ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 العالمية الخاتمية الخلود \ السيد محمد باقر الحكيم

«ملخص»

العالمية والخاتمية والخلود من أبرز صفات الرسالة الإسلاميّة، والعالمية هي عدم اختصاص الخطاب الديني بجماعة معينة أو زمان ومكان محددين وهي تعبير عن مرحلة تكاملية في مسيرة الرسالة الإلهية وتتميز عالمية الإسلام عن بقية الأديان العالمية الإلهية بالانتقال إلى مرحلة التطبيق العملي وتثبيت الضمانات اللازمة لاستمرار المشروع الحضاري الإسلامي واتساع نطاق الخطاب ليشمل البشرية جمعا… وثمة مشاكل أمام العالمية كالنزعة القومية واستبداد الكيان السياسي والتمييز الطبقي والتجزئة. وتعتبر مدرسة آل البيت - عليهم السلام - رائدة في مكافحة هذه المشاكل وإزالتها من المجتمع

والخاتمية لا تعني فقط انقطاع الوحي بل تعبر أيضاً عن تطور في الحياة الإنسانية وفي المضمون الرسالي.

والخلود يعني الاستمرار والبقاء والوراثة ونستطيع أن نجد معالمه في العناصر والأسس التي اعتمدتها الرسالة الإسلاميّة منها: العقل، والتوازن بين الثابت والمتغير، ومنح العلم والمعرفة قيمة حقيقية، وصياغة الأمة الوسط.

تمهيد

قال تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلاّ هو يحيي ويميت فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون﴾ [١].

وقال تعالى: ﴿ما كان محمّد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين وكان الله بكل شيء عليماً﴾ [٢].

وقال تعالى: ﴿هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون﴾ [٣].

(العالمية) و (الخاتمية) و (الخلود)، صفات ثلاث تعتبر من أبرز خصائص ومواصفات الرسالة الإسلاميّة التي تتميز بها على سائر الرسالات الإلهية، وهي صفات وإن كانت مترابطة ومتداخلة في مضمونها ومحتواها، ولكنها في الوقت نفسه متمايزة فيما بينها، وتستحق الوقوف عندها للتعرف على آفاقها الحضارية، ولاسيما في عصرنا الحاضر.

وسوف أحاول في هذا الحديث القصير، أن أتناول هذه الصفات، لا في جانب إثبات هذه الميزات للرسالة الإسلاميّة فحسب، فإن ذلك يكاد أن يكون من بديهيات العقيدة الإسلاميّة، ويكفينا في الدلالة عليها الآيات الكريمة التي ذكرناها أعلاه، بل أحاول أن أتناول - بصورة مختصرة - مضمون ومحتوى هذه الميزات من ناحية، وبعض المشكلات الحقيقية التي واجهتها، ومعالجة الإسلام لها من ناحية أخرى، لنستفيد من ذلك بعض الدروس والعبر في النهضة الإسلاميّة المعاصرة، ونفي بعض الحاجات التي يفرضها تطلع البشرية إلى حضارة الإسلام كمنقذ لها من محنتها وآلامها.

العالمية

يبدو ولأول وهلة أن «العالمية» الإسلاميّة، تعني من الناحية الواقعية: أن تكون الرسالة في خطابها ومضمونها العقائدي والاجتماعي والسياسي، مضموناً لا يخص جماعة من الناس دون أخرى، ولا منطقة من الأرض دون غيرها، وهذا ما تكلفت به العقيدة الإلهية والشريعة الإسلاميّة التي جاء بها القرآن الكريم والنبي العظيم - صلى الله عليه وآله - ولكن هل يختص ذلك بالرسالة الإسلاميّة وهل يمكن أن نقول بان ما جاء به سائر أولي العزم من الرسل مثل نوح وإبراهيم وموسى وعيسى - عليهم السلام -، كان مختصاً بجماعة دون أخرى؟ !!

ونحن نعرف أن الإسلام يمثل الامتداد الطبيعي للرسالات الإلهية، المصدِّق لها، والمهيمن عليها، وأن من العقائد الأساسية في الإسلام هو الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، لا نفرق بين أحد من رسله: ﴿آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير﴾ [٤].

