ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقترحات حول الاعلام الاسلامي \ الدكتور خالد مذكور

دراسة في سبل ايجاد نظام قوي للاعلام الاسلامي عن طريق الاستفادة من التقنية المتقدمة للاتصالات ومواجهة الاعلام السلبي المضاد، واقتراحات على العالم الاسلامي لتوحيد جهوده في سبيل الحفاظ على الهوية ومواجهة الغزو الثقافي في الفضائيات.

إيجاد نظام قوي للإعلام الإسلامي

الاعلام اليوم هو عصب الحياة وهو وجه من أوجه الحضارة فهو الوجه المعبر عن العقيدة الدينية والمذاهب السياسية والاتجاهات الفكرية والظروف الاجتماعية والنظم الاقتصادية فهو يتأثر بهذه العوامل مجتمعة كما يؤثر فيها أيضا.

فالإعلام يعبر عن النظام العام في الأمة ومما لاشك فيه أن التطورات العقدية والقيم والمبادئ المنبثقة عنها تمثل لحمة الإعلام وسداه.

فالإعلام وإن اختلف باختلاف الزمان أو المكان ونظم الحكم وظروف كل مجتمع من المجتمعات لا يستطيع أي مجتمع إنساني أن يحيا بدونه، فلا يوجد عصر من العصور خلا من الإعلام فالإعلام ظاهرة اجتماعية شقت طريقها إلى كل البيئات وكل العصور منذ كان الإنسان يحيا حياة بدائية حتى العصر الحديث.

ومن الطبيعي أن يتأثر الإعلام والعمل الإعلامي بحقائق المجتمعات التي يعمل بها ويعكس ظروفها وواقعها، الأمر الذي أدى إلى تعدد أهدافه ونظمه في كل مجتمع من هذه المجتمعات، فلا نستطيع أن نفصل الإعلام عن الواقع الاعتقادي والاجتماعي والسياسي السائد في مجتمع ما.

فالنظام الإعلامي في أي مجتمع ما هو إلا وليد البيئة، وهو وليد النظام السياسي القائم فيه، يعكس ظروفه السياسية والاقتصادية والاجتماعية.

وعلى الرغم من أن الإعلام بأجهزته ووسائله ونظرياته وتقنياته الحديثة لم يكن معروفا وقت نزول الوحي على نبينا محمد (صلى الله عليه وآله) إلا أنه وبتطبيق المقاييس العملية الحديثة الحالية على الدور الملقى على عاتق الدعوة الإسلامية يمكننا القول: إن الإعلام كان ولايزال أداة هذا الدين ودعامته الرئيسية في كل المجتمعات.

فالدين الإسلامي دين دعوة، والدعوة عمل إعلامي بكل ما تحمل هذه العبارة من معنى، فالدعوة عمل إعلامي يخاطب العقل ويستند إلى المنطق والبرهان ويعمل على الكشف عن الحقيقة.

وقد ميز اللّه جلت قدرته أمة الإسلام على سائر الأمم الأخرى بالمهمة الإعلامية والحث على الدعوة إليه عز وجل والتذكير والعظة والإنذار بسوء العاقبة لمن يقعد عن القيام بهذا الواجب الذي من أجله بعث اللّه الرسل مبشرين ومنذرين، فلا يكون للناس على اللّه حجة بعد الرسل قال تعالى: (كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر) (آل عمران / ١١٠).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لن يتأتى إلا عندما يقوم كل مسلم بأداء المهمة الإعلامية التي كلفه بها ربه، والتي تتمثل في الدعوة إلى اللّه، حيث فضل اللّه الذين يتصدون لها وميزهم وقربهم إليه عمن سواهم.

يقول تعالى: (ومن أحسن قولا ممن دعا إلى اللّه وعمل صالحا وقال إنني من المسلمين، ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم. وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلاّ ذو حظ عظيم) (فصلت / ٣٣ - ٣٥).

فاللّه عزوجل خص أمة الإسلام بالدعوة إليه وجعلها بذلك تفوق جميع الأمم الأخرى، وأصبح لزاما على المسلمين ألا يتقاعسوا عن تحمل هذه المسؤولية الإعلامية ووجب عليهم الاهتمام بالعمل الإعلامي وتعميمه وتربية أولادهم على هذا المنهج، وبذلك يصبح كل مسلم ملزما بتقويم كل خطأ يقابله وتصحيح أي اعوجاج في بيته أو عمله أو دائرة نشاطه وتحركه، ففي ذلك صلاح وانتصار لامة المسلمين عن سائر الأمم.

