والخضوع له، وعدم عصيانه في أي حال من الأحوال.

أما السنة النبوية الشريفة فلم يرد فيها لفظ العقل إلا في حديث النبي - صلى الله عليه وآله - إلى النساء عندما قال: «…. ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن؟ قلن وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان عقلها أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم؟ قلن: بلى، قال: فذلك من نقصان دينها» رواه الشيخان، واللفظ للبخاري [٢٨] ويتداول الناس أحاديث كثيرة مفادها أن العقل أو المخلوقات و «لا أصل لشيء منها، وليس في رواتها ثقة يعتمد» [٢٩]. وقد نص ابن تيمية على أن حديث «أول ما خلق الله العقل» كذب موضوع [٣٠]، وعلى الرغم من ذلك يصرّ أحد الباحثين (٣١)، على أن أحاديث العقل كلها صحيحة، لأن علماء الفقه من السنة قد بالغوا في حملتهم على أحاديث العقل، خوفاً من أن ينساق الناس خلف العقل وحده (٣٢). ويرى أن تلك الأحاديث تتفق مع روح الآيات القرآنية، وتشرحها بطريق غير مباشر (٣٣). ويسوق عدداً من الملاحظات يؤيد بها رأيه، ولكنها لا تستقيم في دفع الوضع، أو الضعف على الأقل عن تلك الأحاديث (٣٤). والذي نراه أن السنة الشريفة وإن لم يصح فيها أحاديث كثيرة جاءت بلفظ العقل

، إلا أنها لا تتجاوز المفهوم القرآني، فهي تجعل العقل الذي هو مناط التكليف أساساً في القيام بالواجبات والانتهاء عن المحرمات، وهذا مستفاد من حديث «رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتّى يستيقظ، والمجنون حتّى يفيق، والصغير حتّى يبلغ» (٣٥) فالمجنون الذي فقد عقله، ولم يعد يفرق بين الصواب والخطأ، سقط عنه التكليف، وأقواله وأفعاله لا يتعلق بها حكم شرعي، ولا ثواب ولا عقاب (٣٦). وهنا تأكيد على العقل النظري، أو المطبوع الذي يتميز الإنسان بوجوده عن سائر المخلوقات أما حديث «ما رأيت من ناقصات عقل ودين…» فيدل على أن عقل المرأة فيه نقص عن عقل الرجل في بعض الوظائف كالتذكر - مثلاً - فالحديث يشير إلى أن شهادة المرأتين تعادل شهادة رجل واحد وقد علل ذلك بأن المرأة سريعة النسيان، فتذكرها الأخرى كما في آية الدين ﴿… أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى…. ﴾ (٣٧)، أما العقل من حيث هو مناط التكليف فلا خلاف في أنّه غير مراد في هذا الحديث، وإلا لما خوطبت المرأة بالشرع كما في حديث رفع القلم.

وظيفة العقل

لأي شيء خلق الله العقل؟ وما الوظيفة التي يؤديها في حياة الإنسان؟ … إن كل ما في الإنسان وجد ليؤدي، ويقوم بوظيفة جليلة في حياة هذا الكائن العجيب، والعقل من أعظم ما أودعه الله الإنسان وامتن به عليه، بل إنه الميزة الكبرى التي انفرد بها عن سائر المخلوقات… وهذه الميزة جعلها الله طريقاً للاختبار والابتلاء والاختيار، فقد كان الخطاب القرآني منصبا على العقل طالباً منه أن يتحرك، ويجمع كل طاقاته، ويسخرها في طريق الإيمان بالله وحده لا شريك له.

وعلى هذا الأساس نجد أن الإسلام في دعوته الكبرى قد أعطى العقل أهمية كبيرة، وذلك حينما اعتنى بالعقل في نقاط كثيرة لعل من أهمها:

١ - الاعتماد على الإقناع العقلي، وذلك عن طريق توجيه العقل إلى التفكير والتدبر في القرآن الكريم: ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها﴾ [٢٨]، والتفكير في مخلوقات الله وملكوته ودقة هذا الخلق وعظمته، وعرض قصص الماضين الهالكين لأخذ العبرة والعظة ﴿قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين ﴾ (٣٩)، والدعوة إلى النظر في الدنيا ومتاعها الزائل. هذه الأمور متى أعمل الإنسان عقله فيها، انتهى إلى المنهج الصادق الذي يصلح به نفسه وحياته (٤٠).

٢ - عدم إجبار الإنسان على اعتناق الإسلام، بل أعطى العقل حريته الكاملة ليختار الكفر أو الإيمان ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…. ﴾ (٤١)، ولا يكره الناس على الإيمان إن لم يقتنعوا بالإسلام (٤٢) ﴿… أفأنت تكره الناس حتّى يكونوا مؤمنين﴾ (٤٣).

٣ - ذمّ التقليد والتعصب الأعمى، وعدم إعمال العقل فيما يفعله الإنسان (٤٤).

﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون ﴾ (٤٥).

٤ - الأمر بالتعلم، لأن العلم يغذي العقل كما يغذي الطعام الجسم، ومن هنا أصبح للعلماء في الإسلام منزلة كبيرة ﴿…. يرفع الله الّذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات…﴾ (٤٦) لأنهم يعبدون الله عن فهم عميق واقتناع ويقين ﴿…. إنّما يخشى الله من عباده العلماء﴾ (٤٧).

٥ - الاعتماد على العقل فيما لا نص فيه، وهو ما يعرف بالاجتهاد، كما ورد في قول النبي - صلى الله عليه وآله - لمعاذ لما بعثه إلى اليمن قاضياً: «كيف تقضي؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي ولا آلو، فضرب رسول الله على صدره، وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله» (رواه أحمد وأبو داود والترمذي والدارمي) (٤٨).

ولكن هذا الاجتهاد مقيد في ميدان الشريعة بضوابط معينة، وسنشير إليها لاحقا.

٦ - المحافظة على العقل مما يؤثر عليه، أو يغطيه، أو يزيله، فحرّم الإسلام الخمر والمسكرات بأنواعها، وجعل الدية كاملة على من تسبب في زوال العقل من إنسان ما (٤٩).

وعندما ننعم النظر في القرآن الكريم نجده يعمّ وظائف العقل المختلفة، ويبين دورها في تحصيل المعرفة بما يخدم منهجه في دعوة جميع الناس إلى عبادة الله وحده في شمولية منهجية مع مراعاة تغير الأحوال والمواقف (٥٠)، فيدعو إلى التعقل، عن طريق النظر أو الاستنباط، أو الرؤية والمشاهدة.

ويبرز القرآن الكريم أهمية التفكر، وما يحتاج إليه من الحواس، واليقظة والدقة في الاستنتاج ﴿أو لم يتفكروا في أنفسهم، ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى…. ﴾ (٥١).

ويركز على أن التدبر يدل على الفهم العميق الذي ينتج عنه العلم الذي يدعو إلى الالتزام، ويكاد يكون محصوراً على تدبر القرآن الكريم وآياته (٥٢) ﴿أفلا يتدبرون القرآن. ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيرا﴾ (٥٣). والنظر طريق عقلي اعتمد عليه القرآن الكريم كثيراً، لينبه الناس إلى حقيقة الكون والحياة، فوجههم إلى النظر في عاقبة الأمم الماضية التي حادت عن الطريق المستقيم، ولفت أنظارهم إلى الآيات الكونية ليزدادوا إيماناً ﴿قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فأنظروا كيف كان عاقبة المكذبين﴾ (٥٤)، وهنا تجتمع الرؤية البصرية مع النظر العقلي لتنتج عنها معرفة عقلية تحدوها الفطرة السليمة (٥٥).

ويؤكد القرآن الكريم على الفقه، وأنه المعرفة الحقيقية والفهم الخالص، فهو أعمق وظائف العقل، فكأنه يدل على العلم المستقر عند الشخص من خلال فهم آيات القرآن (٥٦)، قال تعالى: ﴿ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقراً…. ﴾ ٥٧ - ٥٨، وقال: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم…. ﴾ (٥٩).

ولقد كان الكون ونظامه والقرآن الكريم، هما الإطار المرجعي الذي اعتمد عليه العقل في نص القرآن، فقد وجه القرآن أنظار الناس إلى الكون الواسع لتنبيه عقولهم إلى أن النظام السائد فيه دليل على وجود خالق صانع له، وأن هذا الخالق سبحانه لا يمكن أن يكون له شريك، وإلا حصل التنازع بينهما وفسد النظام وانهار العالم ﴿لو كان فيهما آلهة إلاّ الله لفسدتا فسبحان الله رب العرش عما يصفون﴾ (٦٠)، وكذلك نبه إلى أهمية القرآن الكتاب المعجز الذي هو آية محمّد - صلى الله عليه وآله - التي كانت أكبر تحد لقوم تعد اللغة والبيان أفضل ما تميزوا به … إذن الكون والقرآن متساويان من حيث الدلالة، فالكون دليل على وجود الخالق جل وعلا، ودليل على وحدانيته، والقرآن دليل على نبوة محمّد - صلى الله عليه وآله - وصدق رسالته (٦١).

الإسلام وحرية العقل

من هنا فإنه يمكن القول أن الدين الإسلامي هو أفضل دين أعطى العقل حريته، وأطلق مجاله دونما حجر عليه، أو تضييق، فانطلق العقل - بأمر من القرآن الكريم - يبحث ويتساءل لمعرفة الحقيقة الكونية، أو الحقيقة الإلهية، وكلن هذا العقل يجب ألا يساء استعماله، من حيث منطق الجدل، أو من حيث حدود البحث. وهنا يجب الوقوف على طبيعة العقل البشري، ومعرفة إمكانياته وحدوده وقيوده (٦٢).

