ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القيم الروحية و التسارع العلمي \ الاستاذ الدكتور حسين الحاج حسن

«ملخّص»

مسألة نسبية القيم ومطلقها خاض فيها علماء الاجتماع كثيراً قديماً وحديثا، وركزت التيارات المادية على مسالة النسبية في القيم لمواجهة الدين والقيم الثابتة في الدين ثم ما هو مصدر القيم، هل هو عالم المثل لم المجتمع أو هي ذاتية في نفس الأشياء والأعمال، هذه موضوعات أدلى الباحث بدلوه فيها، وله آراء قد نختلف فيها معه، لكن المجلة مفتوحة لكل الآراء المخلصة ثم تطرق إلى العلاقة بين الإنسان والروح، وحاجة البشرية في مسيرة تكاملها.

* * *

الزمان، وما أدراك ما الزمان، هل تتغير قيم الإنسان إزاء القيم العلمية الآخذة بالاتساع والعمق والشمول يوماً بعد يوم؟ !

نبدأ بطرح الصيغة التي تحدد أمامنا بوضوح موقع القيم الروحية إزاء القيم العلمية والتسارع «التكنولوجي».

مما لا شك فيه أن عصرنا اليوم ككل العصور الماضية آخذ بالامتداد إلى الغد والتقدم العلمي والتسارع «التكنولوجي» فنرى لزاماً علينا أن نتساءل بعد أن أو شكت القيم المادية في عصرنا الحاضر أن تسيطر سيطرة تامة على كل الحقول وجميع الميادين:

هل للقيم الروحية موقف طليعي أصيل يساير حركة التطوير والتغيير أم أنّه قضي على هذه القيم وتخلت دفعة واحدة عن كل فاعلية وتأثير؟

بعد هذا التحول الكبير والسريع الذي طرأ على المجتمع البشري المعاصر نرى من المفيد للإجابة على تساؤلاتنا أن نبرز ظاهرة النسبية في كل قيمة من قيم الحياة الإنسانية، لعلنا نستطيع التوضيح من خلالها بواعث اهتمامنا الخاص بنمط واحد من تلك القيم التي مهما نصفها بالروحية فلن نسلخ عنها ارتباطها الوثيق بالإنسان فرداً كان أم جماعة، ولن نبتعد بها عن التأثر سلباً أو إيجاباً بتبدل الأحوال الواقعية.

يذكرني هنا العلامة المعروف ابن خلدون الذي قال منذ عدة قرون: إن تاريخ الإنسانية بجميع قيمها أشبه شيء بذاكرة عامة لكل النوع البشري المكرم الذي ننتمي إليه، وأن الأحوال إذا تبدلت جملة فكأنما تبدل الخلق من أصله، وتحول العالم بأسره وكأنه خلق جديد [١].

وما يلاحظ اليوم أن العالم بأسره قد تحول، كما تنبأ ابن خلدون، وكأنه خلق جديد، وأن كل قيمة في هذا المجتمع العصري المتغير باستمرار باتت أمراً نسبياً قابلاً للتعليل والتأويل وهنا لابد لنا من وقفة عند بعض آراء الفلاسفة الّذين اختلفوا في تفسير القيم اختلافاً عميقاً.

يقول بعض العلماء أن القيم لا يمكن أن تدرس مستقلة عن ميدان الفلسفة فهي في الحقيقة تقع في المنطقة التي تلتقي فيها الفلسفة بالعلوم الاجتماعية. والفلاسفة اختلفوا في تفسير القيم وتضاربت آراؤهم:

فهناك نظريات تفرض أن قيمة الشيء كامنة فيه فعلاً، وتعبر عن طبيعته، وبمعنى أوضح ترى هذه النظريات أن قيمة الشيء موضوعية مستقلة عن ذات الإنسان ومشاعره، وتحدد بمعزل عن خبرته في الحياة الواقعية، ولهذا فإن القيم في نظرهم ثابتة لا تتغير.

وهناك نظريات أخرى ترى أن قيم الأشياء ليست كائنة فيها وإنما هي مجرد شعور ذاتي أو تقدير ينبع من ذات الشخص المتفاعلة مع خبراته.

فنظريات القسم الأول تتجه نحو الفلسفات المثالية، أما نظريات القسم الثاني فتتجه اتجاه «الفلسفات الطبيعية» ولكل من وجهتي النظر أنصار وأصحاب فمن أنصار «موضوعية» القيم إفلاطون وفي الواقع أن كل فلسفة أفلاطون تدور حول القيم فيما يجب أن يكون وما لا يجب أن يكون.

لقد اتضح لإفلاطون، الذي عاش في مجتمع تسوده المشاكل والاضطرابات أن لا سبيل إلى الإصلاح إلاّ بالمثل العليا الثلاثة:

الحق والخير والجمال فهذه الينابيع الثلاثة هي في نظره أعلى المعاني وأسماها قيمة وأعظمها منزلة ولا يخرج أي شيء عنها ولا يخلو أي شيء منها.

وقد جعل إفلاطون الحق في جانب العلم والمعرفة، والخير في جانب الأخلاق والسلوك، والجمال في جانب الفن والتناسب [٢].

ويعتقد إفلاطون أنّه لابد أن يكون هناك مصدر يستقي منه الناس هذه المعتقدات التي جعلتهم يتحدثون عن هذه المثل السامية ويتمسكون بها وهذا المصدر في نظره لابد أن لا يكون حياة الحس المملوءة بالخلق والاضطراب المستمر. فحياة الحس بهذا المعنى الذي يراه غير جديرة بأن تكون مصدراً للأفكار السامية، أفكار الخير والحق والجمال.

لذلك فهو يرجع هذه الأفكار إلى عالم آخر غير العالم الذي نعيش فيه … عالم لا نقص فيه، وهو يحتوي على أشياء كاملة كما يجب أن تكون عليه، أي عالم المثل، عالم الخير والحق والجمال.

ويتبلور مقصد أفلاطون في أن مصدر القيم الإنسانية خارج عن الحياة الواقعية والخبرة الشخصية للإنسان، تلك الخبرة التي تشتقق عن هذا العالم الحسي المتغير والمتقلب ولهذا يتحتم أن يكون مصدر القيم هو عالم المثل الذي يمتاز بأنه أبدي غير متغير etermel، ومطلق absolue.

وهكذا يرى أفلاطون أن إرجاع القيم إلى عالم المثل قد حل مشكلة القيم حلاً نهائياً والحقيقة أنّه لم يحلها بل زادها غموضاً وتعقيداً لأن عالم المثل يمتنع عن الملاحظة العلمية أو التجريب ومع هذا فقد أخذ الكثيرون بهذا الحل ورأوا رأي أفلاطون فوضعوا تفسيراً للقيم موضوعياً مستقلاً، تفسيراً يرى القيم كامنة في الأشياء وثابتة فيها ومطلقة وأبدية.

ولنتساءل كيف يمكن تحديد قيمة الشيء بمعزل عن الشخص وخبرته؟ ومن الذي يقوم الأشياء أولاً وآخراً؟ أليس هو الإنسان؟ وعلى أي أساس يقومها؟ ما نراه أنّه قطعاً لا يقومها على أساس قيمتها الكامنة فيها، أو الموروثة في مكوناتها الحقيقية أو عناصرها الذاتية، وإلا لظلت قيمة الأشياء ثابتة جامدة على مدى الأيام بالنسبة لكل إنسان في كل زمان ومكان، لا تتغير من جيل إلى جيل ومن موقع إلى موقع آخر !

