ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مكانة الانسان في النظام الاقتصادي الاسلامي \ الدكتورة نعيمة شومان

هذه خلاصة لكتاب: "الاسلام بين كينز وماركس وحقوق الانسان في الاسلام" شاءت الباحثة من خلاله عرض الفروق الأساسية بين المذاهب الاقتصادية، من حيث الحرية الاقتصادية، وطبيعة الملكية وحدودها والعدالة الاجتماعية التي يتبناها كل مذهب وما قدمه الاسلام من نموذج رائع للعدالة الاجتماعية، والتوزيع العادل للثورة في إطار الأخوّة الانسانية.

إن الهدف من هذا البحث، ليس الدخول في أحكام النظريتين الماركسية والرأسمالية وفلسفاتهما من حيث هي، وإنما من خلال انعكاسهما على المجتمع الإنساني من سعادة ورفاهيه، وعدالة وأمانة، وكيف استطاعت الإمبراطورية الإسلامية على امتداد مساحاتها الشاسعة والواسعة، حتى في فترة انحلالها في عهودها الأخيرة، أن تتلافى طوابير العاطلين عن العمل من الحاملين لأعلى الشهادات، والألوف المؤلفة من الجائعين المنتظرين منذا أيام للحصول على كأس صغير من الحساء، على بعد عشرات الأمتار من البيت الأبيض الأمريكي، وملايين النائمين في العراء، في قيظ الصيف وقر الشتاء… بينما توصلت اليمن في عهودها الاسلامية النيرة - على سبيل المثال - إلى الحصول على لقب "اليمن السعيد" لشمول السعادة والرفاهية والحياة الكريمة لكل فرد من أفرادها، في طول البلاد وعرضها، وكيف توصلت بعض المدن الاسلامية (الكوفة)، في عهد الخليفة عمر بن عبد العزيز إلى إعادة الأموال التي كانت ترسل إليها لتوزيعها على الفقراء والمحتاجين، إلى بيت المال، لعدم وجود من يستحق فيها الزكاة، (يوجد في الوقت الحاضر مايزيد على أربع أخماس المعمورة تستحق الزكاة)، وكيف كان الخليفة عمر بن الخطاب يعتبر نفسه مسؤو

لاً حتى عن الشاة الجائعة ولو كانت في أقصى المدينة، بينما لا يعتري بعض الحكام أي هاجس للملايين التي تموت في ظل رعايتهم جوعاً وسقماً وبلاءً!

ومرد هذا الاختلاف يعود، في الواقع، إلى الاختلاف في تحديد مركز الإنسان ودوره في عملية الإنتاج.

فبالنسبة للنظام الرأسمالي، فإن دور الإنسان هو الوسيلة التي تخدم الانتاج والربح، لا الغاية التي يخدمها الإنتاج، فهو في صف القوى المساهمة في الانتاج، من طبيعية ومادية ورأس مال، بل والحلقة الأوهى منه، فيتلقى أجراً على مساهمته في الانتاج، يعينه فقط على متابعة الانتاج.

أما في النظام الماركسي، فإن دوره في عملية الإنتاج هو الوسيلة التي تخدم النظام وتوصل وسائل الإنتاج، ولو بشكل مصطنع، إلى المرحلة المطلوبة حسب المادية التاريخية المبتدعة لتبرير هذا النظام، ولذا، فإن العامل من الناحية النظرية فقط، له الحق من الإنتاج بمقدار ما منحه بعمله من فرق في القيمة التبادلية الجديدة، شأنه في ذلك شأن بقية وسائل الإنتاج. أما من الناحية العملية، فإن نصيبه الفعلي قد انخفض إلى مستوى أدنى بكثير مما حصل عليه العامل من أجر في النظام الرأسمالي، وانفرد الحكام بالقيمة وفرق القيمة معاً.

ولذا، فلا فرق بين النظامين في الواقع، فرأس المال الخاص ينتخب رجال الحكم والحكام في النظام الرأسمالي، الذي يشتركون معه في الربح على حساب العمل والعمال، ويختص رجال الحكم في النظام الماركسي برأس المال ووسائل الإنتاج ليستثروا على حساب العمل والعمال.

أما مركز الإنسان في الإسلام، فهو مركز الغاية لا الوسيلة. فليس هو في مركز الوسائل المادية لتوزيع الثروة بين الإنسان وتلك الوسائل، بل إن الوسائل المادية تعتبر خادمة للإنسان في إنجاز عملية الإنتاج، لأن عملية الإنتاج هي نفسها لأجل الإنسان. وبذلك يختلف نصيبه عن نصيب الوسائل المذكورة. فهو وحدة صاحب الحق في الانتاج، بينما تتقاضى الوسائل المادية، ويتقاضى رأس المال مكافأة من الإنسان المنتج بوصفها خادمة له.

