ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الغرب و الصراع على فلسطين في القرن الحادي و العشرين \ الدكتور رمضان عبد الله شلح

"ملخّص"

الصراع على فلسطين ليس صراعا على الأرض والثروات أو الموقع الاستراتيجي فحسب، بل هو صراع حضاري شامل له جوانبه وأبعاده العقائدية والثقافية والاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية. هذه الابعاد هي منشأ فكرة مركزية فلسطين في الصراع الاستراتيجي الاقليمي والدولي والحضاري الراهن، وهذه الدراسة تكشف عن طبيعة هذا الصراع الحضاري.

شهد القرن العشرون العديد من الأحداث المدوية التي أحدثت تغييرات هائلة على الخارطة الكونية. ففيه اندلعت حربان عالميتان، وانفجرت ثورتان كبريان في روسيا والصين، وانهارت ست إمبراطوريات هي العثمانية والألمانية والإيطالية واليابانية والنمساوية - المجرية وأخيراً السوفيتية بانهيار الاتحاد السوفيتي. وحدث تراجع هائل لقوتين من أهم القوى الاستعمارية العالمية، الاستعمار البريطاني والاستعمار الفرنسي.

وإذا كان سقوط الدولة العثمانية (١٩٢٤) وقيام الدولة اليهودية في فلسطين (١٩٤٨) هما أهم حدثين عصفا بالشرق الإسلامي في النصف الأول من القرن، فإن انتصار الثورة الإسلامية وقيام الدولة الإسلامية في إيران عام ١٩٧٩، كان الحدث الأبرز بعد سقوط القدس عام ١٩٦٧ في النصف الثاني من القرن.

وفي ظل التغيرات التي طرأت على النظام الدولي، ومع الإحساس بأن البشرية تمر بمخاض عسر نحو الدخول في قرن جديد، وفي عالم جديد يتشكل اليوم، تتزاحم الأسئلة حول موقع الأمة العربية والإسلامية ومستقبلها على خريطة النظام العالمي وحول قضاياها المصيرية وتفاعلاتها مع العالم.

لكن السؤال عن فلسطين ومصيرها يظل، ولاعتبارات كثيرة، السؤال المركزي الذي تصطحبه الأمة معها وهي تدخل القرن الحادي والعشرين. ولعل التطورات الراهنة المتعلقة بهذه القضية، تدفع باتجاه الصيغة الأكثر مرارة للسؤال: هل أصبحت فلسطين أندلس ثانية؟

لايمكن الإجابة عن هذا السؤال بمعزل عن السياق التاريخي للمواجهة الحضارية الشاملة بين الأمة الإسلامية والنظام الدولي بأطواره المختلفة والذي بنته القاعدة الأوسع: الغرب.

ضمن هذا السياق يبرز موقع فلسطين في الصراع التاريخي مع الغرب وصولاً إلى تداعيات المنعطف التاريخي الفاصل راهناً عبوراً إلى مستقبل الأمة وفلسطين في القرن الحادي والعشرين. وللوقوف على دور الغرب التاريخي في الصراع على فلسطين لابد أن نوضح بداية ماذا نعني بالغرب؟

ليس من السهل أن نقدم تعريفاً دقيقاً للغرب دون البحث في التجربة التاريخية ومجموعة القوى والعناصر المتحولة والثابتة التي تكون منظومة، إسمها الغرب.

ليس من الصحيح اختزال الغرب في مدلول جغرافي يتمثل في مثلث تحيط أضلاعه بنصف الكرة الشمالي حيث أوروبا الغربية واليابان والولايات المتحدة. كما أن اختزال الغرب في الرأسمالية فقط، كما هو شائع لدى الكثيرين، فيه مغالطة تاريخية كبيرة تعني أن ماحدث قبل ميلاد الرأسمالية لم يعد يخص الغرب. على نفس الدرجة لا يمكن اختزال الغرب في زاوية الفلسفة بأنه التنوير والحداثة، ولا في زاوية العرق واعتباره الرجل الأبيض، ولا في زاوية الدين واعتباره المسيحية.

الغرب هو كل هذه الأمور مجتمعة والتي جعلت منه في الوقت الحالي فكرة إيديولوجية أكثر منها جغرافية. ومن الناحية الجغرافية والإيديولوجية، وفي السياق الذي ينسجم وفكرة هذه الورقة، يمكن اختزال الغرب ومهما تعددت أضلاعه إلى شكل ذي ثلاثة أبعاد رئيسية، فهو "هيليني - مسيحي - يهودي". أي مزيج بين الإغريقية والرومانية والمسيحية البروتستانتية التي أضافت إلى هذا المزيج بعدا توراتياً جعلت اليهودية إحدى العناصر الأساسية في المركب الحضاري للغرب.

وفي ذات السياق، فإن محاولةوضع تعريف دقيق للنظام الدولي لا تقل تعقيداً عن محاولة تعريف الغرب، بل إن التداخل بينهما يزيد المسألة تعقيداً. فالغرب هو الحامل للنظام الدولي. والنظام الدولي هو محصلة تفاعلات الغرب ومكوناته وأدواته في العالم كله. والتوازنات التي تنشأ عن هذه التفاعلات في سياق مباراة دولية رهانها الأكيد في نظر القوى الاستكبارية هو محاولة السيطرة على العالم.

فالنظام الدولي هو مجموعة المؤسسات الاقتصادية العملاقة من شركات متعددة الجنسية وبورصات عالمية وبنوك وشركات تأمين وصناعات واستثمارات ومضاربات.

وهو المؤسسات الدولية غير الحكومية كالأمم المتحدة، والبنك الدولي، وصندوق النقد الدولي.