ولكن الواقع غير هذا الواقع أن قيم الأشياء تعلو وتهبط تبعاً لعلاقتها بالإنسان وتبعاً لنظرته وحاجته إليها فالقيم لا تنشأ في الفراغ، ولا هي مجردة مطلقة، ولا ثابتة، ولا أبدية. بل هي جزء لا يتجزأ من الخبرة الإنسانية الواقعية. والقيم فضلاً عن ذلك متغلغلة في سلوك الإنسان، وتنبع من نفسه، ومن تفاعل رغباته مع الأشياء ومع البيئة التي يعيش فيها.

ومن النظريات التي تدافع عن وجهة النظر التي نحن بصددها، النظرية المعروفة بالنظرية الانفعالية [٣] ومضمون هذه النظرية أن قيم الأشياء تعتمد على الذات المدركة لا على صفة في الشيء المدرك.

فالحكم القيمي في الواقع تعبير عن انفعال المتكلم إزاء شيء ما، سواء كان هذا الانفعال بالحب أو بالكراهية أو بالاستحسان أو الاستهجان. ومن بين العلماء الّذين يعارضون الموضوعية في القيم «دوركايم» العالم المعروف في علم الاجتماع [٤] إذ يقول: إن هناك أمثلة كثيرة تبين لنا، أنّه ليس هناك أية علاقة على الإطلاق بين خصائص الشيء الكامنة فيه وبين القيمة التي تنسب إليه. فالهدية التي يتلقاها الشخص من حبيب له أو صديق عزيز لا يمكن أن تقاس قيمتها بخصائصها الكامنة فيها وإنّما لها قيمة معنوية عالية لا تقدر بثمن محدود. ويتابع فيقول:

لا يمكن أن تكون طبيعة أو خصائص هذه الأشياء الكامنة فيها هي المسؤولة عن ارتفاع قيمتها.

ومجمل القول إن القيم لا يمكن أن تكون موضوعية بمعنى أنها مستقلة عن الإنسان ومنبثقة من طبيعة الأشياء وصفاتها الكامنة فيها.

ولا ريب أن الإنسان هو نفسه الذي يحمّل القيم ما يرغب ويخلعها على الأشياء، وأن هذه الأشياء من وجهة النظر الطبيعية التجريبية «حيادية» أي ليست ضارة أو نافعة في ذاتها، ولا شريرة أو خيرة، ولا خاطئة أو صحيحة، ولا جميلة أو قبيحة وإنّما هذه الأحكام التي نصدرها عليها، وهذه القيم التي ننسبها إليها منبثقة من واقع اهتمامنا بها ورغبتنا فيها وفي هذا يقول الدكتور زكي محمود:

«رأينا أن العالم لا خير فيه ولا جمال، بمعنى أنّه ليس بين أشيائه شيء اسمه خير وشيء آخر اسمه جمال، في العالم أشياء كثيرة: فيه أشجار وأنهار وأحجار، وصنوف شتى من الحيوان، ثم يأتي الإنسان فتعلمه الخبرة وتنشئه التربية على أن يحب شيئاً أو يكره شيئاً، ومن هنا ما يحبه يكون خيراً وما يكرهه يكون شراً أو يكون ما يحبه جميلا وما يكرهه قبيحاً وما أكثر ما يحدث أن يبدأ الإنسان فيبدأ حياته باستحسان شيء وجده خيراً وجميلاً، وإذا بظروف حياته تتغير وطريقة تكوينه العقلي ووجهة نظره تتبدلان بفعل العوامل المؤثرة من بيئة وقراءة وأسفار واختلاط بالناس وغير ذلك فإذا هو ينتهي من كل هذا إلى استهجان ما كان يستحسنه أول الأمر.

وإذن فالشيء نفسه يكون خيراً أو شراً، جميلاً أو قبيحاً على حسب ما تراه أنت فيه، والمحيط الاجتماعي والمصلحة الذاتية هما اللذان يحددان لك ما تراه في الشيء من خير أو جمال أو عكس ذلك [٥].

النظرة العامة للقيمة

بعد أن عرضنا الآراء التي تدحض بشدة النظرية الموضوعية للقيم وتؤكد أن قيم الأشياء تتوقف على علاقة هذه الأشياء بالإنسان وعلى ما يحمله نحوها من رغبة وميل واهتمام نستطيع أن نبسط نظرية الفيلسوف «رالف بارتو بري»، تلك النظرية المعروفة «بالنظرية العامة للقيمة». هذه النظرية تتخذ مفهوم «الاهتمام» محوراً وركيزة لتفسير القيمة.

وخلاصة هذه النظرية أن أي اهتمام بأي شيء يجعل هذا الشيء ذا قيمة.

والواقع أنّه من الخصائص المميزة للعقل البشري أن يقبل بعض الأشياء ويرفض البعض الآخر، والقبول والرفض يتضمنان معاني كثيرة كالموافقة وعدمها، والحب والكره، والرغبة والرفض، والأقدام والأحجام.

لكن هذه الخصائص من ميل للقبول أو الرفض هي في اصطلاح العلامة «بري» «الاهتمام» فالاهتمام في رأيه يعد الينبوع الأصلي والخاصية الدائمة في جميع القيم؛ ومعنى هذا أن أي شيء يكتسب قيمة ما دام هناك اهتمام به من أي نوع كان. فالقيمة تنبع من الاهتمام والرغبة، وليس ينبغ الاهتمام والرغبة من القيمة وأنصار هذه النظرية قالوا: لا يحدث في أي حال من الأحوال أن نسعى إلى شيء نتمناه أو نتشوق إليه أو نرغب فيه، لأننا نعتقد أنّه خير، بل الحقيقة أننا نعتقد أن الشيء خير لأننا نسعى إليه، ونتمناه ونرغب فيه.

فالاهتمام بهذا المعنى لا ينبغ من الأشياء نفسها بل ينبع من الأشخاص متجهاً نحو الأشياء، وينبعث من النفس ويتجه نحو الأشياء.

ولكي يتضح مفهوم القيمة الذي نحن بصدده، يجب أن نؤكد أن الاهتمام لا يمكن تفسيره إلا إذا راعينا المجال السلوكي، أو الوسط الذي يحدث فيه السلوك في وقت ما ولنضرب مثلاً يوضح كيف أن استثارة الاهتمام من النفس واتجاهه نحو الشيء يتوقف تماماً على المجال السلوكي الكلي، فإذا قدمنا طعاماً لشخصين اتضح أن أحدهما في شدة الجوع، أما الثاني فكان قد أكل حتّى امتلأت معدته قبل أن يقدم إليه الطعام منذ زمن يسير فماذا يحدث؟ نرى اهتماماً من الشخص الجائع يتجه إلى الطعام فيقبل عليه راغباً فيه مشتهياً إياه، شاعراً بقيمته في حين أن الشبعان يتجه اتجاهاً عكسياً، اتجاه إحجام يجعله يرفض الأكل ولا يشعر نحوه بأية قيمة في هذا الموقف بالذات.

نستنتج من هذا أيضاً أنّه مهما كانت الظروف الخارجية واحدة، والبيئة الموضوعية الواقعية واحدة، فإن تأثر الأفراد بها يختلف، ومن ثم تختلف استجاباتهم لها واهتماماتهم بها، وذلك لأن كل فرد له مجاله الكلي الذي ينساب فيه سلوكه والذي يحدد نوع هذا السلوك واتجاهه ومضمونه.

