ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 هموم الوحدة و أسئلة النهضة بين العرب و إيران \ المهندس نبيل علي صالح

"ملخّص"

لايمكن أن تتحقق نهضة في منطقتنا الاسلامية إلاّ وفق منظور حضاري أصيل في هذه الامة. وهموم هذه النهضة يشترك فيها العرب والايرانيون، وكادت الثورة أن تدفع بالمسيرة الحضارية للامة على طريق تحقيق الاهداف المرجوة منذ انطلاقتها الأولى، ولكنها حوصرت وتأخر تحقيق المشروع النهضوي ولم ينتف. والباحث يستعرض في جولة مزيجة من الوثائق والتحليل وبثّ الشكوى وضع المسلمين وسبل النهوض من خلال التعاون العربي - الإيراني.

تمهيد عام

تواجه أمتنا الإسلامية في العصر الراهن تحديات مصيرية جمة، تختزن - في كل مضمونها وحركتها الداخلية - أبعاداً وأهدافاً تخريبية عنصرية، تتحرك - في حسابات الواقع - من خلال مخطط استكباري عالمي ينظم حركتها، وينسق مواقفها، ويجسد مطامعها في تحقيق مزيد من حالات السيطرة والاستغلال عبر أساليب همجية بعيدة كل البعد عن أدنى حالات التخلّق بالقيم الإنسانية، ومبادئ حقوق الإنسان في العيش الآمن المستقر، وطبيعة الهدف التكاملي الأعلى للإنسان في حركة الحياة.

ويمكننا - في هذا المجال - ملاحقة هذه التوجهات العامة، ودراسة إرهاصاتها، ونوعية أهدافها في الواقع العالمي الجديد، من خلال معرفة كيفية تحرك مساراتها في داخل حياتنا ونسيجنا السياسي والاجتماعي، حيث يصر منتجوها - كما يظهر - على تكريس حاكمية الاستعمار الحديث المستكبر، في فرض سيطرته المطلقة على حركة الشعوب الإنسانية المستضعفة في شتى بقاع المعمورة، وفي جميع مجالات الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الفكرية والإعلامية.

ونحن لا نريد أن نُتَّهم بالتجني على الغرب أو الدخول في متاهات العقدة النفسية والفكرية تجاه السلوكية الغربية - كما يحلو للبعض أن ينسب إلينا ذلك لأن المسألة ترتبط ارتباطاًمباشراً ووثيقاً بالواقع المتعثر والمفكك الذي خُلقنا فيه، ونتحرك ضمنه، ونتنفّس هواءه، ونعايشه بكل معطياته، وعناصره، ومقومات وجوده الداخلية والخارجية التي تتصل بقضايا وإشكاليات هامة وخطيرة على مستوى علاقة الإنسان بحركة الأبعاد الفكرية والسياسية والاجتماعية في ضمن أجواء ومناخات العمل الحضاري الراهن.

ويكاد هذا الواقع العالمي الجديد يجمع بكليته - من خلال سلوكيته وأدائه، وإن لم يعلن ذلك رسمياً - على أن هناك تحركات وفعاليات منظمة ودقيقة يقوم بها الاستكبار والكفر العالمي لتأكيد خطّه الحضاري الذي يتوافق مع مصالحه في استمرارية جعل المنطقة العربية والإسلامية عموماً دائرة لنفوذه وسيطرته، ومجالاً حيوياً لتنفيذ مخططاته ومؤامراته ومصالحه، بهدف تطويق الأمة، ومواجهة إسلامها الحركي الفاعل الذي يشعرون بأنه أصبح يمثل خطراً دائماً على مصالحهم الاستكبارية في العالم كله، ولهذا فإنهم يواجهونه بكل الوسائل التعسفية على جميع المستويات والأصعدة. ونستطيع أن نتلمس واقعياً آثار هذا المخطط، وامتداداته العملية من خلال متابعة الاحداث التي جرت وتجري الآن في العالم الإسلامي الذي حولوه إلى بؤرة للتوتر والانفجار [٢].

إنهامشاكلنا نحن، كمسلمين، حوربنا في وجودنا الفكري والعقائدي، وفقدنا شعورنا الواعي والأصيل بهويتنا وانتمائنا الديني الحضاري، وتغرّبنا عن واقعنا تائهين في سراديب العالم وأنفاقه المظلمة، نلتقط فكرة هنا وأخرى هناك، عسى أن تساهم في حل مشاكلنا التي استعصت علينا، والحل كائن - أصلاً - بين ظهرانينا. لقد أصبحنا فرقاً وشِيَعاً يكفّر بعضنا بعضاً وينافق بعضنا على البعض الآخر، ويحاول كل فريق منا أن يبحث عن عقدالفريق الآخر، وهو يحمل في ذاته أكثر من عقدة، لا يروم بذلك غاية سوى النيل منه، أو تسجيل نقطة لصالح هذا الطرف أو ذاك.

أجل لقد انطلقنا نحو الزوايا المظلمة والضيقة، وابتعدنا - في سلوكنا الذاتي والاجتماعي، وأساليب ممارستنا لأجواء وأبعاد الواقع المختلفة - عن ساحة اللقاء والتواصل، والحوار الهادئ والواعي والمنفتح على اللّه تعالى بقلوب صافية وعقول واعية من أجل نيل رضاه، وإعلاء كلمته. ولعل الأمر الذي يدعونا - أكثر من أي وقت مضى - إلى تعميق أواصر الوحدة، والمحبة، والتعاون، والتضامن ورص الصفوف، هو وجود كل تلك المشاكل والعقبات المتأصلة في نفوسنا وواقعنا (وهي في أغلبها مضخّمة، ومصطنعة، ومطبوخة في دوائر المخابرات والأمن الاقليمي والدولي). حيث نجد أنها تعيق مسار حركتنا باتجاه اللّه أولاً، ومن ثم باتجاه وحدتنا الإسلامية ثانيا. ونحن المعنيون والمستهدفون بها أولاً وأخيراً، لأنها وجُدت وانطلقت في فكرنا وعاطفتنا وواقعنا، ولا نجد امكانية لحلها والتخلص من أجوائها السلبية الضاغطة، إلا بتعميق الشعور بالتقريب الروحي والفكري بين المسلمين، ومن ثم السعي الحثيث الصادق والمخلص على طريق تحقيق وحدتنا الإسلامية المنفتحة والواعية والواقعية. ولكن ماهي هذه الوحدة؟ ! وكيف السبيل إلى تمثُّل هذا الهدف السامي والعظيم؟ ! ومن ثم كيف يمكننا تفهّم حقيقة بواعث ونتائج

تلك الوحدة على ضوءالقرآن الكريم والسنة الشريفة؟ ! وما علاقتها بقضية النهضة الإسلامية المنشودة؟ ! هل هي مجرد دعوات وصيحات حماسية انفعالية نطلقها في الهواء ليحلم بها الإنسان المسلم كملجأ يفر إليه هارباً من تعقيدات الواقع، ومشكلات الحياة، وضبابية الأهداف فيها؟ ! أم أنها مخدر روحي يبعث في النفس راحة وطمأنينة لبعض الوقت كملاذ يعيش فيه مجتمعنا وإنساننا ازدواجية الشخصية الروحية والسلوكية؟ !.

إن العناوين القادمة تحاول رصد إجابات واقعية هادئة وعقلانية عن ذلك كله، من خلال متابعة ذلك الهدف السامي في إطار الواقع الحي، في مواقع العلو والرفعة بطريقة متوازنة بعيدة عن أجواء العاطفة الانفعالية، والحماس اللاعقلاني المنطلق كردة فعل على واقع التخلف والتجزئة الذي نعايشه في عصرنا الراهن.

الوحدة الإسلامية

أبدى القرآن اهتماماً بالغاً وملحوظاً بقضية الوحدة وعالج بموضوعية اشكالية التقريب بين مذاهب المسلمين، ودعا إلى بذل كل الطاقات والجهود الممكنة على هذا الطريق من أجل الوصول إلى الواقع الوحدوي الإسلامي، في ما يعطيه من عوامل متعددة تتحرك، في مفردات الحياة، من موقع القوة الحركية في الفكر والوجدان والعاطفة، بهدف تحصين الأمة الإسلامية من عوامل الانهيار والانقسام والتفكك الاجتماعي والسياسي والأخلاقي والفكري، وإعادة حضارتها الشاملة، وثقافتها الإنسانية الرسالية الغنية، إلى الساحة العالمية.

ويمكن أن نقرأ في كتاب اللّه العظيم الآيات التالية التي تشكّل - بحد ذاتها - عناصر وحدوية فعالة، وأسساً راسخة في عملية الدعوة إلى بناء فكر واحد، وعاطفة واحدة، وشعور واحد، يمكن أن تنطلق - في كل زمان - دعوة في المطلق، تحتاج - فيما تحتاج - إلى انزالها بوعي، حركة وممارسة نسبية على أرض الواقع المحدود - المثقل بالهموم والانكسارات والانقسامات والتراجعات - لتشييد الدولة الإسلامية الواحدة في مستقبل الدعوة:

أ - قوله تعالى: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا واذكروا نعمة اللّه عليكم إذ كنتم أعداءً فألـّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخواناً…) [٣].

تحدثنا الآية الكريمة السابقة عن عمق هدف الوحدة من خلال إظهارها لنتائج الوحدة وآثار التفكك والتفرقة، فالمجتمع الجاهلي - وكلمة جاهلية تتحرك في كل زمن يبتعد فيه الإنسان عن اللّه - كان يحمل بين طياته عوامل الضياع والانقسام والتشرذم إلى عصبيات قبلية، وعقد طائفية، وعاطفة ساذجة ممزوجة بالحقد والبغضاء، بينما كانت الحالة مختلفة تماماً تحت ظل الدولة الإسلامية الواحدة التي عَمِلت على تجسيد أهداف الوحدة، وتمثّلت - بعمق ووعي - دعوتها الوحدوية المبنية على المحبة، والمودة، وروح التعاون والوفاق والأخوة والألفة في ما هي الوحدة في العاطفة والوجدان، وفي ماهي الوحدة في الفكر الواحد أيضاً، حيث لمَّت الدعوة الوحدوية الإسلامية شعثهم، وجمعت كلمتهم، ووحّدت صفوفهم فكراً وروحاً، قلباً وقالباً، ونسفت من الجذور المناخات الجاهلية بكل موروثاتها وتبعاتها السلبية. ونستطيع أن نفهم من خلال كلمة "الاعتصام" بحبل اللّه تعالى معنى الالتزام بنهج القرآن كقاعدة صلبة متماسكة للوحدة المنطلقة من عوامل الوحدة الفكرية والعملية بعيدا عن كل الاثارات العائلية، والقومية، والاقليمية المصطنعة والمستغرقة في الذاتية والانفعالية والأنانية.