وهذا قد يشير فيما يشير إليه عدم اختصاص هذا الأمر بالإسلام وحده، والشواهد على هذه الحقيقة والاشتراك بين هذه الرسالات في هذه الخصوصية من العالمية كثيرة يمكن أن نجدها في القرآن الكريم نفسه.

ولذا فإن من المهم أن ننظر إلى «العالمية» في الإسلام من زاوية وبُعد آخر، مضافاً إلى هذا البعد الصحيح في المحتوى والمضمون.

وهذا البعد هو أن العالمية هي تعبير - أيضاً - عن مرحلة تكاملية نظرية وعملية في مسير الرسالة الإلهية، وكانت تمثل هذه «المرحلة» الهدف الأسمى لمسيرة الرسالات الإلهية، وقد بشرت الرسالات الإلهية بهذه المرحلة التكاملية في آخر مسيرة هذه الرسالات: ﴿الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحلُّ لهم الطيبات ويحرّم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزّروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون﴾ [٥].

حيث جاء في سياق هذه الآية الدعوة للناس جميعاً في الآية السابقة التي افتتحنا بها الحديث وغيرها من الآيات فهي في ذلك كعقيدة التوحيد لله تعالى، الذي كان ولا يزال يمثل الحقيقة الثابتة لمضمون وهدف الرسالات الإلهية، ولكنه في مسيرة الإنسان التكاملية، كان «التوحيد» يوجه في كل مرحلة مشكلة انتكاسة الإنسان على مستوى العقيدة نحو عبادة الأوثان بمختلف أشكالها، كما شاهدنا ذلك بعد نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى - عليهم السلام ـ، ونشاهده الآن في عبادة الهوى، والشهوات، والقوة…. في هذا العصر والزمان من ناحية.

ومن ناحية أخرى لم يكن التوحيد في المراحل السابقة في صياغاته التطبيقية والتشريعية له امتداد على جميع مناحي الحياة الإنسانية، بل كان مقتصراً على العبادة وبعض النشاطات الاجتماعية، فأصبح في الرسالة الإسلاميّة (التوحيد) منهجاً يشمل كل مناحي الحياة الإنسانية من خلال الشريعة الإسلاميّة الكاملة.

فالعالمية في مضمونها الإسلامي الخاص، تعبير عن مرحلة تاريخية خارجية جديدة وصلت فيها مسيرة الرسالات الإلهية إلى تجسيد العالمية نظرياً وعملياً، وقد واكب هذا التطور في المسيرة منهاج، وتفصيل تشريعي، يلبي متطلبات هذه المرحلة، ويفي بحاجاتها، ويحقق أهدافها.

فمثلاً رسالة موسى - عليه السلام - وإن كانت عالمية بمضمونها وخطابها العام، وليست خاصة ببني إسرائيل، ولكنها من الناحية العملية التاريخية الخارجية بقيت محصورة ببني إسرائيل، بحيث تحولت - بعد ذلك - خارجياً إلى رسالة قومية، وتنظيمها التشريعي نظام شامل لجماعة بني إسرائيل وتحول بنو إسرائيل - بعد الانحراف - إلى شعب مختار، يفتش عن الامتيازات ويؤمن بها، فهم أولياء الله وأحباؤه ولهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس، وليس عليهم في الأميين سبيل وإنهم على شيء، وغيرهم ليس على شيء… إلى آخر هذه الادعاءات التي يتحدث عنها القرآن الكريم.

وهنا نرى أمامنا - بالمقارنة - التطور التاريخي في (العالمية) الذي تحقق في الرسالة الإسلاميّة على مستوى الأمة المقصودة في الخطاب، حيث تحول «الشعب المختار» عند الإسرائيليين إلى الأمة الإنسانية المسؤولة المختارة في الرسالة الإسلاميّة ﴿كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله…. ﴾ [٦]، وبذلك تصبح هذه الأمة قد بلغت أشدها فتتحمل الأمانة العظيمة.