ولابد من خلال النتائج التي آلت إليها التطبيقات للمذهبين الاقتصاديين الدوليين اللذين شملا العالم خلال نصف قرن، لابد أن نشك في أن المشاكل التي تصدى لها المذهبان، كان المراد منها رعاية حقوق الإنسان، بل على العكس محاربة الانسان في كل مكان، لأن الحلول المطروحة قد أدت إلى استفحال المشاكل الحقيقية، وخلقت مشاكل جديدة سدت أمام الشعوب كل حق بالحياة في العالم أجمع، وليس فقط في موطنها بالذات.

فالمادية التاريخية، التي اتخذت صفة العلم في النظام الماركسي تفسر أوضاع الأمم السياسية والتاريخية والثقافية والحضارية من خلال تطور وسائل الإنتاج، علماً بأن التاريخ يشهد على أن المجتمعات التي سبقت العصر الحديث في الوجود، كانت متقاربة جداً في وسائل الإنتاج، ومع ذلك، فقد كانت تختلف اختلافاً كبيراً في مستوياتها العلمية والفكرية والحضارية. فشتان بين المجتمع الأوروبي في القرون الوسطى المظلمة، وبين المجتمعات الاسلامية وحضاراتها الرائعة في الاندلس، والعراق، ومصر… الخ في ذلك الحين.

ووسائل الإنتاج نفسها، كان قد أجري عليها التغيير بشكل مصطنع بعد الثورة لكي تصل إلى المرحلة المطلوبة للإيديولوجية الماركسية، إذ أن وسائل الإنتاج في روسيا مثلا، لم تكن قبل الثورة الاشتراكية لتبلغ الدرجة التي حددتها النظرية لإمكان التحول المطلوب، واندلاع الثورة العمالية. فقد كانت في مؤخرة الدول الأوربية من الناحية الصناعية. وعلى العكس، فقد كانت تلك القوى في مرحلة القمة من تطورها في كل من فرنسا وبريطانيا وألمانيا. ومع ذلك، فهذه البلدان وبقيت أبعد ما تكون عن التحول العلمي الإجباري المطلوب للمادية التاريخية.

أما الطبقية التي دثرت بحجة الظلم والتعسف، لتحل محلها الطبقة الأرقى والأعدل، فإن الاستيلاء على وسائل الإنتاج من طبقة كانت تنتج وتغذي الشعب والخزينة بالحاجات الضرورية، وتسليمها الى طبقة أخرى هي بالاصل لا تملك ذات المؤهلات لإدارة عجلة الإنتاج، لم يقضِ على التركيب الطبقي، بل خلق تركيباً من نوع آخر. وإن الإمكانيات والصلاحيات التي تمتعت بها الطبقة الجديدة تفوق سائر الإمكانيات التي حصلت عليها أكثر الطبقات ظلماً على مر التاريخ. وسمح لها النظام أن تتمتع وحدها بالمحتوى الحقيقي للملكية الجماعية لوسائل الإنتاج، وحصلت على نفس الفرص التي كان الرأسماليون والاحتكاريون يتمتعون بها، كما أصحبت أقدر من أي رأسمالي على سرقة فرق القيمة في الإنتاج والاستئثار بها، دون أن يجرؤ أي لسان أو قلم على انتقادها، إذ كمّت الأفواه، وقيدت حرية الفكر والإصلاح، وهذا ما يفسر الفروقات بين ثرواتها الضخمة التي راكمتها، وحالات الضيق والحرمان وفقدان المواد الغذائية الرئيسية التي عانى منها السكان، بل والأزمة الاقتصادية العصيبة التي أتت على النظام في أوائل التسعينات.

كل هذا، وهذا غيض من فيض، يجعلنا نشك بأن المشاكل التي طرحها هذا النظام، والحلول التي طبقها كانت لتخليص الشعوب من ظلم القيصرية وتأمين الحقوق والعدل والأمان لها، ناهيك عن جدواها لمشاكل شعوب العالم قاطبة، والتي لا ناقة لها ولا جمل بالقيصرية ولا بالمادية التاريخية ووسائلها الإنتاجية، أو سواها من المشاكل المبتدعة.

فقادة التجربة الماركسية الجدد الذين زعموا أنهم يرغبون خلق الجنة الشيوعية الموعودة للشعوب على الأرض بدلاً لجنة اللّه في السماء. كانوا قد قضوا على قادة الثورة الحقيقيين ورؤوسها المفكرة عشية نجاح الثورة، ، فقاموا بعمليات تطهير مايزيد على مليونين من أعضاء الحزب عام ١٩٢٩ من أصل مليونين ونصف، عدا الوزراء وكافة ضباط الجيش. كما جردوا الفلاحين المالكين من وسائل إنتاجهم (١٩٢٨ - ١٩٢٠)، لأنهم يعتبرون الزراعة تخلفا، وبوسائل وحشية يندي لها الجبين، راح ضحيتها مائة ألف قتيل، باعتراف التقارير الشيوعية ذاتها، وأضعاف هذا العدد حسب تقرير أعدائها، أتبعوها بالمجاعة الفاحشة التي راح ضحيتها ستة ملايين نسمة، وذلك باعتراف الحكومة نفسها.