وهو أنظمة الحكم من رئاسات وبرلمانات ووزارات وهيئات.

وهو المؤسسات والجمعيات الخيرية.

وهو ماكينة الاعلام والاتصالات العالمية الضخمة من صحافة ووكالات أنباء، ومسموعات ومرئيات، وإنترنت.

وهو مؤسسات التعليم من جامعات ومعاهد وكليات ومدارس ودور حضانة ومراكز بحث ومعلومات.

وهو الفنون والآداب والسينما والمسرح وهوليود.

وهو نظام القيم والأخلاقيات ومعايير السلوك والأداء.

وهو نمط الحياة الحديثة وطرق العيش والانتاج والتوزيع والاستهلاك.

وهو آلة الحرب الجهنمية وأسلحة الدمار الشامل النووية والكيميائية والبيولوجية والصواريخ البالستية والطائرات والأسلحة الذرية.

وهو الجيوش والنظم العسكرية.

وهو أجهزة قمع وقهر الإنسان من سجون ومعتقلات وشرطة ومحاكم.

هو كل هذه الأشياء وغيرها مما أسهمت في تحقيق إنجازات مادية هائلة تقوم عليها حضارة الغرب المعاصرة، لكنها أنتجت بذرة فنائها التي تهدد مقومات الحياة الإنسانية التي تتجلى ليس في الإيدز والمخدرات وتلوث البيئة فقط، بل في فكرة الصراع التي طبعت الذهنية وبالتالي الحياة الغربية على مدار التاريخ. لقد بلغ عدد الذين أزهقت أرواحهم من جراء الحروب والصراعات في القرن العشرين فقط حسب بعض التقديرات ١٦٨ مليون نسمة.

وحين تكون اليهودية والمسيحية إحدى المكونات الإيديولوجية الأساسية للغرب، فمن الطبيعي القول بأن الصدام بين الغرب والأمة قديم قدم الإسلام الذي هو جوهر شخصية الأمة وهويتها الحضارية.

لكن الهجمة الصليبية التي أطلقت الكنيسة شرارتها أواخر القرن الحادي عشر الميلادي لتحرير بيت المقدس من المسلمين بنداء البابا أوريان الثاني "فلينهض الغرب لنجدة إخوانه المسيحيين في الشرق"، مثلت المحطة الأبرز لتورط الغرب الأوروبي في الزحف الاستعماري نحو المشرق الإسلامي لاحتلاله وإخضاعه ككيان حضاري ديني ثم جغرافي سياسي.

وعلى مدار القرون الأربعة الأخيرة تعرض العالم الإسلامي لهجمة غربية من قبل قوى استعمارية مختلفة، ظهرت ثمارها في الهجمة المعاصرة التي ماتزال مستمرة حتى اللحظة الراهنة. وهي الهجمة الأخطر على مدار تاريخ الأمة من حيث ضعفها وتفككها وتجريدها من قوى فاعلة، ليس على صعيد الحكومات فقط، بل على صعيد الشعوب التي بفضل تماسكها وصمودها ونهوضها كانت دار الإسلام تعيد بناء توازنها وتقاوم وتدحر أي غاز أو مهيمن أجنبي.

ظل الوطن الإسلامي هدفاً للاستراتيجيات الغربية والنظام الدولي على مدار التاريخ نظراً لتمتعه بعدد من المزايا:

١ - جغرافياً: يشكل الوطن الإسلامي كياناً قارياً يتجاوز في أهميته الجيوبوليتيكية الكيانات الدولية الأخرى للقوى العظمى، الولايات المتحدة، روسيا، الصين، بريطانيا، فرنسا. فهذه القوى تمتد على مدى قاري أحادي البعد، فيما الوطن الإسلامي يشكل حزاماً يمسك بخصر العالم القديم حيث الموقع المتاخم لأوروبا والمرتبط بأفريقيا والممتد في عمق آسيا. لقد ظل الصراع بينه وبين أوروبا بأشكال عسكرية واقتصادية ودينية وإيديولوجية متصلاً منذ قرون وأصبح أكثر امتداداً في حقبة الامبريالية المعاصرة. وقد بدأ الاشتباك الحديث بالهجمات الروسية على الإمبراطورية العثمانية، ثم بغزو نابليون لمصر.

٢ - اقتصادياً: يملك الوطن الإسلامي ثروة طبيعية واقتصادية هائلة حيث يحتوي على أضخم ثروة بترولية يحوز بها أكثر من ٦٠ في المائة من مخزون النفط العالمي وغيرها من الثروات المعدنية والزراعية والحيوانية، التي تشكل أداة تحَكم سياسية كبيرة لو أحسن استخدامها.

٣ - عرقياً: يشتمل على أعراق قومية وإثنيات متعددة مثل (العرب، الأتراك، الفرس) حمل بعضها ميراث حضارات قديمة عريقة، وتاريخ يحمل خصوصيات تفوق ونبوغ.

٤ - ديمغرافياً: يشكل المسلمون اليوم خمس سكان البشرية. ويتجاوز وجودهم حدود الرقعة الجغرافية للوطن الإسلامي ممثلاً بالبلدان العربية والإسلامية، حيث الأقليات الإسلامية التي تعد بعشرات الملايين في أنحاء مختلفة من العالم. وهي أقليات تشكل كيانات ثقافية حضارية في قلب أوروبا والأمريكتين وداخل الحضارات الآسيوية المعاصرة.

٥ - الإسلام كرسالة عالمية خالدة صنعت من عرب الصحراء أمة عملاقة وقدمت للبشرية واحدة من أهم الحضارات التي عرفها التاريخ.