ومهما أوتي العقل من الطاقة الإدراكية فإنه يبقى عاجزاً عن تناول كثير من الحقائق، وإذا حاول الخوض فيها أدى به الأمر إلى التخبط، والزلل، والضياع الفكري، لذا أمر الإسلام بالامتثال للأمر الشرعي الصريح، حتّى وإن لم تدرك الحكمة منه، ومنع الإسلام العقل من الخوض فيما لا يمكن إدراكه كالذات الإلهية، والروح وماهيتها (٦٣).

ولقد «جعل القرآن الكريم الكون مجالاً فسيحاً للمعرفة العقلية، محسوسة ومعقولة، وإن قدر للعقل عجزه عن الدخول إلى كنه الأشياء الكونية مما لا يعلمه إلاّ الله، وجعل في مجال العقل أن يستدل من خلال قوانين عالم الشهادة على وجود عالم الغيب، وترك تفصيلات عالم الغيب مجالاً لطريق آخر للمعرفة هو طريق الوحي» (٦٤).

إن العقل يتعامل مع الكون الذي يعيش فيه وهو مزود بالحواس التي تفتح له الآفاق الواسعة لمعرفة عالم الشهادة فيدرك المحسوسات ويحكم بوجودها ونهايتها، وهو لا يقف عند حدود المحسوس بل ينظر فيما يقف وراءه من معنويات وقوانين عقلية في عالم الشهادة، ثم يسلم بعد ذلك بأن هناك ما يقف فوقها من عالم غير مشاهد ليس في مقدور العقل إنكاره (٦٥)، وعالم الشهادة ميدان فسيح لعمل العقل، والكون كله مسخر له ليبحث فيه وينظر، قال تعالى: ﴿…. وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار. وسخر لكم الشمس والقمر دائبين وسخر لكم الليل والنهار﴾ (٦٦)، وقال: ﴿وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعاً منه…. ﴾ (٦٧) والنظر العقلي الذي تطلبه هذه الآيات وغيرها من الآيات التي تخاطب العقل هو النظر الهادف إلى معرفة الله معرفة حقة، وأنه الخالق لهذا الكون والإنسان، وخالق كل شيء ومن ثم تجب عبادته، وحده لا شريك له.

أما عالم الغيب الذي يستدل عليه العقل عن طريق معرفته الحقيقية بعالم الشهادة، فلا مجال للعقل في تفصيلاته، ولا قدرة له في ذلك، فإنه مرتبط بعالم الشهادة، وما يكون من نمو عقلي للإنسان وتمكن في حواسه إنّما هو محصلة معرفة واقعية محسوسة لعالمه المشاهد ﴿والله أخرجكم من بطون أمهاتكم لا تعلمون شيئاً وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون﴾ (٦٨)، لكن هذه المعرفة العقلية نتجت عنها ضرورة عقلية بوجود عالم الغيب، وما عالم الشهادة إلاّ أثر له، وبعد ذلك لا يستطيع العقل تقديم تفاصيل ذلك العالم، عندها تكون الحاجة ماسة لطريق آخر وهو الوحي والنبوة، وهي كذلك يسلم العقل بوجودها وإثباتها عن طريق النظر العقلي، ويكون دور العقل هنا التلقي والفهم الصحيح للنصوص القادمة عن طريق الوحي (٦٩)، ولا يتصور وجود تعارض بين العقل السليم والوحي، لأن الوحي منهج الله، والعقل خلق الله، فلا يمكن تصادمهما. ولكن لما كان العقل البشري محدوداً جزئياً، يعتمد على الاستقراء، وتراكمات الخبرة السابقة لإدراك مسيرته وسبل أدائه، كان من الضروري أن يأتي الوحي ليمده بالمدركات الضرورية التي لا يستطيع فهمها (٧٠) وعلى هذا الأساس فقد يتأثر العقل بعوامل التربية والبيئة

، فتختلط عنده المفاهيم فلا يستطيع التمييز بين الخير والشرّ، وإن كان مفطوراً على معرفتها… وهنا يجب تدخل الوحي لبيان العقيدة والتشريع والأخلاق، فيسلم العقل للنص الشرعي الصحيح، ويقبله وإن لم يدرك الحكمة الظاهرة منه، ويبقى الوحي الإلهي هو المصدر الأول في مجال العقيدة والتشريع (٧١).

العقل بين منهج السلف ومنهج غيرهم

لعلّ في حديثنا السابق بياناً للمنهج السلفي المعتدل، الذي يؤمن بالعقل مصدراً من مصادر المعرفة، ولكن لا يغالي فيه، ولا يرفعه فوق قدره الذي وضعه الله فيه، فيعرف أن هذا العقل نعمة أنعم الله بها على الإنسان، ليستعين بها على التحكم في أمور حياته، وينطلق من خلالها لإعمار الأرض التي جعله الله فيها خليفة ونعلم أن هذا العقل قاصر عن إدراك حقائق كونية، وأمور غيبية، فلا مجال له فيها، وعليه بالالتزام بالوحي السماوي. ولقد رأينا في الموضوعات السابقة أن القرآن الكريم يدعو إلى توظيف العقل والاستفادة منه في مجال الإيمان بالله وحده لا شريك له، وهذا الأمر وغيره من أمور العقيدة يعجز العقل أن يستقل بمعرفتها، فلابد من الوحي الإلهي ليهديه ويرشده.