والمقياس في هذا الاختيار الواقعي هو الإيمان بالله، والدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، وتقوى الله حق تقاته، وليس الأساس هو الشعب والانتماء إلى العرق أو العشيرة أو البلد أو التاريخ، بل الانتماء إلى الله والمبادئ: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾.

ولذا أكد القرآن الكريم في المسيرة العملية والجهادية، هذه الحقيقة وهذه السنة التاريخية في الأمة المسؤولة والحاملة للأمانة، فخاطب العرب الّذين هم جماعة المؤمنين في عصر نزول القرآن بقوله تعالى: ﴿يا أيها الّذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسع عليم ﴾ [٧].

﴿وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم﴾ [٨].

فالخروج والتحول الواقعي الخارجي من الشعب الخاص المختار إلى الأمة العامة المسؤولة المختارة، هو «العالمية».

ورسالة عيسى - عليه السلام - (النصرانية) وإن كانت عالمية في دعوتها ومضمونها، ولكن عيسى - عليه السلام - رفعه الله تعالى من هذه الدنيا ولم يُخلّف وراءه - واقعياً - من المؤمنين المسؤولين إلا الحواريين الّذين تحملوا أعباء الرسالة من بعده، وبذلك تحولت رسالته تدريجياً إلى رسالة النخبة المختارة، وخطابه كان خطاب النخبة بالدرجة الأولى: النخبة المؤمنة من الحواريين، والنخبة المنحرفة من علماء اليهود، وتحولت النخبة التي تجسدت بالحواريين - بعد ذلك - إلى جماعة الترهب والانعزال، أو جماعة الرهبان والقسيسين التي تتمتع بالامتيازات والحقوق القدسية المهنية الخاصة: ﴿ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها فأتينا الّذين آمنوا منهم أجرهم وكثير منهم فاسقون﴾ [٩]، ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله والمسيح بن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلهاً واحداً لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ [١٠]، وقد ورد في تفسير هذه الآية - كما يؤكده القرآن الكريم أيضاً - أن اتخاذهم الأحبار والرهبان أرباباً، كان هو السمع والطاعة لهم من دون الله وإعطائهم هذه الامتيازات، و «الأموال».

ومن هنا يمكن أن نقول: إن عالمية الإسلام في محتواها الخاص الذي يتميز به الإسلام إنّما هي:

أولاً: الانتقال بالرسالة من مرحلة النظرية العالمية والتمهيد، إلى مرحلة التطبيق والتجسيد وإيجاد النموذج الحضاري العالمي في الحياة الإنسانية.

وثانياً: في المضمون من خلال المنهج والبرنامج العملي الشامل والمتطور الذي وضعه الإسلام لمواكبة وجود هذا النموذج الحضاري، وتثبيته وإيجاد الضمانات العملية لبقائه واستمراره.

وثالثاً: التطور في العالمية في الواقع الإنساني من الأمة المحدودة إلى الأمة العالمية الواسعة المسؤولة.

وهناك نجد أمامنا في معالم البرنامج الإسلامي العالمي آفاقاً واسعة من البحث والاستلهام، ولا يسعها هذا المقال القصير - تتمثل في اختيار الله سبحانه وتعالى:

١ - مكان البعثة والرسالة الإلهية، وهو مكة المكرمة والمدينة المنورة [١١].

٢ - القاعدة البشرية التي انطلقت منها الرسالة الإلهية، وهي أمة العرب.

٣ - تفسير الخطاب الثقافي الإسلامي، الذي تحدث بلغة هذه الأمة دون غيرها من اللغات، ومع هذه الأمة خاصة أكثر من أي جماعة أخرى من الناس، وتناول أوضاعها الاجتماعية، والسياسية، والثقافية، والتاريخية بصورة رئيسية دون غيرها من الناس، حتّى ظن بعض الجاهلين أن ذلك امتيازا لجماعة «العرب» على الناس، وحاول بعض المنحرفين أن يفسروا ذلك تفسيراً قومياً، أو جغرافياً، مدنياً… الخ [١٢]

وهكذا ينفتح أمامنا - أيضاً - بحث المنهاج الإسلامي في «العالمية» من خلال مفردات: «الدولة» و «التشريع الاجتماعي» و «القانون» و «العبادات»، التي جاءت صياغاتها تكريساً عملياً لهذه العالمية من ناحية، وضماناً لها امتاز به الإسلام على غيره من الرسالات الإلهية من ناحية أخرى.