ومن أبرز ما تتميز به نظرية (بري) (Perry) فكرة التغير في الاهتمام ومن ثم في القيم نفسها، فأي تغير في الاهتمام أو في الشيء موضوع الاهتمام ينتج عنه تغير في القيمة، ومعنى ذلك أننا نستطيع أن نغير من قيم الشخص إذا غيرنا موضوعات اهتمامه، بل يمكن أن نذهب إلى أبعد من ذلك فنقول: إنه يمكننا أن نخلق في الأفراد قيماً جديدة لم تكن موجودة من قبل إذا أدخلنا موضوعات يهتمون بها، أو إذا كونا عندهم اهتمامات جديدة وذلك بأن يبدأ الرواد الواعون والمثقفون في المجتمع نقد الممارسات والقيم التي أصبح التمسك بها غير مفيد وغير ملائم لروح العصر، ويكون هذا النقد منصباً على إبراز ما في هذه الممارسات من عيوب ومساوئ حتّى يفتر الاهتمام بها بالتدريج ثم يمحى كلياً وإلى جانب الاستهجان وإبراز العيوب على النقاد أن يقوموا بالجذب إلى اهتمامات جديدة، مفيدة، وملائمة لتحل محل الاهتمامات القديمة. ولكي يسهل تحويل الاهتمام من القديم إلى الجديد، لابد من تقديم الأدلة والبراهين المختلفة على أن الممارسات والقيم الجديدة أكثر ملاءمة وانسجاماً مع أوضاع المجتمع، لأنها أقدر فعلاً على تحقيق حياة أفضل وتوفير منافع للناس بطريقة تفوق الأساليب القديمة.

ويؤكد (بري) فكرة الديناميكية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بفكرة النزوع والسعي والجهد فالاهتمام عنده وجداني ونزوعي أيضاً؛ وإن كان يقدم عنصر النزوع على عنصر الوجدان.

والواقع أن الجهد والاهتمام يرتبطان بعضهما ببعض أشد الارتباط فكلما زاد الاهتمام من جانب الفرد، زاد الجهد الذي يبذله في نوعه ومداه وكذلك يرتبط كل من الاهتمام والجهد بعامل ثالث وهو الهدف. والهدف بدوره يحدد الجهد الذي يبذل بناء على النتائج المتوقعة وعلى ذلك تكون الأهداف والوسائل سلسلة متصلة الحلقات.

ومما هو جدير بالذكر ما يؤكده (بري) لعنصري السعي والجهد في الاهتمام وهذا معناه أن القيم هادفة وغرضية، بمعنى أنها تحفز الشخص وتدفعه للسعي وتحركه لبذل الجهد، ولتحقيق غايته والوصول إلى أهدافه.

ونعود فنقول إن نظرية (بري) تركز كل القيم في الذات، ولا يسعنا في هذا المجال إلا أن نتفق في الرأي معه عندما يقول:

«إن الشعور أو الوجدان، يلون بطريقة ما، الشيء الذي يتجه إليه وإن هذه الحقيقة لا يمكن أن ننكرها، فنحن نلمسها دائماً في خبرتنا اليومية ونتحدث عنها في أحاديثنا العادية ومن أمثلة ذلك قولنا: «كن جميلاً تر الوجود جميلا».

القيم وعمليات التقويم

نستخلص مما سبق أن الأشياء لا ترتبط بالقيم لسر كامن فيها، وإنما القيم هي من نسيج الخبرة الإنسانية، فمن هذه الزاوية نستطيع القول أن الأشياء ليست قيمة أو عديمة القيمة في حد ذاتها وإنما هي أحكام يصدرها الإنسان على الأشياء.

فالقيمة لفظ نطلقه ليدل على عملية تقويم يقوم بها الإنسان وتنتهي هذه العملية بإصدار حكم أو موقف معين.

والقيمة توجد في الشيء عندما يصبح هدفاً لحاجة أو لرغبة، وعندما نظن أن هذا الشيء ذو قدرة على إشباع هذه الرغبة، ومعنى هذا: أن القيمة هي خارجة عن الشيء ولا وجود لها إلا بعملية التقويم التي تحدث داخل الفرد المقوم. فالقيمة تصبح بالتالي هي ما نقومه.

أما التقويم كعملية، فهو أمر ليس في معناه أي غموض، وهذه العملية لا تخرج عن كونها أحكاما تتضمن اختيارات وتفصيلات لها ما يبررها سواء كانت هذه الأحكام على الأشياء أو على الأخلاق أو على السلوك والأعمال.

والتقويم عملية نميل إليها بطبعنا، فالانسان دائماً وفي كل زمان ومكان يقوم الأشياء، أي يصدر أحكاماً قيمة عليها فهذا له قيمة وذاك ليس له قيمة، وهذا رجل طيب وذاك رجل خبيث وهذا أحسن من ذاك.

وعملية التقويم هذه لا تتضح في مجال التعبير اللفظي فحسب بل إن مجالها أساساً هو مجال السلوك والأفعال والتفضيل والاختيار.

فالمسلك الذي يختاره الفرد هو الأفضل والأحسن والأكثر قبولاً وأهمية من وجهة نظره، وتبعاً لتقديره وإدراكه للظروف القائمة في الموقف فالسلوكالظاهري إذن هو أحد وجهي القيمة أما الوجه الآخر فهو الإدراك الباطني وكل اتجاه للعمل أو السلوك يمكن ملاحظته أو رصده، هو في الواقع المظهر الخارجي المعبر عن أحكام القيمة الداخلية وأن اختيار الشخص لهذا الطريق أو ذاك، هو في حد ذاته حكم مرده إلى القيمة وبناء على هذا يمكننا أن ننظر إلى الفرد كجهاز قيم في حالة أداء مستمر. أي إنه يقوم بعملية تقويم طوال الوقت. وهذا ما نلاحظه عند الأفراد الّذين يعيشون في مجتمعات حضرية معقدة ومفتوحة لعوامل التغيير السريع أما المجتمعات البسيطة البدائية منها أو الريفية فإن الأمر فيها على صورة مستقرة إلى حد كبير.

وقصارى القول أن عملية التقويم كثيراً ما تتضمن توتراً وصراعاً بين ما يرغب فيه الإنسان، وما ينبغي أن يكون عليه الحال في نظره، وهنا يتوقف سلوك الفرد على أيهما أشد جذباً له، والميل والرغبة الذاتية مع معايير الجماعة فيما ينبغي أن يكون ليتوحد معها الفرد. فقوة الجذب هي التي تحدد اختياره، وكثيراً ما يلتقي ميل الفرد الشخصي ورغبته الذاتية مع معايير الجماعة. وعندئذ لا يتطلب الموقف صراعاً في الاختيار أو التقويم.

التقويم عملية اجتماعية ثقافية

لا تتم عملية التقويم في الفراغ، وإنما يقوم الفرد بها متأثراً بالمحيط الاجتماعي والثقافي للمجتمع الذي يعيش فيه، أي في الوسط الذي ينشأ فيه، وما يتضمنه هذا الوسط من نظم اجتماعية وتقاليد، وأعراف وعادات اجتماعية وأنماط سلوك.

