ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تجليات الشخصية العربية الإسلامية و مكونات قوتها \ الاستاذ الدكتور عيسى علي العاكوب

"ملخّص"

يرمي هذا البحث إلى الإجابة عن سؤالين مهمّين يتصل كلّ منهما بالمضمون الشعري عند عمر أبي ريشة:

- كيف تجلّت الشخصية العربية الإسلامية في شعر أبي ريشة؟

- ماهي مكوّنات القوة في هذه الشخصية؟

وقد جاء البحث في قسمين رئيسيين، يناقش كلّ منهما عدداً من القضايا:

أولا - تجلّيات الشخصية العربية الإسلامية في شعر أبي ريشة. وقد جرى الحديث هنا عن: ١ - فرط إحساس الشاعر بهذه الشخصية. ٢ - قوة انتمائه إلى الأمة العربية الإسلامية. ٣ - إلتزامه تصوير ماضي الأمة الزاهر وحاضرها العاثر.

ثانياً - مكوّنات القوة في الشخصية العربية الإسلامية. وقد تمثّلت هذه في: ١ - الصحراء العربية وما نمّت عند العربي من قيم. ٢ - النُّبوة والحقّ. ٣ - العبقرية الجهادية ورموزها. ٤ - العبقرية البيانية. والبحث يقدم من أبي ريشة نموذجا للشخصية الاسلامية القوية التي ينسجم فيها "القومي" و"الاسلامي" بصورة رائدة.

تقديم

يمثل شعر عمر أبي ريشة (١٩١٠ - ١٩٩٠م) خيطاً شعريّاً متميزاً في نسيج الشعر العربي الحديث. ولا يخيّل إلى الدراس أن قضايا الأمة العربية الإسلامية ظهرت في شعر شاعر عربي حديث على غرار ما ظهرت في شعرأبي ريشة. وقد اقترب أبو ريشة في تناوله هذه القضايا من حمى الفلسفة حين تأمّل طبيعة الشخصية العربية الإسلامية، وعرف نقاط القوة فيها، ومن رحاب التاريخ حين عرض لما أضاف الإسلام والرسول الكريم عليه الصلاةوالسلام، إلى شخصيّة العربي البدوي من معاني الرحمة والإيثار والتضحية. وقد تناول أبو ريشة ذلك كلّه بريشة الفنان المبدع، الذي جنَّح الحرف، وفجَّر الكلمة، وسلسل الإيقاع أناشيد عذبة في مسمع الزمان.

ويدنو فهمنا للشخصية هنا من فهم أبرام كاردينر لما سماه "الشخصية القاعدية"; إذ قال:

"هي بنية نفسية خاصّة بأعضاء جماعة معينة، وتظهر بأسلوب حياة ينسج عليه الأفراد فروقاتهم الفردية (الموسوعة الفلسفية العربية - المجلد الأول، ص٥٠٩).

منهج البحث:

إعتمد البحث منهج الاستقراء والتصنيف والتحليل، وجعل من المادة الشعرية المنطلق الذي يصدر عنه في كلّ ما يأتي به من الاستنتاجات. وحكم المنهج رؤية تمثّلت في أبي ريشة شاعراً فيلسوفاً تجاوزالقشور إلى اللُّباب، ومثقفاً عربياً مسلما استشعر جسامة الرسالة المنوطة به، وكان لديه هاجس قوي بأن صرخاته ستُلهب ضمير أمته، وستوضح لها سبيل المجد التي سارت عليها زمناً غير قصير، ثم حادت عنها في العصور المتأخرة.

العرض والمناقشة

أولا - تجليّات الشخصية العربية الإسلامية في شعر أبي ريشة:

تنبئ أشعار أبي ريشة عن إدراك بيّن القسمات لطبيعة الشخصية العربية الإسلامية، بوصفها كياناً إنسانيا ذا إمكانيات خاصة وتطلّعات محددة، جلّت نفسها في سيرة الحياة في صورة حضارية متميزة. وقد تجلّى هذا الإدراك في جملة مظاهر يشفُّ عنها شعر الشاعر وسلوكه، وهي:

١ - فرط إحساس الشاعر بهذه الشخصية:

توافرت في نشأة عمر أبي ريشة جملة عوامل جعلته شديد الإحساس بالشخصية العربية الإسلامية. وإذا كان المقام الذي نحن فيه لا يأذن بالإضافة في حديث هذه العوامل، ففي مقدور المرء أن يقول على الجملة إن البيئة التي شبّ فيها الشاعر وترعرع كانت عاملاً من العوامل التي أذكت في روعه كلّ مقومات الإحساس بشخصية أمته. وليس في مقدور المرء أن يغفل مجاورة الشاميّين للأتراك في عهد الإتحاديين بخاصة، وما لذلك من أثر في بلورة الشعور العربي في بلاد الشام أكثر من غيرها. على أن لنشأة عمر في الوقت الذي كانت فيه سوريا تغالب المستعمر الفرنسي تأثيراً كبيراً في هذا التوجه [٢]. لكنه يظل في طليعة هذه العوامل جميعاً تلك الأرومة العربية الكريمة التي انتمى إليها الشاعر وما يمكن أن تكون قد تركته في نفسه "فأبوه من العرب الأقحاح وأمه من الأرض المقدسة (فلسطين) " [٣]. ولا ينبغي التهوين من شأن إدراكه المبكر لما يحاك حول فلسطين منذ أواخر القرن الماضي من خطط ومؤامرات.

ويلمح متأمّل ماهو متوافر من سيرة الشاعر المبكرة أنه قويّ الإحساس بشخصيته العربية الإسلامية، شديد الحبّ لأمته وهو دون العشرين من سنيّ حياته. وقد عبّر عن ذلك في كتابته مسرحية "ذي قار"، وإهدائها إلى عالم العراق الكبير محمد حبيب العبيدي الذي دافع عن العرب والمسلمين فألّف كتابه الموسوم بـ "جنايات الإنكليز على البشر عامة وعلى المسلمين خاصة" فدلّل الشاعر بذلك على "حبّ للعرب وتفان في العقيدة وكُره للاستعمار" [٤]. وقد جرى ذلك سنة ١٩٢٩م عندما كان أبو ريشة طالباً في الجامعة الأمريكية في بيروت.