فمثلاً على مستوى العبادة نأخذ «الحج» الذي أذّن به إبراهيم - عليه السلام - في الناس - بنص القرآن - وهو شيخ الأنبياء، وجد الإسرائيليين، فإنه بقي محصوراً في أبناء إسماعيل، ولكن الإسلام تمكن خارجياً أن يرتقي به إلى عبادة عالمية، ومن خلال صيغة واقعية جسدت هذه العالمية خارجياً، بل تحولت هذه الصيغة إلى ضمان واقعي لهذه العالمية، كما نشاهده في كل التاريخ الإسلامي وفي واقعنا المعاصر.

لقد استطاع الإسلام من خلال برنامجه القانوني التشريعي ومنهاجه العبادي أن يحطم كل الحواجز الاجتماعية والنفسية بين القوميات، والطبقات، والأسياد، والعبيد، ليخلق أمة إسلامية واحدة عالمية، تتمتع بمواصفات الأمة الواحدة، في الهموم، والمشاعر العاطفية، والأهداف، والعلاقات الإنسانية، والممارسات العبادية.

ففي مجال التشريع القانوني نلاحظ على مستوى العلاقات الإنسانية المساواة في الحقوق والواجبات العامة بين جميع المسلمين، والكفاءة في الزواج، والاخوة والولاء القائم على أساس الإيمان، وتشريع الزواج من الإماء والتسري بهن وعتقهن على الولادة لإيجاد الامتزاج بين الأعراق.

وفي المنهاج العبادي نلاحظ إصرار الإسلام على الاختلاط فيها والمساواة بين الناس، ولا سيما في الحج الذي تزول فيه جميع الحواجز البيئية والطبقية والمالية وتمارس فيه العبادة على صعيد واحد.

وهذا مالا نجده حتّى في الحضارة الغربية، التي حاولت أن تتحرر من هذه القيود، تحت شعار حقوق الإنسان ووحدة الأهداف الإنسانية في الحياة والمصالح المشتركة، وسيطرة العلم التجريبي (العلمانية) ولذّات الدنيا على حياة الإنسان.

فهي لا تزال تعاني «حضارياً» من الانقسامات العرقية والجغرافية، والغنى والفقر، والشمال والجنوب. ولا يزال الرجل الأبيض كحالة عامة إنسانية ينظر فيها إلى الرجل الأسود نظرة فيها الكثير من التعالي، والشعور بالامتياز والحقوق. ولا تزال الولايات المتحدة الأمريكية - وهي سيدة العالم الغربي ورائدة الحضارة الغربية - وأوربا الغربية تتعامل مع بقية الشعوب في هذا العالم من موقع هذا الإحساس والشعور وهذا الانقسام.

بل لا يزال الشعب في الولايات المتحدة الأمريكية - بالرغم من القوانين الاسمية والدعاوى العالمية الإنسانية - يشكو من هذا الانقسام العرقي والهيمنة الطبقية لأصحاب رؤوس الأموال.

ومثل آخر، نجده في ظاهرة «الدولة» التي كانت في أصلها ظاهرة «نبوية»، كما يؤكد ذلك القرآن الكريم، وأن بعثة الأنبياء إنّما كانت من أجل الحكم بالحق، وتنظيم حياة الناس وحل الاختلاف بينهم: ﴿كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه…﴾ [١٣]، ولكن تاريخ الرسالات الإلهية لم يشهد من الناحية الواقعية والخارجية قيام الدولة في ظل الرسالة نفسها، بل بقي الأنبياء يجاهدون من أجل إقامة المجتمع الصالح والدولة الإلهية، ولم يتحقق ذلك لا لنوح ولا لإبراهيم ولا لموسى ولا لعيسى - عليهم السلام ـ، وإذا كان بعض الأنبياء قد آتاه الله الملك كداود وسليمان عليهما السلام، فإن ذلك كان ضمن البرنامج العام الإنساني لقيام الدولة وهو توفر المواصفات العامة من البسطة في العلم والجسم والغلبة والقوة [١٤].

