ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تجليات الشخصية العربية الاسلامية و مكونات قوتها \ الاستاذ الدكتور عيسى علي العاكوب

"ملخّص"

يرمي هذا البحث إلى الإجابة عن سؤالين مهمّين يتصل كلّ منهما بالمضمون الشعري عند عمر أبي ريشة:

- كيف تجلّت الشخصية العربية الإسلامية في شعر أبي ريشة؟

- ما مكوّنات القوة في هذه الشخصية؟

وقد جاء البحث في قسمين رئيسيين، يناقش كلّ منهما عدداً من القضايا:

أولا - تجلّيات الشخصية العربية الإسلامية في شعر أبي ريشة. وقد جرى الحديث هنا عن: ١ - فرط إحساس الشاعر بهذه الشخصية. ٢ - قوة انتمائه إلى الأمة العربية الإسلامية. ٣ - إلتزامه تصوير ماضي الأمة الزاهر وحاضرها العاثر.

ثانياً - مكوّنات القوة في الشخصية العربية الإسلامية. وقد تمثّلت هذه في:

١ - الصحراء العربية وما نمّت عند العربي من قيم. ٢ - النُّبوة والحقّ. ٣ - العبقرية الجهادية ورموزها: خالد بن الوليد مثالاً. ٤ - العبقرية البيانية ورموزها: أبو الطيب المتنبي مثالاً.

٢ - النبوة والحق

تعني "النُّبوة" الشيء الكثير في المحصول الفكري والوجداني لعمر أبي ريشة. ويلحظ الدارس أن الشاعر كلّما ذكر المجد العربي السالف يُدخل "النبوة" بوصفها الحكمة السماوية التي هذّبت قوة العربي البدويّ ساكن الصحراء وبلورت طاقته الإيمانية، فصنعت منه ذلك المثل الإنساني الحضاريّ الذي وضع معالم الهداية في طريق الإنسانية; لتسير إلى الغاية التي ارتضاها المولى سبحانه لخلقه.

ويلفت نظر المتأمل في ديوان الشاعر أنه كلّما عرض لنبوّة محمد عليه الصلاة والسلام وقف طويلا عند العنَتِ الذي لقيه من طاغوت الجاهلية; مما ينتصر للرأي الذي يذهب إلى أنّ العروبة والإسلام امتزجا في تصور عمر امتزاجاً يعزّ فصل عناصره ومن ثم يغدو مسوَّغاً ازدراء عمر ذلك البدوي الذي ضعفت صلته بالإسلام وعاد إلى جاهليته الرعناء. لقد رأى عمر في مثل هذا النموذج تراجعاً مرعباً إلى الوراء، تراجعاً أملى على الشاعر أن يسدّد إليه سهامه المُصمية. وقد جسد عمر هذا النموذج في شخص عربيّ ثريّ ينفق على عشيقته الإنكليزية أربعين ألف دولار في ليلة واحدة، وقد عرض عمر صورة مزرية لسلوك هذا الرجل:

منتهى دُنياه نهدٌ شرِس *** وفمٌ سمح وخَصرٌ طيِّعُ

بدويّ أورقَ الصّخرُ له *** وجرى بالسّلسبيلِ البلقعُ

رأى عمر في هذا انتكاساً خطيرا، أفقد العربيّ كلّ قيم الصحراء من كِبر ونخوة وبطولة:

فإذا النخوةُ والكِبرُ على *** ترفِ الأيام جرح موجعُ

هانتِ الخيلُ على فرسانها *** وانطوت تلك السيوفُ القطّع

والخيامُ الشمُّ مالت وهوت *** وعوت فيها الرياحُ الأربعُ

والبطولاتُ على غربتها *** في مغانينا جياع خشّع [٢]

وإذا كان عمر قد ضاق كثيراً بعربيّ بدويّ ساء إسلامه فأساء إلى العروبة والنبوة، فإنّه اهتزّ طرباً لعربي مسيحي أخلص لبيان العرب المسلمين، وقدّم مثالاً طيبا له في شعره. وذلكم هو الشاعر الكبير بشارة الخوري "الأخطل الصغير" الذي اغتنم عمر مناسبة تكريمه، فأثنى عليه مشيراً إلى أرومته العربية الطيبة التي أنبت اللّه منها ذلك النبات الطيب، محمداً عليه الصلاة والسلام، وصحبه الميامين الذين دكّت جحافل فتوحهم صروح البغي، وأضاؤوا طريق الإنسانية التائهة. يقول الشاعر في مهرجان الأخطل الصغير عام ١٩٦١م:

يا معرقاً يُصغي بخشعة راهب *** متواضع ويغُضّ جفن تفاخر

مازلت تسحبُ فوق كلّ معاند *** ذيلَ الشموخ وفوق كلّ مكابرِ

أولَست من نسل الأُولى نسَلُوا العُلا *** وكسوا دياجير الورى بمنائر

وتطلّعواصوبَ الشّموسوأسرجوا *** للفتح صهوة كلّ مهر ضامر

ومضوا إلى غاياتهم، ثم انثنوا *** وعلى خدودِ النّجمِ وشمُ حوافرِ [٣]

يرى أبو ريشة في شخص رسول اللّه، محمد عليه الصلاة والسلام، خير صورة لمقيم الحق الذي أرادته السماء للأرض. ومن هنا أجَّل له الباطل القرشيّ أجلاً، وتألّبت عليه أشتاتُ الحقد الأعمى، وتمخضت معركة الحقّ والباطل عن ميلاد نور اللّه الذي هو متمّه ولو كره المشركون. ويحدث أن تكون إقامة الشاعر في الشطر الأخير من حياته في مكة المكرمة، فتعود به الذكرياتُ إلى ذلك الماضي الذي شيّد فيه المسلمون لأول مرة حرم اللّه، وأحاطوه بأسباب المنعة، بعد أن خضدوا شوكة القوى الباغية:

أنا في مكة … وحقدُ قريش *** في اصطخاب، وشملُهم في انحلال

تلك أربابهم مبعثرةُ الأشـ *** ـلاءِ منثورة على الأطلالِ

وحماةُ الإسلام في الكعبة السمـ *** ـحةِ شمُّ الأنوفِ بيضُ الفَعال

شيَّدوا في رحابهم حرمَ اللّـ *** ـهِ وصانوه بالظُّبى والعَوالي [٤]

ويجعل الشاعر دلالة "الجاهلية" مساوية تماما لـ "إسقاط مشعل النبوّة". والمرء في هذا السياق إزاء أمرين: ظلام الجاهلية، ومشعل النبوة. وإذا كان الشاعر قد نال كثيراً من ذلك البدويّ الذي استمرأ الرذيلة وعاد إلى الجاهلية، فإنه يوجّه سهامه المُردية إلى الأمة المنحرفة التي استبدلت مشعل النبوة بظلام الجاهلية، في وقت هي فيه أشدّ ماتكون حاجة إلى هذا المشعل. وليت الأمر اقتصر على جاهلية واحدة، إذن لهان الخطب. ويحقّ للشاعر الذي يتنزّى ألماً ويتلظى حماسة إزاء هذا الوضع أن يجأر بهذه الشكوى:

أنا من أمة تجوسُ حماها *** جاهلياتُها بلا استئذانِ

أسقطت مشعل النبوّةِ في اللّيـ *** ـلِ وأرختْ للتَّيه كلَّ عنان

لو مشت سنا هداه لكان النّجمُ *** في ركبها من النّدمان [٥]

ومن وجهة أخرى يرى عمر في شخص النبي محمد عليه الصلاة والسلام محور "البطولة" المسلمة; البطولة التي لا تنشد سوى مرضاة اللّه سبحانه. فالنبوة هي رسالة الحق والهدى، ونشر هذه الرسالة أو تبليغها أمر لا محيد عنه أيّاً كانت التّبعات. ويستعيد الشاعر هنا ذلك الحوار الخالد الذي دار بين النبيّ عليه الصلاة والسلام وعمّه أبي طالب، عندما رام ثنيه عن دعوته إشفاقاً عليه من قريش، فلقي منه ذلك الاصرار الذي تضعف أمامه كل قوة; ذاك أنه إصرار من اصطفاه ربُّ العباد ليكون مبلِّغ رسالته إلى العباد:

أنا في مكة… وأحمدُ يبدو *** مُثقلَ الخطو بالهموم الثِّقالِ

وأبو طالب إلى جنبه يسعى *** وفيه مافيه من بَلبالِ

قال: أين انتهيت يابن أخي الأغـ *** ـلى فخوفي عليك فوق احتمالي

قال: يا عمِّ، لست أطمعُ في صو *** لةِ مُلك ولا غواية مالِ

جولةُ الباطل الهزيمة مهما *** فُلَّ للحقّ دونها من نِصال

لو أقاموا شمس الضحى في يميني *** وأصاروا بدر الدّجا في شمالي

لن يروني أطوي رسالة ربّي *** فامضِ يا عمّ، واروِ فحوى مقالي [٦]

أراد أبو ريشة أن يدلّل على شجاعة النبي عليه الصلاة والسلام، هذه الشجاعة التي جعلت من صاحبها يقف وحيداً أمام قريش، يسفّه أحلام عقلائها، ويحقر دين آبائها، ويحرمها إرثَ الأجداد من سؤدد ومجد زائفين.