٦ - وأخيراً، فلسطين، الأرض المباركة والمقدسة، نقطة التقاء القارات، ومهبط الديانات، وصعود الحضارات، وصراع الاستراتيجيات.

إن هذه المزايا بدون شك يمكن أن تخلق من العالم الإسلامي قوة عظمى تستطيع التفوق على القوى الأخرى. لكن الواقع أنها جعلت منه هدفاً للاطماع الأجنبية التي كانت فلسطين ولا تزال مجالاً لأكثرها بشاعة، ألا وهي الاطماع الصهيونية الغربية.

لم يكن احتضان الغرب للمشروع الصهيوني يمثل تحالفاً بين جسمين منفصلين جمعتهما المصلحة فقط، فالحركة الصهيونية هي نتاج الفكر والمناخ الغربيين، بل إن تاريخ الصهيونية هو جزء لا يتجزأ من تاريخ الحضارة الغربية. وإذا أردنا أن نرصد دور الغرب في اغتصاب فلسطين وإنشاء الدولة اليهودية فإننا نسجل الملاحظات التالية:

١ - إن اغتصاب فلسطين كان الصيغة الغربية الجديدة لحل المسألة اليهودية بعد فشل الحل النازي بإبادة اليهود. لذا لم يستطع (ضحايا النازية) من قادة المشروع الصهيوني تحمل العبء الأخلاقي باستخدام سلاح الإبادة ضد فريستهم أهل فلسطين، ذلك السلاح الذي عندما استخدم ضدهم شكل مصدر الشرعية الأساس في الدعاية الصهيونية لاحتلال فلسطين. من هنا عدلت الحركة الصهيونية عن الإبادة فاختارت أسلوب طرد وتهجير سكان فلسطين الأصليين الذي جرى وصفه في الغرب بالتعبير المخادع "الترانسفير" الذي كان يعتبر وسيلة مشروعة لحل النزاعات بين الأمم.

٢ - لقد عكس خروج اليهود من أوروبا لاحتلال فلسطين دوراً بارزاً للمسيحية الغربية بشقيها الكاثوليكي والبروتستانتي، وإن بشكل مختلف، في إقامة الدولة اليهودية. فالصراع بين اليهود والكاثوليك ونظر الأخيرين إلى اليهود باعتبارهم قتلة المسيح المنحطين شكل عامل طرد لليهود من أوروبا على قاعدة الكراهية لهم. أما البروتستانتية التي أنتجت الصهيونية المسيحية فاليهود من وجهة نظرهم هم أداة لخلاص العالم الذي لن يتحقق إلا بعودة اليهود إلى "أرض الميعاد" فلسطين.

٣ - شكل الدين أهم عنصر من عناصر التعبئة الصهيونية حيث خلعت الحركة الصهيونية القداسة على مشروعها أرضاً (أرض الميعاد) وشعباً (شعب اللّه المختار). فكانت "الدولة اليهودية" في المشروع الصهيوني وطناً منحه الرب ليهود العالم. ولم يجر استبعاد الدين أو الحرب عليه داخل المشروع الصهيوني لا في اختيار موقع الدولة أو رموزها أو نظامها السياسي الذي يكفل للاحزاب الدينية المشاركة الكاملة في الحياة السياسية.

٤ - أراد الغرب، الذي احتضن المؤتمر الصهيوني وأصدر وعد بلفور وصك الانتداب واعترف بالكيان الصهيوني، أن يحصل على صك غفران من الحركة الصهيونية بشأن مأساة اليهود والمذابح التي تعرضوا لها في أوروبا. لقد اشترى الضمير الغربي صك غفرانه بصك غفران منحه مقدماً للمشروع الصهيوني عن كل الجرائم التي سترتكبها الصهيونية في حق شعب فلسطين. وهذا ما لاحظه المؤرخ البريطاني توينبي حين رأى أن "ليس من العدالة أن يدفع عرب فلسطين ثمن الجرائم التي قام بها الغرب ضد اليهود". ويقول: "ولكن ادعاءهم بأن ما اقترفته النازية بحقهم من جرائم تقضي بإعطائهم وطناً خاصاً بهم، فهو ادعاء مردود من أساسه، فإذا وجد لهذا ما يبرره، فإن هذا الوطن الخاص يجب أن يمنح لهم في الأرض الألمانية لا في الأراضي العربية، التي يملكها أهلها منذ ثلاثة عشر قرناً".

٥ - لقد انتقل مركز الثقل الغربي في دعم الكيان الصهيوني منذ نشأته إلى الولايات المتحدة الأمريكية، التي تأكد دخولها إلى المنطقة بقوة بعد فشل العدوان الثلاثي - بريطانيا وفرنسا وإسرائيل - على مصر عام ١٩٥٦. لقد تحركت الولايات المتحدة لتوفير الحماية المباشرة لإسرائيل التي انتهت إلى حالة من التماهي بين الطرفين الأمريكي والصهيوني في المنطقة.

٦ - رأى الغرب في الكيان الصهيوني بتكوينه العقائدي والفلسفي امتداداً للغرب ورأس حربة له في قلب العالم الإسلامي على كل المستويات. فالكيان الصهيوني من وجهة النظر الغربية تجسيد لنبوءة الكتاب المقدس; وبيت الرجل الأبيض (الأشكنازي) رسول الحضارة الغربية في الشرق الإسلامي، وقاعدة الاستعمار الغربي والإمبريالية في قلب الوطن الإسلامي الطافح بالخيرات، والموقع الاستراتيجي بين آسيا وافريقيا الذي يشطر الوطن العربي شمالاً وجنوباً، وشرقاً وغرباً، وواحة الديمقراطية الغربية في بحر الديكتاتوريات العربية والإسلامية، وكلب الحراسة الغربية لضمان تدفق النفط إلى شرايين الحضارة الغربية، وأداة الغرب الرئيسة لمواجهة نفوذ الاتحاد السوفيتي في المنطقة أثناء الحرب الباردة، وقاعدة النظام العالمي الجديد في مواجهة الخطر الإسلامي الصاعد.