ويبدو أنّ هذا الإحساس المسرف بالشخصية العربية الإسلامية جعل قلب الشاعر مضطرباً للشعور بمآسي العرب والمسلمين في كلّ أوطانهم، وليس في بلده سوريا فحسب، فقد كان هذا القلب كما يقول الدكتور سامي الدهان: "يخفق للعرب أجداده، فيرسمهم في كلّ قطر، ويتأسى لأحزانهم، ويفرح لانتصاراتهم، ويناضل بلسانه في كل خلجة من خلجات الوطنية" [٥].

وعند عمر أنّ العروبة والإسلام شيء واحد، خلافاً لما كانت عليه الحال عند غير قليل من شعراء المرحلة. فقد أدرك الشاعر، كما سيتضح، أنّ المجد العربي ليس في جوهره سوى مجد الإسلام، وكلّ من يفصل بين الاثنين يقع في خطأ خطير. ومن هذه الوجهة يقول عمر مخاطباً فلسطين:

أي فلسطين، ما العروبة لولا *** قبسٌ من سنا النبوّة هاد

كلُّ حرف منها لهاة من العلـ *** ـياء سالت كريمة الإنشاد [٦] ولعله من الوجهة نفسها أيضاً يفهم المرء مقال الشاعر الذي نشرته مجلّة الجهاد الحلبية في ٦ مارس ١٩٣٢م بعنوان "التبشير الإسلامي وأثره في بلاد الغرب"، الذي يذكر فيه عمر أنه "زار جامع لندن، ولقي الهنود المسلمين، وتحدّث إليهم، وعرف ما يصنع التبشير في آسيا وإفريقيا" [٧].

ويستيقن القارئ هذا الربط بين العروبة والإسلام في تصور عمر بتأمل تلك الحرب التي ما انفك يشفّها على الجاهلية في كلّ مظاهرها وعهودها. يقول في قصيدته "خالد بن الوليد":

أحد لاحَ حينَ لاحَ عليهِ *** عالَم ضمنَ هيكل إنساني

زرعَ الحقَ في كتاب مبين *** وحماهُ بكلّ عَضب يمانِ

كيف يُطوى الحُسامُ والجاهليّا *** تُ هيامُ الأوثانِ بالأوثانِ [٨]

والحق أن مثل هذا الموقف يطالعنا في كل مرة يذكر فيها عمر انتصار الحق على الباطل في صدر الدعوة الإسلامية، وقد يفعل مثل هذا حين يعرض لحال العرب المسلمين اليوم.

وقد تجلّى إحساس عمر المسرف بالشخصية العربية الإسلامية من خلال احتفائه الشديد بأمة العروبة والإسلام ماضياً مشرقاً، وحاضراً مفعماً بالآلام والنكبات. وقد استطاع أن يبلور في شعره كلّ صور المجد السالف لأمته، فاستحق بهذا أن يقول عنه رجل كالدكتور شاكر مصطفى: "الشاعر الذي تخفق له حتى صخور بلادي، جبين يلتهب فيه العنفوان، وعين كأنّ وراء نظارتها ألف رؤيا بعيدة، وشفتان منهما انهلّ تاريخ أمتي صورة صورة بكل مافيه من دموع وزغاريد ورعف جراح" [٩].

٢ - قوة انتمائه إلى الأمة العربية الإسلامية:

أظهرت حياة أبي ريشة وفنّه انتماءً قوياً إلى أمته العربية الإسلامية، يجاوز قدرة الوصف، وقد تجلّى ذلك في سيرة نضالية حافلة، سخر فيها ذاته وفنّه لكل مامن شأنه أن يرفع الضيم عن أمته. وينسحب هذا على شطر حياته الأول الذي أمضاه في مدينة حلب إلى أن تحرّرت البلاد من ربقة المستعمر ونالت استقلالها سنة ١٩٤٦م. وتقول سيرة حياته إن الشاعر "ظل في حلب عشرين عاماً يرقب عبث الساسة ولهو المتنفذين، ويرى أبطال العرب من المعاصرين يقضون واحداً بعد واحد، كما تنطفئ شموع المعبد. وهاله أن ينزل بعض الأحزاب إلى مستوى المساومة، وأن يخدع الشعب، وأمضّه الاستعمار وأحزن باله، فراح يردّد في نفثاته طلقاتِ المدفع الذي يملكه، فيخرج اللهب وحده ليشير إلى أن روحاً تتحرق في سبيل الحرية، حرية العرب، وقد وهب الشاعر لهم قلبه وحياته، ووقف على تمجيدهم كلّ مايملك من قول ونظم" [١٠].

ويلحّ عمر على هذا الانتماء القويّ إلى أمته العربية الإسلامية في مناسبات كثيرة، على نحو يجعل المرء يلحظ أن الشاعر يقصد إلى ذلك قصداً، حتى كأن الأمر لديه يحتاج إلى مزيد تأكيد. ففي قصيدته التي خص بها "خالد بن الوليد" يقول عمر:

أنا من أمة أفاقت على العزِّ *** وأغفت مغموسة في الهوان

عرشُها الرثّ من حراب المغيريـ *** ـنَ وأعلامُها من الأكفان

والأماني التي استماتت عليها *** واجمات تكلّمي يا أماني [١١]