ثانياً: كيفية وضع خطط واستراتيجيات لمواكبة التكنولوجيا المتطورة:

إن اقتناع المسلمين بأهمية دينهم وحاجة العالم إليه يعد أساسا سليما ونقطة انطلاق إلى إيجاد نظام قوى للإعلام الإسلامي، فالإعلام الإسلامي يحمل خصائص الدعوة العالمية وقد ختم اللّه الأديان بالاسلام وجعله صالحا لكل تطور في الحياة البشرية على اختلاف بيئاتها ومستوياتها. لذا أصبح علينا اليوم وضع خطط واستراتيجيات إعلامية مدروسة لمواكبة التقنية المتقدمة للاتصالات.

١ - التخطيط الإعلامي:

كسمة مميزة لإدارة التطوير في أجهزة الإعلام التحريك لوسائل الإعلام بشكل عام والمسموعة والمرئية على وجه الخصوص فالتخطيط الإعلامي يعنى التوظيف الأمثل للإمكانيات البشرية والمادية الموجودة أو التي يمكن وجودها في الإذاعة المسموعة والمرئية أثناء الفترة الزمنية للخطة من أجل تحقيق أهداف تواكب التطورات المذهلة في أجهزة الإعلام.

٢ - وضع السياسات الإذاعية والمرئية العامة:

إن وضع سياسات لتحديد الأهداف التي تعتزم تحقيقها في فترة زمنية في إطار وظائف الاذاعة المسموعة والمرئية من أخبار وتثقيف وتنمية وخدمة عامة وترفيه وإعلان. تشمل السياسات العامة للتخطيط الإذاعي والمرئية على:

أ - غايات إعلامية عريضة: (وتهدف إلى خدمة الغايات السياسية والاقتصادية والاجتماعية الرئيسية والتي تتطلع الدولة إلى تحقيقها نيابة عن الشعب).

ب - غايات إعلامية محددة: (خدمة الغايات الاجتماعية الثقافية والاقتصادية والسياسية التي يتطلع المجتمع إلى تحقيقها كنشر وتدعيم الثقافات والحد من البطالة وتأمين المسنين والقضاء على مشاكل تلوث البيئة وغيرها من المشاكل التي يرغب المجتمع في القضاء عليها أو الحد من خطورتها).

ومن الحاجات الاجتماعية القائمة والمستقبلية للغايات المحددة للسياسات الاذاعية في الدول النامية هو العناية الكمية والكيفية ببرامج الاطفال والشباب والتركيز عليها حيث أن مجتمعاتها شابة يكون فيها الأطفال والشباب (أقل من عشرين سنة) حوالي نصف سكانها.

ج - غايات إعلامية منتقاة: للاذاعة المسموعة والمرئية ضمن سياستها غايات منتقاة متعددة كبرامج محو الامية وهي بين أساسات التثقيف. والدور الذي يمكن أن تقوم به الاذاعة في هذا المضمار لايتعدى أن يكون دورا مساعدا، ويدخل في إطار الغايات المنتقاة تعليم اللغات الاجنبية خارج المناهج المدرسية. وتعليم لغة أجنبية أو أكثر له أثر بالغ في ثقافة الفرد والجماعة.

وعند تحديد الغايات الاذاعية أو المرئية سواء كانت غايات عريضة أو محددة أو منتقاة لابد من الأخذ بمبدأ الاولويات والعمل به، الامر الذي يقتضي ترتيب الاهداف طبقا لاهميتها ومردوداتها وإمكانية تنفيذها على ضوء الامكانات البشرية والمالية والتقنية حيث تدخل هذه العملية في صميم دور الاستراتيجيات الاعلامية ورسمها.