وعُمر كثير الإلحاح في شعره على أنّ حكمة اللّه سبحانه قضت أن تستظل الصحراء القاحلة بظلال النبوة، وتندى بنداوة الإيمان، وتبترد ببرد اليقين. ولذلك نراه يستعيد في قصيدته السابقة ذكرى الراهب "بحيرا" الذي بشّر بوفادة النبي الكريم عليه الصلاة والسلام كلّ عابر سبيل، وأفشى السرّ العظيم:

و"بحيرا" في ديره يخلع البُشـ *** ـرى على كلِّ عابر جوّالِ

عرفَ السرَّ في حجاهُ وما كا *** ن بإفشائه من البخّالِ

حكمة اللّه أن يرفَّ على الصحـ *** ـراءِ مافي نعيمه من ظِلال [٧]

ويستعيد عمر في الرحاب الطاهرة ذكريات وفادة النبي عليه الصلاة والسلام. ويثيره كثيراً "غارُ حراء" الذي رأى فيه الشاعر ملتقى الشوق بين أحمد والوحي، بين الأرض والسماء، بين الإنسان الكامل واللّه سبحانه. ويجيل عين البصيرة في قول الملاك للمرسل: "إقرأْ"، فيتراءى للشاعر أن الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام قد استطلع على رجع هذه الآية غيوب الأزل والأبد، ما لم يقيّض لمخلوق قبله. وإثر هذا أضاء مشعل النبوة ليالي الإنسانية الدامسة:

أنا في مكة وغار حراء *** كوكب في جبينها متلالئ

صِلةُ الشّوقِ بين أحمد والوحـ *** ـي أي المهيمن المتعالي

همسة في سماعِ أحمد قرّت *** وهو ذاك الأمّي ذاك المثالي

هبّ مستطلعا على رجعها البِكـ *** ـرِ غُيوبَ الآبادِ والآزالِ

فإذا مشعل النبوة مابيـ *** ـن يديه ينير دُهمَ الليالي

وإذا ذكره على شفة الحقّ *** ابتسامُ الآمال للآمال [٨]

ويظلّ الشاعر شديد التعلّق بـ "غار حراء" الذي مثّل له رمزاً لصلة السماء بالأرض ومنطلقاً للشّرعة الجديدة التي مهدت السبيل لأكبر دولة عرفها التاريخ الإنساني. فغار حراء في حقيقة الأمر ذلك الموضع المقدّس الذي طالما انقطع فيه النبي عليه الصلاة والسلام عن دنيا الخلق، ليتلقى أمر رب الخلق. ويظلّ الحقد القرشي الذي استقبلت به الدعوة ماثلاً في ذهن الشاعر كلّما ذكر شأناً من شؤون "النبوة" والدعوة في مكة المكرمة:

وتراءى إليّ غارُ حراء *** وهو منّي ذاك القصيُّ الدّاني

مشرق من جبين طود أشمّ *** مطمئن في هدأةِ وأمانِ

يسهر الوحيّ في حماه على آ *** لاءِ نُعمى يتيمة في الزمان

والنبيُّ الأميُّ يقرأ باسم اللّـ *** ـهِ فيه من محكمِ القرآنِ

وقريشٌ من حوله أعين رُمـ *** ـد تعاني من حقدِها ما تعاني

تركت خلفها ذليل مناها *** وتوارت جريحة العنفوان [٩]

ولا يجانب المرء الصواب حين يقول إنّ أبا ريشة كان يرى في شخص النبي عليه الصلاة والسلام ورسالته مصدراً قويا للقوة في الشخصية العربية الإسلامية، انطلاقاً من تصوّره تلك الهبّة اللاهبة التي أثارتها الدعوة، على نحو تجاوزت فيه في سنوات قليلة أرض الجزيرة كلّها لتذهب شرقاً وغرباً في قارات العالم القديم. ولا شك أن كل متأمّل منصف سيكون مدفوعاً إلى التفكير في هذا الأمر، الذي لم يحدث له نظير في تاريخ الإنسانية، خاصة عندما يضع المرء في الحساب أنّ العرب المسلمين كانوا يقدمون للبشرية ديناً حضاريّاً ارتقى بإنسانية الإنسان ليكون قريباً من الملائكة، في حين قدّم الآخرون من الغزاة المهانة والمرارة والغصص. ومن ثم يبدئ الشاعر ويعيد في شأن فعالية "الهدى" في غير موضع من شعره، فالإيمان أشاع في أهل يثرب، منذ أن حلّ النبي عليه الصلاة والسلام بين ظهرانيهم، طاقة قتالية لا قِبلَ لقوة أن تجابهها:

وأطلّت عليَّ يثربُ والأنـ *** ـصارُ فيها طلائع الأعيانِ

خلعت زورة النبي عليهم *** بركاتِ المهيمن الديّانِ

كلُّهم في هُدى رسالته العذ *** راء أسياف نخوة وتفانِ

هتفوا بالجهاد وانطلقوا في *** يوم بدر أهلّةَ الميدانِ

وقريش دون القليب رماح *** تتشظّى على صخور الهوانِ [١٠]

ويعنّ للشاعر ركن آخر من أركان صرح القوة الذي بناه "الهدى" بين العرب، ذاك أنّ سبيل الرّشد من شأنه أن يجمع الناس على كلمة سواء، يشفق المسلم تحت وطأة الحرص عليها من أن ينال من جانب أخيه المسلم; لأن المسلم كما يقول النبي عليه الصلاة والسلام: "أخو المسلم، دمه وماله وعرضه حرام عليه". ومرجع التأليف الذي يشيعه الهدى أنه ينفي الأهواء التي تطيش بسببها الأحلام، ويضمّد الجراح، ويستلّ السخائم، ويواسي الحزانى بما يشيعه من تحنّن ورحمة، هما صفتان من صفات المولى سبحانه. وتلمّ كل هذه الفِكَر بخيال الشاعر إذ يكون في الديار المقدّسة:

وتجلّت إليّ مكة في أكـ *** ـرم مجلى وفي أجلِّ كيانِ

خلتِ الكعبةُ الوضيئة ممّا *** نشرتهُ الأهواءُ من بُهتانِ

وانجلت عن سمائها غيمةُ الشِّر *** كِ وماجت أرجاؤها بالأذانِ

وقريش خلفَ النبيّ تصلّي *** ودموعُ المتابِ في الأجفانِ

الهدى ضمّد الجراحَ وأودى *** ببقايا الأحقادِ والأضغان

ومحا ظلمةَ الحياة وواسى *** متعبيها بلفتة من حنان [١١]

على أنّ "النبوة" في تصور أبي ريشة تعني أيضاً "إرادة البناء" في الدنيا، وذلك مصداق أمر المولى سبحانه المؤمنين بوجوب الاستجابة لدعوة اللّه ورسوله، الذي لن يدعوهم إلا إلى مافيه الحياة الكريمة، كما جاء في الذكر الحكيم: (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا للّه وللّرسول إذا دعاكم لما يحييكم…. ) [١٢]. وتستعيد ذاكرة الشاعر حجة الوداع التي وقف فيها النبيّ عليه الصلاة والسلام يفصّل للمسلمين كثيراً من شؤون دنياهم ودينهم، في تلك الخطبة التي أنس كثير من المسلمين أنّها ستكون الموقف الأخير من قبيله، وما على القوم إلا أن يشيّدوا البنيان الذي أراد له المصطفى عليه الصلاة والسلام أن يُشيَّد:

