ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 السير في الارض عند المسلمين - ابن بطوطة في إيران نموذجا \ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

بحثي المتواضع ذا شقين:

الأول: الرحلة في الكتاب والسنة.

والثاني: إيران في رحلة ابن بطوطة، أو ابن بطوطة في ايران.

أما الأول، فكلنا يعلم أن للرحلة والرحّالين في الإسلام دوراً كبيرا وتأثيراً بالغاً، سواء في مجال الثقافة والعلوم ونشرها، وفي تبادل المعلومات والثقافات، أو في الاقتصاد والتجارة، وفي الفنون والصناعات، أو في مجال السياسة، وتوسيع نطاق الدولة الإسلامية، وامتدادها برّاً وبحراً على بسيط المعمورة، وفي مقدرتها ونشاطها في أداء رسالتها الإسلامية المباركة، وللوصول إلى أهدافها الانسانية، وأعني بالرحلة مطلق التنقّل والسير في الأرض.

ونحن نعتقد أن الباعث الأكبر والدافع الأول لاهتمام المسلمين بذلك هوالقرآن الكريم، والسنة المطهرة. ففي القرآن توجد العديد من الآيات تحث الإنسان المسلم وتدفعه إلى الترحال والتنقّل في البلاد والتجوّل في الأرض: كآيات تقول إن أرض الله واسعة مثل: (ألم تكن أرض اللّه واسعة فتهاجروا فيها) [١].

أو تأمر بالسير في الأرض: مثل (قد خلت من قبلكم سنن فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين) [٢]. و (قل سيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة الذين من قبل) [٣]. أو التي تدعو إلى الضرب في الأرض من أجل المعاش وابتغاء فضل اللّه مثل: (وآخرون يضربون في الأرض يبتغون من فضل اللّه) [٤].

أو آيات الجهاد والنفر والهجرة في سبيل اللّه - وهي كثيرة جدا - أو ما أمرت بالنفر للتفقه في الدين كقوله تعالى: (ما كان المؤمنون لينفروا كافة. فلو لا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين. ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون) [٥].

وهناك سورة كاملة في القرآن - وإن كانت قصيرة جاءت فيها كلمة (الرحلة) نزلت بشأن ترحال قريش شتاء وصيفا وهي: (بسم اللّه الرحمن الرحيم. لإيلاف قريش إيلافهم رحلة الشتاء والصيف. فليعبدوا ربّ هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف).

على أن في القرآن آيات كثيرة توجه الهمم إلى معرفة آفاق الوجود وأسرار الكون وآثار رحمة اللّه، وما خلق اللّه في السماء والأرض من آيات وكذلك معرفة مافي الارض من الجبال والفجاج، والأنهار والبحار، والفُلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس، وما خلق اللّه من الدوابّ والأنعام، والطيور، والنبات والأشجار نزلت وكررت تذكاراً وتبصرة بعظمة خالقها ودليلاً على مدى علمه وقدرته ورحمته، أو ذكرت الجنّات والقصور التي تركها الملوك والجبابرة مثل (كم تركوا من جنات وعيون وزروع ومقام كريم) [٦]. أو الديار الخالية التي باد أهلها عِظة للناس وعبرة للمعتبرين، إلى غيرها من الآيات مما يبعث على التفكير في خلق اللّه، ويوسع نطاق المعرفة، ويشجع الإنسان لتحمّل المشاق للتطلّع على تلك الآثار الباقية والآيات الباهرة. هذه هي أهم أغراض الرحلة في الاسلام.

