ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 عيسى الطيب طيبي \ التواصل الحضاري

عرفت الإنسانية على امتداد مسيرتها الطويلة انماطاً من الثقافات منها ما جاء في فترات متعاقبة، ومنها ماكان معاصرا لبعضها البعض، ومنها ما تآلف مع غيره أو تنافر معه، وظلت دورة التعاقب الحضاري تطوي الحضارات وتتفاعل مع ثمار التمدن البشري إلى أن جاء الاسلام فأقام كياناً مدنيا جديدا قوامه العلم والمعرفة فنسخ الكيانات السابقة وحارب خرافات الجهالة والتيه السائد في أفق العالم، وانبعثت الحضارة الجديدة بخصائص اجتماعية وثقافية وسياسية فريدة، ونظّر فكراً تنويرياً استطاع أن يصوغ دستورا واضحا لمسيرة المجتمع الإنساني. وهكذا دأبت منهجية العمل المتبع في صيرورة الثقافة الإسلامية إلى تجميع الرؤى والتصورات التأسيسية لميلاد المجتمع الإسلامي المتناسق والمتناغم مع منظومة الطرح العقدي الجديد، وأصبح للعقل البشري وعاء عقائدي يحدد مساره ويوائم بين معطيات المادةوالروح. وبالرغم من هذه الحقيقة الساطعة في جبين الإنسانية إلا أن بعض المستشرقين يشككون في طبيعة تعامل الإسلام مع ميراث الحضارات السابقة والمعاصرة له! ويزعمون بأنه - أي الإسلام - سعي إلى إقصاء بقية الشعوب والحضارات، إلا أن الحقيقة ليست كما يدعي هؤلاء.

تقديم صورة - ولو كانت تقريبية - عن تعامل علماء الإسلام الأوائل "مؤسسي المدارس العلمية في عهدها الأول" مع التراث العلمي "اليوناني والفارسي" المنتشر آنذاك قدمت التصور الكامل لسمو التعامل والتواصل مع الحضارات الاخرى، وذلك يقتضي إجراء مسح شامل لجميع المواقع الثقافية والمواقف التاريخية للحضارة الإسلامية، ولكن نستطيع القول: إن علماء الإسلام الأوائل كانوا ينشدون الحكمة والمعرفة في أي مكان، فأقبلوا على حركة المعرفة المتداولة على الساحة الإنسانية بروح الرغبة في نشدان الحق، وتقبل رفد الحضارات والثقافات الأخرى والإفادة منها، وهذا ما سار عليه عدد من أئمة العلم والحكمة والنظر، ومنهم على سبيل المثال "يعقوب بن اسحاق الكندي ٢٥٢هـ" الذي يقول منوها بضرورة التعاطي مع معارف الشعوب غير المسلمة ما يلي: "ينبغي الا نستحي من استحسان الحق واقتفاء الحق من أين أتى من الأجناس القاصية عنا والأمم المتباينة معنا، فإنه لا شيء أولى بطالب الحق من الحق"، فلم يشعر بناة صرح الحضارة الإسلامية بعقدة "نقص" عندما استثمروا ثمار الفكر الإنساني للحضارات المجاورة لهم أو السابقة، بل كانوا السباقين "للتبادل" المعرفي، وكان لهم من الملكة والقوة النفسية والعق

دية ما استطاعوا به "احتواء منظومات الفكر اليوناني والفارسي" الذي كان يئن من وطأة "التردد والتيه" لفساد المصادر الدينية وانحراف علاقة الإنسان بخالق الكون.