والقول بأن التقويم عملية اجتماعية ثقافية معناه أن التقويم يتكون ويتم عن طريق خبراتنا المختلفة وعلاقاتنا الاجتماعية مع الأشخاص والأشياء. فالإنسان يكتسب نظرته إلى الأشياء وتقديره لها من الآخرين، عن طريق فاعليته وتعامله معهم أي إن المجتمع هو الذي يحدد للفرد كيف ينظر إلى الأشياء، وهو الذي يعلمه كيف يحكم عليها، ومتى يعطيها قيمة ومتى ينقص من قيمتها.

والحكم على الشيء بأن له قيمة مساو للقول إن هذا الشيء مرغوب فيه وإذا تساءلنا مرغوب فيه ممن؟ فالجواب: مرغوب فيه من المجتمع.

يقول عالم الاجتماع المعروف (دوركايم): «ونحن نعرف تماماً أننا لسنا سادة تقويمنا، فنحن في هذا مقيدون وملزمون ومجبرون والذي يقيدنا ويلزمنا ويجبرنا هو الضمير الاجتماعي Concience Social.

إن الأفراد يجدون خارج أنفسهم تصنيفاً ثابتاً محدود المعالم ليس من صنعهم، بل إنه يعبر عن غير مشاعرهم وعواطفهم الشخصية، ومع ذلك فلزاماً عليهم أن يطيعوا ويتوافقوا. إن رأي المجتمع يتناول باللوم والسخرية كل تقويم يقوم على أسس أو معايير غير الأسس والمعايير التي ينص عليها ويصفها [٦] ».

ونحن نوافق دوركايم في نظرته لهذا الموضوع حيث نرى أن ما يعتقده الفرد صواباً وذا قيمة، يتوقف إلى حد كبير مع المعايير التي يضعها المجتمع فحكم الشخص القيمي يكون له بواسطة مجتمعه. وبيئته، ولا يكون هو نتيجة لتأملاته الشخصية المستقلة والواقع أن الرجل العادي يأخذ قيمه وأخلاقياته جاهزة من المتجر الاجتماعي، كما يأخذ ملابسه من السوق التجاري.

وبذلك يكون للمحيط الذي ينشأ فيه الفرد الدور الهام في منحه قيمه

(١٨٧)

وأخلاقياته، وأقصد المحيط الجغرافي والمحيط البشري. فالفرد الذي نشأ في الغرب اعتقد أنّه من الخطأ الزواج بأكثر من زوجة واحدة بينما إذا كان ممن نشأ في الشرق فانه يرى من الصواب الزواج بأربعة ما دام يستطيع العدول بينهن.

وبهذا المعنى تصبح القيم «طوبوغرافية» إذ إن ما يعتقده الفرد صواباً أو خطأ، خيراًأو شراً، جميلاً أو قبيحاً، يتوقف على خطوط الطول والعرض التي يقع عليها المنزل الذي تصادف أنّه ولد فيه [٧].

فعلى أساس الخبرات التي يمر بها الفرد ينتقي ما ينسجم مع حكمه التقويمي والخبرات هذه التي يمر بها هي كل ما يتلقاه منذ طفولته في بيئته الأسرية والمدرسية وغيرها من الجماعات الأخرى التي يندمج بها، ويعاشر أفرادها في إطار المجتمع الكبير فعلى أساس كل هذا يبني حكمه على الأشياء وتقويمه إياها.

فتقويمات الفرد تتم تبعاً لتقويمات المجتمع بطريقة تكاد تكون لا شعورية لان هذه التقويمات تقدم له جاهزة، وهي تغرس فيه غرساً منذ الصغر فيتشربها تشرباً عن طريق: القصص وأساليب الثواب والعقاب، ومحادثاته ومحاوراته مع الآخرين وكذلك قد يسمع هذه التقويمات عن طريق الوعظ في المساجد والكنائس والمدارس والجامعات.

وهذه التقويمات تسيطر على الفرد وتلزمه بطاعتها والأخذ بها والعمل بما يساندها ويؤيدها فمن وافقها وأطاعها نال جزاء حسنا وفاز بتقدير المجتمع، وأما من عصى أمرها وخالفها فانه لا يلقى إلا اللوم والتهكم والتحقير وبذلك يصبح الفرد أسير المجتمع.

قال الدكتور فؤاد بهي السيد: «وقد ثبت من دراسات الكثيرين عن التعصب مثلاً، إن كره الأمريكي للزنوج يرجع إلى أثر الأسرة والمجتمع في نظرتهما وأحكامهما المنصبة على التفرقة العنصرية وعلى التعصب ضد الزنوج» [٨].

أما التأويل الاجتماعي الثقافي فهو عنصر أساسي في عملية التقويم. إذا أردنا إصدار حكم قيمي على فرد معين، نتناول هذا الشخص فنفرغ عليه كل ما عندنا من أفكار ومعايير المجتمع، الصور الخالصة والمعاني الخالصة التي يود أن يراه هو عليها. أي أن موقف الفرد من عملية التقويم ليس موقفاً سلبياً كموقف المرآة التي تعكس مجرد الأشياء والانطباعات بل إنه موقف إيجابي فاعلي يضيف إليه ويحذف منه وينظم حتّى يصل إلى إصدار الحكم القيمي الذي يتمشى مع ما يرغب فيه المجتمع الذي يعيش فيه.

ومعنى هذا أن التقويم السلبي والتقويم الإيجابي للأشياء يتحدد على أساس إطار التربية والمرجع الذي يكونه الفرد. فإذا ما نشأ في بيئة محافظة كان له إطار مرجع يختلف عن إطار المرجع للفرد الذي ينشأ في بيئة متحررة.

وإن هذا الإطار ليختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر ومن طبقة اجتماعية إلى طبقة اجتماعية أخرى ولهذا تختلف النظرة إلى الأشياء، وتختلف أسس ومقاييس التقويم فمن ينشأ في بيئة رأسمالية فإنه يقوم الأشياء كما تمليها عليه أوضاع هذه الثقافة أما من ينشأ في بيئة اشتراكية، يقوم على أساس المساواة بين الناس والعدالة الاجتماعية وفرض النظام الاجتماعي الذي يحقق هذه المساواة وهذه العدالة.

فمن البيئة والمجتمع والثقافة السائدة يتعلم الفرد من مبدأ حياته كيف يقوم الأشياء وكيف يصدر الأحكام، وكيف يتجه في تقويمه إلى النواحي التي تهم الجماعة.

ولو نظرنا نظرة واقعية لوجدنا أن الهيئة الاجتماعية في الواقع تفرض على الشخص انتباها معيناً وتضع قيوداً لرغباته وميوله وإن نجاح الشخص في حياته متوقف على تكيف سلوكه حسب هذا الفهم حتّى ولو كان ظاهرياً وإلا انعدم التكامل والتوافق بين الفرد والمجتمع وتعرضت الشخصية للاضطرابات بسبب عدم التوافق بين (الأنا) و (النحن) كما يقول علماء النفس. ومعنى ذلك أن الفرد في تقويمه للأشياء يتأثر بأوضاع معينة، ومعايير خاصة، ترعاها الجماعة فيشعر نحوها بالالتزام، وقد أبرز أحمد أمين مدى سطوة الذوق العام للمجتمع ومبلغ تحكمه وتأثره في تقويم الناس وأحكامهم فقال:

«إذا قال الناس: إن سحبان وائل خطيب يضرب به المثل في البيان، فيقال أقصح من سحبان فقل معهم، وإن كنت لم تقف على شيء يثبت فصاحته ويبرهن عن بلاغته» ثم يمضي ناصحاً بالتوافق مع الذوق العام: «وإذا قالوا: إن من أبلغ خطب العرب خطبة قس بن ساعدة، فقل كما قالوا وإن لم تتذوق ذلك ولم تشعر أنّه إمام الأدب وسيد الشعراء، وإذا قالوا إن فلانا شاعر متكلف أو أديب متخلف فإياك أن تحدثك نفسك بأن تقلب أوضاعهم أو تخالف إجماعهم» وأخيراً يختم كلامه بقوله: «هكذا استبداد الذوق العام، فانك لا تستطيع الخروج عليه وإعلان استقلال ذوقك عنه إلا بثورة عنيفة على الذوق وتعرض لكل أنواع العقوبات الذوقية» [٩].