واللافت للنظر أن صورة "العزّ الآفل" أو "المجد الضائع"، هي الصورة التي لازمت أبا ريشة، وظلّ يستعيدها في كلّ مناسبة، ويطابق بينه وبينها في ضرب من الهيام الصوفي بالمعشوق. والإفاقة على العز التي يتحدث عنها عمر هنا هي ذلك الفجر الإسلاميّ الذي حمل فيه محمد عليه الصلاة والسلام مشعل النبوة، فبدّد ظلمات الحياة التي جافى فيها الإنسان مراد مولاه سبحانه. لكن هذا الفجر لم يُقيَّض له أن يستمر، إذ تألبت كلُّ قوى البغي لإطفائه. ومثل هذا الانتماء نجده في موطن آخر من شعر الشاعر وعلى نحو أكثر جلاء:

أنا ياربِّ من بقايا سيوف *** ثلمتها مضاربُ الحِدثانِ

أنا من أمة تجوسُ حماها *** جاهليّاتُها بلا استئذان

أسقطت مِشعل النبوّةِ في اللّيـ *** ـلِ، وأرخت للتِّيهِ كلَّ عِنانِ [١٢]

وفلسفة الشاعر في الانتماء هنا واضحة تماماً، كما يبدو تصوره الشخصية العربية الإسلامية أكثر وضوحا. وهو إذا كان هنا يشير إلى ثنائية "العروبة والإسلام" فإنه يشكو من ضعف إحدى الحَلقتين، مما عرّض السلسلة للوهن. فعمر يبتغي "قوة عربية إسلامية معاً"، ويرى أنّ هذا كان قائماً زمن النبوة وما بعد، لكن التوازن اختل. ولكي تظل الشخصية محتفظة بتوازنها وقوتها من ثم، لابدّ من رتق الفتق الذي تعاني منه: تقوية عنصر الإسلام، أوالاستضاءة بمشعل النبوة; لكي لا يكون ثمة تيه. ويستيقن القلب هذا حين يتأمّل قول الشاعر:

نفحات النبيّ، والفتح والعلـ *** ـياء والعزّ والنّدى والبيان

رعشات في أضلعي ماجت الصحـ *** ـراءُ فيها وماج فيها افتتاني [١٣]

ذاك أنه في احتضان الصحراء هذه النفحات تتحوّل الصحراء إلى بحر متلاطم الأمواج; أي إن الإكسير الذي يحوِّل المعادن الرخيصة إلى ذهب، في لغة الكيمياء القديمة، هو هذه النفحات.

ولعلّ كبرى آيات الإحساس بقوة الانتماء إلى الأمة عند عمر أن الشاعر سخّر شعره كلّه للتغني بأمجادها وتصوير لحظات التحليق في تاريخها، وتقليد أبطالها أوسمة الفخار الذي لا يأتيه البلى. وقد استبان بعض دارسيه هذا الملحظ في شعره فقال: "الشعر عنده ليس صوراً فارغة، وإنما هو صور مليئة بالأفراح والأحزان، مع الإحساس الدافق بالعروبة والإسلام" [١٤].

وكلُّ من عرف الشاعر المعرفة الحقّة بدت له قوة انتمائه إلى هذه الأمة، إلى حدّ الهوس. ويخال الدارس أن الشاعر أراد أن يقدّم درساً في الوطنية الحقة التي يحبُّ صاحبها الأمة والوطن إلى حدّ التقديس. وتومئ إلى شيء من هذا القبيل نازك باسيلا التي أجرت مقابلات مع الشاعر حين تقول: "لكنّه يثور، لابل يتطاير الشّرر من عينيه حين يتحدث عن محنة أصابت بلاده، ينسى ما عانه من جرّاء تشبثه بالحرية والحقّ، ويتغاضى عن كلّ ضرر لحق به، ويسامح من تسبّبوا به، لكنه لا يغفر زلة إنسان أخطأ يوما بحق بلاده" [١٥]. وإنّ القول ما قالت باسيلا، وإنك لتظفر بمؤيِّد لهذا في سلوك الشاعر في مواقف مشهودة كثيرة، تختزنها ذاكرة مواطنيه وزملائه. ولسنا ندري إن كان الدارس على صواب حين يقول إن افتتان الشاعر منذ صغره بعظمة أمته العربية الإسلامية ولّد في نفسه دافعاً قويّاً إلى الارتباط بها إلى حدّ الهيام. ومن ثمّ نرى الشاعر لا يفتأ يذكر في أشعاره إحساسه بالخجل من ماضي أمته الزاهي. وقد كُتب عليه أن يحيا في زمن سقطت فيه آيات المجد من سِفر أمته. تجلّى هذا على أشدِّه في قصيدته المسمّاة أحياناً "بعد النكبة"، تلك التي يقول في مطلعها:

أمتي، هل لك بين الأمم *** مِنبر للسَّيفِ أو للقلمِ

إذ يطالعك الشاعر بقوله بعد ذلك:

أتلقّاكِ وطَرفي مطرق *** خَجِلاً من أمسِك المنصرمِ

ويكاد الدّمعُ يهمي عابثاً *** ببقايا كبرياء الألمِ

ويقف في صفّ واحد مع هذا قول أبي ريشة مخاطباً أمته:

أين دنياك التي أوحت إليّ *** وترى كلَّ يتيم النغم

كم تخطّيتُ على أصدائه *** ملعب العزّ ومغنى الشَّمم

وتهاديتُ كأنّي ساحب *** مئزري فوقَ جباهِ الأنجم [١٦]

ولعلّه غير خاف بعد هذا أنّ شطراً من كبرياء عمر وأنفته أتاه من إحساسه بانتمائه إلى أمة راسخة القدمين في الحضارة، واضحة المكان في التاريخ الإنساني. بل يبدو أنه في مقدور الدارس أن يقول إن في تكوين عمر ميلاً إلى القوة والأنفة والتعالي، وقد وجد في نسبه القريب وفي تاريخ أمته الزاهي ما يُضيف به لبنات إلى صرح مجده الشخصي، ليتطاول إلى ماشاء من التطاول، وليكون للتاريخ الأدبي من ذلك كله هذا التحليق المدهش في آفاق الفن الشعري. ويخيّل إلينا أيضاً أن إدراك عمر مبلغ مايُراد من ضيم لأمته، وما تسام به من خسف ضاعف إحساسه بذلك المجد القديم، لأن الوعي بالحاضر القاتم ينقله سريعاً إلى ذلك الماضي الذي نقّاه التذكار من كلّ شائبة، فبدا أكثر ألقاً ورواءً.