يقول الشيخ محمد عبده، في تفسير المنار، معلقاً على الآية السابقة: "…. في كلمة الاعتصام المشتقة من كلمة العصمة، توجد نقطة مهمة وجميلة جدا وهي أنه سبحانه كأنما يريد أن يقول أن أساس هذا الاعتصام يتهيأ عن طريق التمسك (بحبل اللّه) وهو نفسه الشريعة الإلهية، وبعبارة أخرى الكتاب السماوي" [٤].

إذن يمثل الاعتصام بحبل اللّه القاعدة الصلبة التي يمكن للمسلمين أن يرتكزوا عليها من أجل توحيد المسيرة، وتوحيد الهدف في نطاق توحيد الأمة، وذلك في إطار التخطيط الواعي الذي يتجاوز السلبيات إلى الايجابيات، ويقف مع السلبيات وقفة فكر لا عاطفة، ويعتبر أن وضوح الرؤيا لدى أية جهة لا يعني وضوحها لدى الآخرين مما يستدعي مزيدا من العمل والصبر والتحمّل في سبيل الوصول إلى وحدة الرؤية للأشياء والمواقف في اتجاه وحدة الهدف السامي، مما يبعدنا عن متاهات النظريات والتحليلات التي يثيرها الآخرون في أجواء غير إسلامية مما استحدثوه واستنتجوه من تجارب ذاتية أو أهواء منحرفة [٥].

ب - قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء. إنما أمرهم إلى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون…) [٦].

تستنكر الآية السابقة إثارة الخلافات والنزاعات المنحرفة، وتدين - في الوقت نفسه - عناصر الضعف والتباعد والتفرقة في كل زمان، ويتبرأ فيها النبي (صلى الله عليه وآله) من أولئك الذين حملوا راية الفتنة، وحاولوا تحجيم دور الاسلام الرسالي في الحياة، من خلال إضعاف وحدته وبث الفتن والاضطرابات، وزرع الأحقاد داخل المجتمع الواحد.

جـ - قوله تعالى: (…. ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم…) [٧].

يأمرنا اللّه تعالى في هذه الآية المباركة بلزوم الوحدة والابتعاد عن الأجواء الخانقة والضيقة التي تثير الخصومات، وتؤجج الصراعات والمنازعات بين أفراد المجتمع، لأنها تنطلق من الافكار الذاتية المنحرفة والخاضعة لسلوكية النوازع الشخصية، الأمر الذي يؤدي إلى إضعاف حركة الإنسان والرسالة في الواقع في خط وحدة الكلمة والصف والموقع.

د - قوله تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [٨]، (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون) [٩].

في هذه الحالة الإنسانية النفسية الرائعة، ومن خلال هذا المناخ الروحي المنفتح، تنطلق الآيتان على الطريق الإنسانية الموحدة بهدف حثّنا على ضرورة أن نكون أمة واحدة في الفكر والشعور والهدف من خلال وحدتنا في إطار عبودية الخالق الواحد العظيم… لنتحرك في الدائرة الإنسانية - بعد توحُّدنا في الدائرة الإسلامية - على طريق التوحيد والشريعة، بعيداً عن الانغلاق والتقوقع والتعصب، وبالتالي الانفتاح على الآفاق الإنسانية الرحبة من موقع رسالتنا وفكرنا ومبادئنا الإسلامية الرفيعة … فالوحدة الإسلامية إذن أمر إلهي علينا أن نصدع له بالانفتاح على بعضنا البعض في مواقع كل منا في الإسلام، وتعميق أواصر الأخوة واللحمة بيننا، لتشرق من جديد شمس الأمة الإسلامية الواحدة فكرا وروحا، وذلك بالابتعاد عن مواطن الفرقة، وتجاوز العقد الذاتية من خلال العمل على ترسيخ النظرة الكلية الواعية المنطلقة في وعينا على أساس القواسم المشتركة الكبيرة القائمة - بالدرجة الأولى - على وحدة الخالق والشعور بعظمته، وهذا ما نحس به من قوله تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر…. ) [١٠]. إننا نتصور أن التحرك على طريق تمثّل وتجسيد قيم ومبادئ القد

وة الحسنة لا يتم إلا بالتأسيس لعناصرها القاعدية الأساسية في شتى الحقول والميادين الحياتية والاجتماعية، ومن أولويات وبديهيات ذلك، مسألة الوحدة العملية… هذا ما بدأه عملياً رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والأئمة الأطهار (عليهم السلام) من خلال السعي إلى تقوية ركائزها، وتوثيق عراها وأركانها بين المسلمين جميعا.

أولاً - رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) داعية وحدة:

يمثل الرسول (صلى الله عليه وآله) المحور المركزي الواعي في حركة الرسالة الإسلامية، في ذهنية الأمة الإسلامية، بغض النظر عن طريقة الارتباط بهذه "الشخصية - الرمز" التي سعت منذ البداية - من خلال قوة وعنفوان ووعي فكرها الرسالي - إلى نسف جذور المجتمع الجاهلي الذي كان يتحرك في دائرة العصبيات القبلية، والعشائرية، والنعرات الطائفية المعقدة… يقول (صلى الله عليه وآله): "إن اللّه تبارك وتعالى قد أذهب بالإسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها. ألا إن الناس من آدم، وآدم من تراب، وأكرمهم عند اللّه أتقاهم" [١١].

وقد كانت السيرة النبوية الشريفة للرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) مليئة بنماذج وحدوية هامة، وأعتقد أن قصة رفع الحجر المعروفة بالنسبة إلينا جميعاً، مثّلت درساً عملياً بليغاً أراده الرسول لنا كي يفهم الناس - على اختلاف أزمنتهم وأمكنتهم - أن الوحدة قوة والفرقة ضعف. مع ضرورة التزام القيادة الشرعية العادلة والواعية… وهكذا كانت معركة بدر التي انتصر فيها جيش المسلمين - بقلته القليلة المؤمنة باللّه - على جيش المشركين، بكثرته الغالبة في الكم والضعيفة في الكيف والنوعية والروحية. وكذلك كان الأمر نفسه بالنسبة لفتح مكة، وغيرها من النماذج الوحدوية الرائدة في تاريخ الإسلام، التي أراد من خلالها الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يبني في وعي الناس فكراً وحدوياً رسالياً يرتبط باللّه الخالق الواحد، والقرآن الواحد، والرسول الواحد، ويذوب في الرسالة الإسلامية ليرتفع بهم جميعاً إلى مستوى القيادة الحكيمة للإنسانية جمعاء في خط العدل والتقوى والاستقامة. هذا ما نقرأه في خطابات رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "المسلم للمسلم كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضا" [١٢]. "مَـثَـلُ المسلمين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى

له سائر الجسد بالسهر والحمى" [١٣]. "… المسلمون أخوة تتكافأ دماؤهم ويسعى بذمتهم أدناهم وهم يد على من سواهم" [١٤].

ثانياً: أهل البيت (ع) وحدة الإسلام في حركية الهدف

حرص أهل البيت (عليهم السلام) جميعاً على وحدة وعزة الأمة، ودعوا إلى إزالة عوامل التناقض والتباعد والخلافات بين أهلها إعلاءً لراية الحق والإسلام وكلمة اللّه، وهذا ما يمكن متابعته في حركة الدعوة في خط الإمام علي (عليه السلام) ومواقفه الإيجابية التي لا تُنسى مع الخلفاء الذين سبقوه في الحكم… قوله يوم السقيفة: "سلامة الدين أحب إلينا". وقوله: "واللّه لأسلمن ما سلمت أمور المسلمين…". وقوله أيضاً في خطاب تحذيري إلى قوم من أهل العراق كانوا يسبون أهل الشام: "إني أكره لكم أن تكونوا سبابين، ولكن لو وصفتم أفعالهم وذكرتم حالهم لكان أصوب في القول، وأصدق في الحجة، وقلتم مكان سبكم إياهم: ربنا احقن دماءنا ودماءهم، وأصلح ذات بيننا وبينهم، واهدهم من ضلالتهم حتى يعرف الحق من جهله، ويرعوي عن الغي والعدوان من لهج به…".

أما الإمام الحسين (عليه السلام) فقد نهض في عاشوراء الإسلام، وانطلق بوعي وثبات من موقع الإيمان بضرورة الحفاظ على وحدة الصف الإسلامي، وتحصينه من الطائفية والعصبيات العشائرية، محاولا إعادة الأمة إلى حالة الوعي والنقاء التي كانت عليها زمن الرسول (صلى الله عليه وآله)، ومصححا مسيرة النهج الإسلامي الأصيل والرافض لقيم الجاهلية والطغيان والاستكبار والتمرد على قيم اللّه ومبادئ الإسلام.

يقول (عليه السلام): "إني لم أخرج أشِراً ولا بطرا ولا ظالما ولا مفسدا، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في دين جدي، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي (صلى الله عليه وآله) " [١٥].

لقد كانت كربلاء محطة وحدوية إسلامية في وعي الأمة، لأنها وضعت وحدة المجتمع والأمة الإسلامية هدفا لها، كما كانت - في الوقت ذاته - قفزة نوعية رائدة في الفكر والوجدان حاولت، وقد نجحت في محاولتها تلك، أن تؤسس قواعد راسخة للحياة الحرة الكريمة في خط العدالة الإنسانية. ولولا هذه "النهضة - الثورة " لما كان بإمكاننا أن نشهد تلك التغيرات الكمية والكيفية المتنوعة التي ظهرت على مسرح الاحداث في العصور اللاحقة.

أما الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) فيقول في حديث معبّر له عن معاملة الشيعة لبقية المسلمين: "صلّوا في جماعتهم، وعودوا مرضاهم، واحضروا جنائزهم وموتاهم، حتى يقولوا: رحم اللّه جعفر بن محمد فلقد أدب أصحابه. كونوا زينا لنا، ولا تكونوا شينا علينا…".