ضمن هذا السياق، كانت "الدولة اليهودية" مشروعاً استراتيجياً يلتمس به الغرب إلى جانب الحفاظ على ميراثه الاستعماري غفران ذنبه، وضمان استمرار سعيه ومصالحه في المنطقة. من هنا، أصبح وجود إسرائيل بالنسبة للغرب طبيعياً، وشرعياً، فيما استمرار رفضها أو مقاومتها بأي شكل من الأشكال يمثل خرقاً للشرعية الدولية!

كان زرع الكيان الصهيوني في قلب فلسطين أحد ثلاثة حلقات مركزية استكمل بها الغرب هجمته على الوطن الإسلامي. فمن أجل أن يقوم هذا الكيان ويضمن له العيش والاستقرار كانت التجزئة في اتفاقية "سايكس بيكو" لضرب وحدة الأمة التاريخية، والتي تزامنت مع انقلاب الحركة العربية ضد الدولة العثمانية لصالح الاجتياح الغربي للمنطقة. والحلقة الثالثة هي تدمير هوية الأمة وشخصيتها الحضارية من خلال الغزو الثقافي الذي تمثل في استيراد وكلاء الغرب في بلادنا منظومات وقوالب فكرية غربية لتدمير عقولنا وأرواحنا وقطع صلتنا بالإسلام الذي أوجد هذه الأمة وصنع حضارتها العظيمة.

وقد تركت هذه الحلقات بصماتها على مايسمى بالصراع العربي - الصهيوني أو صراع الأمة مع المشروع الصهيوني - الغربي من أجل فلسطين كما يلي:

١ - طبيعة وأبعاد الصراع

لم تتجاوز قراءة الاتجاه العلماني العربي بألوانه المختلفة للصراع حدود التسويات الدولية التي فرضها الغرب على المنطقة مع بداية القرن. بل في ظل نمو حركات التحرر ضد الاستعمار ساد الرأي بأن الصراع في فلسطين مجرد صراع بين إمبريالية تطمع في نهب الثروات وتصدير رؤوس الأموال وفتح الأسواق وبين شعب يكافح من أجل نيل حريته واستقلاله وحق تقرير مصيره كأي من حالات مقاومة الاستعمار الحديث. أي أن هذه الرؤية لا تقدم تفسيراً للصراع إلا في حدود المنظور الأوروبي، الماركسي أو الليبرالي، الذي ينظر إلى الحدث كحالة طارئة نتجت عن تطور الرأسمالية التي تطورت بدورها إلى إمبريالية. هذا التفسير يطمس مركزية فلسطين في الصراع التاريخي بين الأمة والغرب، ولا يرى في زرع الدولة اليهودية استمراراً تاريخياً للمعارك التي خاضتها الأمة في اليرموك وأجنادين وحطين في بيت المقدس وأكناف بيت المقدس. بل جرى التأكيد على نفي الجانب العقائدي عن الحروب الصليبية وقطع سياقها مع الهجمة الغربية الحديثة برغم إعلان الجنرال الإنجليزي "اللنبي"، عندما دخل القدس عام ١٩١٧: "اليوم انتهت الحروب الصليبية" وما أعلنه الجنرال الفرنسي "غورو" في دمشق: "ها قد عدنا يا صلاح الدين"، عندم

ا وقف على قبره.

لم يكن حصر طبيعة الصراع وأبعاده في الجانب الاقتصادي الإمبريالي أو حتى ربطه بسايكس بيكو ضد الأمة العربية لتظل قضية فلسطين مجرد قضية تحرر وطني، معزولاً عن الغزو الثقافي الغربي الذي كان من أهم أهدافه استبعاد المنظور الإسلامي للصراع، حيث الإسلام هو المولّد الأكبر لمحفزات وديناميات المقاومة ضد الهيمنة الغربية، فلابد من تحييده أو مواجهته عن طريق القمع المباشر لكل محركات الدين الإسلامي في المجتمع.

إن الإسلام، كعقيدة توحيدية لكل الشعوب والاجناس التي اختارته كدين سماوي، يطرح نفسه من خلال القرآن باعتباره المرجعية في قراءة حركة بني إسرائيل والظاهرة الإسرائيلية في كل مراحل نموها: (إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون). ليس من الممكن إسلامياً قراءة وفهم الصراع مع بني إسرائيل خارج حدود هذا النص وغيره من النصوص القرآنية التي تربط بين الإسلام وفلسطين وبني إسرائيل.

من هنا، يبرز موقع فلسطين في الصراع التاريخي بين الإيمان والكفر، أو بين الشرك والتوحيد، والذي تجلى في إعلان انتقال النبوة من بني إسرائيل، الذين فشلوا في حمل أمانة التكليف الإلهي: (ألا تتخذوا من دوني وكيلا)، إلى حملة الإسلام الرسالة الخاتمة للبشرية، هذا الانتقال الذي تحدثت عنه سورة الإسراء (سورة بني إسرائيل)، التي روي أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كان يقرأها كل ليلة، وترسخ بعد قيام دولة الإسلام وبروز الدور اليهودي في مواجهتها، وصولاً إلى فتح بيت المقدس وبسط الإسلام لسيادته العالمية، سيادة حضارة التوحيد في مواجهة حضارة الشرك العالمية.