وهكذا، فقط سقط هذا النظام، ولم يبلغ من العمر نصف قرن. ذلك أن معدته لم تعد تهضم صناعة الحديد والصلب، في وقت لجأت معه أمريكا إلى استعمال سلاح الغذاء الأشد مضاءً من كافة ترسانته النووية. سقط وبأيدي قادته الجدد وطليعته المزعومة، ليتربعوا - هم أنفسهم - على عرش ماتلاه من أسوأ نظام يدعي الحرية والديمقراطية، ودون أن يرتفع فيه صوت واحد يعلن الاحتجاج.

وإذا ما أفاد المذهب الماركسي في شيء، فإنه مما لاشك فيه قد أفاد المذهب الحر في البلدان الصناعية ذاتها، وجعلها تغدق بعطاءاتها على العمال لتسد الطريق الذي يمكن أن تنفذ منه الشيوعية وما إن زال خطر ثورة العمال المرتقبة بزوال خطر الشيوعية، حتى كشّرت الحقبة المسيطرة على القطاعات الإنتاجية الرأسمالية عن أنيابها، وأخذت بنزع العمال الضمانات الاجتماعية التي منحهم إياها النظام، وتفننت بألوان التسريح التسعفي، والأدوات التكنلوجية الحديثة التي تستغني أكثر فأكثر عن العمال (فالتكنولوجيا الحديثة المتطورة هي بالدرجة الأولى ذات هدف سياسي، الغاية منه تقليص دور العمال وحجمهم وسرقة حقوقهم).

وفي روسيا الديمقراطية الحالية بالذات، تطالعنا آخر المآسي عن "عمال بلا أجور" و"متقاعدين دون تقاعد" و"ضباط بلا رواتب" وعاطلين عن العمل تتجاوز نسبتهم العاملين، مع تفشي الجرائم والصراعات من شتى الأنواع: من صراعات عرقية وعنصرية، ودينية وحياتية في الاتحاد السوفياتي السابق، قل أن يكون لها نظير. وقد تحولت تحت تأثير نظام العولمة الجديد إلى حروب ضد الطبقة العاملة نفسها في كل مكان جعلت ميخائيل غورباتشوف يسير في جنازة شعبه نائحاً، بعد أن سدد له الطعنة المميتة بقوله في فندق "الغير مونت" في سان فرانسيسكو عام ١٩٥٥ عندما سئل:

"هل سيتحول العالم بأجمعه الى برازيل كبيرة، أعني إلى دول تسودها اللامساواة، مع وجود أحياء مستغلة تسكنها النخب الثرية؟ ".

فأجاب: "إنكم بهذا السؤال تطرحون لب المشكلة على بساط البحث. إنها لحقيقة أن روسيا نفسها ستصبح على شاكلة البرازيل…. ".

في الواقع، لقد تحول العالم أجمع إلى برازيل كبيرة. إلاّ أن هذا لا يعني أن الأسلاك الشائكة، والأجهزة الالكترونية، وكاميرات الليل والنهار سوف تحمي إلى مالانهاية هذه القلة الضئيلة من الأثرياء المحدثين من الطوفان المتصاعد من الجائعين والمحرومين والمغتصبة حقوقهم، فثورة الجائعين لا ترحم.

أما نظام الحرية المطلقة دون حدود، والذي تبنته أمريكا، فقد اتخذ في صراعه مع النظام المغتصب للحرية إلى أبعد الحدود، لتدويل نظامه، طرح مشاكل وحلولاً أكثر دهاءً وخبثاً ومضاءً. لقد استغل الحربين العالميتين بعدم اشتراكه الظاهري فيهما، وقد يكون هو نفسه قد أشعل فتيلهما، فزودهما بالسلاح والعتاد والغذاء والجواسيس، واستطاع بذلك أن يحسم نتيجة الحربين لصالحه، استراتيجياً، واقتصادياً وعسكرياً ومالياً. وبينما خرج الجميع من الحربين منهارين على كافة الأصعدة، خرج وحده تخماً بالأموال والمنتجات على اختلاف أنواعها، ولابد له من أسواق لها، فشرع بنشر مظلته الإنسانية، مبتدئاً بتقديم مساعداته المالية لإعمار ما خرّبته الحروب، ومنها مشروع "مارشال" لإعمار أوربا، الذي أدى في الواقع، الى سيطرة شركاته الكبيرة الأم على الاقتصاد الأوروبي ذاته، وخلق شركات أوربية فروعاً لها ملحقة به.

