ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الوحدة الدينية في شعر الشيخ الفرطوسي \ الاستاذ حيدر محلاتي

"ملخّص"

الأدب له مسؤولية كبرى في حمل رسالة التقريب، ودعاة الوحدة من الأدباء كان لهم أثر لايقل عن الفقهاء والمحدثين والمفكرين. والبحث يدور عن التوجه الوحدوي لشاعر نجفي كبير هو الشيخ الفرطوسي. ذكر المقال صورا من تفاعل هذاالشاعر العراقي مع قضايا العرب والمسلمين، واهتزاز وجدانه أمام محاولات التفرقة بين صفوف الأمة.

الشيخ الفرطوسي - كما هو معروف في المحافل الثقافية والأدبية - علَمٌ من أعلام الفكر الرسالي وقطب من أقطاب الأدب الملتزم الهادف. كرَّس جُلَّ عمره في خدمة التعاليم الدينية السامية والمبادئ الإنسانية الرفيعة.

بدأ الشيخ عبد المنعم الفرطوسي حياته الفكرية طالباً في الحوزة العلمية بالنجف الأشرف حيث تتلمذ على يد كبار العلماء وأعلام المجتهدين من أمثال المرجع الديني آية اللّه السيد أبي الحسن الموسوي الإصفهاني (١٢٨٤ - ١٣٦٥هـ)، وآية اللّه السيد محسن الحكيم (١٣٠٦ - ١٣٩٠هـ)، وآية اللّه السيد أبي القاسم الخوئي (١٣١٧ - ١٤١٣هـ)، رضوان اللّه تعالى عليهم أجمعين.

ومع تقدمه في مجال العلم والمعرفة بدأ نجم الشيخ الفرطوسي يتألق في سماء الأدب وخاصة في المحافل والندوات الشعرية التي كانت تقام باستمرار في النجف.

وبفضل موهبته الشعرية ونبوغه الخارق في ارتجال الشعر ونظم القصيد تصدّر الشاعر مجالس الأدب وتربع على عرش حلباته حتى أصبح شاعرها الأوحد والشهير [٢].

أخذ الشاعر مكانة سامية في الأوساط الأدبية، واحتلّ منزلة شامخة ومرموقة بين المشاهير من شعراء عصره. فكانت المحافل الأدبية والمهرجانات الشعرية تعج بالوافدين لسماع قصائده والتزود من معين أدبه. ويكفيه منزلة أنّه أنشد ذات يوم قصيدة في محضر الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (١٢٩٤ - ١٣٧٣هـ) فآلى الامام على نفسه أن لا يسمعها الا وهو واقف تكريما لقوتها ومتانة أسلوبها، والشيخ الإمام أعرف الناس بالشعر وأخبرهم بقيمته [٣].

ومن أهم نتاجات الشاعر ديوانه الضخم الذي يقع في جزءين، وكذلك ملحمته الخالدة المعروفة بملحمة أهل البيت (عليهم السلام) التي طبعت في ثمانية أجزاء وتجاوزت أبياتها الأربعين ألف بيت.

والمطالع لأشعار الفرطوسي يقف عند روائع وغرر تفصح عن شاعرية فذة، ومنزلة أدبية رفيعة تدل على نضج في التفكير، وسلامة في الرأي، وقوة في الأداء، وانتقاء مميز للّفظ، وسمو للقصد رصين.

وإضافة إلى نشاطات الشيخ الثقافية والأدبية التي تجسدت بحضوره الفاعل والمستمر في إحياء المناسبات الدينية والندوات الشعرية، وكذلك نشاطاته في حقلي التأليف والتدريس، فقد كانت للشيخ مواقف وطنية واجتماعية لعبت دوراً هاماً ومؤثراً في تثقيف الأمة وتوعية الجماهير.

ولمواقفه السياسية الجريئة ومحاولاته الإصلاحية البناءة اضطهد الشيخ من قبل الأنظمة الحاكمة وأجبر على الهجرة، فمكث بعيداً عن وطنه وعاش مغترباً حتى وافته المنية عام ١٤٠٤هـ.

لقد سجّل الفرطوسي (رحمه الله) من خلال نضاله الثقافي والاجتماعي والسياسي مواقف خالدة تبلورت في الذود عن حمى الاسلام والدفاع عن مبادئ الشريعة السامية بالإضافة إلى مواقفه الوطنية تجاه شعبه وأبناء وطنه.