وتشير بعض مصادر تاريخ العلوم إلى أن الطبيب السرياني "ماسرجويه" نقل إلى العربية كتاباً في الطب من تأليف "أهدن بن أعين القس". من أهل الاسكندرية - وقد أنجزت هذه الترجمة في زمان مبكر من تاريخ الحضارة الإسلامية على عهد الخليفة مروان بن الحكم في النصف الثاني من القرن الأول الهجري، وخرج الكتاب المترجم إلى الوجود في زمان الخليفة عمر بن عبد العزيز "٩٩ - ١٠١هـ" وتتالت عملية الأخذ والعطاء للحضارة الإسلامية ونشأت ثقافة قوية تخترق الفلسفات والكيانات العلمية المتواجدة في ذلك الوقت… متجذرة في سياق غير مرئي ترعاها عقيدة واضحة المعالم وتتلمس خطاها في نطاق بشري يجسد قيمة إنسانية محضة.

والمصدرية الإلهية تحدد إطار الحركة الإنسانية ولا تلغيها، وتعترف بدور العقل في التفسير والتجديد ولا تتجاهل أثره في الإغناء والإثراء والعطاء، وهذا ما أكده ابن رشد في "فصل المقال" قائلاً: "إن ألفينا لمن تقدم من الأمم السالفة نظرا في الذي قالوه من ذلك وما أثبتوه في كتبهم، فما كان موافقاً للحق قبلناه وسررنا به شكرناهم عليه، وما كان منهاغير موافق للحق نبهنا عليه وحذرنا منه وعذرناهم" فكان هذا دأب علماء الاسلام في التواصل أخذا وعطاء مع مشارب الفكر اليوناني وغيره، ولم يلغ الإسلام في تاريخه الطويل أية عملية "تواصل" مع الآخرين الذين يختلفون معه في صلب العقيدة، بل كان سباقا الى تكوين "حلقة وصل" بين المجموعات البشرية انطلاقا من معرفة "غاية" الإنسان في الكون وضرورة توظيف "العقل" الذي يمثل "أداة راقية للتفاهم" بين الكيانات البشرية، ونقرأ في بعض كتب الحكيم أحمد بن محمد مسكويه "٤٢١هـ" ما معناه "إن العقول في جميع الأمم واحدة في جوهرها، فهي لا تختلف بعضها عن بعض باختلاف البلدان، ولا تتغير بتغير الزمان ولا تشيخ ولا يصيبها الوهن".

وسعت مضامين "الثقافة الإسلامية" إلى تنظيم الحياة الإنسانية وفق منهج علمي واضح يوازن بين طموحات الفرد وتطلعات المجتمع، ويوائم بين "المتغيرات" في عالم الاقتصاد والاجتماع على أساس العدل وإحقاق الحق، فكان نتاج الحضارة الإسلامية خلاصة للتجارب الإنسانية وعصارة فكرها الذي كانت تنشده منذ غياهب الزمن… يانعا، باهراً، في حين كانت الثقافات الأخرى تقف عرجاء تساهم في "تقنين" الظلم الاجتماعي والاقتصادي والاستبداد السياسي فضلاً عن حالة الخواء الروحي وغياب الوازع الداخلي مما يفتح أفقه "الشرة" والاعتداء على مصراعيه.

ويشير إلى هذا المفكر الإسلامي "رجاء جارودي" في كتابه "الإسلام وأزمة الغرب" ص ١٥ "فالاقتصاد يسيطر عليه النمو الذي لا يعدو معناه الرغبة الجنونية في زيادة وسرعة الإنتاج، إنتاج أي شيء نافع، غير نافع، ضار، مميت، لايهم، والسياسة تحكمها علاقات اجتماعية داخلية وخارجية، يسودها العنف المعبر عن صدام المصالح والنزوع إلى السيطرة بين الأفراد والطبقات والأمم، والثقافة عارية عن المعنى والغاية، فالتقنية للتقنية والعلم للعلم، والفن للفن، والحياة للاشيء. والعقيدة خاوية عن التعالي الذي يمثل البعد الإنساني للإنسان". بينما نرى في الجهة الأخرى حيث الثقافة الإسلامية تخطو خطوات جريئة وعظيمة في التمدن الإنساني استوعبت مختلف المضامين الفكرية التي أفرزتها المنظومة البشرية، فلم تكن الثقافة الإسلامية ثقافة عرقية أو عنصرية ولا ثقافة أمة متميزة بانتماء نسبي أو لغوي، وانما هي عقيدة واضحة جلية رسم الوحي معالمها وحدد اتجاهها… ولم تكن حضارة أمة غازية متطلعة إلى السيطرة، ولو كانت كذلك ما انتقلت عواصم الثقافة الإسلامية من المدينة ومكة إلى دمشق وبغداد والقاهرة وبجاية وفاس وبلاد الاندلس وبلاد فارس والهند. فكانت بحق ثقافة تواصل حضاري شعاره التكامل و