كما هب لمساعدة بلدان العالم الثالث على تخليصها من الاستعمار السياسي الأوربي - حسب زعمه - ليحل في أسواقها استعماره الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والعلمي والمالي، باسم التطور والازدهار ومحاربة الفقر والحرمان. وهكذا قد عانت هذه البلدان من التأرجح، خلال مدة تزيد على النصف قرن، من أيدي القائمين على النظام الحر الرأسمالي من جهة، والنظام الماركسي من جهة أخرى، مع كل ما تلا ذلك من أشكال الانقلابات في البنيات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والعلمية والثقافية … الخ. من وقت لآخر، حسب النظام، فلم تعد الشعوب تدري ماهي، وماهي هويتها، وماذا تريد…!

ومن استعراض المشاكل والحلول التي طرحها النظام المذكور، وفرضها على العالم، والنتائج التي آلت إليها نرى:

أنه نادى بنظام الحرية المطلقة من كل حدود، معتبراً أن مصلحة الفرد دون رقابة ولا توجية، تتوافق مع مصالح المجتمع، وأنها أكبر قوة دافعة لزيادة الإنتاج ومضاعفة الثروة الاجتماعية، وأنها أفضل ضامن لتحقيق إنسانية الإنسان وكرامته الشخصية…. !

إن النتائج التي آلى إليها تطبيق نظام الحرية المطلقة المذكور، تحرر الإنسان من كل الروابط الاجتماعية والأخلاقية والدينية والحضارية والإنسانية… الخ فيما عدا المادية …. إنها تفترض أن كل إنسان على وجه الأرض هو في قرارة نفسه إنسان اقتصادي مادي فردي وجشع كالإنسان الأمريكي، ليس له إلا هدف واحد في الحياة هو المصلحة المادية. إن هذه القاعدة - في الحقيقة - لا تنطبق إلا على المجتمع الأوروبي نفسه الذي غزا أمريكا وأباد شعبها الأصيل بكافة صنوف الوحشية المادية المستمدة من طابعه الفكري والروحي، ومقاييسه الخلقية والعملية من الجبروت والتسلط والاستهتار بكل إنسان، وتلته الصهيونية المتمرسة على يده، في إبادة الشعب الفلسطيني وتشريده طاعة لحكم إلههم المزعوم - كما يدعون.

إلا أنه من خلال الاستعمار الثقافي وغسل الأدمغة الدائم لكافة شعوب العالم عن طريق التطوير المفروض، سرت هذه المعايير إلى كل ركن من أركان المعمورة. فقوانين الأقطاب الكلاسيكية الأوائل، والكلاسيكيين الجدد، والتي تقضي بتخصيص العامل بجزء من الإنتاج يكفي فقط لقيمة المواد الغذائية الرئيسية القادرة على إعاشته للاحتفاظ بقواه اللازمة للعمل، لم تقتصر فقط على الفاعل الأمريكي، وتجعل مايزيد على أربع أخماس الطبقة العاملة لا تتوصل حتى للكفاف في معيشتها، بل سرت بسرعة البرق إلى كل جزء من أجزاء المعمورة، وحتى للبلدان الاشتراكية بالذات قبل سقوطها، والتي ينادي مذهبها بحق العامل بأكبر حصة من الانتاج (فرق القيمة) كما ذكرنا.

لقد أصبح اليوم حديث التوافق بين المصالح العامة والمصالح الفردية، في ظل الحرية المطلقة، أدعى للسخرية منه للقبول. فالمنافسة الحرة من كل قيد لم تؤد - في الواقع - الى إشباع الحاجات الإنسانية بأقل نفقة، بل - على العكس - إلى تخفيف نفقات الإنتاج عن طريق سرقة أجور العمال، فعلى سبيل المثال: إن أمريكا، أكثر بلدان العالم إنتاجاً وثراءً في الوقت الحاضر، أصبحت أكثر اقتصاديات العالم رخصاً للأجور وسلباً لحقوق العمال، وتسريحاً لهم دون حق أو ضمان. وهذا لا يعني أن المجتمع الأمريكي هو الأفقر، كما ذكرنا، إذ لم يسبق أبداً أن حازت أمريكا، في ظل نظام العولمة الجديد، الذي تستغل فيه ثروات العالم أجمع، على ما بحوزتها اليوم من الثروة والدخول. إلاّ أن المشكلة تكمن فقط في أن هذه الثروة والدخول، تنحصر فقط بالخمس الثري فقط من الأميركان. وحتى في إطار هذه الفئة، فالدخل يتوزع بشكل متفاوت للغاية. فواحد بالمائة من أغنى الأغنياء (أي حوالي نصف مليون أمريكي) يملكون اليوم ثلث الثروة التي هي من حق جميع السكان، ويحصل غالبية المديرين على رواتب زادت بمعدل ستين مرة خلال سنوات، في الوقت الذي انخفضت فيه القوة الشرائية لبقية العاملين بين ١١ و ٢٥% حسب الفئا

ت. وما ذلك إلا إكراماً للمديرين المذكورين لجهودهم المبذولة في الوصول إلى تخفيض تكاليف الإنتاج عن طرق سرقة العمال مهما كانت الوسائل.