ويتمثل موقف العقل السلفي في مجال العقيدة فيما يلي:

الاعتماد على الفطرة التي فطر الله الناس عليها، التي هي أساس الدين، لأنها تلجئ صاحبها إلى البحث عن الحق والالتزام به ﴿فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾ (٧٢)، فالفطرة تعني الإسلام كما هو مشهور في تفسير هذه الآية عند جمهور السلف (٧٣)، فلذلك سمي الإسلام «دين الفطرة»، لأن الإنسان منذ خلقه الله مفطور على الإيمان بأن له خالقاً تجب عبادته وحده، ولكن مؤثرات البيئة تعرض له فتغير اتجاهه، وتطفئ نور الفطرة عنده، كما يدل على ذلك الحديث المشهور «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» (رواه البخاري ومسلم) (٧٤)، وعندما يصيب هذه الفطرة ما يمنعها يتجلى دور الأدلة العقلية التي ورد بها الوحي في إيقاظها وتنبيهها إلى الحق، ويقف العقل أمام ما عرضه الوحي من قضايا عقيدية موقف المتلقي لها بوصفها هبة من الله، ويفهمها بقدر الطاقة البشرية، دون الإغراق في تعقل حقائقها، وتكييفها مما لا فائدة للعقل منه، بل يكون سبباً في ضلال الكثيرين (٧٥).

أما مجال العقل في ميدان التشريع فيتحدد بما يلي:

* المعرفة الفطرية بالحسّ والقبح في الأفعال على سبيل الإجمال، أما التفصيل فمصدره الوحي، وعلى هذا يسهل تلقي التشريع الموحي به الله تعالى الذي يخاطب الفطرة المتفقة معه اتفاقاً تاماً (٧٦).

* الاجتهاد، وهو إيجاد أحكام للقضايا المستجدة وفق ضوابط معينة من خلال دلالة النصوص الشرعية، وذلك باستخراج الحكم الشرعي من النص، ثم تطبيق هذا الحكم على الحياة البشرية، ولا يتصدّى لهذا العمل إلا المتميزون الّذين حدد السلف شروطهم وصفاتهم، فمن أهم ما يتصف به المجتهد: العلم بالعربية، والتعمق في علوم القرآن والسنة، والوقوف على التراث الفقهي والأصولي، ومعرفة مسائل الحياة العملية، وظروفها، وملابساتها، إلى غير ذلك من الشروط مما نراه مبثوثاً في كتب أصول الفقه (٧٧).

وهنا نرى أن العق اتسع مجاله أكثر منه في ميدان العقيدة، فانطلق في باب الاجتهاد، ليوجد بعض الأحكام الجديدة، ولكن ينبغي أن نعلم أن الاجتهاد ليس عملاً حرّاً، يفعل فيه العقل ما يشاء، ويشرع ما يشاء فالاجتهاد في مفهومه الإسلامي ما هو إلا «فهم للشريعة، وتفريغ لما جاءت به، وتطبيق لهذه الأحكام المستقاة من الشريعة على الحياة البشرية» (٧٨). ولا يمكن أن يستقل العقل الإنساني بالتشريع للحياة من خلال سنّ نظم الأخلاق والعبادات والمعاملات، لأنه عاجز عن الوفاء بشروط يجب توفرها عنده حتّى يكون مؤهلاً لتلك المهمة، وهذه الشروط هي (٧٩):

١ - العلم بحقيقة الإنسان وتكوينه الروحي والجسدي معاً.

٢ - العلم بحقيقة الشرّ والخير جملة وتفصيلاً.

٣ - العلم اليقيني بما ستكون عليه الحياة البشرية مستقبلاً.

٤ - تحرر العقل من قيود التأثر بالمؤثرات الخارجية.

ولا يتصور وجود هذه الشروط الأربعة في أي بشر كائناً من كان، فهذا مما اختص الله به فلا يدرك إلا عن طريق الوحي.

تلك كانت النظرة السلفية للعقل ووظيفته، أما غير السلف فقد تفرقوا، وتاهت بهم الطرق، فمنهم من عطل العقل بالكلية، ومنهم من غالى فيه وجعله المصدر الأول للمعرفة، والحكم والقاضي في الأمور كلها. فمن الّذين عطلوا العقل طائفة من المتصوفة انصرفوا عن العقل واحتقروه، لما رأوا كثرة الجدال والمناظرة بالمتناقضات على أشدها بين أهل الكلام، واعتقدوا أن البله الّذين لا عقل لهم من الأولياء، وفضلوهم على متبعي طريق النبي - صلى الله عليه وآله ـ، واعتمدوا في مذهبهم على حديثين ضعيفين، هما «اطلعت على الجنة فرأيت أكثر أهلها البُلْه» و «أكثر أهل الجنة البُلْه» (٨٠). ولا حاجة إلى بيان بطلان مذهب هؤلاء، فأمرهم ظاهر، فهم لا يستندون إلى دليل نقلي ولا عقلي (٨١)، فالحديثان ضعيفان، وأما العقل فقد أبطلوه، وهذا مخالف للعقل نفسه الذي عرفنا فيما سبق أن له قيمته ومنزلته التي جعلها الله له في حياة البشر.