٣ - التزامه تصوير ماضي الأمة الزاهر وحاضرها العاثر:

قدّم عمر أبو ريشة في مسلكه وفي فنّه صورة مثلى للشاعر الملتزم بقضايا أمته، الذي تؤرّقه همومها، وتستبد به آمال أبنائها وآلامهم، وتهزّه نجاحاتهم، وتؤزّه إخفاقاتهم. وقد أدرك الشاعر منذ وقت مبكر في حياته أنّ أعذب الشعر أصدقه. وليس أكذبه، وخير القريض ما أشعّ به الصدق وتلألأ. فكان عمر بذلك حادي الناس إلى حيث الحقُّ والجمال، ورائدهم الذي لا يكذب أهله. وعمر هو الذي يقول في تضاعيف رثائه أحمد شوقي:

أعذبُ الشعر مايشع به الصّد *** قُ وتمشي على خُطاهُ العقول [١٧]

تصور أبو ريشة أن الشعر مصدر معرفي، يفيد منه الناس في تبصّر الحقيقة وتبين الصواب، وقد أثر هذا التصور كثيراً في مذهبه الفني، فلا تكاد تجد في شعره إلا مايفيد، فكأنّه يردّد مع نظيري النيسابوري بيته الذي أعجب به العلامة محمد إقبال، وصدّر به أحد دواوينه:

ليس في أعوادِ غابي سَقَط *** هي للمنبرِ أو أعوادُ صلب [١٨]

ومرجع التزام عمر في جانب من جوانبه حبٌّ عميق استبد به إزاء بلاده، وتحقّق في مواقفه من الناس حاكمين ومحكومين. وهاهو ذا الشاعر يصرّح بذلك فيقول: "يربطني بوطني حبّي للأرض ورغبة جامحة في مبادلتها عطاء بعطاء، لم أشعر يوماً بأن أرض بلادي مجرّد تراب وحجارة، بل لطالما أحسست أنها كائن حيّ ينبض بالحياة" [١٩].

عرف عمر مكانة أمته في الماضي ممّا حفظته ذاكرة التاريخ، ورأى بباصرته مأساتها الحاضرة بكلّ فصولها المعقّدة، وعرف إلى ذلك سلطان الكلمة في إيقاظ النفوس وبعث الهمم وتكوين الرأي العام. وقد مضى به إحساسه القوي بالمجد العربي الإسلامي إلى أن أضفى عليه هالة قدسية، ظلّت تتراءى في كلّ مايبدع من أشعار. ويلحظ متأمل شعره أنه تمثّل هذا المجد في شخصين اثنين: شخصه هو، ذلك العربيّ المسلم النبيل المحتد والشاعر العبقري المجود، وشخص أمته العربية الاسلامية، التي تولّت صناعة التاريخ الإنساني في مرحلة زاهية من مراحله. ويلحظ هذا خاصة في قصيدته المسمّاة "هذه أمتي"، التي ألقاها في حفلة افتتاح دار الكتب الوطنية في حلب بعد العدوان الفرنسي، وخروج الشاعر من السجن، إذ صوّر نفسه مجسداً إرادة المجد العربي الإسلامي الذي أقسم أن يُلمّ شاعره بالأرض ونجوى الإباء تتدفق على لسانه. ونجوى الإباء هذه عنوان الالتزام عند عمر، والمدخل المفضي إلى عالمه الشعريّ الفتّان. يقول الشاعر:

ماصحا بَعدُ من خمار زمانِه *** فليُرفِّه بالشّدو عن أشجانِه

ما وعى الأمنياتِ إلا طيوفاً *** خفقت وانطوت على أجفانِه

غمزته عرائس العيش إغرا *** ءً، فلم تستبح حمى عُنفوانِه

شاعرٌ لو شكا الحياة لكانت *** سَـرَواتُ الملوك من نُدمانه

أقسم المجد أن يمرَّ على الأر *** ضِ، ونجوى الإباء خلف لسانِه [٢٠]

ويعني هذا من وجهة أخرى أن عمر عرف قدر نفسه وقدر فنّه; بما ينطوي عليه هذا الفنّ من قدرة على الإثارة والحضّ والتبصير بمواطن الفضيلة والخير. واستبان أنّ عقيدته التي حملها بين جنبيه هي عقيدة مجتمعه بكلّ فئاته. ووفاقاً لهذا كلّه تبيّن أنّ كلماته سحر حلال عند جمهوره. ومن ثم نراه يقول في القصيدة السابقة منبِّهاً على تأثيره في ضمير جمهوره في مدينة حلب:

عادَ للدَّوحِ عندليبك يا شعـ *** ـرُ ومات النّعيبُ في غربانه

وتغنّى حنانه فتمشّى *** في ضمير الشّهباء رجعُ حنانِه

فاشرأبّت وفي تساؤلها شو *** ق تضيف الأحناءُ عن كتمانِه [٢١]

وإذ وضع عمر هذا كلّه في الحسبان، لم يدع مناسبة تمرّ من دون أن يقول فيها شعراً يؤجِّج الحقد على المستعمرين والمتعاونين معهم، وينفث في الأرواح عزيمة المؤمنين الصادقين، وينمّي في المجاهدين عقيدة الموت الكريم. وهكذا فقد "رافق عمر أبو ريشة الأحداث التي عصفت بالأمة العربية منذ الثلاثينيات، فاتحد ضميره بضمير الشعب العربي، وتطلعاته إلى التحرر والوحدة واليقظة القومية، فكان من أبرز شعراء جيله في هذا المضمار، إن لم يكن أبرزهم إطلاقا… ولا تكاد تخلو قصيدة ألقاها في مناسبة من التفاتات وطنية وقومية، نابعة من رؤيا صافية وحسّ مرهف وإيمان عميق" [٢٢].