وأما الدولة الإسلاميّة فإن وجودها الخارجي كان ضمن البرنامج الرسالي للنبوة وتطور الرسالة الإلهية، ولذا أصبحت الدولة الإسلاميّة و «الإمامة» جزءاً مكملاً للرسالة - ليس على المستوى النظري فحسب - بل على المستوى التطبيقي والخارجي، وهذا يبين بوضوح صحة النظرية التي يتبناها أتباع أهل البيت - عليهم السلام - في فهم الإمامة والخلافة من أن الإمامة امتداد للنبوة وأنها منصب إلهي، وأنه لابد للمسلم أن يعرف إمامه: «ومن مات ولم يعرف إمامه مات ميتة جاهلية» وأن الإمامة للمسلمين واحدة ولا يجتمع إمامان في وقت واحد.

وهذا هو الذي يفسر لنا قيام الدولة الإسلاميّة في السنة الأولى للهجرة، ثم استمرارها - في ظاهرة تاريخية ليس لها نظير في تاريخ الرسالات الإلهية والكيانات السياسية، ثم بقاءها كهدف للمسلمين، ولم تتنازل عنه الأمة - حتّى بعد سقوط الكيان السياسي لها عسكرياً بيد الاستكبار الغربي - وسوف لن تتنازل عنه الأمة حتّى قيام دولة الحق المطلق، التي وعد الله بها عباده الصالحين بظهور الإمام المهدي - عليه السلام - ﴿وعد الله الّذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الّذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمناً يعبدونني لا يشركون بي شيئاً…. ﴾ [١٥]

﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾ [١٦].

فالدولة الإسلاميّة امتازت:

أولا: بأنها كانت امتداداً خارجياً تطبيقياً للرسالة، عاصر وجود الرسالة وارتبط بتطبيقاتها.

ثانياً: أنها جسدت العالمية في حركتها، حيث كانت حركة الدولة باتجاه العالمية في زمن الرسول، من خلال دعوة القوى السياسية العالمية للدخول في الإسلام، كما جاء في رسالة النبي - صلى الله عليه وآله - للملوك والأمراء والسلاطين في عصره، وكذلك من خلال معارك مؤتة وتبوك، وبعثة أسامة بن زيد أيضاً، التي كانت تعبر عن هذا التوجه العالمي للدولة خارج الشعب العربي، ثم الامتداد والتوسع والانتشار الإسلامي - بعد ذلك - في عصر «الخلفاء الراشدين» بعد رسول الله - صلى الله عليه وآله ـ.

ثالثاً: إن الدولة الإسلاميّة كان لها الدور الأساس فيما نراه من وحدة الأمة الإسلاميّة في مقوماتها الأساسية، فهي التي كانت إحدى المقومات والضمانات المهمة لوجود الأمة الإسلاميّة الواحدة وللمحافظة على وحدتها في شعائرها وأحاسيسها وهمومها وأهدافها، وذلك بالرغم من تعرض الدولة الإسلاميّة إلى مشكلات التجزئة والانقسام، والاختلاف في تاريخها، بسبب الانحراف في التطبيق من قبل بعض الحكام.

رابعا: إن العالمية في الدولة الإسلاميّة ليست مجرد هدف تسعى إليه الرسالة، بل هو ضرورة قائمة في تاريخها، وفي حركتها وتكاملها المستقبلي، إذ لابد لهذه الوحدة من أن تتحقق في نهاية المطاف وتكون كاملة أفقياً وعمودياً وجغرافياً، وفي المضمون والمحتوى، كما وعد الله تعالى: ﴿ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون﴾.