وقد صرح بعض هؤلاء الرحّالين ومؤلفي كتب "المسالك والممالك" إلى استلهامهم في رحلتهم من بعض تلك الآيات، فقد جاء في أول رحلة ابن بطوطة على سبيل "براعة الاستهلال": "الحمد للّه الذي ذلل الأرض لعباده ليسلكوا منها سبلا فجاجا. وجعل منها وإليها قاراتهم الثلاث [٧]. إثباتاً وإعادة وإخراجا، ودحاها بقدرته فكانت مهاداً للعباد، وأرساها بالأعلام الراسيات والأطواد - إلى أن قال - : وأكمل على خلقه الإنعام بتذليل مطايا الأنعام، وتسخير المنشآت كالأعلام، لتمتطوا من صهوة القفر ومتن البحر اثباجا" وهذه كلها مقتبسة من القرآن الداعية إلى التفكّر في آثار قدرة اللّه تعالى.

كما جاء في السنة تأكيد بالغ على تلك الغايات، فحثّ النبي على طلب العلم ولو في مكان بعيد مثل قوله (صلى الله عليه وآله): "أطلبوا العلم ولو بالصّين" وكانت الصّين أبعد البلاد المعمورة في تلك الزمان. قال بعض العلماء بشأن هذا الحديث: "لم يكن في الصين حين ذاك، علم الدين، لكن المسلمين تفرسوا من هذا الحديث أن هناك علماً نافعاً فسارعوا إليها، فأخذوا منها صناعة القرطاس، وهي أهم وسائل تدوين العلم وحفظه من الضياع، ونشره بين الأنام وإدّخاره للآخرين.

ولقد بلغت العناية بالرحلة إلى طلب العلم في السنّة الشريفة إلى حدّ جاء في حديث: "ألا من مات في طلب العلم مات شهيدا" [٨].

وللخطيب البغدادي (م٤٦٣هـ) كتاب باسم "الرحلة في طلب الحديث" [٩]. وقد جاء في كتابه "شرف أصحاب الحديث" [١٠] وكذلك عند غيره من المحدثين باب في فضل الرحلة في طلب الحديث. وإننا قلما نجد من بين كبار العلماء وأصحاب الحديث من لم يتفق له التنقل إلى عواصم العلم من بلاد الإسلام لأخذ الحديث وحمله، أو لنشره وتحديثه.

وحتى ابن بطوطة نفسه كان أخذ الحديث وسماعه من المشايخ من أهم مراميه في رحلته الطويلة التي امتدت إلى شرق العالم الإسلامي وغربه، واستوعبت مدة حوالي ثلاثين سنة [١١]. وقد سمع في الجامع الأموي بدمشق، الذي عبر عنه بـ "جامع بني أمية" جميع صحيح البخاري في أربعة عشر مجلساً على الشيخ المعمّر، ، رحّالة الآفاق، ملحق الأصاغر بالأكابر، شهاب الدين أحمد، المعروف بـ "ابن الشحنة الحجازي" بـإسناده الذي ذكره تفصيلاً - وقد ذكر تاريخ قراءة وسماع كل واحد من الشيوخ حتى وصل الإسناد إلى الإمام البخاري صاحب الصحيح. ولم يكتف بذلك بل سمى هناك سائر مشايخه [١٢].

على أن هناك باعثا دينيا آخر لأولئك الرحّالين، بل لكل من استطاع الى حج البيت سبيلاً، ألا وهو أداء فريضة الحج، فابن جبير الذي قام بالرحلة من الأندلس الى الشرق عام (٥٧٨هـ) [١٣]، وكذلك ابن بطوطة، كلاهما بدءا رحلتهما بأداء مناسك الحج وزيارة مرقد النبي (صلى الله عليه وآله) وقبور الصحابة وآل البيت بالمدينة المنورة. وكان طريق المغرب إلى الحج بركوب البحر إلى الإسكندرية، ومنها إلى القاهرة ومنها على النيل إلى الصعيد، ومنها إلى "عيذاب" وكانت مدينة على ساحل البحر الأحمر - قد عبّر عنه ابن الجبير بـ "بحر جدّة" [١٤] - ومن عيذاب كانوا يعبرون البحر المتلاطم الذي وصف ابن الجبير أهواله [١٥]، حتى يصلوا الى الجدة.