ويطالعُك في مواطن كثيرة من ديوان عمر أنه قطع على نفسه عهدا بأن يظلّ لسان أمته المعبِّر عن كلّ هواجسها وهمومها. فكان على الحقيقة الشاعر ذا الرسالة النضالية الفاعلة في موكب الحياة. وحسب المرء هنا أن يستعيد شيئاً من بيانات عمر التي يحدّد فيها وعيه الدقيق لمهمّة الشاعر في أمة تواجه القوى الغاشمة التي تنشد محوها من الوجود. وكان يدرك أنّ المجد العربي يهتزّ طرباً عندما يبعث شاعره حمماً جهادية لا تبقي ولا تذر:

يا عروسَ المجد، حسبي عزةً *** أن أرى المجد انثنى يعتزُّ بي

أنا لولاه لما طوّفت في *** كلّ قفر مترام مُجدبِ

ربَّ لحن سال عن قيثارتي *** هزَّ أعطاف الجهاد الأشيب

لبلادي ولروّادِ السَّنا *** كلُّ ما ألهمتني من أدب [٢٣]

لقد كان دأبه تلك الصرخة العربية القديمة: "المنيّة ولا الدنيّة". وكان في غير موطن من ديوانه المطبوع، ومجموعاته الأخرى، يدعو على نفسه بأن لا يمتعه اللّه بنضارة الشباب إن هو استمرأ حياة الصَّغار، وخفض جناح المذلّة لمن يُغيرون على مجد الأمة. وفي ذكرى المجاهد العربيّ السوري الكبير، إبراهيم هنانو، سنة ١٩٣٧م، يخاطبه الشاعر قائلا:

عفوا أبا الأحرار، كم من زفرة *** مخنوقة، أخشى الغداةَ تُثارُ

فإذا وجمتُ فلستُ أول شاعر *** تَعبتْ وراءَ بنانهِ الأوتارُ

أنا عند عهدك لا تلين شكيمتي *** كلاّ، ولا يُعزى إليَّ عِثارُ

لا عشت في زهو الشّباب منعّماً *** إن نال من زهو الشباب العارُ [٢٤]

ويلقاك هذا العهد مرة أخرى، عندما يخاطب الشاعر ذكرى "خالد بن الوليد"، إذ نجده يقول:

يا مسجّى في قبّة الخلد ياخا *** لِدُ، هل من تلفّت لبياني؟

لا رعاني الصِّبا إذا عصف البغـْ *** ـيُ، وألفى فمي ضريحَ لساني

أقسم المجد أن أقطّع أوتا *** ري عليه بأكرم الألحان [٢٥]

وإذ يبدو عمر صادقاً مع نفسه، فإنه يتراءى صادقاً كلَّ الصدق مع جمهوره، ذاك أننا "حين نقول إن الشاعر صادق مع نفسه فإننا نعبّر بطريقة أخرى عن صدقه معنا. إنّه قد عبّر عمّا كنا نودّ التعبير عنه. وعلى هذا الأساس نقبل قصيدته أو نرفضها، نحكم لها، أو نحكم عليها" [٢٦].

وطبيعيّ أن يدرك عمر مغبّة هذا الالتزام، وهو شاعر المحافل المدوية التي كان يقرأ فيها على وجوه الناس ابتسامات الرضى، وانتفاضات الكبرياء الجريح. وأيقن الشاعر أنّ الجماهير كما يقول الدكتور محمد حسنين هيكل "ماتزال ترى ثمرات الأقلام منذ آلاف السنين الماضية هي التي تهزّ العالم حتى اليوم هزّاً، وتنشئ فيه إلى اليوم وإلى الأبد ألواناً من الخلق جديدة" [٢٧]، فكان له من ذلك باعث على المضيّ في طريق الالتزام إلى غايته. بل لعلّ المرء لايجد غضاضة حين يقول إن عمر أسس مدرسة شعرية نضالية تخرّج منها الكثيرون. وقد يكون مفيداً في هذا الاتجاه أن نسوق ما يذكره الشاعر الشيخ صقر بن سلطان القاسمي، حاكم إمارة الشارقة السابق، في مقدمة ديوانه عن تأثير شعر عمر في اتجاهه الشعريّ: "أما الشعر فقد بدأت بقوله في الرابعة عشرة من عمري بعد أن ضمّنا ناد لم أعد أذكر مناسبته ألقى فيه الأستاذ عبد الرحمن الباكر القصيدة الخالدة للشاعر الخالد عمر أبي ريشة، والتي مطلعها:

يا عيوناً تنامُ ملءَ المحاجر *** شيّعي الحُلم والطيوفَ السَّواحِر

وفيها يقول:

يصفعُ الذئبُ جبهة اللّيثِ صفعاً *** إن تلاشت أنيابهُ والأظافر

ورأيت الحقيقة البشعة تتمثّل فيها بأروع صورها، رأيت النقمة تنطلق صرخات مدوية تسكبها العبقرية الشعرية النادرة شعراً ينبض بالعاطفة الصادقة، بل هوالعاطفة بعينها. رأيت الذئب، بل ابن آوى (وليعذرني أستاذي أبو ريشة) يصفع تلك الجبهة الغراء السامقة للّيث بعد أن تخلّى عن أنيابه وأظافره. وسرت في طريق العودة إلى بيتي، والدّم يغلي في عروقي، واندفعت أردّد أبياتاً من عندي بوزن وقافية قصيدة أبي ريشة الخالدة عندما لم أكن أذكر أبياتها، وانطلق قلبي يخفق بأبيات عارضت فيها أنا ابن الرابعة عشرة أبا ريشة دون أن أخجل من محاولة، وإن كانت عفوية لكنها يائسة، لمجاراة شاعر دوّى صيته عن جدارة في العالم، وانطلقت أردِّد:

يا ابنة الفكر هاتي مافي الضمائر *** فلقد آن أن تباح السَّرائر

أنا ساه في مهمة من خيال *** لا أرى لي في قَطعِه أيّ ناصر [٢٨]

وقد سُقنا لك النصّ على طوله، لتتبين أنّ التزام عمر ماكان له أن يكون صيحة في واد، لم يكتب لها البقاء، بل كان شعره ذلك الغيث الذي أخصب في النفس العربية الإسلامية حبّ الوطن، ورغبة الاستشهاد ابتغاء الحياة الكريمة. ومن هنا كان مثله الأعلى المنشود مقاتلاً لا تلين قناته ولا تعرف المهادنة سبيلا إلى روحه الوثّاب. ومن ثم تراه يخاطب المغفور له الملك فيصل بن عبدالعزيز آل سعود منبّهاً على ضرورة بقاء جذوة الجهاد متّقدة في قلوب المسلمين:

لم تهادنْ ولم تزل تتحدّى *** كلَّ باغ أو غادر ختّال

قل لمن شاء راحة في ضفاف النيل *** من بعد وثبة استبسال

ليس عاراً إن في النضال عَثَرنا *** إنّما العار في اجتناب النضال [٢٩]

وقد سرى هذا الالتزام في تضاعيف شعر عمر، فكان جحيماً يصطلي بها الخونة والمتخاذلون والقاعدون، وسرى في مزاجه الشخصي ومواقفه فكان بأسه شديداً على كلّ من نال من الشخصية العربية الإسلامية، أو سعى إلى صرفها عن وجهتها الصحيحة، حتى لو كان ذلك قلماً مأجوراً أودعيّاً من أدعياء القريض ممن سعوا إلى تشويه صورته العربية المشرقة ابتغاء إفساد ذوق الأمة وتعطيل أداة الحكم الجماليّ لديها. وفي هذا المنحى يقول صديق الشاعر الأستاذ فؤاد الخشن عن صديقه عمر: "وإنّ سهامه تصوَّبُ نحو التافهين المأجورين، بنظره، للصهيونية العالمية لإفساد الشعر وقتله، وبالتالي إفساد الشعوب وقتلها بتحييدها وتحويرها عن خطوط الصواب لتخلو السّاحة لمسوخِ التلمود" [٣٠].

ثانياً - مكوّنات القوة في الشخصية العربية الإسلامية:

أحسن عقلُ أبي ريشة قراءة التاريخ العربي الإسلامي بوصفه المضطرب الذي جالت فيه الشخصية العربية الإسلامية، وحقّقت فيه حركتها في ميادين العقل والوجدان والفعل الحضاري الإنساني. وليس التاريخ عند عمر أحاديث تروى، بل هو مجلى القوة حين تتحول إلى فعل، والقصد حين يستحيل حركة، والدّين حين يغدو حياة في ظلّ مراد اللّه في الإنسان. أدرك عمر هذا كلّه، وأرهف سمعه لنسغ الحياة الساري في عروق هذه الأمة، فاستبان أن القيمة الحقيقية للفرد تتمثّل في مقدار إفادته لأمته، أما القيمة الحقيقية للجماعة فأن يكون لها موقع مرموق بين مجتمعات الأرض وفقاً لمنهج اللّه سبحانه. وفلسفة عمر في تصور الفرد والجماعة تتلخص في أنه أراد لهما "الوجود"; فما قيمة ورد لا يُشمّ عبقه، وما وزن غصن لا يُقطف ثمره:

ما أحزن الوردَ لم يُعرف له عبقُ *** وأضيعَ الغصن لم يُقطف له ثمرُ (٣١)

وفي نطاق الأمة خاصة يتراءى للشاعر منبران يستحقان أن تتبارى الأمم في ميدانيهما: السيفُ، والقلم; أي العبقرية الجهادية، والعبقرية العلمية; ومن ثم يسائل أمته في مطلع رائعته "بعد النكبة":

أمتي، هل لك بين الأممِ *** مِنبر للسيّفِ أو للقلمِ

لم يغب عن ذهن عمر أنّ الأمم التي كانت لها سيادة في التاريخ الإنساني حقّقت هذه السيادة بإحدى سبيلين أو بهما معاً: القوة القتالية والقوة العلمية. وقد رمز الشاعر لهاتين القوتين بـ "السيف " و"القلم". ولا نخال أنه يغيب عن ذاكرة عمر أنهما "الرئاستان" المعروفتان المقصودتان في كلّ من تلقّب بـ "ذي الرِّياستين" عند العرب القدماء.

وإذ أحسن عمر قراءة التاريخ، عرف أنه توافرت لأمته في ماضيها الزاهر هاتان القوتان مضافاً إليهما قوة ثالثة، هذّبتهما ووجّهتهما الوجهة الصحيحة، وهي "النبوة". وابتغاء إيفاء هذا الموضوع حقّه من الدرس نقول إنّ الشاعر تلمّس مكوناتِ القوة في الشخصية العربية الإسلامية في أربعة عناصر:

١ - الصحراء وما تجسّده من قيم.

٢ - النبوّة والحقّ.

٣ - العبقرية الجهادية.

٤ - العبقرية البيانية.

وستكون لنا وقفة متأنية عند كل منها، منطلقين دائماً من شعر الشاعر.