غلاة العقل

أما الّذين غالوا في العقل وقدموه، فهم من يسمون «العقليين»، ويمثلهم بشكل واضح المعتزلة، والفلاسفة.

والمعتزلة هم رواد هذا الاتجاه في التاريخ الإسلامي، فقد سبقوا سائر الفلاسفة المسلمين في الخوض في غمار العقل، وشاع إطلاق اصطلاح «المتكلمين» عليهم دون غيرهم من فرق المتكلمين (٨٢)، وكان هدفهم من الاعتماد على العقل بيان أن ما جاء به الإسلام من أصول حق يتفق مع العقل الصريح وأدلته البرهانية (٨٣)، وقد اعتمدوا في مذهبهم على الفلسفة اليونانية والمنطق الارسطي على الرغم من محاولتهم اتخاذ منطق جدلي خاص بهم (٨٤) فحكّموا العقل تحكيماً مطلقاً، ورفعوا من شأنه حتّى قالوا: «خلق العقل ليعرف، وهو قادر على أن يعرف كل شيء… المنظور وغير المنظور» (٨٥). وعلى هذا الأساس قدموا الأدلة العقلية على الأدلة الشرعية، فكذبوا الحديث الذي لا يتوافق مع العقل، وأولوا الآيات التي لا تتوافق مع مذهبهم وإن وضحت (٨٦)، وقالوا إن العقل قادر على معرفة الحسن والقبيح، ولو لم يرد بهما الشرع، فعلى هذا «فالمعارف عندهم كلها معقولة واجبة بنظر العقل، وشكر المنعم واجب قبل ورود السمع، والحسن والقبيح ذاتيان للحسن والقبيح» (٨٧).

فالعقل عندهم هو أساس المعرفة، بل هو المعرفة، وبناء عليه فإن الثواب والعقاب على الأفعال واجب عقلاً لا شرعاً (٨٨) ودليل العقل عندهم هو الأساس في معرفة الله تعالى، فقد رفضوا أن يكون إيمانهم تقليداً، فعرضوا العقيدة على العقل أولاً، وأثبتوها عقلاً، وبعد ذلك تستخدم الأدلة المعرفية السمعية وهي الكتاب والسنة والإجماع.

ومن هنا نرى أن المعتزلة قد أخضعوا الدين لحكم العقل، وبذلك قدموه على النقل الصحيح، وارتفعوا به عن قدره الذي خلقه الله عليه، وهذا مخالف لما قررناه في أول الموضوع من أن العقل البشري بمحدودية إدراكه ومعرفته لا يستطيع الاستقلال عن الوحي في سنّ المنهج السليم للإيمان بأصول العقيدة الصافية أو الشريعة المثلى. ومن هنا نرى أن العقل له إطاره المحدود الذي لا يتجاوز النقل الصريح، أو يكون حاكماً عليه. أما الفلاسفة فقد خاضوا في العقل معتمدين على تأثير الفلسفة اليونانية، وخاصة تأثير أرسطو في حديثه عن العقل، ونقلوا تعريفات وتقسيمات اليونان للعقل إلى الثقافة الإسلاميّة، فاهمين تشجيع القرآن الكريم للعقل فهماً قاصراً، فاختلفوا في تقسيم العقول، وعددها، ووظيفة كل عقل، وحاولوا تفسير معنى «العقل الفعال» الذي هو عند الفلاسفة اليونان فوق العقل الإنساني، تفيض منه الصور على عالم الكون والفساد، فتكون موجودة فيه من حيث هي فاعلة.

أما في عالم الكون فلا توجد إلا من حيث الانفعال (٨٩). وقد وصفه أرسطو بصفات تسمو به عن عالم الإنسان، وعن العالم الطبيعي، فجعله الخالد وغيره من العقول قابل للفساد (٩٠).

وقد حاول الفلاسفة المسلمون إيجاد تفسير لهذا العقل في الفكر الإسلامي، ومن أشهر هؤلاء الفلاسفة الّذين خاضوا في العقل: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن رشد فيرى الكندي أن العقل الفعال هو العلة الحقيقية لكل معقول في الوجود (٩١)، بينما يرى الفارابي، وهو مؤسس نظرية الفيض والإشراق، أن العقل الفعال شيء خارج النفس، وأنه آخر العقول السماوية، ويسميه الروح الأمين، أو روح القدس، أو واهب الصور (٩٢).