التلاقي على حد أدنى من "قيم التعارف الإنساني"، واستقطبت الثقافة الإسلامية الكثير من المآثر والأطروحات العلمية التي شهدتها ساحة الحضارات، ويشير إلى هذا المعنى الاستاذ "محمد النبهان" قائلاً: "ونسيت الشعوب التي دخلها الاسلام تاريخها وحضارتها وثقافتها واستجابت للثقافة الإسلامية المتميزة بخصائصها الدينية والعقائدية والفكرية والسلوكية" وأشار "غوستاف لوبون" في كتابه "حضارة العرب" إلى أن مصر التي كان يلوح لنا أنها أصعب أقطار العالم إذعاناً للمؤثرات الأجنبية نسيت في أقل من قرن واحد على دخول الإسلام إليها ماضي حضارتها الذي دام سبعة قرون معتنقة دينا جديدا ولغة جديدة وفنا جديدا.

وأضفت الثقافة الإسلامية صبغة جديدة على مسيرة الفكر الإنساني وأذابت الفوارق الوهمية بين الكيانات الإنسانية، وكرست الصفة التكاملية بين مختلف الثقافات، وبسبب هذا التكوين المتميز أضحت الثقافة الإسلامية أقدر منظومة فكرية استوعبت مدنية المجتمعات السابقة واستثمرت "ثمرات الفكر الإنساني" دون تهميش أو إلغاء لهوية الآخرين، ويشهد التاريخ الإنساني أن "أبا علي الحسن بن عثمان الهجويري الغزنوي"الذي عاش في القرن الخامس الهجري ألف بغير اللغة العربية كتاباً فريداً في تاريخ التصوف ومبادئه ورجاله بالفارسية وهو كتاب "كشف المحجوب" الذي لم يترجم إلى اللغة العربية إلا منذ سنين قليلة، وهذا الكتاب يعد من المراجع الأساسية في بابه، وتقر حركة البحث العلمي المعاصر في تاريخ العلوم أن المهندس المعماري التركي "محمد سنان ١٤٨٩ - ١٥٨٨م" الذي عاصر أشهر فناني النهضة الأوروبية أمثال "مايكل أنجلو" و"بلاديو" و"فنيولي" خلف أروع الآثار المعمارية في وطنه تركيا، ومنها جامع السليمانية وعددا من المساجد والمدارس والمستشفيات والفنادق والقناطر وقنوات المياه وكلها معالم لاتزال قائمة تشهد بعبقرية الرجل وذوقه الفني في الخط العربي والوصول به إلى ذروة الفن الرفيع

وحسن إدماجه في نسق المعمار والبناء مما جعل المختصين الأوروبيين يعدون المهندس محمد سنان من أعلام النهضة الحديثة وبناتها. والفلكي والرياضي نصير الدين الطوسي "٦٧٢هـ" وحجة الإسلام أبو حامد الغزالي "٥٠٥هـ" الذي كتب باللغة الفارسية عدداً من الرسائل المهمة لم تترجم إلى اللغة العربية إلا منذ وقت قريب.