فنرى التقويم والاختيار يتمّان في نطاق مدلول المصلحة العامة ومصلحة الجماعة أو المرغوب فيه منها، أو النافع لها أو الضروري لاستمرارها وبقاء كيانها. وكل هذه الاعتبارات تتجمع في المعايير التي تضعها الجماعة.

والواقع أنّه ليس هناك من لديه القدرة على الخروج على كل المعايير الجماعية وقيمها وفي ذلك يقول أحد علماء الاجتماع:

«إن الشخصية التي تعلو على معايير المجتمع وتقويماته، تكون إما شخصية قوية ونادرة جداً أو شخصية شاذة ومعتوهة.

ونوجز القول: إنه لا يمكن التنصل من توجيه السلوك نحو القيم وتقويم الأشياء كما يراها المجتمع.

المفهوم الاجتماعي للقيم

على ضوء ما تقدم نرى أن القيمة في الواقع هي اهتمام أو اختيار أو تفضيل، يشعر معه صاحبه أن له مبرراته الخلقية، أو العقلية أو الجمالية أو كل هذه مجتمعة، بناء على المعايير التي تعلمها من الجماعة ووعاها في خبرات حياته نتيجة عمليات الثواب والعقاب والتوحد مع الغير. فالمفهوم الاجتماعي للقيم إذن مقصور على تلك الأنواع من السلوك التفضيلي المبني على مفهوم «المرغوب فيه».

ويحسن بنا أن نوضح لفظ «المرغوب فيه» Desirable هو ما ينبغي أن يرغب فيه. أما الرغبة الشخصية فهي ما نميل إليه شخصياً بصرف النظر عن معايير الجماعة وقد يكون أن ما نرغب فيه شخصياً يتعارض مع المرغوب فيه اجتماعياً فالمرغوب فيه هو تلك المرآة التي تعكس معايير الجماعة أيا كان نوعها. وخلاصة القول: «إن القيم طبيعة معيارية» ولا يفوتنا أن نوضح عبارة أخرى هي «معايير الجماعة».

بناء لما تقدم نستطيع القول أن المعيار بالضرورة هو ما يقوم به أكبر عدد من الناس في موقف معين.

والوصف الحقيقي لثقافة ما، يجب أن يتضمن كل السلوك لكل الأعضاء في هذه الثقافة في فترة معينة وبديهي أنّه لا يستطيع أحد أو جماعة من الناس إدراك الثقافة كلها أو القيام بوصفها.

وتصبح القاعدة أن يسلك كل واحد كما يسلك الآخرون، وأن ما يتكرر بشكل مستمر وعام يولد شعوراً بأنه حق وضروري وواجب، وترانا كلنا مساقين بالإيحاء إلى أن نعتقد أنّه لابد من وجود حكمة ومنفعة وضرورة فيما يعمله كل الناس أو معظمهم.

ولذلك فالقول بأن القيم ذات طبيعة معيارية معناه أنها تختلف باختلاف الجماعات والنظم السائدة فيها وإذا قلنا إن القيم تعكس معايير السلوك إنّما نقصد بالمعنى الوضعي الاجتماعي الذي تعبر عنه الفضيلة الاجتماعية. والفضيلة الاجتماعية تتلخص في أن يقوم الفرد بواجبه، ويحترم ممارسات مجتمعه وعاداته. يقول أحمد الخشاب في هذا الصدد: «فهي ليست فكرة (ميتافيزكية) مجردة ترتكز على فعل الواجب وإنما مشتقة من طبيعة الضوابط الإنسانية الواقعية في المجتمعات البشرية، ولا يقصد بالتوافق مع معايير الجماعة أن يسلك الفرد السلوك السوي الواقعي المحسوس الملموس الذي يرتضيه المجتمع، والذي يقبله الرأي العام في شكل أوامر ونواه أو ضوابط متداولة ومتعارف عليها بين الناس» [١٠].

وقال غيره من العلماء: «لو كانت المعايير مبنية على (ما يجب أن يكون) أو على مثل أعلى مطلق، لاتفقت كل الشعوب، وكل المجتمعات في كل الأزمان والظروف والمواقف على قيم واحدة موحدة.

ولكن الواقع هو أن لك مجتمع قيمه ومعاييره التي تتوقف على ظروفه وأحواله» [١١].

والسلوك السوي يختلف من جماعة لأخرى فما يكون سلوكاً سوياً وفي ثقافة ما، يكون انحرافاً في ثقافة أخرى، ولذلك يقول المثل: «إن فضائل هذا الحي هي رذائل الحي الآخر».

فالسلوك يكون سوياً أو منحرفاً على أساس مطابقته لمعايير الثقافة في زمن معين ومكان معين.

قال نيتشه: «ليست الفضيلة شيئاً سوى الطاعة لعادات الجماعة من أي نوع كانت هذه العادات». وقال غيره:

«إن الرذيلة هي السلوك المنافي لعرف الجماعة في زمن معين ومكان معين». وهكذا يتأكد لنا أن الطبيعة المعيارية للقيم تحمل معها معنى نسبيتها. وفكرة النسبية هذه هي فكرة محورية في دراسة القيم.

بعد هذا العرض عن مدلول القيم وكيفية تقويمها من قبل الجماعات المختلفة في معاني الحياة وأهدافها نرى لزاماً علينا في السنوات الأخيرة من القرن العشرين، قرن الكهرباء والكومبيوتر والاختراعات المادية الحديثة أن نكشف العلاقة الواقعية والموضوعية بين القوانين الداخلية لعملية الإنجاز الفكري، وبين القوانين العامة لحركة الواقع الاجتماعي، إن كنا جادين في معالجة التتابع الحضاري في مراحل الحياة البشرية وفي استكناه حقيقة القيم الروحية التي ما تزال قادرة، برغم كل العقبات، على تحديد موقف كلي شمولي غير مرهون بما نفاه العلم من نظريات خيالية وهمية، وغير متهيب مما أثبتته التجارب من الحقائق العصرية الواقعية، سواء تناولنا القيم الروحية مستقلة أم مترابطة مع القيم الثقافية، أم من كليهما المتداخلين لابراز قيمة الإنسان في ذاته، أو قيمة السلام في حياته، أو قيمة الزمن الذي يتفاعل معه، أو قيمة الحقوق العامة والحريات التي يرغب في صونها، أو قيمة النظام الذي يخضع له، أو قيمة العدالة التي يشكو من فقدانها أو قيمة العقل الواعي الذي لا ينفصل عن طبيعته الوجدانية.