وكما قال (لسترثارو): "إن بوسع المرء أن يدعي أن فئةً في أمريكا من رأسماليين قد أعلنوا الحرب على عمالهم، وأنهم قد فازوا فيها"…. في الواقع، إننا نعيش الثورة المضادة على العمال في جميع بلدان العالم دون أن يتوصلوا - هم أنفسهم - إلى إعلان ثورتهم…. !

أما علاقة الحرية المطلقة بتنمية الإنتاج، وسد حاجات جميع السكان فإنني لأتساءل ماهي المشاريع التي نما إنتاجها في ظل الاستهتار بالقيم الإنسانية والأخلاقية، والألوان التي لا حد لها من الجشع والطمع؟ إنّها - بدون شك - المشاريع التي تكتلت وحطمت غيرها من المشاريع الصغيرة والمتوسطة (دون حاجة إلى تأميم) وقضت على كل لون من ألوان التزاحم الشريف، عن طريق الاحتكار. كما أن الزيادة في الإنتاج لم تقترن بانخفاض الأسعار لتسد حاجات جميع السكان، لفقدان المزاحمة، بل على العكس، فقد خفضت القدرة الشرائية للقوة العاملة إلى أدنى المستويات، لدرجة اضطرت القسم الأكبر من العمال إلى العمل في عدة مجالات لتغطية نفقات عائلاتهم، وحرمتهم من المتعة والراحة العائلية حتى أيام العطل والأعياد.

والأوهى من ذلك، اعتبار الحرية المطلقة تعبيرا عن الكرامة الإنسانية…. !

وهنا أيضاً لابد من التساؤل عمن طالتهم هذه الحرية، وهذه الكرامة الإنسانية؟ ! لقد انحصر حق الحرية والديمقراطية المزعومة قطعاً، في حرية قبضة من الأمريكان الصهاينة، وأتباعهم وأذنابهم في كل مكان: من مجرمين، وقطاع طرق، ومضاربين وتجار جنس، وخاطفين للأطفال والشباب من فتيان وفتيات، وتجار الدم الفاسد الملوث بجراثيم الإيدز، ومهربي المخدرات، والمتجولين في الملوثات المبيدة للجنس البشري، ومفجري الحروب، وبائعي الأسلحة، وزارعي المتفجرات…!

فهؤلاء هم الذين يملكون في الوقت الحاضر، القسم الأكبر من الثروة، ويتحكمون بحياة الشعوب ومصيرهم، وهم أصحاب الكرامات، وأصحاب الحق في الحياة، وهم دعاة حقوق الإنسان، والذين يصلبون الإنسان في كل مكان….

ومن أبرز تناقضات هذا النظام أنه يتركز - بالدرجة الأولى - على زيادة الاستهلاك لتسريع عجلة الإنتاج، وإذا به يقضي على مستهلكيه بالذات، ويراكم الإنتاج ليفسد في مخازنه ومستودعاته، وكأن زيادة الإنتاج هي للإنتاج بالذات.

فإلى متى سيعش هذا النظام؟ !

مما لاشك فيه أن المبالغة في التطرف التي وصل إليها هذا النظام، سوف تقضي على النظام ذاته بذاته، فبذور انحلاله أخذت تترعرع فيه، وهاهي الأنظمة المتفرعة عنه تتساقط تباعاً، فلجوء الناس إلى المضاربات بالأسهم والعملات بدلاً عن الإنتاج لكساده وللحصول على أرباح ولو بالقيود - أدى الى الانفجار الرهيب بفقاعاتها منذ عام ١٩٩٧، ابتداءً من النمور الآسيوية، إلى الأعجوبة اليابانية إلى كبريات الدول الاشتراكية منذ أن بزغ فيها أول شعاع من الحرية. كما أن عام ١٩٩٩ يحمل في طياته الأخطار المرتقبة والانهيارات المتوقعة لبداية القرن المقبل في كل من أمريكا وأوروبا بالذات. والذي تحاول الكتلتان الحاليتان معالجته، في الوقت الحاضر - عن طريق الحروب الطاحنة بكافة أنواع الأسلحة للهدم، وإعادة إنتاج الأسلحة وإعادة البناء…. إنها - في الواقع - بذور الانحلال التي سوف تقضي على هذا النظام، ولم تعد تنظر الإمهال.