ويأتي ابن سينا ليقول: إن العقل الفعال قوة قدسية، وهي أعلى مراتب القوى الإنسانية، وهي تفيض على العقول البشرية فتحاكيها، وهذا ضرب من النبوة أو الوحي، في حين يجعل ابن رشد العقل الفعال مظهراً من مظاهر النفس ليس خارجاً عنها، فما هو إلا انتزاع المعاني وتجريدها، يقابله العقل المادي أو الهيولاني الذي هو استعداد لقبول المعاني، الذي جعله خالداً أزلياً ليمكنه الاتصال بالعقل الفعال الخالد (٩٣).

ولا يخفى أن هؤلاء الفلاسفة قد ساروا خلف المفهوم اليوناني للعقل، وهو بالطبع مختلف عن المفهوم الإسلامي، ومشوب بعناصر وثنية مختلطة بعبادة للعقل، لذا جاءت نظرية العقل عندهم بعيدة عن التصور الإسلامي، وامتزجت بشيء من التصوف، والتعبير بالمصطلحات الدينية عن معان فلسفية، فأدى ذلك كله إلى اختلال المنهج الذي أفضى إلى اختلال التصور العقيدي، وخاصة شرح عملية الخلق وعملية المعرفة (٩٤)، وهم يحاولون إيجاد منهج توفيقي بين الإسلام والفلسفة في الاعتراف بالنبوة والوحي، وإخضاعها لسلطان العقل، لكنهم ضلوا وانحرفوا، حيث جعلوا العقل المصدر الأول للحكم على كل شيء فهم يرون:

١ - أن الأصل الذي يصدر عنه العقل والوحي واحد هو الله أو العقل الفعال، ومن ثم ما يأتيان به واحد، فلا يمكن حصول تضاد بينهما فيما جاءا به من حقائق.

٢ - أن مصدر الحقائق في الفلسفة هو عقل الفيلسوف، وفي الدين هو مخيلة النبي.

٣ - أن ما يأتي عن طريق التخيل يكون على شكل رموز تغلف بها الحقيقة، من أجل عامة الناس الّذين لا يدركون الحقائق بشكلها المجرد كما يفهمها الفلاسفة فالاتفاق بين الفلسفة والشريعة إنّما هو اتفاق في الباطن المتخفي وراء الظواهر، ونتيجة لما سبق يتضح في منهجهم أن الفيلسوف لم يعد بحاجة إلى النبي لأنه يعرف حقائق الأمور بعقله في حين أن النبي يتخيلها بل إن النبي في زعمهم محتاج إلى الفيلسوف الباحث بعقله الحرّ، ليعينه على تفسير بعض الحقائق (٩٥).

هذا جانب من التخطيط الفلسفي الذي اعتمد على تقديس العقل، وجعله الأساس في كل شيء، إلى درجة أن هؤلاء قالوا إن الله هو العقل الفعال أو العقل المحض، وهذا اعتداء على مقام الألوهية (٩٦). وهكذا نرى أن الفلاسفة قد انزلقوا في متاهات العقل وبراهينه القاصرة عندما حاولوا تفسير أمور الغيب وما وراء الطبيعة التي لا مجال للعقل فيها إلا بهدي من الوحي السماوي، وبقيت أدلتهم مجرد تصورات عجزوا عن تطبيقها في عالم الوجود الواقعي.

مراجع البحث:

١ - الاتجاه العقلي في مشكلة المعرفة عند المعتزلة: مهدي حسن أبو سعدة، دار الفكر العربي، القاهرة، الطبعة الأولى، ١٤١٣ هـ: ١٩٩٣ م.

٢ - إسلامية المعرفة، المعهد العالي للفكر الإسلامي، ١٤١٦ هـ.

٣ - بنية العقل العربي، د. محمّد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، الطبعة الثانية، ١٩٨٧.

٤ - التعريفات: علي بن محمّد الجرجاني، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، ١٤٠٣ هـ.

٥ - التفكير فريضة إسلامية: عباس محمود العقاد، نهضة مصر للطباعة والتوزيع، د. ط، د. ت.

٦ - تكوين العقل العربي: د. محمّد عابد الجابري، توزيع المركز الثقافي العربي للنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثالثة، ١٩٨٧.

٧ - دائرة معارف القرن العشرين: محمّد فريد وجدي، دار المعرفة، بيروت، لبنان، الطبعة الثالثة، ١٩٧١.

٨ - العقل وفهم القرآن: الحارث بن أسد المحاسبي، تحقيق حسين القوتلي، دار الكندي، دار الفكر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٢ هـ: ١٩٨٢.

٩ - مصادر المعرفة في الفكر الديني والفلسفي: د. عبد الرحمن بن زيد الزنيدي، مكتبة المؤيد، الرياض، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ: ١٩٩٢م.

١٠ - المعجم الفلسفي: د. جميل صليبا، دار الكتاب اللبناني، بيروت، مكتبة المدرسة، بيروت، ١٩٨٢.