١ - الصحراء وما تجسّده من قيم

بدا لأبي ريشة أنّ الصحراء العربية، باحتضانها بيت اللّه الحرام وظهور الأنبياء فيها حتى اختتام سلسلتهم الطاهرة بمحمد عليه الصلاة والسلام وبكون أهلِها العرب مدَدَ النَّصرة لدين اللّه سبحانه، ذات أثر واضح المعالم في تكوين الشخصية العربية الإسلامية. ولا شك في أنّ حملَ العرب رسالة الإسلام، ثم نشرها في أصقاع الأرض بكل ما اكتنف ذلك من عناء، لمدعاة إلى التأمل في إسهام البيئة الصحراوية في هذا الأمر. وقد يشكّ المرء في أشياء كثيرة، لكنه لا ينبغي أن يشك في قوة اعتناق العرب لدينهم الحنيف، وبلائهم الشديد في نصرته وتوصيله الى أصقاع المعمورة. ويظل تعلق عمر بالصحراء وكثرة ترديد حديثها في شعره من الأمور اللافتة للنظر حقاً.

ويلاحظ المتأمّل أنه يربط دائماً بين الصحراء وبين الإسلام بوصفه أرقى منهج حضاريّ عرفته الأرض. وأياً كانت وجهة الحق، فالصحراء العربية دار النبوّات، ومنطلق الإسلام الذي عمّ أرجاء الأرض نوره من خلال العرب المسلمين الميامين. ويلحّ عمر على أن الصحراء التي حرمت وفرة النبات والخضرة أنبتت المجد المتمثل في العروبة والإسلام. يقول عمر في مقدمة ملحمة "محمد " عليه الصلاة والسلام:

أيّ نجوى مخضلَّة النّعماء *** ردَّدتها حناجر الصحراءِ

سمعتها قريشُ فانتفضت غضـ *** ـبى وضجَّت مشبوبةَ الأهواءِ

يا عروسَ الصحراءِ ما نبت المجـ *** ـدُ على غير راحةِ الصَّحراءِ

كلَّما أغرقت لياليَها في الصّمتِ *** قامت عن نَبأة زهراءِ

وروتها على الوجودِ كتاباً *** ذا مضاء أو صارماً ذا مضاءِ

فأعيدي مجد العروبة واسقي *** من سناهُ محاجِرَ الغبراءِ

قد ترفَّ الحياةُ بعد ذبول *** ويلينُ الزمانُ بعدَ جفاءِ (٣٢)

فالصحراء هنا موطن الرسالة الأول الذي ردّد نجوى الإسلام المخضلّة النعماء. وغير خاف أن الشاعر إنما يريد أنه في هذه الصحراء نزل كلام السماء إلى الأرض، فردّدت أصداءه حناجر الصحراء ليبلغ كلّ مكان. وجليٌّ أنّ الشاعر لا يريد رسالة الإسلام وحدها، بل رسالات الأنبياء جميعاً، فالأنباء الطيبة تنبعث من الصحراء كلّما خيّل أنها غرقت في صمت مطبق. والصحراء عنده راوية النبأ العظيم على مسمع الوجود في صورة الكتاب أو الصارم الماضيين. ويتراءى لنا أنّ الكتاب والصارم رمزان للرأي والعزيمة، أو الحكمة والقوة، أو رأس الإنسان وجسد الأسد في صورة "أبي الهول" عند المصريين القدماء. ويرى عمر أنّ الكتاب والصارم، أو نفحات النبي عليه الصلاة والسلام والفتح، أحالا الصحراء الضئيلة الحظّ من الماء محيطاً مائجاً. ومثلما ماجت الصحراء بالنفحات النبوية والفتح ماج فيهما افتتان الشاعر; فكان من كل من الصحراء والشاعر غناءُ المجد الذي تردّدت أصداؤه في جنبات الوجود. فالإسلام أولاً وأخيراً منبع الإلهام لكل من الصحراء والشاعر. يقول عمر:

نفحات النبيّ والفتحِ والعلـ *** ـياءِ والعزّ والندى والبيانِ

رعشات في أضلعي ماجتِ الصحـ *** ـراءُ فيها وماجَ فيها افتتاني

صدقَ الحبُّ إنّ موطني الأجـ *** ـردَ روضي وجدولي ودناني

يُنبتُ المجدَ قبل أن ينبتَ الور *** دَ ويُعطي الثمارَ قبلَ الأوانِ (٣٣)

وينطلق عمر هنا من الواقعة المعيشية إلى واقعة تخيلية، عندما يرى أنّ الصحراء أنبتت المجد قبل أن تنبت الورد. ويعني هذا بلغة العرفان أنّ الصحراء احتفت بالجلال قبل الجمال، وأنّ الحياة التي تستحق أن تعاش لا تكون إلا محتفية بالجلال قبل الجمال. وحين يتكلّم عمر وفاقاً لهذا المنطلق، لا نراه يجافي منطق القرآن الكريم الذي يربط بين العزة والحكمة في وصف البارئ سبحانه بأنه "عزيز حكيم". وينبّه الذكر الحكيم أيضاً على أنّ الإنسان نبات أرضه، إذ يقول سبحانه: (واللّه أنبتكم من الأرض نباتا) (٣٤). وحين يكون البلد طيباً يخرج نباته بإذن ربه، وقد جاء في الذكر الحكيم قوله تعالى: (والبلدُ الطيّب يخرج نباته بإذن ربّه…. ) (٣٥).