٣ - وضع الاستراتيجيات الاعلامية

وتشمل المرحلة الثانية من التخطيط وضع الاستراتيجيات بهدف ترجمة السياسات التي تم الاتفاق عليها إلى انجازات عملية وفقا لاهميتها والنتائج التي يمكن أن تعتمد منها الامر الذي يتطلب ترتيب بنود وأجزاء هذه السياسات وتنظيمها وإمكانية تنفيذها للتعرف على جدواها في مجال تغطية احتياجات المستقبلين والمشاهدين وتلبية رغباتهم في حدود الامكانات المتاحة، والاختيار بين البدائل الموجودة، ووضع بدائل احتمالية للاحوال الطارئة، والتنسيق بين كل هذه الاجراءات، ويتطلب وضع الاستراتيجية دراسة المجتمع للتعرف على مقوماته وحصر احتياجات ورغبات الجمهور حتى يتسنى للقائمين التخطيط لبرامج قادرة على نشر معتقدات وممارسات، وتلبية الرغبات والاحتياجات، ببحوث ودراسات ميدانية، واستخدام أسلوب المسح في تجميع المعلومات عن الاحتياجات والرغبات في المجتمعات المستهدفة، وغالبا ما تعنى مثل هذه الدراسات بتحديد المجموعات الأكثر تأثيرا في حل مشكلات المجتمع، فقادة الرأي يستوعبون أبعاد المشاكل وطرق حلها أكثر من غيرهم كما أنهم يستجيبون قبل الآخرين لتبني الافكار الجديدة فضلا عن أنهم الاكثر تأثيراً في السلبيين والمعارضين للافكار الجديدة.

فيجب أن تتضمن الاستراتيجية والخطط مشروعات تلبي احتياجات المستقبلين سواء كانت احتياجات عاجلة يجب أن تتوفر فور المواجهة لواقع ملح، أو احتياجات متوسطة المدى أو احتياجات بعيدة المدى، ويسبق عملية وضع استراتيجية فعالة القيام بدراسة نظام الاعلام القائم والتعرف على نقاط ضعفه، وأوجه الخلل فيه، ومدى تلبية واشباع احتياجات ورغبات المجتمع، وكفاءة العاملين في هذه الحقل، أو بالنسبة لمتطلبات البيئة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية في مجال البث الاعلامي. وتقتضى عملية وضع استراتيجية للبرامج الاذاعية تحديد طبيعة الاعلام الاذاعي المنشود، فهل هو إعلام موجه أو غير موجه؟ وهل هو إعلام وطني أو قومي أو دولي أو محلي.

كما تستلزم عملية وضع استراتيجية للاعلام مراعاة الكم الاعلامي من حيث عدد ساعات البث أو فئات المشاهدين أو المستقبلين والاماكن والمواقع التي يصل إليها، كما يراعى الكيف النوعي من حيث مضمون ومحتوى المواد، وجودة الاداء المهني، وحداثة الآلات والأجهزة المستخدمة، والتوازن بين وظائف الاعلام من حيث الاخبار والتثقيف والتعليم والترفيه والتنمية…. الخ.

كما يؤخذ في الاعتبار الغايات السياسية للاعلام من حيث كونها غايات داخلية أو إقليمية أو دولية وهل هي غايات تستهدف التغيير السياسي ونوعية المواطنين للمشاركة في العملية السياسية أم تثبيت الاوضاع السياسية القائمة.

كما يرعى الغايات الاقتصادية من حيث كونها داخلية وطنية أو اقليمية أو غايات تهدف إلى التنمية الاقتصادية والتغيير الاقتصادي، أو تهدف إلى الحفاظ على الاوضاع الاقتصادية القائمة، أو هي غايات تهدف إلى تشجيع الدوافع الفردية واشراك المواطنين في عملية الانتاج ووضع الخطط اللازمة، أو تستهدف تنفيذ القرارات الاقتصادية التي وضعتها الدولة دون مشاركة المواطنين فيها.

أما الغايات الاجتماعية فهي إما أن تستهدف التغيير ومساعدة ذوي الدخل المحدود أو تستهدف الحفاظ على الاوضاع الاجتماعية القائمة أو إشراك المجتمع في وضع القرارات الخاصة بالاوضاع الاجتماعية، وقد تستهدف تفسير القرارات الاجتماعية التي لايشارك في وضعها المجتمع.

٤ - الخطة

تعتبر الخطة أداة لترجمة السياسات والاستراتيجيات التي سوف يتم التوصل إليها إلى واقع مرئي ومسموع من خلال البرامج الاذاعية والتلفزيونية مجدولة زمنيا طبقا لاحتياجات كل مرحلة.