إن طرح معضلة القيم الروحية على هذا الشكل يتيح لنا أن نراقب مختلف التغييرات المتعاقبة في الميدان التجريبي، عندما بدأت هذه التغيرات السريعة تشكك في قيمة المعارف الإنسانية دون استثناء، ثم بدأت تهز الضمير الديني بعنف لتسأل: إلى أين المصير؟ ! وأياً كانت الإجابة عن تلك التساؤلات فلابد لنا من وضع هذه الأمور في إطارها الصحيح، فنسلط الأضواء على حقيقتي العلم (والتكنولوجيا) للوقوف على القيم الفعلية الكامنة في كل منهما، والقيم التي أحاطت الإنسان بظلال من الكرامة عن طريقهما.

وعلى هذا الأساس وحده يحق لنا أن نقوم موازنة بين موقفين، يتوهم تارة أنهما متعاديان ولا عداء، ويظن تارة أنهما متلاقيان ولا لقاء، فماذا يعني العلم وماذا تعني التكنولوجيا؟

الذي نجده عند العلماء والباحثين أن العلم هو عملية خلق في الأساس وبتعبير آخر هو قيمة من قيم الحياة تحدد بها المناهج الموصلة إلى الكشف الدقيق والعميق عن أطوار الإنسان، وأوضاع المادة، ونواميس الوجود. والتكنولوجيا هي أيضاً، بفضل تشعبها عن العلم، هي الأخرى عملية خلق في الأساس، لا تزيد في أدق إنجازاتها وأكملها على قيمة من قيم الحياة إذ بواسطتها يتحقق الابتكار الدائم والصناعة الفنية المتواصلة لأجهزة وآلات تزداد يوما بعد يوم تعقيدا وتركيبا وهذا هو الذي يدفع بالعلماء إلى ربط الاختصاص (التكنيك) بـ (التكنولوجيا) لإدخال الصناعة الفنية الآلية في شمول التنظيم الإنساني القادر وحده على فهم (التكنيك) وتنميته والهيمنة عليه.

ولا يخفى على أحد أن التسارع التكنولوجي في عصرنا الحاضر هو أعظم ثمرة من ثمرات العلم، إلا أنّه برغم ما وفره للإنسان من أسباب الراحة والرفاهية، فقد سلبه في الوقت نفسه أعظم مزية تتيح له الإفادة مما أعطاه، عندما صرفه بعنف وقسوة عن قيم الروح فإذا صح أن الإنسان حتّى في النظرة العلمية الخالصة جزء لا يتجزأ من هذا الوجود، فلابد أن يصح أيضاً أن التعارض المتوهم هو بين إنسان العصر الحديث وتكنولوجيا العصر الحديث وليس بين قيم العلم وقيم الدين.

الإنسان والروح

وإذا ما تساءلنا عن تباعد العلاقة بين الإنسان وبين الروح، نجد أن هذا الانفصام قد نشأ من قسوة الإجحاف بحق (الإنسانيات) ومن وطأة الهجوم عليها والاستخفاف بها. ففي الوقت الذي نرى الطبيعة الإنسانية تقاوم التغيير وتأباه، وترهب المستقبل وتخشاه، وتتمسك بالماضي وترضاه - على حد قول علماء الاجتماع - نلاحظ في الميدان التكنولوجي خضوع الأدب والشعر وخضوع الفلسفة تأملا وفكراً إلى المنهج العلمي.

لقد طغت الثقافة التكنولوجية على حساب الثقافة الإنسانية فألحت على طبع مناهج التعليم كلها بالطابع العلمي الصرف، واستغنت كلياً عن جميع التأملات الأدبية والفلسفية.

فإزاء هذا الغلو البالغ حداً من الغرور، والمتعالي بالقيم العلمية البحتة والهازئ بكل ما عداها، لم يكن بد من أن تنشأ دراسات أكثر اعتدالاً وأقرب إلى وضع القيم المتقابلة في نصابها الصحيح.

اتخذ هذا الفريق موقفاً إيجابياً وسطاً، وفلم يضخم جانباً على حساب جانب آخر. فالإنسان في نظر هؤلاء قد اخترع الآلات للوفاء بحاجاته والاستعانة بها على المادة. لكنها مالبثت أن تمردت عليه بعد أن كانت خاضعة له، وأصبحت غاية بعد أن كانت وسيلة. وما كان له مع ذلك أن يطرحها، بل وجد العلاج الوحيد الفعال، التقبل الواضح التام لكل ما هو (تكنيك) على ما هو عليه وما ينبغي أن يكون عليه.

إذن لابد للإنسان من أمرين يتكاملان ولا يتعارضان:

أحدهما طبيعته الروحية الأساسية التي لا يجوز له التفريط بها، وإلا أضاع نفسه وأضاع الآلة التي صنعها معه واستعد للهيمنة عليها.

والآخر الآلة نفسها التي ما تزال تفيده وتيسر رفاهيته برغم مساوئها، وما كان للإنسان أن يعد تلك آلالة. ألد أعدائه، ولا أن يعدها سبباً مباشراً أو غير مباشر في انحلاله الروحي ولكي يتم التنسيق بين هذين الأمرين، ينبغي للإنسان أن يتخلى عن توهمه القدرة بروحيته وحدها، على الانطواء داخل الشعور على ذاته، لأن الروحية الحقة لا تزدري العالم، بل تنفتح عليه وتأخذ منه وتعطيه.

أما علماء الغرب فحين يتحدثون عن الأديان في الشرق يقصدون الدين الإسلامي وحده، وخاصة في معرض الانتقاد والاتهام لكنهم لو عرفوا أبسط البديهيات عن القيم الإسلاميّة لأقروا بأنها وحدها من بين القيم الروحية التي تمتاز بالواقعية الإيجابية في مواجهتها للقيم العلمية والتكنولوجية، ولإنجازاتها العملية، وذلك من نواح عدة:

١ - القيم الإسلاميّة تلتقي مع القيم العلمية بلا ريب.

٢ - القيم الإسلاميّة تتحرك باتجاه القيم العلمية في أغلب الأحيان.

٣ - القيم الإسلاميّة تحد من خطر التكنولوجيا في بعض الأحيان.

الحقيقة الأولى: أن العلم في الإسلام هو قيمة أساسية بحد ذاته طريقة ومنهجاً قال تعالى: ﴿… يرفع الله الّذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات…﴾ [١٢].

وقال تعالى أيضاً: ﴿قل هل يستوي الّذين يعلمون والذين لا يعلمون. إنّما يتذكر أولوا الألباب ﴾ [١٣].

فالعلم هنا ليس محصورا في التفقه بأحكام الدين، وإنّما هو قواعد المنهج الموصلة نظرياً وعملياً وتجريبياً إلى الكشف الدقيق والعميق عن أطوار الإنسان، وأوضاع المادة، ونواميس الوجود.

ولا ننسى إبراز الإسلام لقيمة العلم الأساسية أن أول ما نزل من القرآن اشتمل على إشادة ظاهرة بالقلم، وسيلة الخروج من الجهل إلى المعرفة المطلقة بأوسع معانيها قال تعالى: ﴿إقرأ باسم ربك الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم﴾ [١٤].