التحديات والسبل

لاشك بأن للوحدة الإسلامية دورا كبيرا في الحفاظ على المقدسات الإسلامية، وممارسة الشعائر المرتبطة بها والمعبرة عن امتداد معاييرها وقيمها إلى ساحة الحياة كلها. ومن الطبيعي أن يكون العامل الوحدوي - في هذا السياق - عامل قوة ووقاية وأمن للإسلام ببعديه الروحي والمفاهيمي، ومدى ارتباط - كلا البعدين - بالمقدسات الإسلامية، على أساس فهم معنى الوحدة، ودراسة سبل إنجازها، ووعيها في واقع المسلمين حاضرا ومستقبلاً.

ومن المهم جداً - بالنسبة لقضية الوحدة الإسلامية، في إطار وعي معنى الدفاع والجهاد - أن نعي حقيقة أساسية مفادها أن هذه المقدسات، التي تمثل عنواناً إسلامياً بارزاً، هي في الأساس من أهم العوامل الوحدوية القوية التي يجب ممارستها والسعي لإنجازها، والعمل على إطلاق سراحها من السجون الطائفية والمذهبية التاريخية المختنقة والمغلقة إلى ساحة الحياة الواسعة، لتتنفس الهواء الطلق، ولتكون عملية التزامها في إطار الحياة واعية وعاقلة ورصينة في وجه المخططات التآمرية والتحديات المصيرية التي تواجهها أمتنا في الوقت الحاضر.

لذلك فإن من واجب المثقفين والدعاة الإسلاميين أن يتحركوا بوعي عميق على الطريق الذي يبرز أهمية الوحدة، وضرورة تعميقها في الذهنية الإسلامية عموما، كونها وسيلتنا الوحيدة للحفاظ على مقدساتنا وقيمنا وشعائرنا التي يحاك ضدها - خصوصا عندما يتم تفسيرها، كما هي في واقعها الأصيل، في خط العدل والقوة والمساواة ورفض الظلم والتبعية والاستلاب والذوبان في الآخر - مخطط استكباري همجي، تمثل بولادة الغدة السرطانية "إسرائيل" في قلب العالم الإسلامي، من أجل ابتلاع أولى القبلتين وثالث الحرمين (مبتدئ المعراج ومنتهى الإسراء - القدس الشريف) وخلق أجواء التوتر والخلافات في هذه المنطقة بالذات بغية السيطرة على الطاقات، والامكانيات الطبيعية والبشرية الموجودة في العالم الإسلامي.

من هنا نؤكد مرة أخرى على أهمية وحدتنا في هذا الظرف العصيب من حياة أمتنا الذي يراد أن يكون له ظرفا استكباريا عالميا بامتياز على أساس منطق القوة والتفرد والهيمنة المطلقة. وقد لاحظنا مدى القدرة التي يمتلكها الاستكبار العالمي في الوصول إلى مطامعه ومصالحه عن طريق بث التفرقة، والضعف، والشّقاق في الصف الإسلامي مرات كثيرة جدا بالرغم من السلبيات ونقاط الضعف الموجودة في داخله (في داخل قوى الاستكبار).

لذلك يجب علينا أن نستوعب التطورات العالمية "الجديدة - القديمة"، ونتفهم واقعنا جيدا، وندرك تمام الادراك أن الاستعمار - الذي جزّأ أمتنا الإسلامية الواحدة، وفكك قوتها، وحولها إلى شراذم وعشائر وقبائل متناحرة، وسيطر على معظم مقدراتها في الأرض والفضاء، في السياسة والاقتصاد، وربطها معه باتفاقيات ومعاهدات منفصلة ووثيقة - يريد الآن أن يضمن استمرارية تحكمه بوجودنا وحريتنا، وهيمنته علينا من خلال قيامه بمسخ الشخصية الإسلامية، وإلغاء الانتماء الرسالي الإسلامي بالالتفاف على المقدسات والمبادئ والشعائر الإسلامية في كل مكان، وتفسيرها بما يتناسب وتحقيق تلك المصالح. ولا حل كائن في الواقع إلا بالوحدة، وزرع ركائزها ومقوماتها في النفوس قبل النصوص، لأنها تشكّل الضمانة الحقيقية للاطار القيمي وأنساقه الحضارية التي نحفظ - من خلالها - حرمة مقدساتنا، ونأمن لشعائرنا الإلهية أن تنطلق في الخط العام قوة وحركة مستمرة.

وقد آمنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية - منذ بداية تفجّر ثورتها الإسلامية العالمية بقيادة الإمام الخميني الراحل (رضي الله عنه) بالحل الإسلامي لجميع قضايا المسلمين في العالم، وبخاصة القضية الأساس (فلسطين - القدس) من خلال دعوتها إلى وحدة إسلامية مدروسة وواعية. وقد عبّر الإمام الخميني عن هذا الموقف العملي، وصرّح به في جميع مواقفه وأفعاله الشجاعة والجريئة والحكيمة… من خلال مايلي:

أ - تقوية العلاقات وأواصر الأخوة الإسلامية بين جميع المسلمين، وتوثيق عرى الصف الداخلي عبر انفتاح كل فريق (السنة والشيعة) على الفريق الآخر. ونحن عندما ندرس جوانب شخصية الإمام الخميني في واقع النهضة الإسلامية في إيران، لا نرى فيه إلا قائداً إسلامياً عاما نذر نفسه لخدمة الإسلام، ووضع طاقاته ومواهبه كلها تحت تصرف المسلمين جميعا… فها هو يقول - وقد حوّل قوله هذا إلى فعل واقعي - عند افتتاحه اجتماعا لطلاب المدارس العالية: "لقد جئت إلى هذا المكان لأعرض خدمتي عليكم، فأنا خادمكم جميعا مادمت حيا، أنا في خدمة الشعوب الإسلامية" [١٦].

ويقول (رضي الله عنه): "كلنا أخوة، وكلنا نعيش قلباً واحدا، غاية الأمر أن الحنفي يعمل بفتاوى علمائه، وهكذا الشافعي، وثمة مجموعة أخرى هي الشيعة، تعمل بفتاوى الإمام الصادق (عليه السلام)، وهذا لا يبرر وجود الاختلافات… لا ينبغي أن نختلف مع بعضنا، أو أن يكون بيننا تناقض، كلنا أخوة… على الأخوة الشيعة والسنة اجتناب كل اختلاف، فالاختلاف بيننا اليوم هو لصالح الذين لا يؤمنون بالسنة ولا بالشيعة، ولا بالمذهب الحنفي، ولا بسائر الفرق الإسلامية، وهؤلاء يريدون القضاء على هذا وذاك… فهدفهم بث الفرقة بينكم، عليكم أن تنتبهوا جميعا. إننا جميعاً مسلمون وأتباع القرآن وأهل التوحيد" [١٧].

ب - الدعوة إلى الوحدة الإسلامية في مستوى الخارج (الأخوة الإسلامية) من أجل الدفاع عن القيم والمقدسات الإسلامية في وجه الدسائس والمؤامرات.

يقول الإمام الراحل: "إن الدعوة إلى الاسلام تعتبر في الحقيقة دعوة إلى الوحدة، وهي تعني أن يكون المسلمون مجتمعين معا حول كلمة الإسلام…" [١٨].

والواضح أن هذا الخطاب الوحدوي الخميني لم يتغير بعد تسلُّم الإسلام للسلطة في إيران، ولا نجد - بالنظر إلى ذلك - تمييزا في التوجه بالعطاء والدعم إلى عموم المسلمين المستضعفين، بين مرحلتي الثورة والدولة. فمن مرحلة الثورة يمكن أن نستذكر النص التالي الذي يوجه فيه الإمام (رضي الله عنه) الحديث إلى حكام إيران آنذاك: "ليعلم حكام إيران بأن منهجنا هو الإسلام، وأن رائدنا هو وحدة كلمة المسلمين في أرجاء العالم، وإرساء أسس تحالف رصين مع جميع البلدان الإسلامية للوقوف صفا واحدا متراصاً بوجه الصهيونية وإسرائيل وكل الدول الاستعمارية" [١٩].

أما عندما أصبح الإسلام قائداً للدولة والمجتمع (منطق الدولة) فإننا نسجل للإمام الخميني قوله التالي الذي يعلن فيه - وبوضوح تام - وقوف الجمهورية الاسلامية الإيرانية بكل امكاناتها ومقدّراتها إلى جانب المسلمين في كل مكان: "إنني أعلنها صراحة أن الجمهورية الاسلامية في إيران تُوقف إمكاناتها وكل جهودها لأجل إحياء الشخصية الإسلامية للمسلمين في كافة أرجاء المعمورة" [٢٠].

لقد كان التطبيق العملي لكلمات وأقوال الإمام الراحل هو الأصل الثابت في الموقف الشعبي والرسمي للجمهورية الإسلامية، وهو ما تحكيه عناصر ومكونات هذا الخط، بحيث أصبحت مصداقية تجربة التطبيق في سياسة الجمهورية الاسلامية الإيرانية تقاس بمدى التزامها (مجتمعا ودولة) بنهج ومحتوى الخط الخميني، وثوابته الروحية والفكرية الوحدوية الإسلامية. ويمكن ملاحظة ذلك من خلال مجموعة الإجراءات العملية التي اتبعها الإمام (قده) فور انتصار الثورة سنة ١٩٧٩، والتي تدل على وعي إيماني عميق وراسخ بقضية الوحدة الإسلامية، ومنها:

١ - مقاطعة الكيان الصهيوني، وتحويل سفارته في طهران إلى سفارة لفلسطين، ومن ثم إلى موقع أساسي لعمل المجاهدين الفلسطينيين بعد استسلام عرفات وأتباعه من منظمة التحرير.

٢ - تشديد الحصار وتضييق الخناق على الكيان الصهيوني من خلال اغلاق أنابيب البترول التي كانت تضخ النفط إلى فلسطين المحتلة، مع نسف جميع المعاهدات والمواثيق والاتفاقات الموقّعة في عهد الشاه البائد.

٣ - رفع درجة المواجهة مع إسرائيل إلى حالتها القصوى من خلال دعوته إلى تشكيل جيش العشرين مليون مسلم لتحرير القدس وجميع الأراضي الإسلامية المغتصبة.