فوضع وتصميم الخطة يعتبر المرحلة الثالثة والاخيرة في عملية التخطيط. فالإعلام اليوم قد اتسع مفهومه في العصر الحديث فلم يعد يقتصر على الإخبار السريع، بل أصبح علماً قائما بذاته له أهدافه ومنهاجه وخططه ونظمه.

ثالثا: التأثيرات المحتملة

يمكن إيجاز الامكانيات التي تتيحها وسائل الاتصال الحديثة التي أصبحت متاحة بفضل تكنولوجيا الاتصال الحديثة فيما يلي.

١ - التواصل الآني بين أجزاء العالم المختلفة: فقد ألغت تكنولوجيا أقمار الاتصال عنصري الزمان والمكان، فلم يعد البعد المكاني حائلا دون التواصل بين مجتمعات، أفراد تبعد بينهم الشقة باتساع الكرة الارضية كلها، فالحدث الذي يقع في الصين مثلا، وهي التي كانت تعد أقصى الأرض، يتردد صداه في أي مكان آخر من العالم.

وما ينطبق على الأحداث يمكن أن ينطبق على المعلومات والمعارف، فقد أصبح العالم كله شريكا في كل مايمكن أن يَـجِـدّـ في أي مكان في العالم في شتى مجالات المعرفة، وأصبح من الممكن التلاقي بين الأفراد والمجتمعات عبر الهاتف أو الفاكس أو القنوات الفضائية ليدور الحديث أو النقاش في أي موضوع يخطر على البال، ويتم تبادل الآراء والمعلومات.

فعندما نتحدث هنا عن انتقال الحدث من أي مكان في العالم إلى أي مكان آخر فلا يقتصر الأمر على الأخبار أو الحروب أو الكوارث الطبيعة، بل إن الأمر يتعدى ذلك بكثير، ولعل إذاعة شعائر الحج من مكة المكرمة على الأقمار الصناعية لتصل إلى المسلمين في مشارق الارض ومغاربها مثل لما نقول.

وهناك العديد من المناسبات والندوات والمهرجانات واللقاءات الثقافية والرياضية أصبح الناس يتواصلون حولها بغير أي اعتبار لعنصر المكان.

وهنا نقول: كما ألغت التكنولوجيا الحديثة عنصر المكان، فلقد ألغت عنصر الزمان. فالأحداث بمختلف أشكالها تنتقل ساعة وقوعها، أو بعد ذلك بقليل من مكان وقوعها إلى أي مكان آخر يمكن الوصول إليه. ويهتم بمتابعة هذه الاحداث.

وهذا التواصل الجماهيري الآتي يتم بأوضح ما يكون من خلال القنوات التلفزيونية عبر الأقمار الصناعية، ولكنه يتم بالصوت أيضا عن طريق الاذاعة وهو مالا تستطيعه الصحف ووكالات الانباء غير المصورة، التي رغم اعتمادها في تلقي أخبارها وموادها على الاتصالات الفضائية، إلا أن مقتضيات الطباعة والتوزيع تحتم مرور بعض الوقت بين تلقي المواد ونشرها مطبوعة.

ولكن الصحف استفادت بشكل آخر من التكنولوجيا الاتصالية الحديثة، فأصبح في الامكان ظهور الصحيفة في أكثر من مدينة في نفس الوقت، بصرف النظر عن بعد المسافات بين هذه المدن، إذ تتولى الأقمار الصناعية نقل صورة الصفحات بين مراكز الطباعة المختلفة، فتدور آلات الطباعة رغم تعدد أماكنها في وقت واحد، فجريدة "الشرق الاوسط" مثلا تطبع في نفس الوقت في كل من لندن وجدة والدار البيضاء. وتظهر في كل هذه المناطق في وقت واحد، وكذلك الحال بالنسبة لجريدة الاهرام الدولية التي تطبع في وقت واحد في كل من القاهرة ولندن ونيويورك… وصحف عربية ودولية أخرى كثيرة، وذلك بفضل التقدم الهائل في التكنولوجية المتطورة.