١١ - المعجم الفلسفي: د. مراد وهبه: د. ناشر، الطبعة الثالثة، ١٩٧٩.

١٢ - معجم مقاييس اللغة: لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام هارون، مكتبة الخانجي بمصر، الطبعة الثالثة، ١٤٠٣: ١٩٨١م.

١٣ - منهج المدرسة العقلية الحديثة في التفسير: د. فهد بن عبد الرحمن الرومي، مؤسسة الرسالة، بيروت، الطبعة الأولى ١٤٠١ هـ: ١٩٨١م.

١٤ - موسوعة الفلسفة: د. عبد الرحمن بدوي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، ١٩٨٤.

١٥ - نظرية المعرفة بين القرآن والفلسفة: د. راجح عبد الحميد الكردي، مكتبة المؤيد، الرياض، المعهد العالي للفكر الإسلامي، الطبعة الأولى، ١٤١٢ هـ: ١٩٩٢م.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

*ـ باحث فلسطيني.

١ - ينظر: معجم مقاييس اللغة ٢ـ٦٩ - ٧٣، لسان العرب ٤ - ٢٠٤٦ - ٢٠٥٠ طبعة دار المعارف بترتيب الحرف الأول، الصحاح ٥ - ١٧٦ - ١٧٧٢، القاموس المحيط ١٣٣٦، ١٣٣٧، بنية العقل العربي، ص ٢٠٨، ٢٠٩.

٢ - مصادر المعرفة، ص ٣٠٢، وقد أحال في هذا إلى كتاب - الحدود في الأصول للباجي، ص ٣٤.

٣ - مصادر المعرفة، ص ٣٠٧ - ٣٠٨، نقلا عن «كشاف اصطلاحات الفنون» ص ١٠٣٤.

٤ - التعريفات، ص ١٥١.

٥ - دائرة معارف القرن العشرين، ٦ - ٥٢٢.

٦ - دائرة معارف القرن العشرين، ٦ - ٥٢٢.

٧ - ينظر: التعريفات، ص ١٥٢.

٨ - دائرة معارف القرن العشرين، ٦ـ ٥٢٢، مصادر المعرفة، ص ٣٠٣.

٩ - مصادر المعرفة، ص ٣٠٤، نقلا عن الراغب الإصفهاني في المفردات، ص ٣٤٢.

١٠ - ينظر: موسوعة الفلسفة ٢ـ٧٣، المعجم الفلسفي، د. مراد وهبة، ص ٢٧٨.

١١ - ينظر: مصادر المعرفة، ص ٣٠٣ - ٣٠٧، نظرية المعرفة، ص ٢٦٦، وما بعدها، المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا ٢ـ٨٤ وما بعدها، دائرة معارف القرن العشرين ٦ـ٥٢٢ - ٥٢٣.

١٢ - نظرية المعرفة، ص ٦٠٤.

١٣ - الروم: ٢٤.

١٤ - البقرة: ٢٤٢.

١٥ - العنكبوت: ٤٣.

١٦ - الملك: ١٠.

١٧ - الأنعام: ٥٠.

١٨ - الأنعام: ٦٥.

١٩ - محمّد: ٢٤.

٢٠ - الحج: ٤٦.

٢١ - ق: ٣٧.

٢٢ - العقل وفهم القرآن، ص ١٢٠ - ١٢١.

٢٣ - نظرية المعرفة، ص ٦٠٤ - ٦٠٥.

٢٤ - النحل: ٧٨.

٢٥ - يونس: ٤٢ - ٤٣.

٢٦ - نظرية المعرفة، ص ٦١١.

٢٧ - التفكير فريضة إسلامية ص ٣٠٤.

٢٨ - الحديث في صحيح البخاري ١: ١٣٦ - ١٣٧، كتاب الحيض - نشر إدارة الطباعة المنيرية طبعة ٥: ١٤٠٦ هـ، وصحيح مسلم ١ - ٨٦ - ٨٧ - كتاب الإيمان - تحقيق: فؤاد عبد الباقي، ومسند الإمام أحمد ٢ - ٦٦، ٦٧، طبع المكتب الإسلامي - بيروت.

٢٩ - ينظر: نظرية المعرفة، ص ٤١٨ - ٤١٩.

٣٠ - فتاوي ابن تيمية ١٨ - ٣٣٦ بترتيب ابن قاسم.

٣١ - حسين القوتلي محقق كتاب الحارث المحاسبي: العقل…. وفهم القرآن، ص ١٢٤.

٣٢ - العقل وفهم القرآن، ص ١٢٤.

٣٣ - العقل وفهم القرآن، ص ١٢٥.

٣٤ - للاستزادة والتفصيل ينظر: العقل وفهم القرآن، ص ١٢١ - ١٢٩.

٣٥ - رواه أبو داود والترمذي وحسن…. حاشية الروض المربع ١ - ٤١٤، وينظر: فتاوي ابن تيمية ١١ - ١٩١، ١٩٢ بترتيب ابن قاسم.