٤ - الدعم المادي والمعنوي الكبيرين للانتفاضة الباسلة (سابقا) ولجميع الحركات الإسلامية - وغير الإسلامية - الثورية التحررية العاملة ضد الكيان الصهيوني وعملائه في كل مكان.

٥ - إعلان الإمام (رضي الله عنه) ليوم القدس العالمي في آخر جمعة من شهر رمضان المبارك، ونقرأ قوله: "إن يوم القدس ليس يوم فلسطين فحسب. بل هو يوم إحياء الإسلام…. ".

وقد يثير الكثير من المتابعين لحركة السياسة الإيرانية حاليا بعض الأسئلة (الإشكالية) عن صدقية التوجهات والسياسات (والنوايا) الإسلامية الراهنة التي دارت (وتدور) حول ضرورة تخلّي الجمهورية الإسلامية عن همومها ومشاغلها خارج الحدود بذريعة التصدي لأعباء الإعمار، والتفرغ لمتطلبات إعادة البناء الحضاري المدني…! … ولكننا نود أن نقول للجميع بأن الإمام الخميني (رضي الله عنه) لم يعط تلك الاتجاهات أية فرصة لتنمو وتتعملق وتمتد داخل ايران، بل قطع الطريق عليها بمجموعة من المواقف المبدئية الثابتة، وحشد لها نصوصا وأقوالاً متراصة لاتزال موجودة بقوة في الحركة السياسية الخارجية للجمهورية الاسلامية، بل إنها تعد من أهم الشعارات الوحدوية العملية التي سلكت تعابير وطرقا أخرى، وإن بدا ذلك للكثيرين بأنه تراجع عن أسس وثوابت الثورة الإسلامية، على صعيد حركتها الخارجية الداعمة للعدل والتحرر والوحدة الإسلامية. يقول (رضي الله عنه) محذرا المسؤولين في الجمهورية الاسلامية: "ليعلم المسؤولون أن ثورتنا لا تنحصر بحدود إيران، فثورة شعب إيران هي طليعة وفاتحة الثورة الكبرى للعالم الإسلامي" [٢١]. وعلى هذا المسار الإسلامي المشرق جاءت مبادرات الإمام الخميني

إزاء استمرارية الدعم الكامل للمقاومة الإسلامية الباسلة في جنوب لبنان، ولجميع فصائل وحركات التحرر الإسلامية في فلسطين المحتلة. وعلى الخط نفسه، ولكن بعنوان وتعبير آخر، جاءت رسالة الإمام إلى غورباتشوف عام ١٩٨٩، وموقفه من كتاب سلمان رشدي، وغير ذلك من المواقف الإسلامية الصلبة والثابتة، بالرغم من كل التحديات والأخطار والدسائس، مما يعبر عن استمرار نهج العناية والاهتمام الكبير بقضايا وهموم المسلمين، وتخطي الجغرافية الإيرانية.

ج - البعد الإنساني للوحدة الإسلامية: ويتجلى ذلك من خلال النظرة الإنسانية العالمية التي انطلقت في خط العدل والحق. ويمكننا، في هذا المجال، قراءة عناوين إنسانية بارزة في خطابات الإمام الراحل (رضي الله عنه): "إن ثورتنا إسلامية قبل أن تكون إيرانية… إنها ثورة المستضعفين في كل أنحاء العالم، قبل أن تتعلق بمنطقة خاصة" [٢٢].

هذا وقد ترسخ الدور الوحدوي الإسلامي الرائد للجمهورية الإسلامية الإيرانية في الوقت الراهن من خلال إقامة المؤتمرات الفكرية الإسلامية، والاحتفالات المختلفة، وتشجيع المبادرات الثقافية ذات الطابع الوحدوي، وتنسيق المواقف والأدوار والآراء، وإعلان اسبوع خاص بالوحدة الإسلامية يتزامن مع ولادة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وذلك كعمل أولي (تمهيدي) يهدف إلى تعميق الوحدة في النفوس. وقد جاء تأسيس مجمع التقريب بين المذاهب الإسلامية - ضمن الاتجاه نفسه - كلبنة أساسية للعمل الوحدوي المشترك، حيث تم وضعه موضع التنفيذ الفعلي، والسعي الجدي المسؤول نحو بناء وحدة فكرية وثقافية ثم سياسية فاقتصادية. والواقع أن الآمال المعقودة على هذا المجمع كبيرة ولاشك، وهذا الأمر يفترض تحركاً واعياً ومنسقاً من كافة الدول الإسلامية المستقلة في أكثر من ستين دولة، من أجل دعم هذا المشروع الوحدوي المتكامل كخطوة أساسية على طريق الوحدة الإسلامية الكبرى التي تشكل بحد ذاتها هدف المسلمين جميعا على هذه البسيطة. والواضح أن هذا المجمع يحتاج إلى دعم كبير باعتباره باعثاً حيوياً لنصرة جميع قضايا المسلمين العادلة في كل مكان. على أساس أننا أصبحنا نشهد اليوم بداية إحد

اث تكتلات سياسية واقتصادية وعسكرية جديدة على أنقاض التكتلات والأحلاف السابقة.

إزاء هذه التحولات والمواقف والأدوار نجد أننا لانزال نعيش - في لحظتنا الراهنة - حالة من القلق، والشعور النفسي الضاغط على وجودنا وانتمائنا ورسالتنا. إنها حالة عدم الاستفادة العملية من الفرصة القائمة - المتاحة حالياً - التي شهدتها ولاتزال تشهدها ايران.

إنها فرصة (وقضية) الانفتاح العميق على معطيات وعناصر النهضة الإسلامية الخمينية خطابا وفكرا ورسالة وإنجازاً ومشروعاً إسلامياً وحدوياً عاماً. وهذا النقد نوجهه أساساً إلى معظم مثقفينا وسياسيينا العرب الذين كرّسوا (ولا زالوا يكرّسون) مساحات واسعة من إعلامهم وسياستهم للحديث السلبي المتآكل عن طموحات وإنجازات ومشاريع الجمهورية الإسلامية التي هي - بتعبير الايرانيين أنفسهم - إنجازات حقيقية للمسلمين جميعا، وإن بدت تلوح في الأفق أخيرا بعض الملامح الإيجابية الجديدة في طبيعة العلاقات بينهم وبين إيران.

من الواضح أن الثورة الإسلامية في إيران تمر حاليا في مرحلة جديدة مكملة للمرحلتين السابقتين (مرحلة الاستنفار والغليان الثوري، ومرحلة بناء الدولة بمؤسساتها وهياكلها وتنظيماتها المختلفة) وهي مرحلة الانفتاح والتواصل مع الخارج بعلاقات عقلانية واعية ومتوازنة تقوم على أساس الاحترام المتبادل، وعدم التدخل - المباشر وغير المباشر - في الشؤون الداخلية للبلدان المجاورة، والحفاظ على ثوابت الدعم الكامل والمطلق للقضايا العربية والإسلامية خصوصاً منها ما يتعلق بالصراع "العربي الإسلامي - الصهيوني" الذي يشكل بالنسبة للسياسة الإيرانية - الداخلية والخارجية - أساس القضايا الاستراتيجية عقائدياً، وسياسياً، وأمنياً، وعسكرياً. وقد حددت إيران اليوم - وعلى لسان قيادتها السياسية والعسكرية - ثلاثة أهداف رئيسية [٢٣] تريد تحقيقها بعد اختبار الحرب "العراقية - الإيرانية"، وبعد المشاكل والتعقيدات والتوترات التي كانت قائمة بين أطراف المنطقة:

الهدف الأول: الحفاظ على حرية العبور وسهولته في مضيق هرمز. لذلك يجب أن تكون مهمة إيران ودول المنطقة عموماً اتقاء المشاكل، ودرء الأخطار، ووعي المصالح المشتركة، وتجاوز السلبيات والهموم الصغيرة وليس البحث عنها أو التفتيش عليها في الزوايا والدهاليز المظلمة هناوهناك، لكي تتم المحافظة على حرية الملاحة، لأن المصلحة المشتركة لكلا الطرفين تكمن في تأمين حرية الملاحة النفطية وغير النفطية.

الهدف الثاني: الاستمرار في عملية التنمية ومشاريعها الضخمة داخل إيران، التي لا يمكن أن تتحقق إلا مع توفّر شرط استقرار سوق النفط، ولا يمكن أن تستقر سوق النفط إلا إذا وجدت حرية الملاحة في مياه المنطقة وهذا ما يتطلب علاقات عربية وإيرانية إسلامية واعية وهادئة.

الهدف الثالث: تعميق العلاقات السياسية والاقتصادية مع دول شرق وشمال آسيا، حيث ظهرت - بعد انهيار الاتحاد السوفييتي - ١٥ جمهورية جديدة على الحدود الشمالية لإيران فيها كميات هائلة من النفط والغاز، وفيها أيضا مصالح كثيرة، وقوة نووية ضخمة هي كازاخستان.

في مقابل هذه التطورات والمتغيرات - وعلى طريق مشروعية تحقيق علاقات سياسية واقتصادية وثقافية مدروسة وطموحة ومتوازنة بين إيران والعرب - نأتي الآن للإشارة إلى بعض المعيقات والحواجز التي تقف حائلاً أمام قيام علاقات تنسيقية وحدوية وأخوية سليمة بين الجمهورية الإسلامية والدول العربية!:

أولاً: المعيق اللغوي: إن أحد أهم أسباب الانغلاق العربي على الثقافة الإسلامية في إيران هو عدم وجود جمهور عربي كبير هنا يتحدث باللغة الفارسية، وعدم وجود جمهور إيراني يتحدث اللغة العربية هناك، بالرغم من أن تدريس اللغة العربية معمول به قانونياً ورسمياً في كل المراحل الدراسية الأولى والمتوسطة والجامعية في إيران [٢٤] (على عكس ما فعلت بعض الدول الإسلامية الأخرى كتركيا مثلا التي عمدت إلى محو اللغة العربية، أو كباكستان التي أهملتها كلياً). ولكن للأسف لم تبادر الحكومات والأنظمة العربية رسميا بالشكل المطلوب لحل هذا المشكل القائم الذي تسبب في تعميق حاجز الوهم والفراغ الروحي والثقافي بين المسلمين على الضفتين العربية والإسلامية. هذا الفراغ الذي عملت الدوائر الغربية المعادية لهما على ملئه بالأحقاد والأوهام وبث الفتن والقلق "المتبادل" بين الطرفين.