٢ - تعدد وسائل الاتصال الحديثة

فقد تعددت أقمار الاتصال وزادت إمكانياتها وقدرتها على حمل المزيد من القنوات التي يمكن تخصيصها للتلفزيون أو الاذاعة أو لنقل البيانات والمعلومات، وبدأ استخدام مايسمى بالنظام الرقمي والاشارة المضغوطة التي ضاعفت من عدد قنوات الاتصال الفضائية عدة مرات، على القمر الواحد دون زيادة في التكلفة. فالقناة القمرية الواحدة التي استأجرتها مصر على سبيل المثال على القمر الأوروبي، أصبحت تحمل قناتين تليفزيونيتين (القناة الفضائية المصرية، وقناة النيل الدولية، بالاضافة إلى ثلاثة برامج اذاعية) ومن المتوقع في المستقبل القريب أن تزيد هذه الامكانيات فتصل إلى ثمانية أضعاف الامكانات القائمة في الوقت الحاضر وذلك بسبب التقدم في التكنولوجية.

وهنا نعرض بعض الاحصائية للقنوات الفضائية، ففي خلال عامين اثنين ١٩٩٢، ١٩٩٣ ارتفع عدد القنوات الفضائية العربية على سبيل المثال حتى وصل إلى أكثر من أربعة عشر قناة ومن عام ١٩٩٣ حتى ١٩٩٨ ارتفع عدد القنوات إلى ٤٠ قناة ومن المتوقع زيادتها في السنوات القادمة أضعاف ذلك، وهذه الامكانيات كلها شجعت الدول على التالي:

أ - استخدام القنوات التليفزيونية الفضائية في بث ثقافتها على العالم كله.

ب - بدأت الشركات الخاصة تطرق هذا الباب لتحقيق أهداف تجارية بالاضافة إلى الأهداف العامة، وهي ظاهرة عالمية انعكست آثارها على الشعوب المتقدمة والنامية على السواء، رغم أن السياسات الاعلامية التي كانت متبعة إلى وقت قريب في معظم الدول النامية، تقصر استخدام وسائل البث الاذاعي والتليفزيوني على الدولة دون غيرها.

ج - الدخول في عصر المنافسة بين القنوات العامة المملوكة أو الموجهة من الدولة، وبين القنوات الخاصة التي تمتلكها شركات.

د - المنافسة بين القنوات كلها مع بعضها البعض للحصول على ثقة المشاهد، مما أدت المنافسة، من بين ما أدت إليه، الى الاتجاه لتخصص القنوات من حيث المادة والجمهور المستهدف، فبدلا من تقديم قنوات تليفزيونية شاملة تتضمن الإعلام والتوثيق والترفيه معا، بدأت بعض القنوات تتخصص في الأخبار أو الرياضة أو برامج الأطفال أو الأفلام الروائية أو غيرها، واكتفت كل قناة بجمهور محدود وفقا لاهتماماته، بعد أن كان التطلع دائما نحو أكبر قاعدة ممكنة من جمهور المشاهدين.

٣ - التطور الكمي والكيفي في أدوات الإنتاج الإعلامي والثقافي

ذلك إن تطور تكنولوجيا الاتصال لم يقتصر على وسائل البث والتوزيع وحدها، بل تعداها إلى عمليات إنتاج المادة الإعلامية ذاتها، فظهرت تكنولوجيا جديدة في مجال الجمع الإلكتروني والطباعة والتصوير الصحفي أدت إلى اختصار الوقت وإضفاء لمسة جمالية على المنتج وظهرت معدات جديدة في مجال الإنتاج والإخراج التليفزيوني والإذاعي من شأنها تطوير جمالياته وتوسيع مدى استخداماته مع اختصار وقت الإنتاج والتنفيذ والعرض، وصاحب هذا أيضا تطور في كم المنتج حتى يتلاءم مع الاحتياجات المتزايدة من جانب وسائل الاتصال الجماهيري الحديثة.

٤ - تطور شبكات توزيع المادة الإعلامية والثقافية

ولابد أن نلاحظ هنا أن وسائل الاتصال الجماهيري تقوم بالضرورة على ركيزتين أساسيتين، الأولى إنتاج المواد الإعلامية والثقافية والترفيهية التي تريد توصيلها لجمهور عام أو محدد، والركيزة الثانية هي عملية التوصيل ذاتها، وهي ما تسمى بعمليات التوزيع أو البث، وكل منهما مكملة للأخرى. فلا قيمة لأي مضمون مهما على قدره إذا لم يصل إلى الجمهور المستهدف وبدرجة عالية من الكفاءة.