وقد سلك هذان الرجلان المغربيان هذا الطريق برا وبحرا حتى وصلا "عيذاب" أما ابن جبير فركب السفينة وعبر البحر [١٦]، وأما ابن بطوطة فلم يوفّق لذلك، بسبب حرب كانت قائمة بين سلطان البجاة والأتراك، وقد خرق السلطان المراكب وهرب الترك أمامه، فتعذر سفره من هناك١٧ فعاد إلى الصعيد، ثم إلى مصر ثم إلى غزّة، ثم الى بلاد فلسطين حتى وصل العسقلان ومنها إلى مدينة حلب ثم إلى اللاذقية فسلك ساحل البحر وبلاد الشام حتى دخل دمشق، ومنها الى تبوك ومنها إلى المدينة ثم إلى مكة ١٨.

وعلى كل حال، فالباعث الرئيسي للرحلة في الإسلام كان أمرا دينيا دون التنزه والبطرة، وكان يجمعه طلب العلم ونشره، والتفّقه في الدين، وتبليغ الدعوة الإسلامية إلى الناس، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد والهجرة في سبيل اللّه، وابتغاء فضل اللّه للمعاش، ومعرفة أسرار الخلقة وآثار الرحمة، والوقوف على عاقبة المكذّبين ونكالهم والاعتبار بها، وكذلك أداء فريضة الحج، وزيارة قبور الأولياء والأئمة والمشايخ، والالتقاء بالأحياء منهم. وهذه الأهداف كلها ملموسة جدا في رحلة ابن بطوطة بالذات، وفي غيرها من الرحلات.

ثمرات الرحلة

وقد أنتجت تلكم الرحلات عبر العصور خبرة لأصحابها في حقل العلم والفن والسياسة والتاريخ والجغرافيا، كما أثمرت أصنافاً من الكتب والمؤلفات القيّمة التي ذخرت في دور الكتب، وورثها الخلف عن السلف، فازدادوا بها ثقافة وعقيدة وبصيرة في الدين، وتفّقهاً في الشريعة، ومعرفة بالبلاد والأمم وبالملل والنحل.

فهناك عديد من كتب الرحلة وأكثرها باللغة العربية، وشطر منها في سائر اللغات الإسلامية، منها كتاب باللغة الفارسية باسم "سفرنامه" لناصر خسرو القبادياني (م ٤٨١هـ) وكان شاعرا كبيراً من ماوراء النهروداعية للإسماعيلية والفاطميين، فزار الحجاز والشام والقاهرة وغيرها، وسجّل ذكرياته في كتابه.

وهناك كتب الفتوحات والمسالك والممالك، وكتب الجزية والخراج، وكان الغرض من تأليفها تعيين مساحات الأراضي المفتوحة وأنها كيف فتحت من أجل تقويم خراجها. ففي الفقه الإسلامي كتاب خاص أو باب خاص في كتاب الزكاة، أو في كتاب الجهاد، باسم "أحكام الأراضي"، فلكل أرض حكم شرعي خاص بحسب أن فتحها على أيدي المسلمين كان عنوة أو صلحاً، وأن أهلها اعتنقوا الإسلام طوعاً، أو بقوا على دينهم، وأنهم كانوا من أهل الكتاب، أو من غيرهم.

وهناك كتب الجغرافيا وأهمها "معجم البلدان" و"تقويم البلدان" لياقوت الحموي وكذلك جملة من كتب التاريخ. فإن بعض المؤرّخين كانوا في نفس الوقت رحّالين كاليعقوبي (م بعد ٢٩٢هـ) والمسعودي (م ٣٤٦هـ). والمسعوديّ - حسب ما ادعاه في كتابه "التنبيه والإشراف" هوأول من كشف أن البحر الأسود منفصل عن بحر الخزر حينما زار المنطقة، وفي خلايا مؤلفاته ولاسيما في "التنبيه والإشراف" قيّد بعض مشهوداته إلى جانب مروياته.