ثانيا: السياسات الإعلامية الغربية: لقد أصبح الإعلام الغربي الحالي طاغياً ومهيمناً على الساحة العربية والدولية، حتى بات هو الوسيط الإعلامي وحتى الثقافي الوحيد بين مختلف الدول والتيارات. وهذا الإعلام يغلف لنا - كما يظهر ذلك في مفرداته وعناوينه وتفاصيل تحركاته - الأشياء بصورة نفعية غير أخلاقية تتناسب ومصالحه الخاصة في المنطقة. من هنا نؤكد على حقيقة موضوعية مفادها أننا إذا لم نتحرر من هذا الاستلحاق والتبعية الإعلامية والثقافية للمفردات الاعلامية الغربية، وإذا لم نبدأ باختراق جدارها الكبير، ومواجهتها في نقاط ضعفها فسوف نبقى أسرى ورهائن للماكينة الاعلامية الدعائية الغربية التي توجّهنا كيف ما تشاء وحيثما تريد.

ثالثاً: الخلافات العربية - الإيرانية والوجود العسكري الأجنبي: وهي تنحصر بالمشكل الجغرافي القائم بين إيران والإمارات.

إننا نتصور بأن هذا الخلاف الذي تسببت الإدارات الاستعمارية الإنكليزية والفرنسية - والآن الأميركية - بوجوده في المنطقة، وعملت على زرعه كقنبلة موقوتة تستطيع تفجيرها - تحقيقاً لمصالحها الاقتصادية في المنطقة - وقت ما تشاء، يجب أن يحل (هذا الخلاف) بالطّرق السلمية العادلة، بعيداً عن السياسات الغربية التي تعمل على بث الفتنة، وزرع بذور الشقاق، وتأجيج الصراع بين الدولتين، لكي تمارس دورها المصلحي - بعد ذلك - في زيادة بيع الأسلحة إلى دول المنطقة بحجة وجود قوة إيرانية مهددة لأمن واستقرار المنطقة، وتريد السيطرة والتحكم بمساراتها السياسية والجغرافية، وأيضاً من خلال توقيع المزيد من المعاهدات الأمنية والعسكرية الثنائية مع تلك الدول، والابقاء على القوات الأجنبية في داخل الأرض والمياه.

إن المنطق السليم يقول إن أهل المنطقة هم القادرون على حمايتها، وصيانتها، والحفاظ على ثرواتها ومقدرات أراضيها، ولا نعتقد أن ارتباط هذه المنطقة بإطار وصيغة الأمن والمصالح الدولية (الأميركية) يمكن أن يخدم التوجهات والفعاليات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لأهل هذه المنطقة. لأن وجود هذا الكم الهائل من القوات العسكرية الأجنبية الغربية سيبقي الوضع متوتراً ومشتعل الأوار بشكل دائم. أما سياسة توقيع المعاهدات، والإبقاء على التواجد العسكري الأجنبي في منطقة الثروة والنفط، كضامن للأمن في المنطقة، فلا نتصور أن ذلك سيعود بالفائدة والمنفعة الاستراتيجية على المنطقة، لأن كل تلك الاتفاقيات والمعاهدات لاتلزم الأميركان بالتدخل في المنطقة إلا وفق تقديرهم هم لمقياس الخطر والضرورة، ولطريقة التدخل وتوقيته. والخطر - كما يقول باحث كويتي [٢٥] - أن هذه الاتفاقيات لا تلزم الإدارة الأميركية بالتدخل من أجل إنقاذنا من الأخطار، إلا إذا كان تقدير الموقف وقتها يلبي المصالح والمطالب الأميركية [٢٦]، وحتى كيفية وطريقة وأسلوب التدخل ستوكل إلى الأمريكان أنفسهم وليس لنا. وهذه الترتيبات - يتابع الباحث - لا تحقق لنا (نحن أبناء الضفة العربية) مايراد من

الأمن الاقليمي الذي لا يمكن تحقيقه بالترتيبات العسكرية، بل بالمبادرة الفورية إلى إجراء اصلاحات سياسية وثقافية وطنية في الداخل، ومن ثم القيام بتعميق أواصر التعاون والانفتاح بين الدول العربية وايران في هذه المنطقة.

الخطاب الوحدوي الخميني

تدفعنا الإمكانات الوحدوية النفسية والشعورية، والطاقات العملية الذاتية - التي تختزنها أمتنا الإسلامية في داخل ذاتها الحضارية، ومنظومتها العقائدية التاريخية، وفي داخل أرضها الطبيعية - إلى إثارة ومواجهة الأسئلة الملحة الراهنة عن واقع المسلمين، وأسباب ماهم فيه من تخلف وتبعية وانقسام. ونبدأ من الأسئلة الأساسية التالية:

لماذا لايزال المسلمون في شتى أنحاء العالم خاضعين ورازحين تحت سطوة الحكومات الظالمة المستبدة، والقوى الاستكبارية الكبرى؟ ! وما هو الحل الموضوعي لهذه "المشكلة - العقدة" التي لاتزال تفعل فعلها في كل مواقعنا وأوضاعنا السياسية والاجتماعية والاقتصادية؟ ! وأين يكمن سر قدرة المسلمين في التغلب على هذه المشاكل المستعصية؟ ! ثم إن هناك واقعاً عالمياً جديداً - بدأ بالتشكل بعد سقوط الشيوعية - يلزمنا أن نبحث عن دور لنا في خضم صراعاته، ودوائر عمله السياسي والثقافي الحضاري الآن وفي المستقبل … فهل نبقى في عزلة وتباعد من خلال أجواء ومناخات التفكك والتفرقة المسيطرة على واقعنا، على أساس أن لكل واحد منا مشاكله وهمومه الخاصة؟ ! أم أن هناك آفاق ومنافذ وامكانات حقيقية يمكننا الالتقاء عليها كمسلمين نطمح إلى مشاركة فعالة في المسيرة الحضارية العالمية، وممارسة دور رسالي تبليغي رائد بين أمم العالم كله؟ !

إننا نعتقد أن تلك الأسئلة الإشكالية الخطيرة تعكس هاجس أمة بقيت تعيش - طوال أجيال متعاقبة - على هامش الفعل والانتاج والحياة الحضارية الإنسانية، وهي تبذل الآن قصارى جهدها، وتحاول توظيف واستثمار كل طاقاتها ومواردها على طريق إعادة الوعي الذاتي بالإسلام، وصياغة الفعل الإبداعي الهادف الخاص بالحضارة الإسلامية، وبالتالي المساهمة الفاعلة في توليد مجتمع إنساني تسوده قيم العدالة والمحبة والسلام.

وقد حاول رواد النهضة والإحياء العربي والإسلامي تقديم بعض الإجابات الفكرية والعملية على تلك الأسئلة منذ نحو قرنين من الزمن… ولكنها قلة تلك الطروحات والمشاريع الاستنهاضية التي أشارت إلى موضع الخلل، وسبب المعاناة، وأساس الأزمة.

ولعل الطرح الفكري الإسلامي الأصيل للإمام الخميني (قده) - المبني على قاعدة الوحدة الإسلامية، ومحاولة بعثها وإيقاظها من جديد بين مذاهب المسلمين جميعاً - كان من أبرز التحليلات المعمقة التي ربطت بين الوحدة وبين النهضة.

لقد ركز النص الوحدوي الخميني - في سياق وعيه لإشكاليات وهموم المشروع النهضوي الإسلامي - على أن هناك مشاكل أساسية لم تأخذ بعد موقعها الصحيح المميز في الوعي الإسلامي المعاصر، تقف أمام مسيرة الحركة الوحدوية والنهضوية الإسلامية، وتتجلى في النقاط التالية:

١ - انطفاء وركود الطاقة الروحية الكامنة في الذات الإسلامية.

٢ - تمركز عقدة الخوف المصطنع (من الآخر) في نفوس المسلمين.

٣ - التبعية والاستلاب وفقدان الشعور العملي الملتهب بالهوية الروحية والثقافية.

لقد أدت تلك العوائق مجتمعة إلى إصابة المسلمين بعقدة الإحساس بالحقارة والدونية بين أمم العالم، الأمر الذي أفضى لاحقاً إلى تكبيل إرادتهم، وشلّهم عن الحركة والعطاء وبالتالي انكفاء الأمة عن الانتاج والابداع، بل وحتى عن مجرد التأمل والتفكير بتغيير الأوضاع المتردية القائمة، لأن بناء الإنسان معنوياً، وتقوية إرادته ووعيه الذاتي بالإسلام، وشعوره العميق بهويته المفقودة - مع وجود مشروع هادف ومتكامل البنى والعناصر والإمكانات - هو الذي يشكل القاعدة الصلبة، والمرتكز التكويني الحقيقي لإطلاق وإثارة القدرات الكامنة للإنسان المسلم، وتركيز طاقاته باتجاه الفعل الخارجي المبدع، بعد تحريره من قيود الخوف الوهمي المصطنع والمضخّم في الدوائر الظالمة (محلياً وعالمياً) … وهذا ما يؤكد عليه إمامنا الخميني (رضي الله عنه) في نصوص كثيرة تفيض بمعاني النهضة الواعية، وتكشف النقاب عن أهمية ودور الطاقة الروحية الإنسانية في مواجهة تعقيدات الواقع، وأزمات الحياة الإسلامية الراهنة. يقول: "إن من أعظم الخيانات أن يجعلوا طاقتنا الإنسانية متخلفة، ويَحُولوا دون إصلاحها ونموها".

وهذه هي مهمة الإسلام الأساسية في أنه "يربي الإنسان ليكون إنساناً في جميع الحالات"، لأن بناء الإنسان الصالح والواعي من الداخل هو الركيزة الحقيقية لبناء العالم الخارجي… "يمكن لإنسان صالح واحد أن يربي عالما بأكمله، ويمكن أن يجرّ إنسان فاسد طالح العالم إلى الفساد" [٢٧].