إنّها خطبة الوداعِ وما أو *** جَعَ سكبَ الدموعِ قبل الأوانِ

أدرك المؤمنون أنّ رسول اللّه *** فان ودينه غير فانِ

فأتوا يثرباً ورجع حداءِ الـ *** - موتِ يُدمي حناجر الرُّكبانِ

فمضوا في الحياة يبنون فيها *** ما أراد النبيّ من بنيانِ

عقدوا بالشّموسِ أهدابَ دنيا *** هم فعزّت مرابعاً ومغاني

حملوا آية الهداية نبرا *** سَ سبيل للتّائِهِ الحيرانِ

أينما خيّموا وحلّوا سروج الـ *** ـخيل فاضت مناهلُ الإحسان

فإذا الفتح نُصرة الحقّ في الأر *** ضِ ومجلى كرامةِ الإنسان [١٣]

ولا يغفل أبو ريشة الإشارة إلى أنّ الروح القتالية التي أشاعها النبي، عليه الصلاة والسلام، لا تنطوي على قصد القتل بشهوة القتل وسلطان التشفّي الذي كثيراً ما يستبد بالنفوس المنحرفة. فإذا كانت "النبوة" تتضمّن القوة عند أبي ريشة فإنها تتضمن، إلى جانب ذلك، الرحمة، فقد وصف المولى سبحانه ذاته العلية بأنه "عزيز حكيم" وأنه "القاهر فوق عباده وهو الحكيم الخبير"; مما يعني أنّ العزة والقهر محكومان بقيد الحكمة، ومن ثم فلا قوة عمياء في جوهر الدعوة وفي منهج الداعي، وإنما هي القوة المبصرة التي تعرف غايتها وتجري إليها:

أحمد يكرهُ الجراحَ وإن سا *** لت بأدرانِ داء عُضالِ

جُبلةُ الحبِّ قلبُه كلُّ نبض *** فيه تسبيح مكرماتِ غوالِ

لم يبارك حدَّ الصّوارم إلا *** بعد ما البغيُ صال كلَّ مصالِ [١٤]

ويسري إحساس الشاعر بـ "قوة النُّبوة" إلى موقفه من السيد المسيح عليه الصلاة والسلام، بوصفه أحد المرسلين الذين تقتضي عقيدة المسلم الإيمان بهم. وفي الحفلة التذكارية التي أقيمت في حماة ودمشق للشهيد سعيد العاص الذي استشهد في جبل النار في فلسطين، يستلّ عمر من حرم التاريخ تهاويل الأمس الفتّان لذلك الجبل، إبّان دعوة المسيح عليه الصلاة والسلام; إذ ماجت أنفاسه على الكون بأرج النبوة، ورفّت الحياة فيه على آثار عيسى، وافترّ له ثغر النعيم. لكنّ كل شيء انقلب الآن، إذ تمشّت عليه دهمُ الليّالي، وكسته بوشاحها الأسود، وطوت سِفره المدهش، ولم يبق من ميراث النعيم سوى خيالات الشاعر المغرِّد، فلا تقع عين المرء اليوم إلا على القيود المغموسة بالجراح، والرقاب المحنية التي دقّها منجل السفّاح، وليس هذا ببدع بين صروف الدهر الحوَّل القُلَّب:

نام في غيب الزّمان الماحي *** جبلُ المجد والنّدى والسَّماحِ

أسكرتهُ أجيال نعمته البِكر *** بفيض الأعراس والأفراحِ

حين أنفاسُه تموجُ على الكو *** نِ بعبقِ النبوّة الفوّاحِ

وترفُّ الحياة فيه على آ *** ثار عيسى من غُدوة ورواحِ

بسمة للنعيم مرّت وأبقت *** ما يبقّي السّكيرُ في الأقداحِ

فتمشْت عليه دهم الليّالي *** وكسته من نسجها بوشاح

وطوت سِفره العجيب الموشّى *** بأساطير عهده الوضّاحِ

فإذا الأعصر الخوالي مطاف *** لخيالات شاعر صدّاحِ

وإذا الطّرف ليس يعثر إلاّ *** بقيود مغموسة بجراح

ورقاب محنية تتشظّى *** مِزقاً فوق منجل السفّاح

ليس بدّعاً إذا تعالى وضيعٌ *** واستباح الحمى الحرامَ إباحي

قد تحركُ الأقدار من لبد الليـ *** ثِ وشاحاً للغانيات المِلاح [١٥]

ذلك إذن مبلغ إسهام "النبوة" في قوة الشخصية العربية الإسلامية وفق تصوّر عمر أبي ريشة، كأن شاعرنا يريد أن يقول إن "النبوة" كانت إيذانا ببدء تحوّل إلى جعل الخلق يسيرون في الطريق الذي أراده لهم خالقهم. ومن ثم أكثر عمر من ترديد ألفاظ "الهدى" و"النور" و"الجهاد" و"الفتح" في كلّ حديث له عن البطولة، إبتغاء تأكيد تصوّره للقوة الحكيمة التي أشاعها القرآن الكريم، ودلّل عليها "النبي" محمّد عليه الصلاة والسلام، عندما لقّب خالد بن الوليد (رضي الله عنه) بـ"سيف اللّه المسلول"; هكذا بإضافة "السيف" إلى المولى سبحانه; ولقّب حمزة (رضي الله عنه) بـ "أسد اللّه". ولا يخال المرء أنّ أبا ريشة قصد إلى غير هذا حين قال على لسان خالد بن الوليد عندما لبّى أمر الفاروق (رضي الله عنه) بتنحيّه عن قيادة الجيش المسلم وهو في أوج انتصاره، وتسليم زمان القيادة إلى أبي عبيدة:

يامن رأى فارس اليرموك يخلُفُه *** أبو عبيدة والهيجاء تستعرُ

دعا سريّتَه الغضبى وقال لها *** وبسمةُ الكبر في خدَّيه تنتشر

إنّا نقاتل كي يرضى الجهادُ بِنا *** ولا نقاتلُ كي يرضى بنا عُمَر [١٦]

٣ - العبقرية الجهادية

استنفدت أغاني البطولة والأبطال الشطر الأكبر من ديوان أبي ريشة، على نحو يتجلّى فيه إدراكه الواضح لقيمة الجهاد لدى أمة قُدّر عليها أن تكون أول منفّذ لشريعة اللّه على أرضه. ويشهد تاريخ الإسلام أن كلّ أدوار القوة فيه سبقها، أو رافقها، إذكاء لروح الجهاد، وإعلاء لشأن المجاهدين في سبيل اللّه. ويلوح أنّ أبا ريشة قد وعى هذا الدرس جيّداً، وأراد أن تعيه أمته ; لتعيش عزيزة بين أمم الأرض. ويدنو موقف عمر هنا من موقف المفكّر الإسلاميّ الكبير العلامة محمد إقبال، الذي رأى أنّ أعمار الدّول تبدأ "بقناة" وتنتهي "بقَينة"، وكلّ الذين أغفلوا هذا الناموس تردّوا في وهدة يعزّ عليهم النهوض منها. ويبلغ الأمر بعمر أبي ريشة أن يتحدّث عن عرين قتاليّ إسلامي أطلع للخافقين أشبالاً دوّخوا الدنيا. وعمر لا يتحدّث طبعاً إلا عن البطولة في تجلّيها الإسلامي، إذ تنعقد أشواق المقاتل المسلم بمرضاة اللّه سبحانه، وينطلق مستضيئاً بنور القرآن، فلا يجهل ولا يضلّ ولا يزلّ. ويعجب عمر بأشبال الإسلام من صحابة رسول اللّه عليه الصلاة والسلام ; أولئك الذين توافر لهم الحافز الجهادي، وأدركوا أنّ الحياة الطيبة لا تكون إلا في ظلال السيوف، وتعانقت في تصوراتهم ومسالكهم

مطالب الدّين والدّنيا، فإذا هم يصلون الليل بالنهار ويُصلّون صلوات الأسحار في الآصال، لتكون الحياة سلسلة عمل متصلة. وإذ يكون الشاعر في البلد الحرام "مكة" يتذكّر سرايا الفتح الإسلامي فيقول:

أنا في مكة… وتلك سرايا الـ *** ـفتحِ فيها في زهوة واختيالِ

عقدت بالشموس هُدبَ أمانيـ *** ـها، وسارت على رقابِ اللّيالي

ومنار القرآن يهدي خطاها *** في الدّياجي لصالح الأعمال

أطلعتْ ما اشتهى لها الحقُّ أن تُط *** ـلع للخافقين من أشبال

كم دعا يومها على رحب دنيا *** ها صلاة الأسحار في الآصال [١٧]

ويهزّ الشاعر كلُّ انتصار للعرب المسلمين في القرن العشرين، ويرى فيه عودة للأمور إلى نصابها وإدراكاً من الأمة لعنصر من عناصر القوة فيها. فإنّ أخشى ما يخشاه الشاعر أن تستنيم الأمة إلى شعب مأمون من الكسل والتراخي، وتتخلّى عن مبدأ الجهاد، فيضيع بذلك كلّ معنى لوجودها الحقيقي. ومن ثم تأخذ الشاعر نشوة الزّهو بما أبدى المقاتل العربي من بلاء في حرب رمضان المبارك (تشرين الأول ١٩٧٣م):

عاد من غيهب النّوى ذلك الما *** رِدُ والمجدُ طيّعٌ وموالِ

علّمته آلامه حرفة المو *** تِ وفنَّ الإيلام والإذلالِ

حمل الحقدَ مارجاً في المهاوي *** وجلا الثأر نيزكاً في الأعالي

وروى بالدِّما ثرى طبريّا *** وبنى بالضّلوع جسر القنال

خاله الأشقياء قرَّ على الخسّة *** في العيش واحتمال النكال

لم تحدّثهم الفريسة عما *** لقيته من هدأةِ الرِّئبال [١٨]

العبقرية الجهادية على قدر كبير من الأهمية عند أبي ريشة، إنطلاقاً من تصوّره أن تخلّف الأمة في ميادين القتال مبعث لإذهاب كلّ الإحساس بالعزة والكبرياء عند أبنائها. ولذلك تراه بعد انتصارات رمضان سنة ١٩٧٣م، يعود إلى مكة مبتهجاً، ويزفّ إلى حبيبته أنباءه السارة، فقد نفض عن إهابه عار الهزيمة، وغدا جديراً بحبّها القديم الذى عكّر صفوهُ هزيمة الأمة في حزيران سنة ١٩٦٧م، فكانت الهزيمة العاذل الذي يوقع بين المحب وحبّه ويستطيب العاشق خطاب المعشوق، فيبوح بما بين جنبيه من إحساس بالفخار، بعد غضبة الكبرياء التي غضبها المقاتل العربي المسلم، فكانت كريمة الأهوال، شافية مارد العروبة ممّا حزّ في رجليه من ثقال القيود:

يا عروس الرّمال طاب على نجـ *** ـواكِ عُمري، وكلُّ مابي صفا لي

جئتكِ اليوم نافضاً عن إهابي *** ما ترامى عليه من أوحالِ

فأراني أهلاً لحبِّك، لا طرٌ *** في مغض ولا فؤادُك سالِ

فضَّ تشرينُ ما أقام حُزيرا *** نُ على دربنا من العُذّالِ

أنا يا مكّتي رجعت إلى مغـ *** ـناكِ حُرّاً وبالجبين العالي

غضبةُ الكبرياء والعزّة الشّماءُ *** كانت كريمة الأهوالِ

قد شفت ماردَ العروبة ممّا *** حزَ فيه من القيود الثِّقالِ

عادياتُ الزّمان جرّت عليه *** كلَّ مافي وِطابها من وبالِ

إنّما يُنفض الغبار وتبقى *** رهن لألائها خدود اللّيالي [١٩]

ويرى عمر أنّ العبقرية الجهادية للعرب المسلمين تحقّقت على أيدي نفر من المقاتلين الأشداء في عدد من الوقعات، وقد تراءى هؤلاء المقاتلون لعمر رموزاً قتالية دالة. واستهوت الشاعر هذه العبقرية، فوقف عند رموزها في التاريخ العربي الإسلامي بدءً من شخصية رسول اللّه عليه الصلاة والسلام، إلى عليّ بن أبي طالب كرّم اللّه وجهه، إلى أعلام الجهاد من الصحابة كخالد بن الوليد، وطارق بن زياد… كما أطال الوقوف عند رموز البطولة في العصر الذي عاش فيه، فأكبر جهاد كثير من المجاهدين واستشهادهم في ساحات القتال، في قصائد يزدهي بها الفنُّ الشعري الرفيع. وستكون لنا وقفة عند أظهر هذه العبقريات الجهادية دون أن نلمّ بمجموعها، إذ طالما اختصر الربيع بعض العطر، كما يقول عمر في إحدى قصائده. والعبقرية التي نرى ضرورة الوقوف عند تجلّيها الفنّي في شعر عمر هي: خالد بن الوليد.

قائد مسلم

استأثر القائد العربي المسلم خالد بن الوليد بقصيدة من أجمل مادبج يراع عمر أبي ريشة. ولا شك في أنّ استحضار هذه الشخصية التاريخية، لذو دلالة خاصة في شعر أبي ريشة. فقد أراد الشاعر فيما يبدو أن يقدم مثالاً رائعاً للمجاهد من خلال شخصية عُدَّت من صنعة التاريخ المجيد لهذه الأمة، ولها حضور متميز في الذاكرة العربية. وبذلك يرى الأحفاد طريق المجد الذي اختطّه الأجداد. وإلى هذا القصد يومئ الدكتور سامي الدهان حين يقول عن عمر: "فكان يستعيد ذكرى الزّعماء في الأدب والتاريخ والسياسة بصور شامخة تبعث الإباء في الجيل، وتدفعه إلى أن يفيد من دروس الأبطال في القديم والحديث" [٢٠].

وتتألف قصيدة "خالد" من تسعة وستين بيتا في الديوان المطبوع، نظمها الشاعر سنة ١٩٣٨م، وافتتحها بخطاب "راويات الزمان" وسؤالها ألا تنام، لأن الزمان دون حديث الرّاويات هباء منثور، وموجة من دخان تتبدد سريعاً. ويطلب الشاعر من راويات التاريخ أن تغيثه بسحائب الإلهام، وتنثر حوله الأساطير التي يتوق إليها روحه الوثّاب، ليردّها إليها صلوات من فؤاده، وأغنيات من شفاهه.

ويلاحظ في كلّ القصائد التي استدعى فيها عمر الشخصيات التاريخية أنّه يوطّئ لموضوعه بتقديم يبلغ فيه غاية التجويد. وقبل أن يعرض لبطولة "خالد" يحشد لنا كلّ عناصر القوة في الشخصية العربية الإسلامية التي طالما طرب لها:

نفحات النبيّ، والفتح، والعلـ *** ـياءِ والعزّ والندى والبيان

رعشات في أضلعي ماجت الصحـ *** ـراءُ فيها وماج فيها افتتاني

صدقَ الحبّ إنّ موطني الأجـ *** ـردَ روضي وجدولي ودِناني

يُنبِتُ المجدَ قبل أن ينبتَ الور *** دَ ويُعطي الثمار قبل الأوان [٢١]

ويعمد إثر ذلك إلى تصوير موقف بني مخزوم من النبي عليه الصلاة والسلام قبل أن يلتحقوا بركب الإسلام، وعزمهم على الثأر منه في وقعة أحد، ويُفيض في الحديث عن أحداث هذه الوقعة، وانشغال المسلمين أول الأمر بغنائم الحرب، واستغلال المشركين ذلك للإيقاع بهم، إلى أن يبدو خالد في صفّ المشركين مقاتلاً عنيدا. وتلتقط ريشة الشاعر من الواقعة التاريخية لإسلام خالد بعض النقاط المهمّة، فيصور محاولته النيلَ من النبي الكريم، إذ يدفع بجواده إلى الأمام، لكنّ الجواد يكبو، فيعيد الفارس المحاولة، ولكن دون جدوى. وبعد ذلك يتراجع الفارس العجيبُ الطِّعان الذي لم يعهد مثله قبلُ في بني مخزوم، ثم يُعرفَ بعد ذلك أنه خالد بن الوليد. ويشاء المولى سبحانه أن يُسلم خالد، وأن يكون زغردةَ النصر وأنشودة الجهاد. وبعد هذا التقديم الذي تقاضى الشاعر سبعة وثلاثين بيتا يستعيد في ذاكرته هذه العبقرية النضالية التي دوّخت فارس، وزلزلت أركان الروم في وقعة اليرموك. وفي حديث عمر عن بطولة خالد يشير إلى سعة الممالك التي أسهم في فتحها، فتردّد فيها رجعُ الأذان، ثم انشغاله بالرّوم الذين فاجأهم بنفر من الرجال الميامين الذين استوى عندهم المجد والموتُ، فرماهم بهم، وما هي إلا