فما هو البديل إذاً؟

مما لاشك فيه أنه لا يوجد ثمة بديل واحد ناجع للعالم أجمع، وإلا فإننا سنقع بأخطاء النظامين السابقين نفسها. بل هناك لكل شعب بديل ولكل حضارة بديل… وإذا كنت أرى أن الإسلام الذي أثبت خلال قرون عديدة أنه خير نظام أخرج للناس. وخير من خلص الشعوب التي خضعت لامبراطوريته الممتدة شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوبا من الظلم والفقر والحرمان، ودفعها إلى استثمار خيرات بلادها بذاتها ولذاتها، وحسب طاقاتها وعلومها وثقافاتها وحضاراتها دون أن يزيلها، بل زاد عليها، وزود النفوس من الداخل بوقود من المميزات الحسنة التي اختارها اللّه لبني الإنسان، وشذبها من الشرور العالقة فيها، والتي تأتمر فيها نفس الإنسان. وحثها على أن تسعى جاهدة لاكتشاف المزيد من خيرات اللّه، فتأكل من رزقه وتقاسم المحرومين والعاجزين عن العمل في حقهم بثروات اللّه… إذا كنت أرى ذلك، فإنني لأتساءل هل ترك النظامان الجائران أي مجال أو خيار للحاكمين والمحكومين لتطبيق تعاليم الإسلام في بلاد الإسلام بالذات…؟

فماهو الإسلام؟

الإسلام ثورة تختلف اختلافاً جذرياً عن النظامين السابقين.

يعتقد المفكرون الغربيون، ومن يجري في أثرهم من المستغربين العرب والمسلمين، أن الإسلام هو عبارة عن دين وليس باقتصاد، عقيدة وليس بنهج للحياة، علاقة بين العبد وربه، وليس أساساً لثورة اجتماعية اقتصادية لخير الإنسانية جمعاء.

لقد غاب عن خلدهم أن الاسلام هو ثورة حقيقية لا تنفصل فيها الحياة عن الايمان، وأن المفهوم الروحي يشكل جزءاً لا يتجزأ من المفهوم الاقتصادي والاجتماعي.

ففي الوقت الذي يتحرر فيه الإنسان من كل شكل من أشكال العبودية لغير اللّه، تتحرر فيه الثروات الطبيعية من كل نوع من أنواع الملكيات ما عدا اللّه. وهنا يربط الإمام علي كرم اللّه وجهه بين هذين المفهومين بتأكيده على أنّ العبيد هم عبيد اللّه، وأن الثروات هي ثروات اللّه.

من هنا، فقد ناضل النبي في الإسلام، كما ناضل كافة الأنبياء في بقية الأديان نضالاً ثورياً ضد كل شكل من أشكال الظلم والعبودية والاستغلال. وكما ثاروا لتحرير الإنسان من الداخل من العبودية لغير اللّه، فقد جاهدوا لتحرير الأرض وثرواتها من المستغلين من الخارج والداخل، ولقب التحرير الأول "الجهاد الأكبر"، والثاني "الجهاد الأصغر".

وفي الوقت الذي حرر فيه الإنسان من الاستغلال الخارجي، حرره من داخله من ينابيع الاستغلال للغير الكامنة فيه، وذلك بتغيير مفهوم العالم والحياة بالنسبة إليه.

فالثورة في الإسلام تختلف اختلافاً جذرياً عنها في المفهوم الغربي والشرقي على السواء. فليست الثورة في إحلال الرأسمالية محل الاقطاعية، ولا في إحلال الطبقة العاملة محل البورجوازية. أي ليس المقصود منها تغيير أسماء المستغل، وإنما محوه من جذوره، ومن نفس الانسان بالذات فالنفس أمارة بالسوء. إن كفاح الأنبياء ضد الظلم والاستغلال، لم يأخذ شكل صراع الطبقات، وإنما اتخذ طابعاً إنسانياً هدفه تحرير كل إنسان من أية طبقة كان، فليس كل إقطاعي ظالماً، وليس كل غني مستغلاً، ولا كل عامل ملاكاً، ولا كل فلاح نبيلاً وإن بامكان الإسلام أن يحول الجميع الى خيرين، صالحين ونبلاء… وبالفعل، فقد أيقظ الإسلام في النفوس، حتى الشريرة، مكامنها الخيرة والحسنة، وفجر فيها الطاقات الإبداعية، ووجهها لخير المجتمع وسعادته.

إن الثوري الذي يتابع خط الأنبياء ليس بذلك المستغل الذي يحسب أنه يستمد قيمته من احتلال وسائل الإنتاج وتكديس الأموال على حساب الشعوب، إنه يستمد قيمته من الجهود التي يبذلها بالتقرب من اللّه، ليس فقط عن طريق الصوم والصلاة، وإنما لنجاحه بمسؤولياته كخليفة للّه في الأرض أي في جهده وابتكاره ونفعه لعباد اللّه.

للهيكل العام للاقتصاد الإسلامي ثلاثة أسس رئيسية تميزه عن المذهبين السابقين:

١ - الملكية متنوعة ومحدودة: يتميز الهيكل العام للاقتصاد الإسلامي باختلافه عن المذهبين السابقين، باقراره للأشكال المختلفة للملكية، بدلا من مبدأ الملكية الخاصة كقاعدة للنظام الرأسمالي، وملكية الدولة للنظام الماركسي.

فهو يقر الملكية العامة، والخاصة، وملكية الدولة.