أما بعد، فهذه هي خيرات الرحلة وحسناتها في الإسلام نابعة ومنبعثة عن الكتاب والسنة. وفي كتب الحديث في مقدمة كتاب الحج توجد أبواب في آداب السفر، وهي دالة على شدة اهتمام الإسلام بالسفر والسير في الأرض.

إيران في رحلة ابن بطوطة

وأما الشق الثاني من البحث فقد كانت الغاية منه أولا "دراسة المذاهب الإسلامية عند ابن بطوطة" سيراً وراء مهمتنا في "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية" عسى أن يأخذ ابن بطوطة - بمالديه من الحريّة في الرأي، والبصيرة بالشعوب الإسلامية - بأيدينا وعسى أن يفتح أمامنا آفاقاً جديدة من السماح الديني، وحسن التفاهم بين أتباع المذاهب الإسلامية، الذين ابتعد بعضهم عن بعض، وجهل أو تجاهل وأنكر أو تناكر بعضهم بعضاً، فاستتبع الجهل نُكراً وعداء بينهم، رغم اشتراكهم في الأصول، وفي كثير من الفروع. هذا مع الاعتراف بوجود شيء من الانحراف ولاسيما عند العوام من كل فرقة إلا أن المعرفة الكاملة والصحيحة بالمذاهب تلزمنا الإغماض عن تلك الانحرافات، وأن لانسيء الظن ولا نحكم بالسوء بشأن المذاهب أنفسها.

هذا ما كنّا نتمنّاه من ابن بطوطة الجوّالة في أرض الاسلام شمالاً وجنوباً وشرقاً وغرباً في القرن الثامن الهجري.

ولكنا بعد السير والتطواف في الرحلة، خاب أملنا، حيث وجدنا ابن بطوطة رجلاً متمسكا بمذهبه، تقياً ورعاً صالحاً، وهذه كلها خصال حميدة، إلاّ إنه في اتّباعه المذهبي (مذهب اهل السنة) ممّن لا يرى الحقَّ إلاّ عنده حتى فيما يبتني من العقائد والآراء على الاجتهاد والرأي، فلم يفرق بين القطعيات والظنيات، وبين ما طريقه العلم والنص البيّن وما طريقه الظنّ والاجتهاد مما لا نصّ عليه، أو النصّ مختلف في سنده أو في دلالته.

ثم إنه لم يفرق بين ماثبت عند أهل البصيرة ولدى الخبراء من أهل كل مذهب، وبين ماشاع بين العوام منهم. ولهذا يبدو ابن بطوطة في رحلته كرجل متعصب لمذهبه، والذي يسيء الظن بالآخرين، ولاسيما بالشيعة والمعتزلة، فيعبّر دائما عن الشيعة بالروافض، وينسب إليهم أعمالا - لوصح صدورها عنهم ورآها هو بعينه - فهي أعمال صدرت من العوام، ومثلها توجد عند العوام في جميع المذاهب.

هذا مع أنه اعتمد دائما وفي كل مكان على ماكان يُحكى له من كرامات المتصوّفة، ونزل دائماً في زواياهم، وعاشرهم ليل نهار، ولجأ إلى شيوخهم في الحاجات، وحبّذ تقاليدهم، مع أن كثيراً منها لا أصل لها في الشريعة.