جولة حتى تخضّب التراب بالدّم، وغدت هضاب اليرموك نعوشاً تحمل أبدان الأعداء. يقول عمر عن خالد:

مرَّ في ناظِريَّ طيفاً بعيداً *** عبقريّ النّضالِ ثبتَ الجنانِ

وكأنّي أراهُ يضرب شرقَ الـ *** ـلأرضِ بالغرب، ومشّرِقَ الإيمانِ

وأرى كبرياءه دمعةَ التكـ *** ـفير مسفوحة على القرآنِ

صدَقَ العهدَ فالفتوحُ توالى *** وصدى خالد بكلّ مكانِ

أينما حلَّ فالمآذنُ ترجيـ *** ـعُ أذانِ المهيمنِ الدَّيّانِ

وبدا الرّومُ في ضلالِ مناهم *** شوكةً في معاقدِ الأجفانِ

فأتاهم بحفنة من رجال *** عندها المجدُ والرّدى سيّانِ

ورماهم بها وما هي إلاّ *** جولةٌ، فالترابُ أحمرُ قانِ

وضلوعُ اليرموكِ تجري نعوشاً *** حاملات هوامدَ الأبدانِ [٢٢]

ويستوقفه حدث مهم رافق وقعة اليرموك، وذلك عندما نحّى الفاروق (رضي الله عنه)، خالداً القائد المزهوّ بانتصاره، عن قيادة الجيش، وولّى أبا عبيدة مقاليد الأمور. ويلتقط عمر، كدأبه عندما يعود إلى محراب التاريخ، العناصر الدّالة المستخلصة من هذا الحدث، التي يمكن أن تكون جزءا من الدّرس المفيد الذي أراده عمر لمعاصريه، وهو أن يكون قتال المسلم لإعلاء كلمة اللّه فحسب. وإذا كانت الحال كذلك فلن يضير خالداً أن يكون جندياً كسائر الجند، مكتفياً بعزّة الإذعان لأمر الدّيان. وتبدع ريشة عمر أيّما إبداع عندما تتناول الحدث التاريخي، فتضفي عليه من عناصر الإبداع الفنّي مايجعله قادراً على إغراء المتلقي بالمتابعة إلى النهاية:

هلّلَ المؤمنون واهتزّت البُشـ *** ـرى تروِّي حناجر الرُّكبانِ

فإذا خالد على كلّ جَفن *** خطراتٌ من الطَّيوف الحِسانِ

سمر الغيد في الليالي الكسالى *** وهوى الصِّيد في الزِّحام العَوانِ

فتنة خِيفَ أن يشيع بها الزَّهـ *** ـوُ فتلوي بالقائد الفتَّانِ

فنحاه الفاروق فانضم للجُنـ *** ـدِ فخوراً بعزّةِ الإذعان

وتراءى أبو عبيدة في الفيـ *** ـحاءِ يحمي قيادة الفُرسانِ [٢٣]

ويركّز عمر على الدّرس المستفاد من صنيع خالد، القائد المذعن لأمر المولى سبحانه، ابتغاء أن يجد المعاصرون في سلوكه الطيّب مثالاً يحتذى. لقد قصد أبو ريشة أن يبين أنّ من أشد الأدواء فتكاً في الشخصية العربية المسلمة داء الأنانية والأثرة، وأنّ العقيدة الصحيحة هي الدواء الناجع لهذا الداء:

وفتى النَّبل خالد يقحم الأسـ *** ـوارَ في نُخبة من الفُرسان

لم تزعزع من عزمه إمرةُ الفا *** روقِ بل فجّرته فيضَ تفاني

وإذا راضت العقيدة قلباً *** فمِنَ الصّعبِ أن يكون أناني [٢٤]

لقدعشق عمر أبي ريشة المجد الاسلامي في أي صورة تجلّى ذلك المجد، وقطع على نفسه عهداً أن يكون القيثارة التي توقَّع على أوتارها ألحان هذا المجد. ولا شك في أن الشاعر رأى في خالد مجلى من مجالي هذا المجد. ومن ثم يلتفت عمر إلى خالد يناجيه، ويبدو لنا في هذه المناجاة شطر من فلسفة الشاعر في استدعاء الشخصيات التاريخية في شعره، إذا رأى حقاً معلوماً عليه أن ينهض المجد الاسلامي من كبوته، بإذكاء روح الكبرياء والأنفة في نفوس مواطنيه، من خلال الأسوة الحسنة المستمدة من جلال التاريخ. ولا يحتاج المرء إلى التدليل على أنّ عمر كان يرمي إلى تجميل البطولة، وإحلالها بمنزلة المحب المكرم. وتلك في رأيه رسالة الشاعر في أمة أفاقت على العز وأغفت على الهوان، أمة انطوت صدور أجيالها على آمال كبار، لم يقيَّض لها أن ترى النور:

يا مسجَّى في قُبة الخُلدِ ياخا *** لدُ، هل من تَلفُّت لبياني؟

لا رعاني الصبا إذا عصف البغـ *** ـيُ وألفى فمي ضريح لساني

أقسم المجد أن أقطّع أوتا *** ري عليه بأكرم الألحان

أنا من أمة أفاقت على العزّ *** وأغفت مغموسة في الهوان

والأماني التي استماتت عليها *** واجمات تكلّمي يا أماني [٢٥]

ويمكن القول بلغة المناهج التربوية إن أبا ريشة أراد إعادة بناء الرجولة الحقة، التي لا تستكين لباغ أياً كانت قوته. ومن هذه الوجهة يبشّر خالداً بأن الرجولة التي عهدها في جنده لم تزل، فما زالت حمحمات خيول المجاهدين تُطرب الآذان، وما زالت النفوس تستعذب الموت بقلوب "بدرية". ويسأله أن ينهض من مثواه ليرى الجنود كما كانوا إباء وعنفواناً، وأنهم لم يتخلّوا عن الجهاد، لكن مصيبتهم فيمن قادهم:

لا تقل ذلّت الرجولة ياخا *** لدُ واستسلمت إلى الأحزان

حمحمات الخيول في ركبك الظا *** فرِ مازِلنَ نشوةَ الآذان

كم طوت هذه المرابع أفلا *** ذ قلوب "بدريَّة" الخفقان

ما تخلّوا عن الجهاد ولكن *** قادهم كلُّ خائن وجبان [٢٦]

لقد وظف أبو ريشة التاريخ العربي الإسلامي، وأراد منه أن يكون المدرسة التي تتعلّم فيها الأجيال كيفيات المواجهة، وأسباب الانتصار، وعوامل الحفاظ على الصورة المشرقة للأمة. وإذا كان الشاعر قد افتتح قصيدة "خالد" بخطاب راويات الزمان، فإنه عاد في ختام القصيدة يبثها شكواه مما هو فيه، ويسألها أحد أمرين: إما أن تُنسِيه كلّ ذكريات الماضي التي تقض مضجعه، وإمّا أن توقظ أولئك الذين يغطّون في سبات عميق من أبناء أمته:

راويات الزّمان، مالي أناجيـ *** ـكِ ومالي أغُصُّ بالأشجانِ

إغسلي الذكريات عنّي فما لي *** في احتمال العبءِ الثقيل يدانِ

أو فسيلي مراوداً تنثر الكُحـ *** ـلَ ضياءً، في مقلة الوسنان [٢٧]

٤ - العبقرية البيانية ورموزها

يرى أبو ريشة أن القوة البيانية أساس من أسس القوة في الشخصية العربية الإسلامية ويتراءى من جملة القصائد التي وقفها على ذكريات بعض الشعراء القدماء من الفحول، أنه يقيم كبير وزن لشاعر الموقف الذي يحقّق في فنّه وسلوكه "وجوداً" واضحاً. واعتداد عمر بسحر الإبداع، وعبقرية الفن، هو الذي جعله شديد الإلحاح على إبراز مكانة الشاعر المبدع في الوجود. وقد تمثّل هذه المكانة في غيره من الشعراء كما تمثّلها في نفسه، فكان حنين الوتر الطيِّع وصلاة الشاعر المبدع من أبرز الأشياء التي يحسب الشاعر أنّ الحياة ستفقدها عندما يدير ظهره لهذه الدنيا ويمضي إلى عالم الأبدية. وتحت وطأة هذا الهاجس يقول عمر في ختام قصيدة نظمها وهو مريض:

هيهات لن يسمعَ هذا الدُّجا *** بعدي حنين الوتر الطَّيِّعِ

ولن ينام الحبُّ في مهدهِ *** على صلاة الشاعر المُبدع

قُبَّرةٌ فوق ضلوعِ الضحى *** غنّت وولّت ثم لم ترجع [٢٨]

إنّ شعراء الأمة الكبار في نظر عمر لحظات إشراق في تاريخها، ومظاهر لمجدها الزاهر، وعنوان لسبقها في حلبات الفكر، انطلاقاً من ذلك التصوّر العربي القديم الذي تحسّس الرياسة في مظهرين: رياسة السيف ورياسة القلم.