من هنا، تبرز أهمية فلسطين في الوعي الإسلامي والضمير العقدي للأمة، حيث الربط الإلهي بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام، بين مكة والقدس، أو بين الأرض المباركة (فلسطين) وبين الجزيرة العربية مهد الرسالة الإسلامية، كما يربط التخصيص النبوي للمسجد الأقصى باعتباره أحد المساجد الثلاثة التي تشد إليها الرحال، فلسطين بالعبادة الإسلامية التي توجب على المسلمين تأمين وتيسير الوصول إلى المسجد الأقصى، بما يفرض على الأمة أن تكون فلسطين محررة تحت راية الإسلام.

وعليه، فإن الصراع مع دولة بني إسرائيل في فلسطين هو من صميم الفلسفة التأسيسية للمشروع الحضاري الإسلامي، الذي يجب أن تكون فلسطين فيه ليس مجرد أرض لشعب مسلم مشرد ومضطهد تجب نصرته، بل هي مركز الصراع الكوني، ونقطة صدام الأمة الإسلامية التاريخي ضد حضارة نهج الشرك التي تستهدف التوحيد في صراع مفتوح إلى يوم القيامة، كما أشار بذلك النبي (صلى الله عليه وآله) في حديثه لمعاذ بن جبل "من اختار منكم ساحلاً من سواحل الشام فهو جهاد إلى يوم القيامة".

إذن، فالصراع على فلسطين في المنظور الإسلامي ليس صراعاً على الأرض أو الثروات أو الموقع الاستراتيجي فحسب، بل هو صراع حضاري شامل له جوانبه وأبعاده العقدية والثقافية والاستراتيجية العسكرية والسياسية والاقتصادية. هذه الأبعاد هي منشأ فكرة مركزية فلسطين في الصراع الاستراتيجي الإقليمي والدولي والحضاري الراهن.

٢ - أطراف الصراع

لقد كلفت القراءة الخاطئة لطبيعة الصراع الأمة الإسلامية عقوداً من التضحيات والتكاليف حتى أفصحت الاستراتيجية الغربية بقيادة أمريكا عن نفسها بعد انتهاء الحرب الباردة، وأعلنت الإسلام عدواً للغرب، وأنه الخطر الذي يتهدد المصالح الغربية في المنطقة وعلى رأسها إسرائيل.

لم تقف القراءة المغلوطة للصراع عند حد استبعاد الإسلام كأيديولوجيا وعقيدة حية قادرة على قيادة الصراع وإشعاله في السياق التاريخي والقرآني الذي يقود ضمن سنن وشروط إلهية إلى النصر الحتمي، بل استبعدت الإسلام ككتلة بشرية يصل تعدادها اليوم المليار مسلم من غير العرب; فحرمت الأمة في صراعها مع الغرب ميزة العامل الديمغرافي، وميزة التنوع العرقي الذي وظف إبداع الأعراق والأجناس المختلفة في بناء حضارة ومجد الإسلام، فطرحت فلسطين قضية عربية لا تخص أهل تركيا وإيران وماليزيا وأندونيسيا وباكستان وغيرها من بقاع دار الإسلام التاريخية، وسمي الصراع من أجلها بالصراع العربي - الصهيوني.

كان طبيعياً أن لا يصمد هذا الطرح طالما استند إلى قاعدة التجزئة والدولة القطرية التي أعادت تعريف الصراع إلى صراع فلسطيني - إسرائيلي، ثم إلى نزاع فلسطيني - إسرائيلي، الفلسطينيون فيه هم أهل الضفة الغربية وقطاع غزة، وفلسطين لا تزيد عن الضفة الغربية وغزة، التي جرى القبول الفلسطيني والعربي الرسمي بتعريفها في اتفاق أوسلو كأراض متنازع عليها، لا أراضِ محتلة.

إن هذا الانهيار أو الاخفاق في تحديد أطراف الصراع، سواء على صعيد الأمة أو على صعيد أعدائها، أوجد صحوة لدى قطاعات واسعة من جماهير الأمة لتعيد قضية فلسطين والصراع من أجلها إلى النصاب التاريخي والطبيعي، كقضية إسلامية أولاً، وعربية ثانياً، وفلسطينية أخيراً. حيث الأمة كلها في مواجهة التحدي الغربي ورأس حربته الكيان الصهيوني.

٣ - آلية وإدارة الصراع

يجمع المراقبون لمسيرة الصراع بعد قرن على انطلاقة المشروع الصهيوني ونصف قرن من قيام الدولة اليهودية، على أنه لم يكن هناك استراتيجية عربية إسلامية للتصدي للمشروع الصهيوني. وبشكل عام تم التعامل مع المشروع الصهيوني تاريخياً من خلال نهجين رئيسين:

أ - نهج الرفض والمقاومة

منذ بدايات الهجمة قاوم الفلسطينيون والعرب المشروع الصهيوني، وخاضت الأنظمة العربية عام ١٩٤٨، حرباً نظامية خسرها العرب وانتهت بإقامة دولة الكيان. لكن الرفض للكيان الصهيوني استمر واستمرت المواجهة العسكرية، فخاض العرب حروباً في أعوام ١٩٥٦، ١٩٦٧، ١٩٧٣، ١٩٨٢، على خلفية أن إسرائيل تشكل خطراً على الأمة العربية بأسرها ولا ينحصر تهديدها في فلسطين.