وكنت أحب لو أن ابن بطوطة بدل الاتصال بالزوايا وشيوخها، دخل المكتبات وعاشر العلماء من الفقهاء والمتكلّمين والمفسّرين من كل مذهب، واطلع على الصحيح من آرائهم واتصل خلال رحلته بأئمتهم، وبأهل البصيرة والخبراء منهم، ولم يعتمد على مارآه بعينه أو سمعه بأذنه مما شاع عند العامة، أو لا يكتفي بها دون فحص وتبيّن. وحبّذا لو كان ابن بطوطة كابن النديم، عالماً بالمذاهب وبكتبها، دائم الاتصال بالخبراء منهم، بل صديقاً لعلماء المذاهب، وقد تكلّم عنهم بحياد وسماحة واحترام تام. وحينئذ كان ابن بطوطة إضافة إلى جميع فضائله معدودا في رجال التقريب بين المذاهب، ومن الدعاة إلى الوحدة الإسلامية، ومن علماء الملل والنحل بالذّات حتى جاز الاعتماد عليه في ذلك.

والحق أن ابن بطوطة في جميع آرائه رجل العامة والشعب والبلاطات والزوايا فهو كاتب شعبي، وليس من الباحثين والدارسين المحقّقين. كتب ما رأى أو سمع، دون تحقيق ومطالعة.

كل ذلك دعاني للانصراف عن عنوان "المذاهب الإسلامية عند ابن بطوطة" في بحثي إلى ماهو أقرب إلينا وأليق بنا، وهو: "ابن بطوطة في إيران" أو - كما قلت - إيران في رحلة ابن بطوطة، فنقول: دخل ابن بطوطة خلال رحلته بلاد إيران - أو فارس أو العجم على حدّ تعبيره - أربع مرات كل مرة من ناحية، مع أنه لم يعبر هذه البلاد بأسرها مرة واحدة. وإليكم التوضيح والتفصيل.

إنه بعد أن حج حجته الأولى عن طريق الشام - كما سبق - زار العراق عن طريق الصحراء إلى الكوفة [١٩] فدخل مدينة النجف ووصفها وزار قبر الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، ثم رحل إلى مدينة واسط، فالبصرة، ثم الأبلّة فعبر بحر فارس - على حد تعبيره - إلى عبّادان، ومن عبادان ركب البحر إلى بلدة ماجول - وهي ميناء ماهشهر اليوم - ومنها رجع إلى الساحل فرحل براً إلى أرض اللور - وهي اليوم لرستان - وقال إنها كورة واسعة بين خوزستان وأصبهان، فعبر "رامز" - وهي "رامهرمز" اليوم كما استظهرنا - وغيرها من بلاد الأكراد حتى وصل مدينة "تُستُر" - وهي اليوم شُشتَر - وقال إنها آخر البسيط وأول الجبال - وقديما كانت تسمى تلك المنطقة إلى "الري" الجبال - ومن "تستر" رحل إلى "اشتركان" - وأعتقد أنها "توسركان" - ثم "فيروزان" ثم "نبلان" وأدام السير حتى وصل "أصبهان" أو إصفهان من عراق العجم - على حد تعبيره - ووصفها بأنها من كبريات المدن وحسانها، إلا أنها خَرُب أكثرها بسبب الفتنة التي وقعت بين أهل السنة والروافض - ونسي هنا ابن بطوطة أنها خربت بيد المغول في القرن السابع، أي قبل ابن بطوطة بسبعين سنة تقريبا - وقال: إنها متصلة بينهم حتى الآن فلا يزالون في قتا

ل.

ومن إصفهان سافر إلى شيراز [٢٠] لزيارة الشيخ مجد الدين الشيرازي، فعبر في طريقه بلدة"كَليل" ثم قرية "صَوما" ثم "يزد خاص" ثم صحراء "دشت الروم" ثم "مابين" حتى دخل شيراز. وقال: "إنه لم يكن له همّ إلاّ لقاء القاضي الامام قطب الأولياء، فريد الدهر، ذي الكرامات الظاهرة، مجدالدين اسماعيـل بن محمد بن خداداد" وقال: إنه قد تكرر منه لقاء هذا الشيخ مرة ثانية حين خروجه، إلى الهند. وهنا وصف سلطان العراق "محمد خدابنده" الذي تمذهب بمذهب الروافض - على حد تعبيره - على يد رجل منهم - وهوالعلامة الحلي صاحب التصانيف القيمة في الكلام والفلسفة والأصول والرجال والفقه، ولاسيما في الفقه المقارن وقلّ مثلها في كتب الفقه. ياليته التقى بهذا الرجل وقد توفي قبله عام ٧٢٨هـ بدل مجد الدين الشيرازي حتى يعتدل في رأيه، وفي حكمه بالنسبة إلى جماعة يعتبرون خمس المسلمين، ولهم حظّ وافر في الثقافة الإسلامية - ووصف سلطان البلد أبااسحاق وقال إنه طمح الى بناء إيوان كإيوان كِسرى وشرع فيه لكنه لم يوفّق لإكماله.