فالعلم المقصود في هذا المقام هو علم مطلق كل الإطلاق، شامل كل الشمول، لا يقيده قيد، ولا يحده حد، وهو قابل باستمرار للتقدم والزيادة والتغيير والتطوير، وليس مرده إلى الفهم الشخصي الذي قد يخطئ وقد يصيب، بل إلى الخطاب القرآني الصريح، في مثل قوله تعالى: ﴿…. وقل رب زدني علماً﴾ [١٥]. فكل إنسان في كل زمان ومكان، يطالب بالاستزادة من كل علم، يسبر به أغوار الوجود بلا حدود ولا قيود. ومعنى ذلك أن مسيرة العلم لن تتوقف أبداً حتّى تكتشف كل مجهول.

والحقيقة الثانية: أن الإنسان العاقل منذ عشرات الألوف من السنين يتحرك تحركاً بطيئاً، يتأمل ويطيل التأمل في نفسه وفي الكون من حوله، حتّى استطاع اكتشاف قدرته العقلية المهجزة بأكبر الطاقات والإسلام يؤمن بقيمة للعلم أساسية مستندة في منهجيتها المتكاملة إلى التأملية النظرية المتقدمة زمناً قبل استنادها إلى التجربة التطبيقية المتأخرة حصولاً ولا يخفى أن العلوم التطبيقية العملية لم تبصر النور إلا بعد سلسلة من التأملات الطوال عبر القرون والأجيال.

وفي ضوء هذا المقياس نلاحظ أن القرآن بمنطقه الوجداني البالغ التأثير، يدعو أول الأمر إلى استخدام الطاقة الفكرية لدى تقرير الدلائل العقلية وإيراد الحجج والبراهين على حقائق الكون والحياة وما أكثر الآيات التي تدل على استخدام التفكير على الأجمال، من هذه الآيات نتذكر قوله تعالى: ﴿…. فاعتبروا يا أولي الأبصار﴾ [١٦] وقوله تعالى: ﴿…. إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار﴾ [١٧].

وقوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون. أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى، وهو الخلاق العليم﴾ [١٨]، وقال تعالى: ﴿…. كذلك يبين الله لكم الآيات لعلكم تتفكرون﴾ [١٩].

وقد نبه كثير من الفلاسفة وعلماء الكلام إلى قيمة هذا الاستدلال العقلي كحجة الإسلام الإمام الغزالي الذي قال: «وأول ما يستضاء به من الأبواب، ويسلك من طرق النظر والاعتبار، ما أرشد إليه القرآن، فليس بعد بيان الله بيان» [٢٠].

وفخر الدين الرازي الذي قال: «بل أقر الكل بأنه لا يمكن أن يزاد في تقرير الدلائل العقلية على ما ورد في القرآن» [٢١].

والحقيقة الثالثة: أن تخصيص القرآن الكريم هذا الأسلوب الاستدلالي النظري التأملي بتلك العناية الظاهرة، قد ترتبت عليه أحكام شرعية تناولت العقيدة الإسلاميّة في الصميم، حتّى أن الأشاعرة والمعتزلة أوجبوا معرفة الله بالعقل، فروى عنهم ابن حزم قولهم الصريح: «لا يكون مسلماً إلا من استدل» [٢٢].

وهذا ما اعتمده المتكلمون، فمن تأثرهم بالقرآن واستلهامهم لمعانيه، الذي ينبذ العقائد المتوارثة عن حقائق هذا الوجود وفيه نداء متواصل لطرحها كقوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أولو كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون﴾ [٢٣] وقوله تعالى أيضاً: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا﴾ [٢٤] ثم بلغ أبعد مدى من ذلك، حين شبه أولئك الّذين عطلوا حواسهم وطاقاتهم الفكرية بالأنعام فقال تعالى: ﴿لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها، أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [٢٥].

وتأكيداً لهذا الأسلوب التأملي في الاستدلال الذي دعا إليه القرآن في آيات كثيرة، دعا سبحانه وتعالى إلى استخدام الاستقراء لفحص حقائق الوجود فحصاً دقيقاً: فكيف وجدت؟ ومما تركبت؟ وكيف تطورت؟ كقوله تعالى: ﴿أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت والى السماء كيف رفعت والى الجبال كيف نصبت إلى الأرض كيف سطحت فذكر إنّما أنت مذكر﴾ [٢٦].

وكما يصدق على الحيوان والجماد يصدق أيضاً على ظواهر كونية في الأرض والفضاء كقوله تعالى مخاطباً المؤمنين ليتأملوا ويستقرئوا ويفكروا كقوله تعالى: ﴿قل سيروا في الأرض فانظروا كيف بدأ الخلق، ثم الله ينشئ النشأة الأَخرة. إن الله على كل شيء قدير﴾ [٢٧].

فلا يخفى على أحد هذا التحريك الدائم للطاقة العقلية، تأملاً، واستقراء، يضفي عليه الرسول الأكرم أحاديث شريفة تزيده جلاءً.

سمع المؤمنون قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام. وكان عرشه على الماء…. ﴾ [٢٨]، فاقبلوا على النبي - صلى الله عليه وآله - يسألونه عن بداية العالم، فاجابهم - صلى الله عليه وآله - : «كان الله ولم يكن شيء معه أو غيره، وكان عرشه على الماء» [٢٩].

لقد أجابهم - صلى الله عليه وآله - عن بدء هذا العالم الموجود لا عن جنس المخلوقات وفي ذلك تحريك دواعي النظر إلى أن ثمة موجوداً قد كان قبل وجود الكون، وأن في عملية الخلق نفسها ترتباً في الزمان، (ستة أيام) واستمراراً في التطور، وتدرجاً في نشأة الأجرام وتكاملها، وهذا دليل أن التكوين لم يتم دفعة واحدة وبصورة كاملة.

وإذا ما تابعنا في القيم الروحية الإسلاميّة تصوراتها لنشأة الحياة وتطورها من جهة، ولدور الإنسان وفاعليته في الكون من جهة أخرى، وصلنا إلى خطوة تمهيدية نحو إحكام الصلة بين عملية النظرة التأملية الاستقرائية وعملية الانجازات التجريبية التطبيقية، فلو محونا من الصياغة المادية تعابيرها الدينية المحضة لتوهمنا أنها علمية بحتة.

وفيما يتعلق بنشأة الحياة نذكر على سبيل المثال لا الحصر، أن عوالمها المسماة في القرآن بالعالمين لم تبلغ كمالها إلا بالتدريج، برغم تشابه مادتها الأولية سواء أكانت الماء للأحياء، أم الدخان للأجرام.

أما الكائنات الحية فنشأتها كلها من الماء، ثم تبلغ كمالها بالتدريج، قال تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي﴾ [٣٠]. وقال: ﴿والله خلق كل دابة من ماء …. ﴾ (٣١).

وأما الأجرام السماوية فتكونت كلها من دخان ثم بلغت كمالها بالتدريج كما قال تعالى: ﴿ثم استوى إلى السماء وهي دخان فقال لها وللأرض ائتيا طوعاً أو كرها، قالتا أتينا طائعين﴾ (٣٢).

وشبيه بهذا من زاوية التعبير المادي المحض، ما أشار إليه القرآن الكريم من أن أصل الكائنات كلها واحد، من حيث تركيبها الذري من زوجين اثنين. قال تعالى: ﴿ومن كل شيء خلقنا زوجين لعلكم تذكرون﴾ (٣٣). وقال تعالى أيضاً: ﴿سبحان الذي خلق الأزواج كلها مما تنبت الأرض ومن أنفسهم ومما لا يعلمون﴾ [٢٤].