وإذا كانت ذروة الرفض العربي تجسدت في مؤتمر الخرطوم عام ١٩٦٧، بلاءاته الثلاثة الشهيرة، لا اعتراف، لا مفاوضات، لا صلح مع إسرائيل، فإن انخفاض سقف الأهداف العربية إلى مجرد إزالة آثار عدوان عام ١٩٦٧، زرع بذرة الميل العربي الأولى الهامة نحو التسوية، بل أسس قبول العرب لقرار ٢٤٢ لفكرة النظام الإقليمي الشرق أوسطي الذي يغض الطرف عن إسرائيل ماقبل هزيمة حزيران، الأمر الذي أعطى إسرائيل ذريعة ادعاء حق السيادة والملكية لكامل أرض فلسطين، ورفض الاعتراف بأنها سلطة محتلة لأراضي عام ١٩٦٧.

وبرغم الانتصار الجزئي الذي حققه العرب في حرب ١٩٧٣، إلا أن الهزائم المتكررة، والتفوق العسكري المذهل لإسرائيل، المتسلحة بالدعم الأمريكي اللامحدود، والمدججة بترسانة من الأسلحة النووية، أوصل النظام العربي إلى قناعة استحالة حسم الصراع بالخيار العسكري. ولم يكن غريباً، في ظل ارتباط منظمة التحرير أو حركة التحرر الوطني الفلسطيني بحركة التحرر العربي، أن تنسحب هذه القناعة لدى قيادة المشروع الوطني الفلسطيني، التي انتهى بها الأمر ليس إلى نبذ الكفاح المسلح كطريق لتحرير فلسطين، بل إلى ملاحقة وتصفية النضال الجماهيري (الانتفاضة) وكذلك الإسلامي المسلح لصالح العدو.

ب - نهج التسوية السلمية

يمكن القول، إن هذا النهج بروحيته الراهنة قديم قدم الثورة الفلسطينية المعاصرة، حيث بدأ مبكراً في دعوة الرئيس التونسي أبو رقيبة عام ١٩٦٥، إلى الاعتراف بإسرائيل على أساس قرار التقسيم لعام ١٩٤٧. لكن الإرهاصات الجادة بدأت عقب هزيمة عام ١٩٦٧، في إشارات مؤتمر الخرطوم، ثم قبول عبد الناصر لمشروع روجرز عام ١٩٦٩، وصولاً إلى توقيع السادات لاتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٩، ثم مشروع فهد (١٩٨١) وقمة فاس (١٩٨٢)، التي عبرت عن القبول العربي بوجود إسرائيل والاعتراف بها، وصولاً إلى مدريد عام ١٩٩١، إثر حرب الخليج الثانية والانطلاقة الأمريكية الجديدة في المنطقة. وقد أسفر ذلك عن توقيع اتفاق أوسلو عام ١٩٩٣، ونشوء سلطة الحكم الذاتي الفلسطينية، ثم اتفاقية وادي عربة عام ١٩٩٤، بين الأردن وإسرائيل، ثم باقي الاتفاقيات الإسرائيلية الفلسطينية التي كان آخرها واي ريفر ١٩٩٨.

إن القراءة السريعة لتاريخ الصراع في المنطقة تظهر أن خياري "الحل السلمي" و"الحل العسكري" ليسا منفصلين عن بعضهما. فمن خسارة الأنظمة الليبرالية العربية لحرب عام ١٩٤٨، مروراً بهزيمة الأنظمة التقدمية عام ١٩٦٧، إلى هزيمة منظمة التحرير واجتياح بيروت عام ١٩٨٢، كان المراد إيصال المنطقة إلى نوع من الاستسلام الذي يوصل إلى الاعتراف الكامل باسرائيل في ظل خلل فادح في ميزان القوى لصالحها، يفرز باستمرار عوائق جديدة أمام العرب للقدرة على الحرب.

لكن المؤكد، أن السلاح النووي الإسرائيلي أو التفوق النوعي في التسليح والأمن والجيوش ليست أكثر خطورة على القدرة العربية على الحرب من اتفاقات السلام والاعتراف بشرعية إسرائيل. فالشرعية التي تمنحها القوة الظالمة أو المساعدة الأجنبية للقوى العظمى للكيان الصهيوني لاتساوي شيئاً أمام توقيع صاحب الحق على صك التنازل التاريخي عن فلسطين. وهذا ما جرى التأسيس له في اتفاق أوسلو، وينتظر إتمامه في مايسمى الحل النهائي للصراع الذي يجري تسويقه تحت شعار إعلان الدولة الفلسطينية على فتات الأرض.

أي مستقبل للصراع. . أي مستقبل لفلسطين؟

في ظل الهجوم الأمريكي - الصهيوني الكاسح في المنطقة أصبح المتمسكون بفلسطين متهمون، على الأقل، بالطوباوية واللاواقعية، وأنهم لا يملكون حلاً عملياً يمكن أن يسمح به الغرب أو النظام الدولي الراهن. ومثل هذا الطرح يتجاهل كافة المسلمات السالفة الذكر حول دور الغرب في الصراع، وهي مسلمات تقود إلى بديهة ومسلمة راسخة في عالم اليوم أن لا أحد في الغرب يقبل بزوال أوتفكيك أو حتى إضعاف إسرائيل وإنهاء تفوقها على محيطها. حتى الاتحاد السوفيتي صديق وحليف العرب السابق لم يكن يسمح بزوال إسرائيل.