ثم خرج من شيراز إلى بغداد [٢١]، عابراً مدينة "كازرون" ثم مدينة "الزيدين" وقال: "إنها سميّت بذلك لأن فيها قبر "زيد بن ثابت" وقبر "زيد بن أرقم" الأنصاريين، صاحبي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، ثم رحل إلى الحويزاء - وهي اليوم "حويزة" وقد هدمت بيد جيش العراق، في الحرب العراقية - الإيرانية، ولم يبق منها الا الأطلال، وهي الآن على حالها فشيدت من قبل إدارة الروضة الرضوية المقدسة في جوارها "حويزة" جديدة رأيتها بعد البناء - وقال "انها مدينة صغيرة يسكنها العجم وبينها وبين "البصرة" مسيرة أربعة، وبين البصرة و"الكوفة" مسيرة خمسة - فعبر البصرة إلى الكوفة في بريّة لاماء فيها الا في موضع واحد، فدخل "الكوفة" ثم "الحلّة" ثم "كربلاء" مشهد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) وقال: "إنها مدينة صغيرة أهلها طائفتان، وبينهما قتال دائم على الرغم من أن كليهما من الإمامية يرجعون إلى أب واحد، ومن أجل فتنتهم قد خربت المدينة".

وسافر من كربلاء إلى "بغداد"، ووصفها وصفا رائعا، ثم رحل منها إلى تبريز، وكانت يوم ذاك عاصمة ملك خدابنده، فوصف تلك البلاد، ثم رجع إلى بغداد ثم إلى دياربكر ورجع ثالثة إلى بغداد قاصداً الحج مرة ثانية [٢٢]. فهذه هي المرة الثانية التي دخل ابن بطوطة ايران [٢٣]. من ناحية الشمال الغربي أي من بغداد إلى تبريز راجعا إلى بغداد. وفي المرة الأولى دخلها من ناحية الجنوب الغربي، ولم يتجاوز إصفهان وشيراز بل رجع منها إلى العراق، ودخلها مرة ثالثة من ناحية الجنوب إلى "هرمز" ورابعة من ناحية الشرق من آسيا الوسطى كما سنذكرها.

وبعد أداء الحج الثاني ركب البحر إلى السودان [٢٤] ثم عبر البحر الى بلاد اليمن [٢٥]. ثم ركب البحر - والمراد بالبحر في هذه الموارد البحر الأحمر - الى بلاد البربر و"مقديشو" - وهي اليوم "الصومال" - ثم رجع الى "ظفار" آخر بلاد اليمن (على ساحل بحر الهند) [٢٦]. ثم قصد مدينة "عمان" عابرا عدة جزر حتى دخل "عمان"، ومنها إلى بلاد "هرمز" على ساحل الخليج من ناحية فارس، وقال: "إنها مرسى الهند والسند ومنها تحمل سلع الهند الى العراقين وفارس وخراسان" ثم رحل إلى "جردن" جزيرة في البحر ثم سافر إلى بلاد التركمان، ومدينة "خنج بال" ومدينة قيس أي "سيراف" وقال: "إنها على ساحل بحر الهند، وعدادها في كوار فارس".