وخلاصة كلمتنا أن الإسلام أسس ثقافة "تواصل حضاري" وأرسى مبادئها تحت سقف "التعارف الإنساني" وجسد هذا داخل كينونة الثقافة الإسلامية ذاتها، ولا جدال في أن هذا التنوع اللغوي والثقافي المدرار لمما يجب عده من مفاخر الإسلام الذي ينكر التفاضل القائم على التعصب القومي وينحو منحى استراتيجيا يستوعب آفاق الكون.

مفتي مصر في رده على شطحات د. مصطفى محمود:

الشفاعة حقيقة قرآنية ثابتة [٣]

شطحات الدكتور مصطفى محمود حول شفاعة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لأمته لا تزال تثير جدلا بين علماء الاسلام في مصر حيث توالت الردود على الدكتور مصطفى محمود والتي تؤكد أن الشفاعة حقيقة قرآنية.

وقد أصدر الدكتور نصر فريد واصل مفتي الديار المصرية بيانا أكد فيه هذه الحقيقة، ودعم بيانه بآيات القرآن الكريم. يقول: د. نصر فريد واصل مفتي مصر طالعتنا الصحف المصرية يومي السبت ٢٤ / ٤ و ١ / ٥ / ١٩٩٩ بمقالين للدكتور مصطفى محمود حول أحاديث الشفاعة الواردة عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) مؤكدا أن هذه الاحاديث تتناقض مع القرآن الكريم وذكر عددا من الآيات القرآنية مقررا أن القرآن الكريم ينفي إمكانية خروج من يدخل النار. وذكر أن هذه الثوابت القرآنية تتناقض تماما مع مرويات الاحاديث النبوية في كتب السيرة عن إخراجه (صلى الله عليه وآله) من يشاء من أمته من النار مما يؤكد أن هذه الاحاديث موضوعة ولا أساس لها من الصحة ولا يمكن أن تكون قد صدرت عن النبي (صلى الله عليه وآله) الى آخر ما جاء بالمقالين.

هذا وقد اطلعنا على ما كتب بالصحف حول المقالين من ردود خلال تلك الفترة. ثم ما كتبه الدكتور مصطفى محمود يوم السبت ١٥ / ٥ / ١٩٩٩ بعنوان "الردود الغاضبة والعاتبة" ونود أن نشير في هذا المقام الى الامور التالية:

أولا: الدكتور مصطفى محمود رجل علم وفضل ومشهود له بالفصاحة والفهم وسعة الاطلاع والغيرة على الاسلام فما أكثر المواقف التي أشهر قلمه فيها للدفاع عن الاسلام والمسلمين والذود عن حياض الدين وكم عمل على تنقية الشريعة الاسلامية من الشوائب التي علقت بها وشهدت له المحافل التي صال فيها وجال دفاعا عن الدين.

ثانيا: أنه لا خلاف حول موضوع الشفاعة فهي حق اللّه كما جاء في قوله تعالى: (قل للّه الشفاعة جميعا) (الزمر / ٤٤). غير أن الله تعالى يعلم أزلا أن صاحب الذنب سيرجع عن ذنبه ويتوب الى الله توبة نصوحا ويعمل صالحا في دنياه، فهذا هو الذي يأذن اللّه لرسوله ولملائكة أن يشفعوا له ويطلبوا له من اللّه العفو والمغفرة. لقوله تعالى (الا من تاب وآمن وعمل عملا صالحا فأولئك يبدل اللّه سيئاتهم حسنات وكان اللّه غفورا رحيما) (الفرقان / ٧٠). أما من مات مصرا على ذنوبه ولم يرجع الى ربه وظل على عناده مع الاعتراف للّه بالوحدانية وشهادته لمحمد (صلى الله عليه وآله) بالرسالة فأمره الى ربه إن شاء عاقبه وإن شاء عفا عنه وقد يكون من العفو عنه الاذن من اللّه بالشفاعة له لقوله تعالى: (من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه) (البقرة / ٢٥٥)، وهنا تكون الشفاعة بمعنى طلب العفو من الله لمن تاب وأناب وأخلص في التوبة وعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويستر العيوب فهو غفار لمن تاب وأقرب لمن اليه أناب.