ولا أظن أننا بحاجة إلى عقد مقارنة بين الصياغة الدينية وما اكتشفه العلم الحديث من تكون كل ذرة من الألكترون والبروتون وانحلالها إلى كهارب موجبة وكهارب سالبة.

وقد ضرب لنا القرآن الكريم مثلاً بالجبال التي نتصورها ثابتة صلبة مع أنها بما فيها من إشعاعات أشبه شيء بالسحاب وهذا دليل واضح على انطواء الأجسام المادية على تلك الكهارب. قال تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي اتقن كل شيء…. ﴾ (٣٥).

إن هذه التعابير المادية، وإن التقت أساساً مع ما انتهى إليه العلم الحديث حول نشأة الكائنات وأصلها الواحد، لم ترد في النصوص الدينية على أنها معلومات مقصودة لذاتها، بل هي ومضات عرضت ضمن سياق معين لغايات دينية منذ البداية لكنها ومضات بالغة القوة مما يجعلها توقظ العقل الإنساني إلى الالتزام بالتفسير العلمي الصحيح المستند إلى ظواهر الكون نفسها، الرابط بين أسبابها ومسبباتها والمستنبط لنواميسها.

وما نلفت إليه أن نظرية الخلق المستمر التي تبناها (ديكارت) (٣٦)، مسبوقة في القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿…. خلقا من بعد خلقا من بعد خلق في ظلمات ثلاث …. ﴾ (٣٧).

والله تعالى خالق لكل مخلوق في كل وقت، قال تعالى: ﴿…. ثم أنشأناه خلقاً آخر…﴾ (٣٨). علق على ذلك ابن حزم فقال: «والله تعالى يخلق كل حين جميع العالم خلقاً مستأنفاً دون أن يفنيه» (٣٩).

ونظرية الخلق المستمر هذه وإن لم تبرأ في أصل صياغتها من الجانب التأملي أو الفلسفي، فقد وجدت فيما بعد امتدادها العلمي في نظرية التطور Evolution بكل ما يسودها من نزوع ظاهر إلى مادية التعبير عن الظواهر والحقائق والصياغة القرآنية تميل إلى تأييدها أو الالتقاء معها، خلافاً لمن ادعى عكس ذلك وما الزيادة في الخلق لدى الانتقال من الأدنى إلى الأعلى، إلاّ تصور ديني منسجم تمام الانسجام مع فكرة التطور، قائم في الكائنات كلها علويها وسفليها، إنه من صنع الخلاق العليم قال تعالى: ﴿…. يزيد في الخلق ما يشاء إن الله على كل شيء قدير﴾ (٤٠).

وأوضح ما يكون هذا التطور إذا ما تعلق بالإنسان تعلقاً مباشراً، من حيث هو كائن مادي، وقد جاء خاتمة لسلسلة من المخلوقات أدنى منه سبقته على هذه الأرض، كما يشير إلى ذلك لفظ «خليفة» قال تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة…﴾ (٤١).

كذلك انتهى الإنسان إلى أطوار بلغ فيها كماله في إطاره النوعي، منتقلاً من طور إلى طور، ومن حال إلى حال. قال تعالى: ﴿ما لكم لا ترجون لله وقارا. وقد خلقكم أطوار﴾ (٤٢) وقال سبحانه: ﴿هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكورا﴾ (٤٣).

قال المفسرون: إن (هل) هنا بمعنى (قد) وجاءت للتحقيق لا للاستفهام، والمراد تأكيد الأطوار الزمنية التي مرّ بها الإنسان متدرجاً من الأدنى إلى الأعلى حتّى صار إلى ما هو عليه من كمال (٤٤).

وهنا لسنا بمعرض الحديث عن نظرية التطور وتعزيز نظرية أصل الأنواع وتطورها كما أوضحها دارون، وإنّما نريد أن نلفت النظر إلى مدى التسرع الذي يقع فيه بعض الباحثين فريسة عندما ينفون عن الفكر الإسلامي علمية النظرة أو منهجيتها برغم سبق علمائنا الأفاضل منذ قرون إلى اكتشاف أهم النظريات عن نشوء الحياة وتطورها، وصياغتهم إياها صياغة مادية بحتة لم تحد من طلاقتها وحريتها التامة نصوص من القرآن عجز عن فهمها من ليسوا أهلاً لها (٤٥).

الهوامش:

* - أستاذ الأدب العربي والحضارة العربية في الجامعات اللبنانية، مشرف في قسم الماجستير والدكتوراه.

١ - المقدمة، ص ٥٣.

٢ - القيم الروحية في الإسلام، أحمد فؤاد الأهواني، القاهرة ١٩٦٢.

٣ - خرافة الميتافيزيكا، زكي محمود، القاهرة مكتبة النهضة المصرية ١٩٥٣.

٤ - وضع كتاب قواعد المنهج في علم الاجتماع.

٥ - زكي محمود، المصدر السابق، ص ١٣٦.

٦ - قواعد المنهج، ص ٨٤.

٧ - المصدر السابق، ص ٤٤٨.

٨ - علم النفس الاجتماعي، ص ٢٤٧.

٩ - فيض الخاطر، ج ١ ص ٤٣.

١٠ - الضبط الاجتماعي، ص ٩٢.

١١ - المصدر السابق، ص ٦٤.

١٢ - المجادلة: ١١.

١٣ - الزمر: ٩.

١٤ - العلق: ١ـ ٥.

١٥ - طه: ١١٤.

١٦ - الحشر: ٢.

١٧ - آل عمران: ١٣.

١٨ - يس: ٧٨ - ٨١.

١٩ - البقرة: ٢١٩ و ٢٦٦.

٢٠ - إحياء علوم الدين، ج١ ص ٩٢.

٢١ - الأربعين في أصول الدين.

٢٢ - الفصل في الملل الأهواء والنحل، ج ٤، ص ٣.

٢٣ - البقرة: ١٧٠.

٢٤ - الإسراء: ٣٦.

٢٥ - الأعراف: ١٧٩.

٢٦ - الغاشية: ١٧ - ٢٠.

٢٧ - العنكبوت: ٢٠.

٢٨ - هود: ٧.

٢٩ - صحيح البخاري، كتاب بدء الخلق.

٣٠ - الأنبياء: ٣٠.

٣١ - النور: ٤٥.

٣٢ - فصلت: ١١، يرجى النظر إلى محاضرة للدكتور زغلول النجار من محاضرات الموسم الثقافي سنة ١٩٦٨ - ١٩٦٩ الكويت تحت عنوان: محاولات الإنسان لتقدير عمر الأرض، ص ٥٠٢.

٣٣ - الذاريات: ٤٩.

٣٤ - يس: ٣٦.

٣٥ - النمل: ٨٨.

٣٦ - حديث حول الأصول الفلسفية Discours de la methode p٤٧ Descartes

٣٧ - الزمر: ٦.

٣٨ - المؤمنون: ١٤.

٣٩ - الفصل في الملل والأهواء والنحل، ج ٥، ص ٥٥.

٤٠ - فاطر: ١.

٤١ - البقرة: ٣٠.

٤٢ - نوح: ١٣ - ١٤.

٤٣ - الإنسان: ١.

٤٤ - راجع تفسير الآية الأولى من سورة الإنسان.

٤٥ - كما فعل صادق جلال العظم في كتابه (نقد الفكر الديني).



[ Web design by Abadis ]