٣٦ - الفتاوي ١١: ١٩٢.

٣٧ - البقرة: ٢٨٢.

٣٨ - محمّد: ٢٤.

٣٩ - الأنعام: ١١.

٤٠ - منهج المدرسة العقلية ١ـ٣٠ - ٣٣.

٤١ - الكهف: ٢٩.

٤٢ - منهج المدرسة العقلية ١ - ٣٤.

٤٣ - يونس: ٩٩.

٤٤ - منهج المدرسة العقلية ١ - ٣٥.

٤٥ - البقرة: ١٧٠.

٤٦ - المجادلة: ١١.

٤٧ - فاطر: ٢٨.

٤٨ - منهج المدرسة العقلية ١: ٣٦ - ٣٧.

٤٩ - منهج المدرسة العقلية ١: ٣٧.

٥٠ - نظرية المعرفة ص ٦٣٠، ولزيادة التفصيل والإيضاح لوظائف العقل وأدلتها من القرآن ينظر المصدر نفسه، ص ٦٣٠ - ٦٤٣.

٥١ - الروم: ٨.

٥٢ - نظرية المعرفة، ص ٦٣٧.

٥٣ - النساء: ٨٢.

٥٤ - آل عمران: ١٣٧.

٥٥ - نظرية المعرفة، ص ٦٣٨.

٥٦ - نظرية المعرفة، ص٦٣٩.

٥٧ - الأنعام: ٢٥.

٥٨ - ومثلها الآية ٥٧ من سورة الكهف.

٥٩ - التوبة: ١٢٢.

٦٠ - الأنبياء: ٢٢.

٦١ - تكوين العقل العربي.

٦٢ - العقل وفهم القرآن، ص ١٤٢.

٦٣ - منهج المدرسة العقلية، ١ / ٣٨.

٦٤ - نظرية المعرفة، ص ٦٥١.

٦٥ - نظرية المعرفة، ص ٦٤٧.

٦٦ - إبراهيم: ٣٢ - ٣٣.

٦٧ - الجاثية: ١٣.

٦٨ - النحل: ٧٨.

٦٩ - نظرية المعرفة، ص٦٤٧.

٧٠ - نظرية المعرفة، ص ٦٥٠.

٧١ - لزيادة التفصيل في ميداني العقيدة والشريعة ودور العقل فيهما ينظر: مصادر المعرفة ص ٣٧٠ وما بعدها.

٧٢ - الروم: ٣٠.

٧٣ - مصادر المعرفة، ص ٣٤٧.

٧٤ - صحيح البخاري ٢ - ٩٦ طبعة المكتبة الإسلاميّة، اسطنبول، صحيح مسلم ٢ ـ٢٠٤٧ تحقيق فؤاد عبد الباقي.

٧٥ - مصادر المعرفة، ص ٤١٥.

٧٦ - مصادر المعرفة، ص ٤٢٦.

٧٧ - مصادر المعرفة، ص ٤٢٧، وللاستزادة ينظر المرجع نفسه، ص ٤١٩ - ٤٣٢.

٧٨ - مصادر المعرفة، ص ٤٢٧.

٧٩ - ينظر: مصادر المعرفة، ص ٤١٩، ومابعدها.

٨٠ - منهج المدرسة العقلية، ١ - ٤١.

٨١ - منهج المدرسة العقلية، ١ - ٤٢.

٨٢ - علم الكلام علم يتضمن الاستدلال على العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية… الاتجاه العقلي… ص ٢٦، نقلا عن ابن خلدون في المقدمة، ص ٤٢٣، طبعة دار الشعب.

٨٣ - مصادر المعرفة، ص ٣٧٥.

٨٤ - ينظر: الاتجاه العقلي، ص ١٠٦، ومابعدها

٨٥ - منهج المدرسة العقلية، ١ - ٥٣.

٨٦ - منهج المدرسة العقلية، ١ - ٥٤.

٨٧ - الاتجاه العقلي، ص ٤٠ نقلاً عن الملل والنحل للهشرستاني ١ - ٥٠.

٨٨ - ينظر الاتجاه العقلي، ص ٣٠٠، وما بعدها.

٨٩ - المعجم الفلسفي، د. جميل صليبا ٢ - ٨٦.

٩٠ - نظرية المعرفة، ص ٣٦٤.

٩١ - نظرية المعرفة، ص ٣٦٦.

٩٢ - نظرية المعرفة، ص ٣٧٠.

٩٣ - نظرية المعرفة، ص ٣٧٣، وللاستزادة والتفصيل ينظر المرجع نفسه، ص ٣٦٢ - ٣٧٣.

٩٤ - نظرية المعرفة، ص ٤٢١.

٩٥ - مصادر المعرفة، ص ٣٧٧ - ٣٧٨.

٩٦ - نظرية المعرفة، ص ٤٢٤.



[ Web design by Abadis ]