والواضح أن اكتمال الإنسان السليم لا يتم إلا بالقضاء التام على الشعور المَرَضي بالخوف من الآخر، هذا الخوف الذي لايزال يتحكم ويسيطر على نفسية الإنسان المسلم. ونحن نعتقد - في هذا الإطار - أن أنظمتنا السياسية القائمة - التي توزعت في منطقتنا إثر خريطة سايكس بيكو، ومعاهدات الاستقلال - تساهم مساهمة فاعلة في ممارسة النهج النفسي الضاغط ذاته الذي مارسه الاستعمار قبلها، وأراد من خلاله تحطيم نفسيات الشعوب المستضعفة، وقتل إرادة النهوض والاستقلال والحرية لديها عبر ممارسة أساليب القمع والكبت، واتباع سياسة كم الأفواه، وكتم الأنفاس، وملاحقة الصلحاء والمعارضين، وانتهاك كرامات الناس بطريقة منهجية منظمة.

من هنا جاء تركيز الإمام الخميني في نهضته الوحدوية الرائدة على تحرير الإنسان، وتطهير الشعور من هواجس الخوف، وتأكيده على ضرورة أنّ جهود المخلصين في أي بلد يجب أن تتجه صوب الشعوب وعموم الناس لتهديم مرتكزات الهيبة الزائفة من القوى السلطوية الظالمة المحلية والعالمية، وإعادة الثقة بالذات الإسلامية [٢٨]. يقول الإمام الخميني (قده): "عليكم أن توقظوا أبناء الأمة التي ركزوا في ذهنها خلال سنوات متطاولة عدم إمكان معارضة أميركا أو الاتحاد السوفيتي (السابق)، ولازالت هذه الدعاية راسخة في الأذهان… عليكم أن تفهموا الجماهير أن هذا الأمر ممكن، وخير دليل على ذلك ماوقع في إيران".

والأمر لا يقف عند حد الخوف من الآخر، بل يتكرس بشكل أكبر وأوسع من خلال عقدة الانبهار الأعمى بكل ماهو أجنبي أو بالتحديد "غربي"، والاستهانة - إلى درجة الاستهزاء المستفز - بكل ماهو شرقي وعربي أو بالتحديد "إسلامي". وقد تأطرت هذه العقدة في الواقع الإسلامي المعاصر من خلال تأثيراتها السلبية على الوعي، وفي السلوك الاجتماعي والسياسي العربي والإسلامي أيضا، حيث أدت إلى إيجاد فصل حاد وخطير بين القدرة والطاقة التي توافرت عند المسلمين، وبين واقعهم المنقسم والمفكك من خلال قعود المسلمين أنفسهم عن العمل، وانتظارهم السلبي لكل شيء من عالم الغرب. كما وأشاعت - تلك العقدة - بعض المفاهيم الاستلابية التي عطّلت ممكنات الحركة، وعمّقت الاحساس الجامد بالأمر الواقع الراهن الذي انغرست فيه بقوة الأنظمة السياسية التغريبية بمختلف اتجاهاتها، وتياراتها، ومرجعياتها الفكرية التي أوصلت مسيرة الأمة إلى الغايات والأهداف نفسها التي رغبت بتحقيقها الإدارات السياسية الغربية في واقعنا الإسلامي.

وهنا يعبر الإمام الخميني عن هذه العقدة - ويتابع آثارها النفسية والسلوكية - في نصوص كثيرة نختار منها النص التالي: "نسي المسلمون الشرقيون مفاخرهم كلها ودفنوها… نسبوا كل شيء إلى الغرب… نقلوا إلينا كل موضوع من الغرب… لقد نسينا أنفسنا حقاً وجلسنا مخلوقاً غريباً في مكاننا!".

ونقرأ في نص آخر للإمام الراحل رؤيته الموضوعية الخاصة بتجاوز تلك العقدة، وضرورة تحرير المسلم من نتائجها وتراكماتها التاريخية السلبية التي لاتزال تتكدس فوق بعضها البعض حتى الآن، وذلك من خلال:

أ - تحقيق الانتماء الرسالي الفعال إلى الدائرة الإسلامية (العودة إلى الذات).

ب - التمرد على الضغوطات الغربية، ووجوب مواجهتها ومقارعتها (بحسب الواقع والامكانات) [٢٩].

ت - تحقيق الحسم السياسي والاجتماعي الداخلي (تغيير أنظمة التبعية والتغريب).

ث - البدء الفوري بإجراءات إحلال النظام الإسلامي كبديل للأنظمة القائمة.

يقول (رضي الله عنه): "يتوجب على الأشخاص الموجودين في البلاد الإسلامية، من أولئك المعتقدين بالإسلام الذين تنبض قلوبهم من أجل شعوبهم، ويريدون خدمة الإسلام، يجب أن ينهض كل واحد منهم بتوعية شعبه من الداخل لكي تعثر شعوبهم على ذاتها التي افتقدتها، ذلك أنّ الشعوب التي فقدت ذواتها فقدت في الحقيقة بلادها".

ويبدو أن تحقيق الاستقلال الروحي والفكري أولاً - كشرط مسبق لتحقيق الاستقلال السياسي والتنموي والحضاري من خلال العودة إلى الذات، ووعي طبيعة متغيرات الحياة وتحولات الواقع الداخلي الذاتي والموضوعي - يشكّل عند إمامنا الراحل (قده) المعادل النفسي البديل الذي يقضي على المحتوى النفسي للعقدة، ويجهز عليها، ليحل محله أي يحل الاعتزاز بالانتماء والهوية مكان الاعتزاز بالغرب والشوق إليه وإلى حمل هويته [٣٠]. على أننا نلاحظ أن استعادة الأمة لذاتها وحضارتها لا تقوم في أطروحة الإمام (قده) على بدائل مفتوحة لا عد لها ولا حصر، ، وإنما شرط الاستعادة أن تتم بالإسلام المحمدي الأصيل الذي يعتبره إمامنا النظام العقلاني الموضوعي البديل عن أنظمة القهر والظلم والتبعية التي ساهمت - بحكم تبعيتها واستلابها وانصهارها في الذات الاستعمارية الغربية - في زيادة حالة الفشل والافلاس لمشاريعها السياسية والتنموية، وذوبان الهوية، وترسيخ الأنماط التبعية للمركز والمحور الغربي. هذه الظواهر - وغيرها مجتمعة عمّقت إحساس الشعوب الإسلامية المستضعفة بالعجز عن التغيير المنشود، وضاعفت من شعورها بضرورة الالتحاق والذوبان الكامل بالغرب كمشروع إنقاذي وحيد.

لقد استطاع الإمام الخميني (رضي الله عنه) تحقيق نهضة إسلامية راشدة وناضجة، أكسبت الإسلام المعاصر قوة محركة ودافعة باتجاه تجسيد قيم ومبادئ الرسالة الإسلامية على أرض الواقع المعاش، في محاولة جادة ومسؤولة لإعادة الحياة، وبث الروح في طروحاته الرسالية التي كاد الزمن يضعها طي الكتمان والنسيان. كما وأثبت - في الوقت نفسه - أن الفكر الاجتماعي الإسلامي قادر - بل هو المؤهل حصراً - على قيادة السفينة إلى شاطئ وبر الأمان لأنه يمتلك ديناميات الحركة والتحول الذاتي الخاص بالدوافع الروحية والعملية لمشاعر وإرادات كل العرب والمسلمين على طرق التحرير والتنمية (٣١) والتحديث.

أجل لقد كان إمامنا الخميني الراحل - كما عبر عن ذلك الشهيد الدكتور فتحي الشقاقي - "الحل والبديل الإسلامي" الحضاري ليس في الفكر والتغيير والثورة فحسب، وإنما في التقريب والوحدة.

خاتمة البحث

إن المنطق القرآني والعقلاني يفرض علينا أن نسلك طريق الوحدة في الواقع العملي للمسلمين، لأنها تشكل القاعدة الأساسية في التحرك الفاعل والمثمر من أجل مواجهة تخلفنا المفروض علينا (الذي نتحمل فيه القسط الأوفر من أسبابه ونتائجه). لذلك لابد لنا من تهيئة الأجواء المناسبة والظروف الحركية المؤاتية للعمل الوحدوي، بعيداً عن كل حالات الفرقة والتنابذ ومحاولة إيقاف تيار الوحدة.

إننا نجد ضرورة ملحة في مؤازرة ودعم الجهود المضنية الكبيرة التي تبذلها إيران في إطار رغبتها إقامة علاقات وحدوية بين كافة الدول الإسلامية. لأن الهدف واحد ومشترك وهو لا يختص بإيران وحدها. لذلك من المفروض أن تظهر في الواقع العملي ردود أفعال إيجابية واضحة على تلك الدعوات الصريحة - الصادرة عن أعلى هيئات ومؤسسات الحكم الإسلامي في إيران - من قبل جميع الدول العربية والإسلامية كي يتم توفير التربة الخصبة والمناخ المناسب لنمو بذرة الوحدة الفكرية والعملية بين المسلمين.

إننا يجب أن نفهم واقعنا جيداً، ونعرف طبيعة متغيراته وتطوراته السريعة، وننطلق لنمتلك - من خلال وحدتنا - كل ما يمكن أن يجعلنا قادرين على التحرك الفعال لمواجهة هذا الواقع المعقّد والمظلم، ولو اقتضى ذلك أن نعاني من مشكلة الزمان، فلا ضير أن نصل إلى هدف الوحدة المنشود بعد قرن من الزمان، المهم أن نمتلك زمام المبادرة للانطلاقة المؤثرة والمنتجة، ونبدأ الحركة باتجاه أهدافنا العالية والطموحة من موقع الحوار الإسلامي المنفتح على هدى القرآن وطريقه المستنيرة، ومن موقع المعرفة الواعية لحقيقة مايدور في عالم اليوم والغد.

إننا نؤمن إيماناً راسخاً بأن الجدران والحواجز التي أقامها الآخرون بين علومهم وتقنيتهم المتطورة - التي يعود الفضل الأساسي في نموها وإثمارها إلى حضارة العرب والإسلام - وبين واقعنا المتخلف المنقسم، لابد وأن نواجهه (بل نقتحمه) بالعمل اليومي الحثيث الصادق في كل العناوين والمفردات من خلال الوعي والعلم والعقل وامتلاك أسس التكنولوجيا الحديثة. بالرغم من أن ذلك سيصطدم - لا محالة - بأكثر من مشكلة ومشكلة، لكن الأمر المهم هو البدء الفوري بتحقيق شروط الحسم الداخلي من أجل بناء الاجتماع السياسي الوحدوي، ثم الانطلاق إلى فتح الثغرات في واقع الآخرين، لأنه من غير المعقول أن نبني جدارا على أساس ضعيف وهش ومتخلف يعاني من التبعية والاستلاب للآخر، لاسيما أن هذا الجدار محكوم عليه بالتعرض للأهوال والعواصف والزوابع التي يثيرها ضده الاستكبار العالمي، وكثير من أصابعه الرجعية في المنطقة.