وهذه هي المرة الثالثة التي دخل ابن بطوطة إيران على الساحل من ناحية الجنوب.

ثم رحل من سيراف بحراً إلى البحرين [٢٧]، ومنها إلى جدة فأدى الحج مرة ثالثة، ثم طاف بلاد مصر، فالشام حتى وصل "اللاذقية" [٢٨] فركب البحر - أي البحر الابيض - قاصداً بلاد الروم، ووصفها أحسن توصيف، وقال: "جميع أهل هذه البلاد على مذهب الإمام أبي حنيفة (رضي الله عنه)، مقيمين على السنّة، لا قدريّ فيهم، ولا رافضي، ولا معتزلي، ولا خارجي، ولا مبتدع، وتلك فضيلة خصهم الله بها، إلا أنهم يأكلون الحشيش ولا يعيبون ذلك". ثم عبر مدينة "العلاية" وقال إنها أول بلاد الروم" ومنها "انطالية" - وهي "انطاكية" على ما أعتقد - فعبر البلاد بلدة بعد أخرى إلى "قونية"، ومنها بعد مروره على عدة مدن دخل "أرض الروم" ثم ذكر بلاداً اخرى من بلاد آسيا الوسطى، وأوزبك، والأتراك إلى أن دخل "القسطنطينية" فوصفها ووصف كنيسة "أيا سوفيا" ثم خرج منها إلى "خوارزم" [٢٩] ومنها الى "سمرقند" ومنها الى "هراة" وكانا يوم ذاك من بلاد العجم.

وهذه هي المرة الرابعة التي دخل ابن بطوطة إيران [٣٠] لكنها كانت من "ناحية" الشرق، فدخل "هراة" ووصفها وصفا رائعا، ثم خرج منها إلى "الجام" - وهي اليوم تربت جام - فطوس فسرخس فنيشابور فبسطام، وهي كلها من بلاد خراسان، فطاف هذه البلاد ووصفها إلى أن خرج إلى بلاد تسمى اليوم "أفغانستان" إلى أن وصل "كابل" قاصداً إلى الهند (٣١).

وأختم بحثي بما قاله ابن بطوطة في وصف بلدنا مشهد الرضا (عليه السلام) فقال (٣٢) "ثم سافرنا من الجام إلى مدينة طوس، وهي أكبر بلاد خراسان وأعظمها، بلد الإمام الشهير بأبي حامد الغزالي (رضي الله عنه)، وبها قبره، ورحلنا منها إلى مدينة مشهد الرضا، وهو علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق، بن محمد الباقر، بن علي زين العابدين، بن الحسين الشهيد، ابن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، وهي مدينة كبيرة ضخمة كثيرة الفواكه والمياه والأرحاء (جمع رحى) الطاحنة، وكان بها الطاهر محمد شاه - والطاهر عندهم بمعنى النقيب عند أهل مصر، والشام، والعراق. وأهل الهند والسند وتركستان يقولون: "السيد الأجل".

وكان أيضا بهذا البلد القاضي الشريف جلال الدين… إلى أن قال: "والمشهد المكرم" عليه قبة عظيمة في داخل زاوية - والناس اليوم يسمونه الحرم الشريف، والآستانة المقدسة - تجاورها مدرسة ومسجد (وهو مسجد كوهرشاد عندنا) - وجميعها مليح البناء، مصنوع الحيطان بالقاشاني، وعلى القبر دُكّانة خشب - أي صندوق - ملبسة بصفائح الفضة، وعليه قناديل فضة معلّقة، وعتبة باب القبة فضّة، وعلى بابها ستر حرير مذهب، وهي مبسوطة بأنواع البسط. وإزاء هذا القبر قبر هارون الرشيد أمير المؤمنين (رضي الله عنه)، وعليه دُكّانة يضعون عليه "الشمعدانات" التي يعرفها أهل المغرب بـ "الحسك والمنائر" وإذا دخل الرافضي للزيارة ضرب قبر الرشيد برجله وسلّم على الرضا" - وإني لا أعتقد صدوره لو صحّ إلا من بعض العوام.