وقد أتاحت تكنولوجيا الاتصال الحديثة إمكانيات هائلة في تطوير وسائل التوزيع والبث واستحداث وسائل وبدائل جديدة جعلت في الإمكان وصول الرسالة الإعلامية إلى أي مكان وتحت أي ظروف وفي أسرع وقت ممكن.

فإلى جانب أقمار البث المباشر التي تستطيع أن تبث القنوات التلفزيونية إلى المستقبلين في المنازل مباشرة دون المرور على محطات أرضية للاستقبال، ودون الاعتماد على قنوات التليفزيون الوطنية القائمة، توجد أقمار التوزيع التي توصل الإشارة إلى محطات أرضية صغيرة تتولى توزيعها في الأماكن المحيطة عن طريق الميكروويف أو أنواع الترددات المختلفة.

وهناك شبكات التوزيع الأرضية أو شبكات الكوابل التي توزع الإشارة على المشاركين في الخدمة التليفزيونية، وتستخدم هذه الشبكات تكنولوجيا "الألياف الضوئية" القادرة على حمل أكثر من مائة قناة تليفزيونية بكفاءة عالية من حيث الجودة ونقاء الصوت والصورة، أو تستخدم الترددات الكهرومغناطيسية وتسمى في هذه الحالة بتسمية متناقضة هي "شبكات الكوابل بلا كوابل"!!

وأمكن تطوير محطات البث التليفزيوني والإذاعي بحيث تضاعف قدراتها ووصلت إلى أماكن لم تكن لتصل إليها من قبل.

٥ - استحداث وسائل للتعليم الذاتي والتعليم عن بعد

أي قدرة الإنسان على تعليم نفسه بنفسه خارج إطار التعليم النظامي، أصبح ضرورة من ضرورات عصر المعلومات، فقد أصبح من الواضح، مع التطور الهائل والمستمر في مجالات العلوم المختلفة أن الإنسان المتعلم والمتخصص في فرع معين من فروع المعرفة، سيتخلف في مجال تخصصه إذا لم يواكب كل جديد فيه، ويحرص أولا بأول على تحديث معلوماته. وفي هذا الإطار فان وسائل الاتصال الجماهيري لا تستطيع أن تسهم الإسهام المناسب في تحديث المعلومات في المجالات المختلفة، ولكن وسائل الاتصال لم تعد كلها موجهة إلى المشاهد العام، إذ أن النزعة إلى التخصص في مجالات معينة هو الاتجاه السائد الآن.

وإذا كان هذا يبدو واضحا في الصحف والمجلات والدوريات المطبوعة، إلا أنه أصبح أيضا الاتجاه الذي تأخذ به كثير من القنوات الإذاعية والتليفزيونية الأرضية أو الفضائية سواء بتخصيص القناة بكاملها لفئة متخصصة بعينها أو تخصص ساعات منها.

٦ - زيادة تعرّف الجمهور بفئاته المختلفة للإنتاج الأجنبي

وعلى الأخص من مراكز الإنتاج المتقدمة وشبه الاحتكارية في أمريكا وأوربا. وقد أثارت هذه القضية اهتماما واسعا في أوساط المثقفين على الأخص بعد انتشار ظاهرة الاستقبال المباشر للبث الوافد عن بعض القنوات الفضائية الأجنبية، دون المرور على أية جهة رقابية.

٧ - هبوط مستوى الإنتاج الإعلامي - الثقافي

بالنظر إلى زيادة الطلب على مراكز الإنتاج بما لا يسمح لها بتقديم الكم المطلوب من إنتاج جديد جيد، وبالإضافة إلى محاولة هذه المراكز في إرضاء مختلف المستويات لأسباب اقتصادية، مما يؤدى إلى الهبوط بالمستوى الفني إلى الحد الأدنى، وهذه النتيجة تأتي بعكس ما كان متصورا من أن المنافسة تؤدي إلى الإجادة.

٨ - سيطرة الاعتبارات الاقتصادية على مقتضيات الخدمة العامة

وينطبق هذا على الإنتاج الذي تقدمه الشركات الخاصة، فالكل يريد الحصول على عائد اقتصادي بالنظر إلى التكلفة الباهضة للتكنولوجية الحديثة.