وينطلق من قاعدة: "الملك على الأرض للّه، والإنسان مستخلف فيه لمصحلة كافة عباد اللّه" ويستوحي نوع الملكية من الطبيعة ذاتها للثروة الطبيعية ودرجة شموليتها لعناصر الحياة لجميع خلق اللّه.

فالملكية العامة: كمنابع المياه، والمراعي، ومصادر الطاقة …. الخ عموماً هي كالشمس والهواء والماء، ملك لجميع مخلوقات اللّه. فهي ملكية مشتركة لا يجوز الاختصاص بها.

والأرض العامرة، هي ملك الإمام، باعتبار المنصب لا الشخص، وكذلك الأرض الميتة، أي أنها ذات طابع عام (ملك دولة)، لا يجوز تملكها إلا بحدود العمل فيها. والعمل في الأرض يعطي العامل حق الانتفاع بالأرض فقط، مادام عمله مستمراً فيها، فإذا ما توقف عن استغلالها انتزعت منه وأعطيت لغيره. فالإسلام وإن سمح بالملكية الخاصة فانه أحاطها بحدود، أي قلص منها وضغطها لتتحول إلى أداة لتحقيق الهدف وهو خلافة اللّه في تحمل المسؤوليات لإشباع حاجات الإنسانية المتنوعة، وليست غاية بذاتها، تطلب بوصفها تجميعاً وتكديساً شرهاً لايرتوي ولا يشبع. قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "ليس لك من مالك إلا ما أكلت فأفنيت، ولبست فابليت، وتصدقت فأبقيت، وما سوى ذلك، فأنت ذاهب وتاركه للناس".

ولذا، فقد حرم الإسلام الربا، بوصفه أولى العقبات أمام التنمية والازدهار الاقتصادي، لكونه يحجز المال عن الإنتاج، وأنجح الوسائل لسرقة أموال الناس وتكديس الأموال دون جهد وعناء.

والبديل عنه في الإسلام هو توظيف هذا الأموال في مشروعات إنتاجية لاستثمار الثروات، وتأمين خلق فرص عمل جديدة، وزيادة الإنتاج ليتقاسم ربحه العاملون وغير العاملين من المحتاجين والمحرومين من العمل. كما أنه أكثر ضماناً لصاحب رأس المال، إذ قد يتعرض المرابي إلى خسارة الفائدة ورأس المال معاً، كما هو الحال في المضاربات المالية والإفلاسات المصرفية السائدة حالياً.

وكذلك فقد حرم كنز المال، لأنه يعني أيضاً انخفاض كمية الثروة المننتجة، ومن ثم تقليص فرص العمل وحصول البطالة، مما يزيد حالات البؤس والشقاء.

وهذا المنع من اكتناز المال ليس مجرد ظاهرة عرضية في التشريع الإسلامي، إنه يعبر عن أوجه الخلاف الخطير بين المذهب الإسلامي والرأسمالي. فبينما تؤيد الرأسمالية استعمال النقد للاكتناز، بالاضافة إلى دوره كمقياس للقيمةوأداة للتداول، وتشجع عليه بنظام الفائدة، يحاربه الإسلام بفرض ضريبة على المال المكتنز (الزكاة). وجاء في الحديث عن الإمام جعفر بن محمد الصادق: "إنما اللّه أعطاكم هذه الفضول من الأموال لتوجهوها حيث وجهها اللّه، ولم يعطكموها لتكنزوها"…

ومن مضار كنز المال الاقتصادية أن تجميع الثروات في أيدي الأفراد دون استثمارها يؤدي الى زيادة البؤس والحاجة لدى الأغلبية العظمى من الشعب، فتتوقف عن الاستهلاك، فتكدس المنتجات دون تصريف ويسيطر الكساد على الصناعة والتجارة، فتعم الإفلاسات مختلف النشاطات الاقتصادية ويتوقف الإنتاج، وتستفحل المجاعات، كما في المعادلة التالية:

انخفاض الاستهلاك = كساد = توقف عن الانتاج = افلاس = زيادة بطالة = مجاعة.

وحضّ الإسلام على الاكتفاء الذاتي، ونهى عن التبعية الاقتصادية في المأكل والملبس، وهي ما فرضه النظام الرأسمالي على كافة شعوب العالم.

فهو يحصن الأمة من الوقوع تحت رحمة غيرها من الاستعمار الغذائي الذي هو أشد مضاءً من كافة أنواع الاستعمار، ويحميها من حالات وقوع الكوارث لدى الطرف الآخر فيتوقف عن تغذيتها.

ولذا، تقرر القاعدة الفقهية الشهيرة أن "لا ضرر ولا ضرار" فحرية الفرد محدودة بمصلحة المجتمع والعالم أجمع.

من كل ماتقدم، وهذا غيض من فيض، نرى أن الملكية العامة تشمل القسم الأكبر من ثروات الطبيعة، وهي كملك للّه، بالإضافة إلى الملكية الخاصة المحدودة بمصالح المجتمع، تضمن تطبيق العدالة الاجتماعية في الاسلام.