وفي الجدال الذي نشب في المنطقة والعالم حول مستقبل علاقة إسرائيل بالغرب وبالذات الولايات المتحدة بعد انتهاء الحرب الباردة، وهو جدال غير مبرر برأينا، انتصرت وجهة النظر القائلة بالأهمية الاستراتيجية القصوى لإسرائيل ليس كشريك وحليف للولايات المتحدة الأمريكية فقط في الحرب ضد "العدو الجديد": الإسلام، بل شريك وحليف للنظام العربي الذي اصطف وإسرائيل في خندق واحد تحت المظلة الأمريكية في قمة شرم الشيخ.

هذا يعني أن مستقبل الصراع على فلسطين هو مستقبل الصراع مع الإسلام في المنطقة والعالم. وحين تكون إسرائيل هي رأس الحربة الأمريكية في هذا الصراع، فإن المشكلة في العالم الإسلامي تصبح أكبر من مشكلة فلسطين. المشكلة هي إسرائيل في مواجهة دول المشرق العربي والإسلامي التي ترفض الاصطفاف في الخندق اليهودي لمواصلة الحرب اليهودية الصليبية التاريخية ضد الإسلام والمسلمين.

إن مستقبل هذا الصراع لا يتحدد بأوهام الرخاء والاستقرار التي تشيعها أمريكا وإسرائيل في ظل عملية التسوية في المنطقة، ولا بالأحلام التي تقف عند حدود المبشرات الغيبية لدى المتمسكين بثوابت الأمة العقدية والتاريخية.

ثمة محددات موضوعية مختلفة يتوقف عليها مستقبل الصراع وفلسطين نذكر منها بإيجاز:

١ - الإمكانات الإيديولوجية والعقدية

لقد أثبتت التجربة التاريخية للأمة الإسلامية أن العقيدة هي السلاح الأمضى والعامل الأهم الذي حفظ الأمة عندما سقطت الدول والنظم السياسية الإسلامية المختلفة. لقد غابت الدول وسقطت المراكز الإسلامية في أتون الصراع المحلي والدولي، لكن التواجد الإسلامي الحضاري ظل قائماً ومتميزاً لأن الإسلام عقيدة التوحيد لم يسقط من ضمير ووجدان وحياة المسلمين. إن العقيدة وروح الجهاد هي التي حشدت المسلمين وأعطت الدول الإسلامية قدرة على التعبئة أكبر من طاقاتها وإمكاناتها المادية التي كانت تتآكل بفعل الصدامات والصراعات الداخلية.

إن إعلان الغرب وأمريكا الحرب على الإسلام والمسلمين اليوم، بدعوى محاربة الإرهاب، هو بمثابة حرب تدميرية لعامل التعبئة والتحفيز الأهم الذي يمكن أن يمثل نوعاً من التعويض للقصور المادي الراهن في القوة.

لذا فإن انخراط الحكومات الإسلامية في هذه الحرب الصليبية على الإسلام والقوى الإسلامية هو مشاركة في شل جزء هائل من إمكانات الإسلام الحيوية في معركة الصمود والنهوض على خريطة النظام الدولي.

٢ - العامل التقني والقوة

لقد تحولت إسرائيل بفعل العلاقة الاستراتيجية التاريخية بالغرب والولايات المتحدة إلى خزان لأحدث النظم التكنولوجية والأسلحة التقليدية منها وغير التقليدية. وقد ضخت موجة الهجرة اليهودية السوفيتية إمكانات علمية وتقنية جديدة للاقتصاد والمجتمع الصهيونيين. كما أسهمت حالة الانفتاح التي عاشها الكيان الصهيوني بعد انطلاق عملية السلام في مدريد إلى ضخ روافد جديدة للتكنولوجيا من مختلف أنحاء العالم، فمنذ مؤتمر مدريد تأسست في إسرائيل ٣٠٠٠ شركة للتكنولوجيا المتقدمة، وهو عدد يفوق كل الدول عدا الولايات المتحدة. كما أصبح معدل العلماء والمهندسين كنسبة من عدد السكان يفوق معدل أي دولة في العالم. لقد حل الكمبيوتر محل الكيبوتز في بنية الكيان الصهيوني، وبدأت إسرائيل تكتسب لقب "وادي السليكون الشرقي" في أوساط الاقتصاد العالمي تشبيهاً بتلك المنطقة المتفوقة في تكنولوجيا الكمبيوتر في ولاية كاليفورنيا في الولايات المتحدة. وفي حين يفوق الناتج المحلي لإسرائيل، والذي يقارب المائة مليار دولار حالياً، نظيره في دول الطوق العربية، فقد أعلن نتنياهو قبل سقوطه أن إجمالي الناتج المحلي لإسرائيل يقترب سريعاً من ٤٠ بالمئة من مجمل الناتج المحلي للدول العر

بية الـ ٢٢ مجتمعة، وخلال خمسة عشرة سنة سيقترب من ٨٠ في المائة!

وهذا يعني أن إسرائيل إذا كانت لا تشكل تهديداً أمنياً مباشراً للعرب اليوم في ظل اتفاقات السلام، فإنها تمثل تحدياً، بل تبديداً مزمناً لكل قواهم وعبئاً يشل قدراتهم على النهوض.

إن تدمير الإمكانات العسكرية العراقية على يد أمريكا، والتحريض الدائم على إيران وسوريا ومصر بحجة امتلاكها لصواريخ بعيدة المدى تهدد الأمن الاستراتيجي، دليل واضح على أن مستقبل القوة العربية والإسلامية رهينة الوجود الصهيوني في المنطقة.

لقد أثبتت التجارب أن أيا من الدول القطرية في المنطقة لا يمكن أن تتمتع بسيادة كاملة على مواردها وقرارها طالما أن إسرائيل قائمة. وهذا يعني أن لا بديل أمام العرب والمسلمين عن بناء القوة الإسلامية لمواجهة القوة الصهيونية المتنامية ولتحسين موقع العالم الإسلامي على خريطة النظام العالمي.