والشيء الجديد في كلام ابن بطوطة أنه كان هناك يوم ذاك ضريحان أما الآن ومنذ قرون فليس فيها إلا ضريح واحد للامام الرضا على يسار الداخل من قبل الباب، وكان قبر هارون في وسط البقعة بناها ابنه مأمون على قبره، ثم دفن فيه بعد زمان الإمام فوق رأسه قريبا من الجدار، ثم محي أثر قبر هارون.

وفي الختام أقترح اقتراحا تفكها بإزاء ما تحملتم من المشقة لاستماع خطابي الممل، وهو أن ابن بطوطة كما يبدو من ثنايا كتابه كان يتزوج في كثير من البلاد التي مرّ بها، وطبيعي أن رُزق أولاداً في تلك البلاد وتناسلوا، إني أقترح عليّ وعلى هذا البلد (طنجة) أن يرسل بعثات الى تلك البلاد التي تزوج بها ابن بطوطة، حتى يجمعوا أولاده من جنسيات شتى الى طنجة، ويبنوالهم مدينة باسم جدّهم مدينة "ابن بطوطة"، لتكون هي التذكار الثالثة له الى جانب "مطار ابن بطوطة" و"سفينة ابن بطوطة" (٣٣)

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

* كلمة ألقيت في مؤتمر ابن بطوطة بمدينة طنجة بالمغرب.

١ - النساء / ٩٧.

٢ - آل عمران / ١٣٧.

٣ - الروم / ٤٢.

٤ - المزمل / ٢٠.

٥ - التوبة / ١٢٢.

٦ - الدخان / ٢٥ - ٢٦.

٧ - جاء في الهامش: أي آسيا وإفريقيا وأروبا، وهي التي كانت تشكل العالم القديم. وقال الدكتور التاذي في محاضرته في مؤتمر ابن بطوطة: جاء في بعض النسخ: تارات بدل قارات.

٨ - حديث معروف عندنا على الألسنة لم أقف على مصدره.

٩ - دار الكتب العلمية بيروت.

١٠ - ط دار إحياء السنة النبوية وفيه "باب فضيلة الرحالين في طلب الحديث": ٥٨. وايضا ط دار الكتب العلمية، بيروت: ٩٢.

١١ - رحلة ابن بطوطة ط دار الكتب العلمية، بيروت / ٨.

١٢ - الرحلة / ١٢٥ - ١٢٦.

١٣ - رحلة ابن جبير ط دار الهلال بيروت ٥.

١٤ - رحلة ابن جبير ٤١.

١٥ - ايضا / ٤٤.

١٦ - ايضا - ٤٥.

١٧ - رحلة ابن بطوطة: ٧١ فما بعدها.

١٨ - لاحظ رحلة ابن بطوطة / ٧٥ - ١٣٥.

١٩ - الرحلة / ١٨٦.

٢٠ - ايضا / ٢١٨ - ٢٢٨.

٢١ - الرحلة / ٢٢٩ - ٢٣٣.

٢٢ - ٢٥٧.

٢٣ - ٢٤٦.

٢٤ - ٢٦١.

٢٥ - ٢٦٣.

٢٦ - ٢٧٠ - ٢٩٠.

٢٧ - الرحلة ٢٩١ - ٢٩٥.

٢٨ - ٢٩٩ - ٣٣٢.

٢٩ - ٣٣٥ - ٣٩٢.

٣٠ - ٣٩٣.

٣١ - ٤٠٤.

٣٢ - ٤٠٠.

٣٣ - المطار الذي نزل فيه ضيوف المؤتمر بطنجة سموه "مطار ابن بطوطة"، والسفينة التي ركبوها سميت "سفينة ابن بطوطة".



[ Web design by Abadis ]