واذا كانت هناك شبهة تعلق بالذهن من فهم بعض آيات القرآن الكريم النافية للشفاعة فإن هذه الشبهة سرعان ما تتلاشى أمام بعض الآيات الأخرى التي تثبت الشفاعة. والقرآن يفصل بعضه بعضا إذ لا تعارض بين آيات القرآن الكريم، ولكن الفهم لبعض الآيات القرآآنية قد يقصر عند البعض وبالتأمل الدقيق نجد القرآن كله في مجمله يوصل الى غاية واحدة لا يختلف عليها اثنان وهي تقوى اللّه عزّوجل والعمل ليوم الحساب والوقوف أمام اللّه في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى اللّه بقلب سليم. ولذا فان الآيات التي وردت في صدر مقالات الكاتب الكبير النافية للشفاعة وردت جميعها في شأن كفار مكة وهؤلاء مخلدون في النار. (وما هم بخارجين منها ولهم عذاب مقيم) ولم يقل أحد بأن لهم شفاعة….

هذا ومع الأخذ في الاعتبار أن لرسول اللّه (صلى الله عليه وآله) المقام المحمود عند رب العالمين والمقام المحمود لا يعلمه أحد الا اللّه ولا يستطيع أحد أن يحدد المقام المحمود فقد يكون من المقام المحمود شفاعته (صلى الله عليه وآله) لأمته بالطريقة التي يرتضيها رب العزة وترضي رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ويختارها رب العالمين لنبيه إكراما له في يوم الحساب وليس هناك ما يمنع من ذلك مادام القرآن الكريم قد أطلق المقام المحمود دون قيد ولا شرط وهو من الثوابت التي لاشك فيها وهو أيضا من خصوصيات الرسول (صلى الله عليه وآله) دليله الاشارة الموجزة البليغة الصادرة عن رسول اللّه صلوات ربي وسلامه عليه حينما قال لأصحابه ولأمته من بعده وهو الذي لا ينطق عن الهوى "… لستم مثلي إنما أبيت يطعمني ربي ويسقيني" رواه الترمذي. كما أنه (صلى الله عليه وآله) حظى بما لم يحظ به غيره في المقابلة الالهية في الاسراء والمعراج وأفاض الله عليه من التجليات الإلهية مالا يمكن للعقل البشري تحديدهامماعبر عنه الرسول (صلى الله عليه وآله) في أحاديثه الصحيحة المقطوع بصحتها والمجمع عليها والمنقولة إلينا بطريق التواتر الذي يستحيل معه التواطؤ على الكذب.

ثالثا: هناك آيات في القرآن الكريم تدل على أن هناك شفاعة مثل قوله تعالى في سورة الجن (عالم الغيب فلا يظهر على غيبه أحدا إلا من ارتضى من رسول فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا).

فالآية وإن كانت تتحدث عن الغيب مبينة أن الغيب للّه وحده الا أنه قد يطلع بعض خلقه على مالم يطلع غيره عليه معجزة له ودلالة على صدق نبوته كما قال على لسان نبي اللّه عيسى (عليه السلام) (وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم) (آل عمران / ٤٩). وقوله تعالى في سورة مريم (يوم نحشر المتقين الى الرحمن وفدا. ونسوق المجرمين الى جهنم وردا. لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدا) (الآيات ٨٥ - ٨٧) والمعنى والله أعلم بمراده نسوق المجرمين الى جهنم عطاشا حالة كونهم لا يملكون الشفاعة لغيرهم ولا يستحقون أن يشفع لهم غيرهم لكن من اتخذ عند الرحمن عهدا وهم المؤمنون الصادقون فانهم يملكونها ويكون الضمير في يملكون عائدا الى المجرمين أو يكون المعنى لا يملك أحد من فريقي المتقين والمجرمين الشفاعة ولا يملك أحد الشفاعة لهم الا من اتخذ منهم عهدا عند الرحمن وهم المؤمنون فإنهم يملكونها بتمليك الله تعالى لهم ويكون الضمير في يملكون عائدا الى الفريقين.