وسنقف عند واحد من الشعراء العرب الذين خصّهم أبو ريشة بشعره: أبو الطيب المتنبي. فقدنجد في ذلك سبيلا لاستجلاء موقفه من قوة البيان وأثره في رفد قوة الأمة.

المتنبي

في المهرجان الألفي لأبي الطيّب المتنبي، الذي أقيم في رحاب الجامعة السورية في دمشق سنة ١٩٣٥م، ألقى أبو ريشة قصيدة من عيون قصائده. وقد عمد في مطلعها إلى التقديم لموضوعه بمقدمة شعرية انطوت على تسعة وعشرين بيتا، تصوّر فيها شاعرا مبدعا يستبين جمال الخلق الإلهي في الطبيعة، فيستجلي مجاليه في رحلة يجعل إطارها ثلاثة أمكنة وثلاثة أزمنة: يتخيّل عمر الشاعر في البدء فوق طود شامخ ينطلق منه إلى السهل، حتى يبلغ المنحنى. وتبدأ رحلته منذ ماقبل الفجر، إذ كان يرقب طلوعه، وتستمر إلى الظهيرة، ثم الغروب والليل. وفي كلّ مكان وزمان يقدّم عمر مجموعة من صور الجمال الطبيعي الفتان، تنمّ على إحساسه المسرف بروعتها. وينهي عمر كلّ موقف من المواقف الثلاثة ببيت غدا بمثابة اللازمة التي تحدّد فيما يرى قصد الشاعر من المشهد كلّه:

صورٌ أرغت على أُذُن الشّا *** عِر نجوى عُلويَّةَ الإيحاء

ويستشفّ المتأمل أن أبا ريشة يريد أن يقول إن الشاعر المبدع قُيِّض له أن يطلع على شيء من سر الإبداع في الخلق الإلهي، فهام روحه بحسر الجمال وفتونه، ومضى يعزف هذا الهيام على وتره الطيّع، ويسهم في موكب الجمال الذي انضم إليه بما أوتي من عبقرية:

هكذا استعرض الوجود مليّاً *** في غضون الإصباح والإمساء

في اختلاج البروق في قهقهات *** الرّعد، في صاخب من الدّأماءِ

في ابتسام الرياض في هداة الجد *** ول الرّبى في نفخة الربّى الفيحاءِ

فانثنى ضارباً على الوتر الشّا *** دي أهازيج روحه الشمّاءِ

فضّ فيها عن الحياة نقاباً *** من خداع وبرقعاً من رياءِ

ورمى ختم سرِّها فتجلّت *** بعد لأي عريانة للرّائي

فتهادت بناتها باصطفاقِ الصَّنجِ *** والدُّفّ واتساق الغناءِ

كدُمى هيكل وقد نفض اللّه *** عليها اختلاجة الأحياء

يتمايلن راقصات نشاوى *** بدلال مفجَّر الإغراء [٢٩]

كلّ مايريد أن يقوله أبو ريشة في هذا التقديم أن الشاعر الذي استعرض جمال الوجود بتجلّياته المختلفة صباحاً ومساء، هام روحه بمجالي هذا الجمال، فمضى يعزف على وتره الشادي ألحان هذا الروح الوثّاب، وهي ألحان أسكرت الحياة فدفعتها النشوة إلى أن تزيل عنها نقاب الخداع وبرقع الرياء، فبدت على حقيقتها، واستبدّت النشوة ببناتها فأخذن يتهادين مصفّقات مغنيات، كأنهن دمى هيكل نفخ اللّه فيهامن روحه فتمثّلن بشراً سويّا، يزدهين عشاق الجمال بغنج مفجّر الإغراء. وتروق عمر الصورة فيمضي في وصف بنات الحياة الفاتنات اللائي ظهرن للشاعر في صورة الأناسي، فعزف لهن على وتره الفتان، فآنسن في ألحانه قدراً كبيراً من المساواة والعزاء. أما الشاعر نفسه فقد أسند رأسه على كتف قيثاره، واستسلم لصبواته مأخوذاً بسحر هذا الموكب الحالم. ومضى على تلك الحال إلى أن صحا على نفخة البوق ووافاه الأجل المحتوم فخدرت كفه على وتره، وانداحت أصداؤه في الفضاء المترامي، ثم تلاشت الحسان كتلاشي الشمع بحرّ النار، وأوى الشاعر إلى مضجعه الترابيّ الأخير تحت صفصافة خضراء:

زُمر من كواعب برزت في *** صُورِ العيشِ في أتمّ الجلاءِ

عزَفَ الشاعر النّبيغُ فجسّت *** أكبد الراقصاتِ كفُّ العزاءِ

مسنِداً رأسه على كتِفِ القيـ *** ـثارِ، مستسلماً إلى الأهواء

وإذا ما صحا على نفخة البو *** قِ بأذنيهِ وازورارِ القضاء

خَدِرَت كفُّه على الوتر الشا *** دي وسالت أصداؤه في الفضاء

وهو فوقَ مضجع من تراب *** تحت عطفي صفصافة غيناءِ [٣٠]

شاغل عمر في هذا كلّه تلك العبقرية البيانية، أو ماسمّاه هو "الأوتار الشعرية الخالدة" في التاريخ، إنها أوتار احتفظت بنضارتها وإشراقها رغم مرور الزمان، فما تزال وقفات التذكار تزيل عنها ماعلِق بها من غبار النسيان، وستظلّ تُرقِص الحياة، وسيبقى الدهر ينعم بنشوة الإصغاء إلى ألحانها العِذاب، كيف لا، وقد أمنت ريشة الغناء، وتحدّت الزوال، وأطربت الأجيال في كل عصر، حتى لكأن العُزّاف لم يهجعوا في حضن الفناء.

وقد هيّأ عمر بحديث "الأوتار الخالدة" هذا للكلام عن عبقرية المتنبي. ذاك أنه بين تلك الأوتار الأسطورية الخالدة على الدهور، وترٌ صِيغ من ضياء الصحراء، فغمر العرب سحره الفاتن، وناداهم بخير ماينادى، وإنّك لتتلمّس في مادة هذا الوتر إباءَ الضيم وبسمة العلياء واحتباس دموع الكبرياء الجريح. ذلكم الوتر إنما صقلته أناملُ المتنبي شاعر العربية الكبير:

بين تلك الأوتار في عالميها *** وترٌ صِيغ من سنا الصَّحراءِ

غمر العرب سِحرهُ الفاتنُ البكـ *** ـرُ وناداهم بخير نداء

فيه من غضبة الإباء على الضّيـ *** ـم، وفيه من بَسمة العلياءِ

يحبِسُ الدّمعة التي سكبتها *** في سخاء محاجرُ البؤساءِ

صقلته أنامل "المتنبّي" *** فإذا الشعر مستفزُّ الأداءِ (٣١)

وبعد هذا التحليق في آفاق التخيل، تعود بصيرة الشاعر أبي ريشة إلى سيرة المتنبي تصطفي من وقائعها ماتشيّد به صرح المجد الذي رأى أبو ريشة أن المتنبي قد بناه. فقد جمع المتنبي بين غضارة الحضارة وخشونة البداوة، واحتضنته العلياءُ صغيراً وكبيراً، فنشأ عزيزاً طموحا لا تقع باصرتاه على مادون النجوم. أما من "العزّة" فقد حظي بما يدفع الجبان الرعديد إلى ساح الوغى، وأما من "الطموح" فقد حظي بما يعجز النسر المحلّق عن بلوغه:

بدويّ لينُ الحضارة في بُر *** دَيهِ ناجى خشونة البيداءِ

حضنته العلياءُ طفلاً وكهلاً *** وغذته بأكرم الأثداءِ

فتهادى يختالُ في ظلمةِ الأر *** ضِ وعيناهُ في ذُرى الجوزاء

عزّة تدفع الجبانَ إلى الثأ *** رِ فيمضي للغارةِ الشَّعواء

وطموح مجنّح يترك النَّسـ *** ـرَ كسيحاً في زحمة الأنواء (٣٢)

ولم يؤت المتنبي، في نظر أبي ريشة، من ضعف فراسة أو فساد رأي، فقد عرف السراب الخادع، لكنّ بروق الرجاء ظلت تمنّيه وتعِدُه. وقد مضى يدوس الأشواك في درب أمنياته ساخراً من غوائل دهر فاجع، لكنّ الليالي التي كانت حرباً عوانا على العظماء أبداً ظلّلت خطاه، ولم يمكنه حظّه العاثر من مبتغاه. وكلما آنس أنه شارف الرضى والاطمئنان وجد نفسه حصيد سيف الحِدثان:

عرفت روحه السراب ولكنْ *** خادعت روحَه بروق الرّجاء

يطأ الشوك فوق درب أمانيـ *** ـيه ضحوكا من غائل الأرزاء

إنما ظلّلت خُطاه اللّيالي *** واللّيالي عداوةُ العظماءِ

كلّما شارفَ الرّضى غمستهُ *** في خضمّ الخِذلان والبأساء

ربّ جذلانَ في الكرى زاره الحُلْـ *** ـمُ، وأغراه بالمنى البيضاءِ (٣٣)

ويستوقف أبا ريشة من وقائع حياة المتنبي عنادهُ وإصراره على بلوغ مناه رغم العقبات التي تعترض سبيله. ويشخّص هذا العناد والإصرار في صورة عقاب انطلقت في أجواز الفضاء بجناحي عزيمة ومضاء، لكنها وجدت نفسها في قلب عاصفة جوية لا تبقي ولا تذر، تجأر فيها الرعود وتتهاوى فيها السّحب، لكن العُقاب مضت في تساميها تطوي جناحيها حيناً وتطلقهما حينا آخر ساخرة من عاصفتها، حتى إذا أوت إلى وكرها وجدت نفسها مكسّرة الريش مدماة الصدر، فأخذت ترنو إلى جراحها الراعفة بعينين يطفح منها الكبرياء والإباء:

فسعى في عنادهِ يصفعُ الضَّيـ *** ـمَ ويطوي الضرّاءَ بالضّرّاء

كعُقاب هزّت إلى الأفقِ الرّحـ *** ـبِ جناحَي عزيمة ومضاء

حلّقت والرّعودُ تجأر والسَّـحـ *** ـبُ تهاوى، منثورةَ الأشلاء

وتسامت، طوراً تضمّ جناحيـ *** ـها وطوراً تُرخيهما بازدراءِ

وأتت وكرَها مكسّرة الرِّيـ *** ـشِ وفي صدرها دمُ البُرحاءِ

وثوت تحدِجُ الجراحَ الدّوامي *** وبألحاظها التفاتُ الإباءِ (٣٤)

ويعقّب أبو ريشة على هذه المأساة بالدّرس الذي أراد له أن يكون دستور حياة للشخصية العربية الاسلامية:

هكذا مصرعُ الرّجال فلا نا *** مَت على العز أعين الجُبناءِ

ولا ينسى أبو ريشة، وهو في محراب ذكرى أبي الطيب المتنبي، أن يطرّز العبقرية البيانية لهذا الشاعر العملاق بأحلى ما دبّجته ريشته الصناع، فيخاطبه بـ "شاعر الخلد"، ويسأله أن يقف على قبّة الخلد ليشهد الشعراء يحتفلون باسمه المضمخ بعبير المجد، ويكدّون الحناجر بالثناء عليه، ويستعيدون شيئاً مما صوّره بيانه العذب، الذي رفع قوماً ووضع آخرين. فبدت لهم من محراب التاريخ صورة "سيف الدولة الحمداني" الذي رأى المتنبي أنه مثال رائع للقائد العربي المسلم في الشدة والرخاء، وطلعت عليهم سحنة كافور ثعلب مصر الذي نامت عنه نواطيرها، فعاث في كرمها فساداً. وتلك صور رسمتها ريشة المتنبي، وستظل الأبصار تنتهبها مأخوذة بسحر وجلال لا يؤولان الى زوال:

شاعر الخلدِ قف على قبّةِ الخُلْـ *** ـدِ، وشاهد أئمّة الشُّعراءِ

هتفوا باسمِكَ المضمّخ بالمجـ *** ـدِ، وكدُّوا حناجراً من ثناءِ

قرّبوا عهدكَ البعيدَ فمرّت *** صورٌ منه فاتناتُ الرُّواءِ

ذاك سيفُ الدَّولاتِ من آل حمدا *** نَ منارٌ في السّلم والهيجاءِ

مشرقُ الوجه دافقُ النِّعم الحُمـ *** ـرِ، صليبُ الشّكيمةِ العرباءِ

ذاك كافورُ ضُحكةُ الهُزءِ في التّا *** ريخ ينهى ومصر في إغفاءِ

صورٌ من بيانِكَ البِكر تبقى *** نُهبةَ الطَّرفِ غضّةَ الإيماءِ (٣٥)

وينهي الشاعر قصيدته بأبيات يسأل فيها صاحب هذه العبقرية البيانية أن يغضّ طرفه كي لا يرى حال العرب البائسة، إذ لا تبلغ القِحَةُ بالمجد أن يرى اللّيث الهصور يترنّح بأنياب الحيّة الرقطاء. ويومئ الشاعر هنا إلى حال العرب في مطلع هذا القرن مع من تحالفوا معهم من قوى الغرب الاستعماريّ، وأخذوا منهم المواثيق، واستناموا منهم إلى شِعب مأمون، فإذا هم يؤتون من مأمنهم. ويظلّ الفردوس المفقود عند كل من الشاعرين ذلك الملك العريض الذي ترقص في ظلّه النعمى وتشدو شبّابة العلياء، ويحميه لمع المنى وحمحمة الخيول ووهج القنا وخفق ألوية الجهاد. لكنه تبدّد كلّ ماكان المتنبي يطمح إليه، ويغريه بالاندفاع في معامع الحياة، لقد استنسر البغاث، وهانت الخيل على الفرسان، وانطوت السيوف القطّع، وتبدّد كل أمل:

أين ملك في ظلّه ترقص النُّعـ *** ـمى وتشدو شبَّابةُ العلياءِ

أين لمعُ المُنى وحمحمة الخَيـ *** ـلِ ووهّجُ القنا وخفقُ اللِّواءِ

الميامين، يا غرامَ المياميـ *** ـنِ، يخوضون لجّةً من شقاءِ

القيودُ الثِّقالُ عضّت عليهم *** وجرى سمّها على الأحناء

ولئام الطُّغاةِ تجترّ كالذؤ *** بانِ قلبَ المروءةِ الغرّاءِ (٣٦)

ويلفت انتباه المتأمّل أن أبا ريشة في وقفته مع المتنبي عمد إلى استنزاف كلّ سحائب شاعريته المبدعة. وقد يكون المرء على صواب حين يفهم من هذا قصداً من هذا الشاعر إلى الدخول في حرم العبقرية بآلة العبقرية واضعاً في الحساب أنّ الحديث عن شاعر عملاق كالمتنبي يستدعي منه إعمال آلة الشعر لديه بكل ما أوتيت من قوة. وينتصر لهذا الزعم فيما نحسب تلك المقدمة التخييلية الرائعة التي قدّم بها أبو ريشة لحديث الأوتار الشعرية الخالدة، كما يؤيّده ذلك العنوان الذي آثره الشاعر لقصيدته حين وسمها بـ "شاعر وشاعر".