ولعل السمة البارزة التي تتجلى في معظم أشعار الفرطوسي السياسية والدينية دعوته الحثيثة والأكيدة الى الوحدة الدينية المبتنية على لمّ شمل الأمة ورص صفوفها تحت لواء الاسلام وفي ظل مبادئ الرسالة المحمدية.

ولم تقتصر دعوة الشيخ الوحدوية على فترة معينة وفي ظل نظام حاكم معين، فقد دعا الشيخ الفرطوسي طوال مسيرته الفكرية المباركة الى وحدة المسلمين وعدم تفرقهم تجسيداً للآيات المباركات (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا…. ) [٤]، (إنّ هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربّكم فاعبدون) [٥]، (…. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم…. ) [٦]، و (ولا تكونوا كالذين تفرّقوا واختلفوا من بعدما جآءَهم البيناتُ. وأولئك لهم عذاب عظيم) [٧].

ومنهجية الشيخ الفرطوسي في دعوته الوحدوية مبتنية في الأساس على امتثال الموروث الديني والتمسك بتعاليم الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) والالتفات الى نهضته التربوية المباركة التي منحت الانسان عزته وكرامته:

يا نهضةً في سبيل الحق صالحةً *** قد أعقبت فترةً للجهل فاحتجبا

ميمونة أسست للعدل أنظمة *** وجلجلت بنظام الجور فانقلبا

جبارةً كم هوى تاجٌ بمفرقه *** لها فصافح من أقدامها التُربا

لها الثّبات جنانٌ والجهادُ يدٌ *** بها تُذلل بطشاً كلَّ ما صعبا

شعارها الوحدة الكبرى وغايتُها *** أن تجمع المسلمين العجموالعربا

أليس أصبح (سلمان) بها رحماً *** وأضحت الوحدةُ الكبرى له نسبا [٨]

ولشدة حرصه على تجسيد الوحدة الاسلامية بين كافة المسلمين دأب الشيخ الفرطوسي في انتهاز الفرص والمناسبات وخاصة الأعياد والحفلات الدينية كمولد النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) لبثّ دعوته الوحدوية واستقطاب الرأي العام لأمر الوحدة الدينية لإيمانه بمعطياتها القيمة ونتائجها العظيمة.

وكثيرة هي القصائد التي أنشدها الشاعر في المناسبات الدينية والتي حملت طابعاً دينياً وحدوياً، منها قصيدة "مولد الرسول الاكرم (صلى الله عليه وآله) " التي أنشدها عام ١٩٦٧م حيث استهلها بالقول:

شعَّ بالفتحِ فحيّاه فَمي *** فجرُ ميلادِ الرسول الأعظمِ

وأطلّ النورُ من أمِّ القُرى *** فمحا للشرك أدجى الظُلمِ

وانجلى من أحمد في مهده *** لضحى الاسلام أبهى مبسمِ

مرسلٌ بالمُثل العليا الى *** دعوة الدين الحنيف القيّمِ

والجهاد المرّ في نهضته *** والإخا والصدق رمز العلمِ

وفم التوحيد فيها هاتف *** وحدة الصف شعار المسلمِ

الى أن يقول مذكراً بأهمية الوحدة في مجابهة المعتدين وتحدي المستعمرين الطامعين بثروات الأمة الاسلامية:

أمةَ الاسلام ما أبقت لنا *** أُمةُ الكفر حمى لم يُقحم

ملكوا من أرضنا مهد الهدى *** واستباحوا حُرمات الحرمِ

فاستعدوا وأعدّوا لهم *** قوة البأس وبطش الهممِ

واهزموا بالوحدة الكبرى وفي *** قوة التوحيد جيشَ الصنمِ

وحدوا الأوطان في جامعة *** للتآخي كالأساس المحكمِ

وحدة الاسلام أقوى جبهة *** تجمع المسلم جنب المسلمِ [٩]

وتتضح رؤية الشيخ الوحدوية أكثر فأكثر عندما يتناول في شعره التناحر الطائفي الذي دأب المستعمر في تأجيجه بين مختلف الطوائف بغية تفريق الشعب وتمزيقه، والسيطرة على خيراته وثرواته.