ومهما يكن، فإنّ الصحراء عند عمر منبلج الهدى ومنطلقُ كتائبه في ربوع الأرض، ومربى الصِّيد الذين انطلقوا من صحرائهم يشقّون عن الأرض غياهب الذلّ والمهانة. الصحراء في هذا كله: الهدى والفتح والشجاعة والحرية ومنطلق النور:

مِن هنا شقَّ الهدى أكمامهُ *** وتهادى موكباً في موكبِ

وأتى الدنيا فرفّت طربا *** وانتشت من عَبقِه المنسكب

وتغنّت بالمروءاتِ التي *** عرفتها في فتاها العربي

أصيدٌ ضاقت به صحراؤُه *** فأعدّتهُ لأفق أرحبِ

هبَّ للفتحِ، فأدمى تحتهُ *** حافرُ المُهر جبين الكوكب

وأمانيه انتفاضُ الأرضِ من *** غيهبِ الذلّ، وذلِّ الغيهبِ

وانطلاقُ النّور حتى يرتوي *** كلُّ جفن بالثّرى مختضِبِ (٣٦)

هام عمر بالصّحراء، واستيقن أنها مصنع الرّجال الذين لا تلين لهم قناة، وموئل المروءات التي استمد منها الإنسان معنى وجوده الصحيح. ويحلو لشاعرنا أن يقابل بين الماضي الذي كانت فيه الصحراء مقفرة في عطائها المادّي، خصبة في عطائها المعنويّ، وبين الحاضر الذي استحالت فيه ديار العروبة إلى جنان وارفة الظلال، لكنها افتقرت إلى الرجولة الحقة التي كانت سلاحها الأمضى في مقارعة الأعداء، فيجأر إلى ربه بهذه "الصلاة" أن يردّ ديار العروبة الممرعة قفراً تموج فيه كثبان الرّمل إن كان لها أن تعطي "الرجال" الحقيقيين:

ربِّ طـوّقتَ مغانينا *** جمـالاً وجـلالا

ونثرتَ الخير فيهنَّ *** يمينـاً وشمـالاً

وتجلّيـت عليهـنّ *** صليبـاً وهِـلالا

ربِّ هذي جنةُ الدَّنْـ *** ـيا عبيراً وظلالا

كيف نمشي في رباها الـ *** ـخضرِ، تيهاً واختيالاً

وجراحُ الذلّ نخفيـ *** ـها عن العزّ احتيالا

رُدَّها قفراءَ إن شئـ *** ـتَ، وموّجها رمالا

نحن نهواها على الجدْ *** بِ إذا أعطت رجالا (٣٧)

وجملة القول هنا أنّ الصحراء عنت عند أبي ريشة ذلك المجد العربي بكل مجاليه: مهبط الوحي، ودار النبوات، ومربع الميامين الذين اختاروا أن يكونوا سدنة الهدي الإلهيّ، وحملة النور إلى بني الإنسان أنّى كانت أوطانهم.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - قسم اللغة العربية - جامعة الإمارات العربية المتحدة.

٢ - أنظرسامي الكيالي: الأدب العربي المعاصر في سوريا، ص ٣٧٠.

٣ - د. سامي الدهان: الشعراء الأعلام في سوريا، ص ٣٥٠.

٤ - المصدر السابق، ص ٣٠٨.

٥ - المصدر نفسه، ص ٣٤٨.

٦ - ديوان عمر أبو ريشة، ص ٤٦٤.

٧ - الشعراء الأعلام في سوريا، ص ٣١٦.

٨ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥٤١.

٩ - أنظر مقال الدكتور شاكر مصطفى بعنوان: "الشعر في سوريا" في مجلة الآداب البيروتية، ص ١٢٣، عدد كانون الثاني، ١٩٥٥م.

١٠ - الشعراء الأعلام في سوريا، ص ٣٣٣.

١١ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥٤٩.

١٢ - عمر أبي ريشة: مجموعة شعرية بعنوان "أمرك ياربّ"، ص ٣٣.

١٣ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥٣٩.

١٤ - هو الاستاذ الجليل الدكتور شوقي ضيف، انظر: دراسات في الشعر العربي المعاصر، ص ٢٣٥.

١٥ - د. جميل علوش: عمر أبي ريشة - حياته وشعره مع نصوص مختارة، ص ٥٩، عن: مجلة الأسبوع العربي، العدد ١٢٢١، ٧ / آذار، ١٩٨٣م، ص ٤٤.

١٦ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٧ - ٨.

١٧ - أنظر بشأن أبيات الرثاء التي اقتطعنا منها هذا البيت: الشعراء الأعلام في سوريا، ص٣٢٩.

١٨ - محمد إقبال: ديوان الأسرار والرموز، ترجمة د. عبد الوهاب عزام، ص ٥.

١٩ - مجلة الاسبوع العربي، العدد ١٢٢٩، ٢ / أيار، ١٩٨٣م، ص ٤٤.

٢٠ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٥١٦ - ٥١٧.

٢١ - المصدر السابق، ص ٥١٩.

٢٢ - من مقال للأديب سليم نكد تحت عنوان "عمر أبي ريشة صرح هوى وأمل انطفأ" في مجلة الأسبوع العربي، العدد ١٦٠٦، ٢٣ / تموز ١٩٩٠م، ص ٤٤ - ٤٥.

٢٣ - ديوان عمر أبي ريشة، ص ٤٤٨.

٢٤ - المصدر السابق، ص ٥٦٠ - ٥٦١.

٢٥ - المصدر نفسه، ص ٥٤٨.

٢٦ - د. عز الدين اسماعيل: الشعر العربي في إطار العصر الثوري، ص ٢٣.

٢٧ - د. محمد حسنين هيكل: ثورة الأدب، ص ١٨.

٢٨ - مقدمة ديوان صقر بن سلطان القاسمي، ص ٤٧ - ٤٨.

٢٩ - أمرك يارب، ص ٥٧.

٣٠ - انظر: مجلة المنتدى الإماراتية، ملفّ الشاعر عمر أبي ريشة، العدد ٢٧٢، يوليو ١٩٨٩م، ص ٢٩، من مقال للكاتب بعنوان "أشياء من دفاتر الذكرى".

٣١ - ديوان عمر أبو ريشة، ص ٢٢٧.

٣٢ - المصدر السابق، الصفحات ٤٩٤ - ٥١٥.

٣٣ - المصدر نفسه، ص ٥٣٩ - ٥٤٠.

٣٤ - نوح / ١٧.

٣٥ - الأعراف / ٥٨.

٣٦ - المصدر نفسه، ٤٣٨ - ٤٣٩.

٣٧ - المصدر نفسه، ص ١٢ - ١٣.



[ Web design by Abadis ]