إننا نعتقد أنه من الأفضل - بالنسبة للحركة الإسلامية، على طريق إنجاز وحدتها - أن تعمل على إيجاد قنوات فكرية وسياسية وإعلامية يمكن أن تفسح المجال للتنسيق في نطاق خطة مشتركة، أو تصور متقارب كوسيلة أولية من وسائل اكتشاف أسس تقاربها ووحدتها مع بعضها في كثير من الطروحات والبرامج والمناهج والأساليب بحيث تتمثل أمامها الصورة الإسلامية الصحيحة للمشروع الحضاري الإسلامي العام، مع التنوع في دائرة الوحدة، أو الوحدة في خط التنوع مما يسهل للوحدة ظروفها الثقافية، ويمهد الطريق لإنجاز بعض ملامحها العامة في انتظار تكامل مناخاتها وظروفها النفسية والعملية، والوصول إلى مزيد من التعاطف والتواصل والتلاقي على أكثر من قضية كبيرة وهامة. وقد أثبتت التجربة أن من يبدأ بوعي سيصل إلى مبتغاه مهما كانت الظروف صعبة والأجواء معقدة. إننا ندعو - في هذه الأجواء - إلى اعتماد الحوار الجريء الهادئ والموضوعي باعتباره هوالقادر على إثارة دفائن العقول في خط الوعي نحو هدف التقريب والوحدة بين المسلمين، كأساس عملي ناهض وقوي لعمل مشترك في كل المجالات الحياتية. لأن قيمة الحوار - في الواقع العملي للمسلمين - مؤثرة وضرورية جداً من حيث كونها مطهراً لنفوس المسلمين

من التباغض، والحقد، والعصبية العمياء، وعملاً فعالاً للتبادل الثقافي والمعرفي، كمرحلة أساسية لتعميق وإنضاج مرتكزات الأفكار والمعارف من أجل الوصول إلى النقاط الثابتة المشتركة، وبالتالي الإيمان بالحقيقة الواعية والمستنيرة، طبعاً إذا أخذنا بعين الاعتبار أن هذا الحوار سيكون منطلقاً من خلال ثوابت القرآن الكريم والسنة الشريفة ومعطيات التاريخ الصحيح عن طريق إعادة دراسته بنزاهة وموضوعية بعيدة عن الأهواء النفسية والانفعالية، مع تجاوز الذات، وموضوعية القصد والرؤية والهدف، أي من موقع الفكر لا العاطفة. وهذه الطريقة قد تساهم - إلى حد كبير - في بناء وتأسيس وحدتنا النفسية الأولية، لأنها تؤدي إلى الوحدة الفكرية التي هي القلب النابض للوحدة الإسلامية الشاملة، ثم العمل على ملاحقة التجارب الوحدوية الأخرى في مجالات العمل السياسي والاقتصادي… إلخ، بالرغم من تعقيدات الأوضاع والظروف والمواقف العامة للمسلمين التي يخلقها الاستكبار العالمي (ونحن نشاركه في ذلك أيضا) في كل لحظة كحجر عثرة في طريق الوحدة الإسلامية المطلوبة. وأود التذكير هنا بأن النظرة المثالية لقضية الوحدة - التي يحاول أصحابها النظر إلى القضية من المنظار العاطفي في مستوى ا

لفكر والتشريع على أساس النظرة التجزيئية للدائرة الإسلامية - لا يمكن أن تحقق الأهداف والتطلعات الأساسية للمسلمين على طريق إنجاز وحدتهم، لأن الأمر يتطلب في الواقع أن ننظر بعمق إلى المستوى الإسلامي ككيان متكامل في الفكر والروح والعمل في ما يمثله من قاعدة للفكر والحياة والإنسان. ونحن نجد أن النظرة الواقعية لمسألة الوحدة تتمثّل - في أحد تعابيرها وتجليّاتها - في تلك اللقاءات المتواترة التي تعقد بين القيادات الإسلامية من جهة، وفي وحدة القضايا المصيرية المشتركة والآلام والتحديات القاسية التي تصيب هذا الجسم الإسلامي هنا من جهة ثانية، فيتفاعل معها الجسم الإسلامي هناك.

إننا نجد في ذلك كله حركة إيجابية في اتجاه الانفتاح الواعي الواسع على الواقع الإسلامي برمته، بتعقيداته وأجوائه الباردة والساخنة، على مستوى العاطفة المتفاعلة مع النتائج السلبية والإيجابية، والموقف الحاسم في نصرة الخط والموقع بطريقة وبأخرى. وربما نجد، في هذه المجال، ضرورة في أن ننبّه الحركيين الإسلاميين - العاملين في طريق الوحدة والتقريب - إلى أهمية الاستفادة من هذه الإيجابيات الروحية والفكرية الكبيرة، ومحاولة تعميقها ذهنياً وشعورياً وحركياً لتوسيع مدارات التجربة، والاكثار من نماذجها الحية، وإبعاد الاوضاع القلقة والمواقع المضطربة والمهتزة التي تحاول دائما - بفعل عناصر التخلف والانقسام المزروعة في داخلها - التركيز المتواصل على مواطن الخلاف والضعف بدلا من تركيزها على مواقع اللقاء والتوحُّد والإبداع.

إن الزمن يمر بسرعة ونحن لا نزال في حالة السكون، وعدونا شرس ولعين، وهو يفكر ليلا ونهارا - دون كلل أو ملل - من أجل إحكام سيطرته على مقدراتنا وثرواتنا الروحية والمادية، وهو المستفيد الوحيد من حالة ضعفنا وتشرذمنا وضياعنا في متاهاته، ودهاليز مفاوضاته. ولا مجال أمامنا البتة إلا أن نفكر بتأسيس القوة الفكرية والعلمية من خلال وحدتنا، وألاّ ننهار - كما ذكرنا - أمام قضية الزمن كحالة تبعث في نفوسنا الملل والسكون والاسترخاء والإذعان للأمر الواقع. نعم… من الضروري بالنسبة إلينا جميعاً - كعرب ومسلمين - أن نسبق الزمن ونصل بسرعة، لكن الأهم من ذلك أن نعي طريقة الحركة، وكيفية سلوكها - على أرض الواقع - بوعي وحذر، لأن المسألة تتعلق بالأرض لا بالسماء، بالواقع لا بالمثال… وهذا أمر يقتضي تجنُّب سياسة القفز فوق الحواجز (التي ستكون حتما من مصلحة عدونا الذي يحرص دائما على إثارة خلافاتنا بعناوين بارزة وعريضة) وإدارة أزماتنا وهمومنا الصغيرة والكبيرة.

من هنا نستنتج أن طريق الوحدة الإسلامية مليئة بالأشواك، والحفر الحقيقية، والعراقيل المصطنعة والوهمية. من هذا المنطلق لابد أن نمارس في الأجواء المحيطة بنا - التي يجب أن نعمل على جعلها تتحرك على خط الوحدة الاسلامية - فكراً حركياً رسالياً يعتمد على الحوار العقلاني الواعي، والإيمان باللّه تعالى كأساس للعمل من أجل الوصول إلى أهدافنا الكبيرة. وهذا بدوره يقتضي من الإسلام والمسلمين - في مجال الدعوة والحركة والوحدة والجهاد - دراسة الواقع المحلي والعالمي - في تفاصيله ودقائقه وعناوينه الكبيرة والصغيرة - من أجل مواكبة المسيرة الإنسانية في تحريك مفاهيم الإسلام وتصوراته، وشرائعه، وأساليبه الحضارية بحيث لا يقف غريباً عن الذهنية المعاصرة الحديثة، لأن علينا - في إعلامنا وثقافتنا وسياستنا وتبليغنا الديني - أن نفهم أن الذهنية لغة خاصة، تماماً كما هي الكلمات والمفردات الأخرى، فمن لا يفهم ذهنية العصر، وأجواء الحياة الراهنة، لا يفهم خطابها، ولا يدرك طريقة التفاهم مع أهل هذا الزمن. من هنا تكون الأولوية في أن نعي ذهنية وروح الواقع العالمي، ونمتلك حس المعاصرة لندخل إليه من الباب الواسع والعريض، ليجد إسلامنا - في داخل هذا الواقع - مكان

ه وموقعه وامتداده.

وهذه المواكبة أو المسايرة للحياة المعاصرة لا تعني - بأي حال من الأحوال - أن نتخلى عن ثقافتنا ووعينا التوحيدي الإسلامي، وشرائط وجوده في الحياة، ولكنها تعني - في ما تعني - أن نستفيد من الإمكانات والمنافذ المتاحة لنا في الحياة من أجل الدعوة إلى الإسلام النقي والأصيل، والعمل على تعميقه في الذهنية المعاصرة من خلال الأساليب المتوفرة بين أيدينا، والتي نؤكد على ضرورة انطلاقتها في خط الدعوة إلى الإسلام في العقيدة والشريعة والمنهج والوسائل والغايات من أجل تثبيت الإسلام في نفوس المسلمين في كل بقاع المعمورة، وإطلاقه في حياة غير المسلمين. لأن الخطورة هنا تكمن في انحسار الإسلام - الفكر، والممارسة، والانتماء، والوحدة، والنهضة - في الشخصية السليمة بفعل ضغط الأفكار المادية، والقيم الغربية، والمناهج الفكرية المنحرفة التي بدأت تطبق بقوة على العمق الروحي للإنسان المسلم لتبعده عن عقيدته، وفكره، وقيمه الروحية والأخلاقية، وخطوطه ومناهجه في السلوك والعمل، وهذا ما يندرج ضمن هدف واحد هو: أن نطلق الإسلام في ساحة الحياة الرحبة لنتنفس معه - ومن خلاله - الصحو والنقاء والصفاء، في دائرة الضوء، ولا نحبسه في العلبة الطائفية والعشائرية المظل

مة والضيقة، وبذلك نحرر أنفسنا، وواقعنا، وحاضرنا، ومستقبلنا، وأجواءنا الرسالية من كل أغلال وقيود الآخرين وأوهامهم الذاتية، من أجل أن نكون الفكر الخصب المعطاء الذي يمتد بقوة إلى ساحات الحياة والإنسان ليوحي، ويحاور، ويؤسس للمستقبل المشرق والمضيء، بعيداً عن دهاليز التجريد الحالم والمحلق عالياً في الفضاء في أوهام الخيالات الوردية.