نتائج البحث

١ - بدت الشخصية العربية الإسلامية واضحة القسمات في شعر أبي ريشة، وكان إحساسه بها قوياً; لأسباب كثيرة، منها مجاورة الشاميين للأتراك في عهد الاتحاديين بخاصة، ونشأة الشاعر في زمان كان فيه وطنه سوريا يغالب المستعمر الفرنسي، وربما يجيء قبل ذلك انتماؤه الى أرومة عربية كريمة ظل يستشعر أمجادها في كل مناسبة.

٢ - أظهر البحث قوة انتماء أبي ريشة إلى الأمة العربية الإسلامية إلى درجة توحي بأنه أراد أن يقدّم درساً في الوطنية الصحيحة التي يعشق صاحبها الأمة والوطن.

٣ - تراءى أن الموضوع الذي جالت فيه شاعرية أبي ريشة إنما هو ماضي الأمة المشرق وحاضرها العاثر، وعزف على هذين الوترين روائع أشعاره.

٤ - استطاع أبو ريشة أن يتلمس عدداً من مصادر القوة في الشخصية العربية الإسلامية. فالصحراء في تصوّره أنبتت المجد قبل أن تُنبِت الورد، واحتفت بالجلال قبل الجمال، واجتمعت فيها "العزّة" و"الحكمةُ".

٥ - ومن مصادر القوة في هذه الشخصية "النبوّة والحقّ". والنبوّة عند عمر هي حكمة السّماء التي هذّبت غلظة العربي البدوي ساكن الصحراء، وبلورت طاقته الإيمانية. وبدا عند هذا الشاعر أن الجاهلية "العربية عادت جَذَعة عندما أسقطت الأمة "مشعل النبوة"; ومن ثم فلا قيمة عنده لعرب دون إسلام. وهو يرى أنّ "النبوة" أشاعت في العرب طاقة قتالية لا قِبل لقوة أن تجابهها، ورأفة ورحمة نعمت بأفضالهما الإنسانية زمناً طويلاً.

٦ - عرف أبو ريشة أنّ العبقرية الجهادية المتمثّلة في بطولات أبناء الأمة، والعبقرية البيانية المتمثّلة في إبداعهم العقليّ تمثّلان أساسين قويّين من أسس القوة في صرح الأمة الحضاريّ والإنسانيّ. ومن هذه الوجهة استنفدت أغاني البطولة والأبطال الشطر الأكبر من شعر الشاعر. وقد خصّ أبو ريشة عدداً من رموز الجهاد الإسلامي بشيء من شعره، بدءً من شخصية رسول اللّه عليه الصلاة والسلام إلى أعلام الجهاد في العصر الحديث.

٧ - رأى أبو ريشة في العبقرية البيانية الجانب العقلي من حضارة الأمة، وخلص إلى أنّ الأمة التي ليس لها حظ من هذه العبقرية متخلفة كثيراً عن الركب الحضاريّ. ومن هذا المنظور رأى أنّ شعراء الأمة الكبار لحظاتُ إشراق في تاريخها، وعناوينُ سبق في حلباتِ فكرها.

وإذا كان ديوان أبي ريشة يطفح بأسماء الرسّامين والموسيقيّين، ويزدان بقصائد رائعة وقفها الشاعر على روائع التصوير والنحت، فإنّ شعراء العربية الكبار نالوا من عبقريته الشعرية الاهتمام الكبير، فقد خصّ كلا من المتنبي والمعرّي والأخطل الصغير بأعذب ماساله به قلمه.

المصادر التي أفادت الدراسة

أ - الكتب:

١ - د. جميل علوش: عمر أبي ريشة، حياته وشعره مع نصوص مختارة، الطبعة الأولى، دار الروّاد، بيروت، ١٩٩٤م.

٢ - د. سامي الدهان: الشعراء الأعلام في سوريا، الطبعة الثانية، دار الأنوار، بيروت، ١٩٦٨م.

٣ - سامي الكيالي: الأدب العربي المعاصر في سوريا (١٨٥٠ - ١٩٥٠م)، الطبعة الثانية، دار المعارف، القاهرة، د. ت.

٤ - د. شوقي ضيف: دراسات في الشعر العربي المعاصر، الطبعة السادسة، دار المعارف القاهرة، ١٩٧٦م.

٥ - صقر بن سلطان القاسمي: ديوان صقر بن سلطان القاسمي، دار العودة، بيروت، ١٩٨٩م.

٦ - د. عز الدين إسماعيل: الشعر في إطار العصر الثوري، الطبعة الأولى، دار القلم، بيروت، ١٩٧٤م.

٧ - عمر أبي ريشة: أ - ديوان عمر أبي ريشة، دار العودة، بيروت، ١٩٨٨م.

ب - "أمرك يارب" - مجموعة شعرية، دار الإصفهاني للطباعة، جدة، د. ت.

٨ - محمد إقبال: ديوان الأسرار والرموز، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، دار المعارف بمصر، القاهرة، ١٩٥٥م.

٩ - د. محمد حسنين هيكل: ثورة الأدب، دار المعارف، القاهرة، د. ت.

ب - المجلات:

١٠ - مجلّة الآداب البيروتية، عدد كانون الثاني، سنة ١٩٥٥م.

١١ - مجلة الأسبوع العربي البيروتية، العدد ١٢٢٩، ٢ / أيار، ١٩٨٣م، والعدد ١٦٠٦، ٢٣ / تموز، سنة ١٩٩٠م.

١٢ - مجلة المنتدى الإماراتية، ملّف الشاعر عمر أبي ريشة، العدد ٧٢، يوليو، سنة ١٩٨٩م.

جـ - الموسوعات:

١٣ - الموسوعة الفلسفية العربية، المجلد الأول، الطبعة الأولى، معهد الإنماء العربي، بيروت، ١٩٨٦م.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - قسم اللغة العربية - جامعة الإمارات العربية المتحدة.

٢ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٢٦ - ٢٧.

٣ - المصدر نفسه، ص ٤٥ - ٤٦.

٤ - أمرك يارب، ص ٤٨ - ٤٩.

٥ - المصدر السابق، ص ٣٣ - ٣٤.

٦ - المصدر السابق، ص ٤٦ - ٤٧.

٧ - المصدر السابق، ص ٣٨ - ٤١.

٨ - المصدر السابق، ص ٤٣ - ٤٤.

٩ - المصدر السابق، ص ٢٥ - ٢٦.

١٠ - المصدر السابق، ص ٢٦ - ٢٧.

١١ - المصدر السابق، ص ٢٧ - ٢٨.

١٢ - الأنفال / ٢٤.

١٣ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٢٩ - ٣١.

١٤ - المصدر السابق، ص ٤٨ - ٤٩.

١٥ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥٦٢ - ٥٦٤.

١٦ - أمرك يارب، ص ٧٣.

١٧ - المصدر السابق، ص ٥٠ - ٥١.

١٨ - المصدر السابق، ص ٥٤ - ٥٥.

١٩ - المصدر السابق، ص ٥٢ - ٥٤.

٢٠ - الشعراء الأعلام في سوريا، ص ٣٥٤.

٢١ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥٣٩.

٢٢ - المصدر السابق، ص ٥٤٤ - ٥٤٦.

٢٣ - المصدر السابق، ص ٥٤٦ - ٥٤٧.

٢٤ - المصدر السابق، ٥٤٧ - ٥٤٨.

٢٥ - المصدر السابق، ص ٥٤٨ - ٥٤٩.

٢٦ - المصدر السابق، ص ٥٤٩ - ٥٥٠.

٢٧ - المصدر السابق، ص ٥٥٠ - ٥٥١.

٢٨ - المصدر السابق، ص ٣٦٦.

٢٩ - المصدر السابق، ٥٨٢ - ٥٨٣.

٣٠ - المصدر نفسه، ص ٥٨٤ - ٥٨٥.

٣١ - المصدر السابق، ص ٥٨٦ - ٥٨٧.

٣٢ - المصدر السابق، ص ٥٨٧ - ٥٨٨.

٣٣ - المصدر السابق، ص ٥٨٨ - ٥٨٩.

٣٤ - المصدر نفسه، ص ٥٩٠ - ٥٩١.

٣٥ - المصدر السابق، ص ٥٩١ - ٥٩٢.

٣٦ - المصدر السابق، ٥٩٣ - ٥٩٤.



[ Web design by Abadis ]