٩ - الانحلال التدريجي للشركات والمؤسسات المنتجة للبرامج المحلية في الدول العربية

وذلك لقلة وتراجع العائدات الربحية على هذا الشركات والمؤسسات بسبب تدني أسعار التسويق والبيع محلياً.

رابعاً: كيفية مواجهة البث المباشر للأقمار الصناعية

والعبرة هنا في الموقف الإيجابي الذي يحرص على توظيف الإمكانيات المتاحة بدلاً عن الموقف الدفاعي أو السلبي، وفي هذا الإطار نعرض كيفية مواجهة البث المباشر للأقمار الصناعية:

تتعرض المجتمعات العربية والإسلامية في الآونة الأخيرة إلى حجم ضخم من البث المباشر الذي تقوم به الأقمار الصناعية التي يتجاوز عددها (٤٠) قمرا تعمل في إطار شبكات غربية (فرنسية، ألمانية، بريطانية، سويدية) وخاصة إذا ما علمنا أن استقبال هذا البث لا يكلف الكثير بل وأن هذه التكلفة سوف تنخفض في المستقبل بوجود عنصر المنافسة بين الشركات المنتجة لأجهزة الاستقبال.

ومن المؤكد أن استقبال البرامج والمواد التي تبث من هذه المحطات سوف يلعب دورا خطيرا في التأثير على العادات والتقاليد والثقافة العربية والإسلامية بل يمكن أن تمحوها في بعض شرائح المجتمع، ولمواجهة هذه الكارثة الإعلامية كان من الضروري الاطلاع على كل ما نشر حول البث المباشر بهدف التعرف على المقترحات والآراء المطروحة لمواجهة الآثار السلبية للبث المباشر، والتي أمكن حصرها في الآتي:

١ - منع استخدام أجهزة الاستقبال

طالبت نسبة كبيرة بمنع استخدام الأطباق وإغلاق المحلات التي تقوم ببيعه وتركيبه، ومعاقبة مستخدمي الأطباق بالغرامة أو السجن مثل ما حدث في السعودية وقطر ولكن ذلك لن يكون مجدياً للأسباب التالية:

أ - إن الدول المصنعة لأجهزة استقبال بث الأقمار الصناعية تجرب حاليا أنظمة جديدة جدا صممت أخيرا لاستقبال بث الأقمار الصناعية، منها نظام (MACSYSTEM) لاستقبال بث الأقمار الصناعية، وغيرها من الأنظمة التي تطورها الشركات الكبرى في الولايات المتحدة واليابان وأوربا الغربية.

وتشمل عملية التطوير على تصغير الهوائي المستخدم للاستقبال بحيث يكون مشابها للهوائي الخاص بالاستقبال التليفزيون العادي، وكذلك تصغير حجم مغذي الموجات، وجعله أكثر حساسية للموجات عالية التردد جدا (GHZ) لوضعه على هوائيات صغيرة الحجم.

ب - تعدد وسائل التهريب تقلل من فاعلية هذا الإجراء.

٢ - تطوير البرامج:

يتم تطوير البث الوطني ببرامج ومواد متميزة لجذب المشاهدين إليها، دون أن تنحرف إلى منافسة المحطات الأجنبية ببرامج تشبه إلى حد كبير ما تبثه المحطات الفضائية، وبالتالي تصبح مهمتها مكملة لمهام القنوات الفضائية الأجنبية.

٣ - البث المضاد:

أن تقوم الدول العربية والإسلامية بـإنشاء قنوات خاصة يمولها رجال الأعمال العرب والمسلمون، بما يتيح التعددية التي ينشدها المواطن، كما أن هذه القنوات الفضائية العربية والإسلامية سوف يصل بث برامجها المتعددة إلى جميع دول العالم، الأمر الذي يتيح للمشاهدين في تلك الدول التعرف على الدين الإسلامي من حيث أحكامه وتعاليمة التي تسمح بالحرية والديمقراطية، كما أن هذه البرامج تتضمن أيضا العديد من القيم الاجتماعية والإنسانية والثقافية والعلمية والاقتصادية… الخ، من القيم التي تستطيع أن تربّى الانسان المسلم والجيل المسلم، ولا يجوز أن نشكّ في تأثير هذا التوجيه الاعلامي، والدليل على ذلك أن الصحف الفرنسية قد شهدت هذه الأيام شن حملة إعلامية على القنوات التليفزيونية العربية والإسلامية التي يصل بثها إلى فرنسا والبالغ عددها [١٩] قناة فضائية عربية وإسلامية يستقبلها المهاجرون العرب والمسلمون في فرنسا منها [٦] قنوات عربية و [١٢] قناة تركية وقناة باكستانية.