وقد حذر الشيخ الفرطوسي مراراً من هذه الظاهرة الخطيرة - ظاهرة الفرقة والتشرذم - وفي مواضع عديدة وأزمنة اختلفت باختلاف أنظمة الحكم. فنلحظ ذلك مثلاً أبان العهد الملكي حيث المستعمر البريطاني قد بسط نفوذه على العراق وتحكم بسيادته ومقدراته. فقد وقف الشيخ الفرطوسي مواقف صامدة أمام مؤامرات المستعمر الغاشم الداعية الى نبذ الدين والابتعاد عن تعاليمه البناءة. ومن تلك المواقف قصيدته اللاذعة "قادة العلم" التي نظمها عام ١٩٥٥م والتي يقول في جانب منها:

إنَّ الشذوذ عن الدين الصحيح غدا *** عقيدة ونظاماً يهدم النُظما

إنَّ التقهقر في الاخلاق عاد بنا *** خليقة تنسخ الاخلاق والشيما

هذا التفرق قد أودى بجامعة *** قد كان فيها نظام الدين ملتئما

الدين خير نظام يسعد الامما *** حتى يبلغها أهدافها أمما

ويصلح النقص من أخلاقها بيد *** من الفضائل تبني كلَّ ماهدما [١٠]

وبعد انهيار الحكم الملكي في العراق بثورة الرابع عشر من تموز عام ١٩٥٨م والتي قادها عبد الكريم قاسم شهد العراق حملة طائفية هوجاء لم يشهد لها مثيلاً في تاريخه. فقد ظهرت موجة عارمة من التكتلات السياسية والتجمعات الطائفية ذات الأفكار المنحرفة والمبادئ الفاسدة والتي تبنّت جميعها - وعلى الرغم من تفاوتها المبدئي والايديولوجي - موقفاً مشتركاً يقضي بانتزاع الهوية الدينية والاسلامية من الشعب وبث الطائفية والعداء المذهبي بين مختلف شرائحه وطبقاته.

وقد كان الشيخ الفرطوسي في طليعة الشعراء المبرزين الذين تنبهوا لهذه الفتنة الكبرى ونبهوا عليها وحذروا في أشعارهم من فداحة مردودها الوبيل على الشعب ومصالحه. وللشيخ في هذا الشأن قصائد عدّة، منها قصيدة "الشعب حر" التي نظمها عام ١٩٥٩م والتي يقول في بعض أبياتها:

يامصلح الوضع إنّ الوضع أفسده *** تشاحنٌ من دجى رأيين ينبثق

هما أقليةٌ في الشعب قد نجمت *** كيما تفرقه والشعب متفق

هذي المبادئ تنأى عن مكاسبها *** مكاسبُ الثورةِ الكبرى وتفترق

أجهز عليها ففي أهدافها خطرٌ *** على البلاد وفي تشريعها فرق

تقهقر الشعب من أهدافها خلقاً *** ووحدة واقتصاداً وهو منطلق

فأصبحت موبقات الإثم مدرجة *** الى الفضائل فيها يرتقي الخلق

والسلمُ مجزرةٌ حمراءُ مظلمةٌ *** الى الحمام بها الأرواحُ تستبق

وأضحت الوحدة الكبرى بناغرضاً *** للطامعين فشعب واحدٌ فرق [١١]

ولم يأن لهذا التناحر الطائفي أن ينتهي على الرغم من انتهاء حكومة قاسم وسقوطه بالانقلاب العسكري الذي قاده عبد السلام عارف في الثامن من شباط عام ١٩٦٣م - فقد تشدد هذا التناحر وأخذ مسيره الى التصاعد إثر الفراغ السياسي الذي شهده العراق إبّان تلك الفترة.

ولم يكن الشيخ الفرطوسي - كما عهدناه - بمنأى عن تلكم الأحداث والوقائع فديوانه يعج بالقصائد السياسية التي تحدت مؤامرات الفرقة والطائفية ونددت بممارسات عصب التفريق التي كانت تنفذ خطط المستعمر آنذاك:

يا عصبة التفريق هل أشبعتم *** من دائكم وجهنمٌ لا تَشبع

هذي الفوارق باعدت مابيننا *** حتى تفرَّق شملنا المتجمع

والطائفية ثغرةٌ بصفوفنا *** منها ثغور بلادنا تتصدع

صونواالحقوق من الضياع فأنتم *** أمناءُ هذا الشعب وهو المودع

وحقوق أبناء البلادِ أمانة *** ووديعة بيد العدالة توضع

ومن القطيعة أن يصان لواحد *** حقٌ وآلاف الحقوق تُضيّع

آخى النبي (بيثرب) مابيننا *** بقرابة الاسلام وهي المجمع

حتى (محمد) وهو وترٌ في العلى *** (بعلي) في قربى الأخوة يشفع

فدعوا الخلاف وضمدوا بيد الإخا *** كسراً يُضمُّ لفتحة تتوسع

ومتى تخاط من النسيج مُلاءةٌ *** ألف يشق بها وفرد يرقع [١٢]

ويتجه الشيخ الفرطوسي الاتجاه ذاته - اتجاه الوحدة والائتلاف - في تناوله قضايا العالم الاسلامي، ومستجدات الأحداث في البلدان الاسلامية دون النظر الى قوميات الشعوب وانتماءاتهم العرقية.