٣ - العامل الديمغرافي

في اللحظة التي يتمكن فيها العرب والمسلمون من امتلاك القوة التي تحيد السلاح النووي في مجال الصراع مع الدولة اليهودية، فإن الأخيرة ستواجه قدرها المحتوم الذي واجهته كل الكيانات الغربية التي تزرع في محيط بشري مناقض ومعاد لها. والمثال الحي الذي تختزنه ذاكرة المنطقة هو مصير الكيانات الصليبية التي تفككت وزالت بعد مائتي عام على وجودها في قلب المشرق الإسلامي.

إن الشرق الأوسط الذي تحلم إسرائيل بأن تكون قطعة طبيعية في نسيجه سيفوق تعداد سكانه العرب والمسلمين ثلاثة أرباع المليار خلال عقدين من الزمان. بل إن تقديرات الميزان الديمغرافي الفلسطيني - الصهيوني لذات الفترة تتحدث عن وجود ٨ ملايين فلسطيني داخل فلسطين مقابل ٦ ملايين يهودي عام ٢٠٢٠ فأي مستقبل ينتظر الأقلية اليهودية في هذا المحيط البشري الرافض لها؟

٤ - العامل الدولي

لقد جرى تسويق مشروع التسوية الراهن عربياً وفلسطينياً بشكل أساسي كنتيجة لاختلال ميزان القوى الدولي لصالح التحالف الأمريكي - الصهيوني بعد انهيار الاتحاد السوفيتي. ويجري التعاطي مع مسألة النظام الدولي في السياسة العربية باعتبارها من المسلمات الأبدية التي ترى في النظام الدولي الراهن نظاماً أحادي القطبية تتربع على عرشه الولايات المتحدة بلا منازع.

على النقيض من ذلك، تؤكد دراسات دولية جادة بأن النظام الدولي الراهن لم يعد نظاماً أحادي القطبية بالمعنى الحرفي للكلمة، بل هو نظام هجين بين الأحادية والتعددية في ثلاثة مستويات معقدة، الأول تنفرد به الولايات المتحدة كقوة عظمى، والثاني يشتمل على مجموعة من القوى الرئيسة في النظام الدولي تشمل فرنسا وألمانيا في أوروبا، وروسيا في (أرو - آسيا)، والصين في شرق آسيا، والهند في جنوب آسيا، وإيران في جنوب غرب آسيا، والبرازيل في أمريكا اللاتينية، وجنوب إفريقيا ونيجيريا في إفريقيا. وفي مستوى ثالث هناك دول ثانوية تشمل بريطانيا في مواجهة فرنسا وألمانيا، وأوكرانيا في مواجهة روسيا، واليابان في مواجهة الصين، وباكستان في مواجهة الهند، والسعودية في مواجهة إيران، والأرجنتين في مواجهة البرازيل.

إن إدارة الولايات المتحدة للنظام الدولي الراهن تعتمد بالدرجة الأولى على إثارة وتأليب دول المستوى الثالث ضد دول المستوى الثاني الرئيسة لإشغالها وتطويقها ومنع صعودها كقوة إقليمية مهيمنة، كما يقول صامويل هنتنجتون في أحدث دراسة له في مجلة السياسة الخارجية الأمريكية، وفيها يؤكد على فشل نظام الهيمنة الأمريكية ويتنبأ بأن يشهد القرن الحادي والعشرون نظاماً متعدد القطبية.

ما نود التأكيد عليه هنا، أن النظام الدولي وميزان القوى الذي يفرزه ليست مسألة ثابتة في التاريخ، بل هي عرضة للتغير نتيجة عوامل كثيرة. وهذا ما أدركه قادة الكيان الصهيوني منذ انتهاء الحرب الباردة فقادوا حملة واسعة من الانفتاح على معظم دول العالم تحسباً لأي انقلاب في موازين القوى العالمية مستقبلاً.

يظل السؤال الهام حول موقع العالم الإسلامي في النظام الدولي، وهل يمكن أن يبرز المسلمون ككتلة واحدة بكامل إمكاناتهم الاستراتيجية والحضارية حتى يكون لهم كلمة في رسم مستقبلهم، ومستقبل الصراع مع المشروع الصهيوني - الغربي، وهم يشكلون خمس سكان العالم؟

إذا كان واقع الحكومات لا يوحي بالإيجاب، فإن الرهان الحقيقي يظل على الشعوب خزان القدرة الهائل والوعاء الذي حفظ الأمة بحمله وحفظه لعقيدتها في الضمائر والقلوب عندما تنهار العروش والدول.

إن التفاعلات التي قد تطرأ على العوامل السابقة وغيرها كمحددات للصراع، ستثبت كما هي التجربة التاريخية للأمة، أن الغزوة الصهيونية ستندحر، وأن انتخاب الغرب الإسلام عدواً هو انزياح طبيعي بالصراع إلى سياقه التاريخي، الذي سيوصل إلى نقطة الحسم لصالح الإسلام، ولن تكون فلسطين، بأي حال من الأحوال، أندلس ثانية، بل إن "إسرائيل" المملكة الصليبية الجديدة هي التي ستمحى من الوجود طال النهار أم قصر.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - من اوراق المؤتمر الدولي الثاني عشر للوحدة الإسلامية "الإسلام والأمة الإسلامية في القرن القادم" طهران - ٢٦ حزيران إلى ١ تموز ١٩٩٩م.

٢ - الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي في فلسطين.



[ Web design by Abadis ]