وقوله تعالى في سورة الانبياء: (وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون) الى قوله تعالى: (ولا يشفعون الا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون) (الانبياء / ٢٨). هذا في شأن الملائكة ومعناه والله أعلم لا شفاعة الا من رضي اللّه له أن يشفع والملائكة أهل شهادة أن لا اله الا الله ولهم شفاعة في الدنيا وشفاعة في الآخرة فشفاعتهم في الدنيا الاستغفار للمؤمنين أخذا من قوله تعالى: (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا) (غافر / ٧)، وشفاعتهم في الآخرة طلب العفو من اللّه للمؤمنين. واذا كانت الشفاعة جميعها للّه وحده عزوجل فما الذي يمنع صاحب الحق من إعطائه لمن يشاء؟ من الذي يمكنه أن يقيد القدرة الالهية في منح ما شاء الله لمن يشاء من عباده دون قيود ولا حدود. وليس هناك أفضل من رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولا أولى منه باعطائه حق الشفاعة لقربه من اللّه وعلمه بما لا يعلمه غيره واختياره ليكون مبلغا رسالة اللّه الى الناس.

رابعا: إذا كانت المسألة كلها غيب الغيب - كما ذكر الكاتب الكبير - وكان هناك سند من القرآن في وجود الشفاعة وأنها ستكون لمن ارتضاه اللّه ولمن له عهد عند اللّه وقام إجماع المسلمين من لدن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) الى يومنا هذا على حصول الشفاعة له واستند هذا الاجماع الى أدلة قطعية الدلالة على ثبوت الشفاعة فليس من الحكمة في شيء أن نغلق الباب ونوصد باب الرجاء والامل في سعة فضل اللّه وكرمه أمام طالبي العفو والمغفرة ومن يطلب العفو والمغفرة للناس، واللّه تعالى يقول: (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقطنوا من رحمة اللّه إن اللّه يغفر الذنوب جميعا إنه هو الغفور الرحيم) (الزمر / ٥٣).

ولقد وضح القرآن الكريم أن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) سيكون الملاذ للناس يوم الهول الاعظم وذلك لقوله تعالى: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا اللّه واستغفر لهم الرسول لوجدوا اللّه توابا رحيما) (النساء / ٦٤).

وقد وضح رسول اللّه ذلك بقوله "حياتي خير لكم ومماتي خير لكم تعرض عليَّ أعمالكم فإن وجدت خيرا حمدت اللّه وإن وجدت غير ذلك استغفرت اللّه لكم" رواه مسلم، فما أحوجنا الى شفاعة رسول اللّه يوم الزحام وما من شك في أن السنة النبوية المطهرة هي المذكرة التفسيرية للقرآن والموضحة لما أجمله والمخصصة لما عممه وهي التي عناها ربنا سبحانه في قوله: (وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا) (الحشر / ٧)، ولذا قال (صلى الله عليه وآله) "الا إني أوتيت القرآن ومثله معه" رواه ابو داود.