ولقد اعتبرت الشرطة الفرنسية أن مضامين برامج هذه القنوات لايعد أحيانا مقبولا لأنه يروج للأصولية والتطرف وللأفكار المعادية للغرب على حدّ تعبير الشرطة الفرنسية.

لذا فإن نقابة الشرطة قد تقدمت بتقرير صاحبه حملة إعلامية شرسة على هذه القنوات أدت بدورها إلى وجود جو مشحون بالتشدد الأمنى، على المهاجرين المسلمين.

وحدوث ذلك في دول مثل فرنسا قامت ثورتها قبل نحو مائتي سنة على احترام الحريات الفردية ومبادئ الوطنية ومبادئ حقوق الإنسان يعد أمراً غير طبيعي، لأنه يعتبر مخالفا للدستور الفرنسي.

وعلى أية حال فإن حدوث مثل هذه الظاهرة في فرنسا يعني أمراً إيجابياً خاصة مع ازدياد القنوات الفضائية العربية والإسلامية، كما نعتقد أنه سوف يساهم في وضع نظام عالمي جديد لبث الأقمار الصناعية يمكن أن يكون للدول العربية والإسلامية دور أساسي في إقراره أو أن هذه الدول سوف تعمل جاهدة على اكتشاف أجهزة يمكن أن تعوق بث البرامج العربية والإسلامية، في هذه الحالة سوف تقوم الدول العربية باستخدامه في الحد من تأثير البث المباشر للأقمار التي لا ترغب الدول العربية والإسلامية في استقبالها.

العلاج الممكن حالياً

١ - تأصيل الانتماء للدين الإسلامي وضرورة حدوث تكامل بين البيت والمدرسة والمسجد والشارع ووسائل الإعلام من أجل تربية سليمة وجيدة للشباب، وبما يؤكد إزالة الفجوة بين قنوات التربية المتعددة، وبحيث لايجد الشباب أي خلل أو تناقض بين ما يتعلمه من هذه القنوات.

٢ - ضرورة وضع رؤية إسلامية واضحة قائمة على خطط علمية مدروسة لوضع تصور للأداء الأمثل لوسائل الإعلام العربية والإسلامية في مواجهة الإعلام الأجنبي، كما يجب وضع تصور واضح للدور الذي يجب أن تقوم به وسائل الإعلام العربية والإسلامية محليا ودوليا لترسيخ قيم الإسلام كعقيدة ومنهج ونظام للحياة ولتقديمه للعالم أجمع بهدف تصحيح مفاهيم غير المسلمين عن الإسلام ونقد الحضارة الغربية: البث المضاد.

٣ - دعم تبادل البرامج فيما بين الدول العربية والإسلامية وتكامل الخبرات بينها.

٤ - القيام بانتقاء البرامج الأجنبية قبل بثها.

٥ - ضرورة الاستناد إلى القانون الدولي الذي ينص أن على كل دولة تعتزم إنشاء خدمة تليفزيونية دولية مباشرة بالأقمار الصناعية أو التصريح بإنشائها أن تخطر فورا الدولة أو الدول المستقبلة باعتزامها هذا والدخول في تشاور مع الدول التي تطلب ذلك على أساس اتفاقات، وتخطر بذلك الاتحاد الدولي للاتصالات السلكية واللاسكلية.

٦ - إنشاء شركة خاصة ترتبط بوزارة الإعلام بأية صورة من الصور والهدف من إنشائها هو تنظيم استقبال القنوات الفضائية وإعادة بثها للمواطنين عن طريق اشتراكات رسمية، وهو ما يعرف باسم "نظام الكيبل".

المراجع:

١ - دراسة البث المباشر التي تم إعدادها باللجنة.

٢ - دراسات وسائل الاتصال الحديثة وأثرها على المجتمعات الإسلامية، التي تم عقدها في المنظمة الإسلامية للتربية والعلوم والثقافة ورابطة الجامعات الإسلامية بالتعاون مع اللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - باحث اعلامي كويتي.



[ Web design by Abadis ]