ومن القضايا الهامة التي شغلت بال الشيخ الفرطوسي كثيراً القضية الفلسطينية حيث تناولها في قصائد كثيرة اتجه في معظمها اتجاها اسلامياً محضا في محاولة منه الى إبراز الطابع الديني لهذه القضية العظمى [١٣].

ومن قصائد الشاعر التي أكد فيها على دور الوحدة الدينية في حلّ القضية الفلسطينية قصيدته البائية التي نظمها إثر سقوط القدس القديمة بيد الجيوش العربية المسلمة في حرب عام ١٩٤٨م، حيث قال في جانب منها:

عناصر الوحدة في أوطاننا *** تألّفت وهي شعور ونسبْ

فنظّمت أوضاعنا وهي سدىً *** ووحدت شعوبنا وهي شعبْ

حتى غدا الجدب الى الخصب أخاً *** وأصبح السهل يعانق الحدب [١٤]

وليس ذا بدعاً فإنّا أمةٌ *** تربطنا الوحدة في خير سبب

وأننا من عنصر متّحد *** ولا فروق بيننا سوى اللقب

لنا من الاسلام خيرُ جامع *** وحسبنا أنا بنو أمّ وأب [١٥].

ومن الأحداث الهامة التي اتصلت بالقضية الفلسطينية وتناولها الشيخ الفرطوسي في شعره حادثة الغزو الثلاثي على مصر عام ١٩٥٦م حيث نظم فيها قصيدة طويلة تجاوزت أبياتُها المئة، بيّن فيها أطماع الغزاة المحتلين ومآربهم العدوانية، مشيراً في ختامها الى أهمية الوحدة الاسلامية التي تضمن للأمة النصر والظفر:

النصرُ وهو رسالةٌ *** عذراء تُوحي للضمير

وارادة كتبت لنا في اللوح من ربٍّ قدير

والفتحُ في الاسلام ليس لقوّةِ العدد الكثير

الفتح للايمان كالبركان يلهب في الصدور

ولقوة التوحيد يحملها المجاهد في الثغور

ولرايةِ الاسلام تطوي *** كلَّ ظلم بالنشور [١٦]

ومن هنا يتضح ثبات الشيخ الفرطوسي على مقارعة مؤامرات الفرقة والطائفية وتحدي عواملها وعناصرها من خلال التمسك بالوحدة الدينية والأخذ بتعاليم الرسالة المحمدية التي جعلت من الأمة الإسلامية الواحدة (خير أمة أخرجت للناس) لإيمانها بكلمة التوحيد وتوحيد الكلمة.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - كاتب ايراني.

٢ - حيدر محلاتي: عبد المنعم الفرطوسي حياته وأدبه، رسالة ماجستير (مخطوطة)، ص٦٦.

٣ - غالب الناهي: دراسات أدبية، النجف، ١٩٥٤م، ج ١، ص ٧٤.

٤ - آل عمران / ١٠٣.

٥ - الأنبياء / ٩٢.

٦ - الأنفال / ٤٦.

٧ - آل عمران / ١٠٥.

٨ - ديوان الفرطوسي، مطبعة الغري الحديثة، النجف، ط ٢، ١٩٦٦م، ج١، ص ٤٠.

٩ - مجلة الايمان: ع ٥، ٦ (١٩٦٧م)، ص ١٧ - ٢١.

١٠ - ديوان الفرطوسي، ج ١، ص ٢٧٧.

١١ - المصدر السابق، ج ٢، ص ٨٩.

١٢ - المصدر السابق، ج ٢، ص ١٠٠.

١٣ - محمد حسين الصغير: فلسطين في الشعر النجفي المعاصر، مؤسسة الوفاء، بيروت، ط ٢، ١٩٨٤م، ص ٢٤٤.

١٤ - الحَدَب: مرتفع الارض.

١٥ - ديوان الفرطوسي، ج ١، ص ٢٤٢، ٢٤٣.

١٦ - المصدر السابق، ج ١، ص ٢٠٣، ٢٠٤.



[ Web design by Abadis ]