والذي تجدر الاشارة اليه ان الاستاذ الدكتور مصطفى محمود عالم كبير ومفكر عظيم مشهود له بسعة الافق وكثرة الاطلاع والمعرفة ولا ينكر علمه وفضله الا جاحد. وهو غيور على دينه ومدافع عن إسلامه بما آتاه اللّه من ذكاء وفطنة. ونسأل اللّه أن يجزيه خير الجزاء على جهاده من أجل الاسلام والمسلمين ونود أن نقول له: "إن الردود الغاضبة والعاتبة" ليس مبعثها الاثارة والغضب والفرقة والانقسام ومنح الفرصة الذهبية لمن يريد أن يشتت كلمة المسلمين ويظهرهم بمظهر المختلفين المتنازعين ولكن الغرض من الردود والاقوال هو التدقيق والتمحيص لإزالة ما قد يكون فهمه البعض على غير المقصود والمراد شرعا أو إزالة غموض وقصور في الفهم، وعهدنا بالدكتور مصطفى محمود أنه رجل علم وإيمان وقد أعجبنا بهذه المقولة العظيمة الواردة في مقاله الاخير حينما قال: "إني لا أرى مكانا لاختلاف ولا موضعا لاشتباك وإنما كل منا يعمل بإيمانه وكل فريق يعمل على شاكلته فالموضوع لا يصلح فيه الجدل لانه غيبي يتناول الآخرة، والآخرة للّه وحده يفعل فيها ما يريد فهي شأنه. وما كتبت إلا اجتهادا ولا أدعى العصمة واللّه وحده أعلم بالصواب".

وتكمن عظمة الدكتور مصطفى محمود في اعترافه بأن أفضل الردود هو ردالدكتور عبدالعظيم المطعنى الاستاذ بجامعة الازهر هذا الرد الذي أزال شبهته وأوجد له مخرجا مأمونا من هذه القضية الشائكة وأكد له أن الشفاعة حقيقة قرآنية ثابتة لا شك فيها ولكنها مشروطة وليست مطلقة بدون ضوابط وهذا يؤكد ما سبق أن ذكرناه من أنه لا خلاف بين العلماء وأن المسألة كلها لا تعدو أن تكون اختلاف فهم ونظر لا خلاف ايمان وعقيدة. فالعلم رحمة بين أهله كما يقولون ونحمد اللّه على أن وجد من بين العلماء من ارتاحت نفس الكاتب الكبير الى فهمه.

ودار الافتاء المصرية وقد درست مقالات الدكتور مصطفى محمود والردود عليها، وما جاء بمقاله الاخير تشكر اللّه عزوجل على توفيقه الجميع للدفاع عن الاسلام والعمل على حماية تراثنا الاسلامي من أن تناله يد العابثين سائلين المولى سبحانه أن يعصمنا جميعا من الزلل ويبعد عنا الفتن ما ظهر منها وما بطن ويجعلنا أمة واحدة لتكون خير أمة أخرجت للناس تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر وتؤمن باللّه ويومها يكون المسلمون أمة واحدة وصفا واحدا وليعلم الجميع أن الاسلام دين السلم والسلام والأمن والأمان.

وأن الاسلام هو الحصن والملاذ لكل من جار عليه من ظالم أو بغى عليه باغ أو اغتصب أرضه مغتصب. ولسنا في حاجة الى القول بأن المسلمين في كل مكان محتاجون الى وحدة الكلمة وجمع الشمل للوقوف في وجه الظالمين أمثال الصرب الباغين واليهود المتعنتين لنعيد لمسلمي كوسوفا والبانيا وفلسطين وكل المسلمين المظلومين في كل بلاد الدنيا نعيد اليهم كرامتهم وعزتهم وأمنهم وأمانهم منفذين أمر اللّه تعالى في قوله: (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا) (آل عمران / ١٠)، (ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر اللّه ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم) والله ولي التوفيق وهو حسبنا ونعم الوكيل.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - عن مجلة الضياء الصادرة عن دائرة الاوقاف والشؤون الدينية - دبي - عدد صفر - ربيع الاول ١٤٢٠هـ.

٢ - مدير تحرير مجلة الضياء.

٣ - عن صحيفة الشرق في عددها الصادر الاحد ١٥ صفر ١٤٢٠هـ الموافق ٣٠ مايو ١٩٩٩م.



[ Web design by Abadis ]