وهنا لابد أن أشير إلى أن دور الدولة والإمامة في منظار أهل البيت - عليه السلام - وموقفهم الخاص منها، وفي النظرية الإسلاميّة بصورة عامة، فإن مذهب أهل البيت - عليهم السلام - يرى بأن الإمامة من أصول النظرية والمذهب، وأنها لا يمكن أن تتعدد بحال من الأحوال، وهذا مما يمنح هذا المعلم من المنهج في تحقيق عالمية الإسلام عمقاً وبعداً آخر جديداً لا أجد مجالاً للخوض فيه الآن، ولكن أهل البيت - عليه السلام - وموقعهم الخاص في النظرية الإسلاميّة الذي يلتزم به جميع المسلمين، وكذلك عملهم ودورهم في الحياة الإسلاميّة، كان ولا يزال يمثل أحد الضمانات الواقعية المهمة للمحافظة على بعد العالمية في الرسالة الإسلاميّة ولاسيما موقفهم أمام المشكلات التي واجهتها هذه العالمية ومعالجتها.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - الأعراف: ١٥٨.

٢ - الأحزاب: ٤٠.

٣ - الصف: ٩.

٤ - البقرة: ٢٨٥.

٥ - الأعراف: ١٥٧.

٦ - آل عمران: ١١٠.

٧ - المائدة: ٥٤.

٨ - محمّد: ٣٨.

٩ - الحديد: ٢٧.

١٠ - التوبة: ٣١.

١١ - ﴿وهذا كتابُ أنزلناه مصدق الذي بين يديه ولتنذر أم القرى ومن حولها والذين يؤمنون بالآخرة يؤمنون به وهم على صلاتهم يحافظون﴾ (الأنعام - ٩٢).

﴿وكذلك أوحينا إليك قرآناً عربياً لتنذر أم القرى ومن حولها وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه فريق في الجنة وفريق في السعير﴾ (الشورى - ٧).

روى الثعلبي بإسناده عن عدي بن حاتم قال: أتيت رسول الله - صلى الله عليه وآله - وفي عنقي صليب، فقال: يا عدي اطرح هذا الوثن من عنقك قال: فطرحته ثم أتيت إليه وهو يقرأ من سورة براءة هذه الآية: ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا﴾ حتّى فرغ منها، فقلت له: إنا لسنا نعبدهم ! قال: أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتستحلونه؟ ! قال: فقلت بلى قال فتلك عبادتهم، مجمع البيان - مجلد ٢ - ص ٢٢ - طبعة صيدا، الدر المنثور - ج ٣ - ص ٢٣٠. وقد أخرجه الترمذي والبيهقي والطبراني وغيرهم.

وعن أبي بصير قال: سألت أبا عبدالله - عليه السلام - عن قول الله عزّوجلّ ﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله ﴾ فقال: أما والله ما دعوهم إلى عبادة أنفسهم ولو دعوهم إلى عبادة أنفسهم لما أجابوهم، ولكن أحلوا لهم حراماً وحرموا عليهم حلالاً فعبدوهم من حيث لا يشعرون - نور الثقلين: ج ٢ ص ٢٠٩.

١٢ - لقد عالجنا هذا الموضوع في كتابنا «علوم القرآن» - ص ٤٥ - الطبعة الثالثة، وفي كتابنا «الهدف من نزول القرآن» الفصل الأول - ص ١٣.

١٣ - البقرة: ٢١٣.

١٤ - يؤكد ذلك ماورد في قصة الملأ من بني إسرائيل ﴿ألم تر إلى الملأمن بني إسرائيل من بعد موسى إذ قالوا لنبي لهم ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله قال هل عسيتم أن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا قالوا ومالنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلاً منهم والله عليم بالظالمين…﴾ (البقرة - ٢٤٦). حيث يبدو من هذه القصة أن وصول داود - عليه السلام - إلى الملك كان بحسب التطور الطبيعي لدوره في القتال والقوة وقتل طالوت، وأن المقياس في الملك لم يكن النبوة، بل البسطة في العلم والجسم.

١٥ - النور: ٥٥.

١٦ - الأنبياء: ١٠٥.



[ Web design by Abadis ]