من هذا المنطلق نؤكد على أنّ الإخلاص للإسلام، وقضية الوحدة، والانفتاح المدروس على الواقع الحاضر - وعلى جميع القضايا الكبيرة التي جعلها اللّه تعالى أمانة في أعناقنا ورضينا نحن بذلك - يقتضينا، أولاً وأخيراً، أن نضحي بكثير من الجوانب المتصلة بأحداث وتواريخ وأوضاع إسلامية ماضية وراهنة… وقد عشنا هذا الأسلوب مع الإمام علي (عليه السلام) في وعيه العميق لطبيعة الأجواء السلبية التي ترافقت مع انتقال الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى. حيث يتحدث الإمام - عن تلك المناخات المتوترة، وموقفه الرصين منها - قائلا:

"… فما راعني إلا انثيال الناس على فلان يبايعونه فأمسكت يدي حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يريدون مَـحْـق دين محمد (صلى الله عليه وآله)، فخشيت إن أنا لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلما أو هدما تكون المصيبة به عليَّ أعظم من فوت ولايتكم هذه، التي إنما هي متاع أيام قلائل يزول منها مازال كما يزول السراب، فنهضت حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه…".

والواقع أن هذه الكلمات - وغيرها من المواقف العملية لأهل البيت (عليهم السلام) جميعا - تبعث في نفوسنا إيجابية التعاطي مع الإسلام كله في مواجهة الأخطار الكبيرة التي تقف أمام تقدم الإسلام والمسلمين حاليا، والتي هي أشد وطأة من التحديات والأخطار التي واجهت الواقع الإسلامي سابقا… وذلك هو وحده الذي يفرض علينا الانفتاح على بعضنا البعض (كمسلمين) في الساحة الإسلامية الكبرى لنكون جزءاً من الأمة في قضاياها المصيرية الكبيرة، لنلتقي - عندما نلتقي - من موقع الوعي الذاتي بالإسلام لمصلحة الإسلام، ولنختلف - عندما نختلف - من موقع الإسلام لمصلحة الإسلام، لنعطي قضية الإسلام كل ما عندما من فكر وحركة وجهاد وإيمان وأصالة، ولنستجيب لنداء اللّه تعالى: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) (٣٢).

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - باحث من سوريا.

٢ - تنطلق هذه المشاكل كلها في الدائرة الجغرافية الإسلامية، فمن حرب العراق الأولى والثانية، وقضية فلسطين، وتدخلات الدول الكبرى في الجزائر، إلى مذابح البوسنة والهرسك، ومجازر كوسوفو، وصولا إلى تخلف الطالبان في أفغانستان، وأزمات الدول الإسلامية المستقلة عن الاتحاد السوفيتي السابق… إلخ.

٣ - آل عمران / ١٠٣.

٤ - تفسير المنار للشيخ محمد عبده، ج ٢، ص ٢٦، إعداد السيد: محمد رشيد رضا، دار المعرفة، بيروت.

٥ - سماحة آية اللّه السيد محمد حسين فضل اللّه، من وحي القرآن ٢ / ١٢٩، دار الزهراء، بيروت.

٦ - الأنعام / ١٥٩.

٧ - الأنفال / ٤٦.

٨ - الأنبياء / ٩٢.

٩ - المؤمنون / ٥٢.

١٠ - آل عمران / ١١٠.

١١ - تفسير الوافي، ج ١٤.

١٢ - روح الشهاب، ص: ٧٠، نقلاً عن كتيب: مختارات من الأحاديث النبوية، ص ٥٧ معاونية الاعلام الإسلامي - إيران.

١٣ - م. س، ص ٧٥٣.

١٤ - أصول الكافي ٢ / ٤٠٣.

١٥ - تاريخ الطبري، ٤ / ٣٠٤ - ٣٠٥، مؤسسة الأعلمي - بيروت، وتاريخ ابن الأثير ٣ / ٢٨١.

١٦ - حديث لسماحته في مدينة قم، تاريخ ٥ / ١١ / ١٩٧٩.

١٧ - من نداء إلى الشعب في ٢١ / ٧ / ١٩٨٠. حول الوحدة الإسلامية، دراسات وأفكار، ص ١٥، العلاقات الدولية في منظمة الاعلام الإسلامي، ايران ١٤٠٤هـ.

١٨ - مختارات من أقوال الإمام ١ / ١٧٦.

١٩ - دروس في الجهاد والرفض، نصوص نشرت معربة للإمام الخميني قبل انتصار الثورة، ص ٩٢.

٢٠ - من بيان للإمام الخميني (رضي الله عنه) وجّهه بعد يومين من موافقة طهران رسمياً على القرار (٥٩٨) علّل فيه أسباب وباعث الموافقة، وأوضح المنطلقات الأساسية التي أدّت الى القبول بذلك القرار الدولي، وقد جاء ذلك ضمن كلمته السنوية الخاصة بالحجاج. صدرت بتاريخ ٥ ذو الحجة ١٤٠٨هـ.

٢١ - من بيان للإمام الخميني أصدره ١٤ شعبان ١٤٠٩هـ.

٢٢ - نداء الوحدة الإسلامية، المستشارية الثقافية للجمهورية الاسلامية بدمشق.

٢٣ - وردت هذه الأهداف الثلاثة على لسان عباس ملكي وكيل وزارة الخارجية الإيرانية لشؤون التدريب والبحث العلمي.

٢٤ - ينص دستور الجمهورية الاسلامية في المادة السادسة عشرة منه على مايلي: "بما أن لغة القرآن والعلوم والمعارف الإسلامية هي العربية، وأن الأدب الفارسي ممتزج معها بشكل كامل، لذا يجب تدريس هذه اللغة بعد المرحلة الابتدائية حتى نهاية المرحلة المتوسطة، في جميع الصفوف والحقول الدراسية".

٢٥ - د. عبد اللّه النفيسي، صحيفة القبس الكويتية، ص ٢٦ - ٢٧ / ١٠ / ١٩٩٨.

٢٦ - أشير هنا إلى التصريح (الواضح جداً) الذي أدلى به وزير الدفاع الإيراني الحالي (علي شمخاني) (وهو بالمناسبة من أصول عربية، مثل بقية القيادات الإيرانية الحاكمة) لصحيفة الإتحاد الظبيانية والذي أعلن فيه، وبدون لبس، الوقوف التام إلى جانب الدول العربية عموما في مواجهتها لأي عدوان محتمل، وذكر بالإسم سوريا حيث قال بما معناه: "إن اسرائيل إذا ما قامت بضرب سوريا، فسنرد عليها ردا مذهلا، لا يتخيله الصهاينة".

٢٧ - يراجع هذا النص - وما سبقه أو تلاه - من نصوص في الكتب التالية:

أ - توجيهات الإمام الخميني إلى المسلمين، وزارة الثقافة والاعلام الإسلامي ١٤٠٣ هـ، ط ١ ترجمة: محمد جواد المهري.

ب - جوانب من أفكار الإمام الخميني، وزارة الثقافة والإعلام الإسلامي، إيران.

د - صحيفة النور.

٢٨ - خالد توفيق، مدخل إلى قضايا المسلمين في نهضة الامام الخميني، مجلة التوحيد، ص ١٥٩، عدد ٩٣.

٢٩ - هذا لا يعني أبداً، كما فهم الكثيرون خطأً (مقصودا أو غير مقصود)، القطيعة الكاملة مع الغرب، إذ ليس هناك - في الخطاب الفكري الخميني - أية إشارة سلبية تجاه التقدم الغربي، أو القيم الإنسانية في الحضارة الغربية، يقول (قده): "إننا نقبل التقدم الغربي".

٣٠ - خالد توفيق، م. س، ص: ١٦٥.

٣١ - لأن التنمية ليست مجرد عملية حسابية عددية نريد من خلالها زيادة ثرواتنا، وتضخيم عائداتنا ودخولنا النقدية والطبيعية. إنها نشاط جماعي إجمالي عام مبدع، وتمكين لقدرة خلاّقة اجتماعية على أن تدفع - من خلال فكرها وإرادتها ووعيها الحضاري - بعجلة الجماعة في سعي دؤوب نحو الإيناع والإثمار الكلي الشامل للجماعة البشرية كحقيقة حضارية، وهذا الأمر مرهون - في عقيدتي - بتحقيق شرط نوعي نفسي وفكري (ثقافي) هو وجود الإنسجام الروحي والسلوكي (كموضوع تربوي) بين المفاهيم والنظرات الاقتصادية والقوانين السياسية والاجتماعية وبين طبيعة العقيدة الإيمانية الداخلية الخاصة بأبناء المجتمع السائر على طريق التنمية. أي ضرورة عدم وجود فصل وانقسام نفسي وعملي بين ماهية القانون الوضعي وبين طبيعة الإيمان الذاتي للفرد المسلم، ومفاهيمه، وتصوراته الاعتقادية الدينية. لقد أدى هذا الفصام النّكد بين العقيدة من جهة، والحياة الاجتماعية والقوانين الأخرى من جهة ثانية إلى المساهمة في تخلّف الأمة وتداعي مقومات حركتها وحيويتها وتنميتها، لأن حبس العقيدة التوحيدية في دائرة العقل المجرد عن الواقع والحياة - والممارس لحركته في مركزيته الخاصة المفصولة عن الزمان والمكا

ن - يؤدي إلى إفقار الروح، وقطع الصلة بين الإيمان الديني والحياة الخارجية الزاخرة بألوان مختلفة من الجدل والتناقض واللاتوازن. على أساس ذلك نقول بأنّ فاعلية التنمية في إطار الإسلام - كقاعدة للفكر والعاطفة والحياة - قائمة على حقيقة التوحيد كفاعلية اجتماعية مدنية غايتها إعمار وتمدين الحياة، وبناء الإنسان.

٣٢ - الانبياء / ٩٢.



[ Web design by Abadis ]