٢ - العدالة الاجتماعية وهي تعني حق جميع الناس، العاملين منهم والمحرومين من العمل، والفقراء والمحتاجين بأخذ نصيبهم من موارد الطبيعة وخيراتها التي خلقها اللّه لعباده، وحقهم بالحياة الكريمة اللائقة كبشر.

ويرتكز الضمان الاجتماعي في الاسلام على أساسين:

الأول: التكافل العام بين أفراد المجتمع.

والثاني: حق الجماعة على الدولة في تأمين الضمان الاجتماعي وفرص العمل للجميع.

فالأول: مفروض على الأفراد فيما بينهم. أي تعتبر هذه القاعدة جميع العاملين والمستثمرين لخيرات اللّه بمنزلة الحاكم المسؤول عن الرعية في إشباع الحاجات الضرورية للمحتاجين عن طريق الزكاة، وليست هبة أو صدقة.

والثاني: يفرض على الحاكم أن يؤمّن العمل لمن ليس له عمل، والحياة الكريمة لمن لا يقدر على العمل.

وإذا كانت الزكاة هي وسيلة التكامل بين الأفراد، فإن إقطاع الأراضي غير المستثمرة وتقديمها لغير العاملين هي وسيلة الحاكم. أي أن الإسلام يلزم الحاكم بتقديم مساعدته من أملاك الدولة، كمساعدة للعمل والإنتاج، لا للاستهلاك فقط، ليحقق بذلك الفائدة للفرد والمجتمع بآن واحد.

وذهب هذا التضامن إلى درجة جعلت للجائع الحق على مال المجتمع كما لو أنه ليس ملكاً لأحد.

ولذا، فعلى الدولة أو الحاكم أن تضمن للعاجز عن العمل حقه في ثروات الله باعتباره من مخلوقات اللّه التي تكفل بها سبحانه وتعالى:

قال (صلى الله عليه وآله): "من ترك مالاً فلورثته، ومن ترك كلاً فإلينا".

والكَـلّ هو الضعيف.

فالزكاة - أهم مورد يغذي بيت مال المسلمين - هي من أهم وسائل الضمان الاجتماعي، لقيمتها، ليس فقط الاجتماعية والإنسانية، وإنما الاقتصادية أيضاً. وتقدر بربع العشر من المال المدخر، وتهبط به إلى عشرين ديناراً (حسب القوة الشرائية آنذاك).

كما تعتبر ضريبة تمنع تمركز الثروة بأيدي فئة ضئيلة تجمدها عن الاستثمار.

فهي بمثابة مصادرة تدريجية للمال المجمد وإدخاله في حوزة النشاط الاقتصادي.

هذا، وختاماً للمقارنة، بينما يقول "آرثر يونج" في القرن الثامن عشر: "لا يجهلن سوى الأبله، إن الطبقات الدنيا يجب أن تظل فقيرة وإلا فإنها لن تكون مجتهدة".

ويقول القرن التاسع عشر: "ليس للذي يولد في عالم تم امتلاكه حق في الغذاء إذا تعثر عليه الظفر بوسائل عيشه عن طريق عمله أو أهله، فهو طفيلي على المجتمع، ولا لزوم لوجوده، فليس له على خوان الطبيعة مكان، والطبيعة تأمره بالذهاب (مالتوك).

يقول الإسلام قبل هؤلاء بألف عام: "إن الفقر والحرمان لبس نابعاً من الطبيعة نفسها، وإنما هو نتيجة سوء التوزيع والانحراف عن العلاقات الصالحة التي تربط الأغنياء بالفقراء" فيقول الإمام علي كرم اللّه وجهه: "ماجاع فقير إلا بما متع به غني".

إن هذا الوعي لقضايا العدالة الاجتماعية في التوزيع لا يمكن أن يكون وليد المحراث والتجارة البدائية، أو الصناعة اليدوية، إنه يكمن في الإنسان ذاته الذي رباه الإله فأحسن تربيته.

ولذا فإنهم يخشون الإسلام، ويتناوب النظامان على طعن الإسلام والمسلمين في كل مكان.

إنني على يقين، إذا ماطبق هذا النظام من العدالة الإجتماعية بشكل عالمي، لكان بالإمكان مكافحة الجوع والموت جوعاً (نتائج النظامين المذكورين) في غضون أشهر، بل وأيام. فالخزائن تفيض بالمواد الغذائية على اختلاف أنواعها، بينما يفضل المحتكرون أن تفسد في مخازنها، أو ترمى إلى البحر، على أن يمد بها في عمر الأحياء المتضورين من الجوع.

إن مكافحة الجوع لا تحتاج للمؤتمرات والتشريفات التي، حتى إذا صدقت النوايا، فإنه كمؤتمر القمة العالمي للأغذية المجتمع عام ١٩٩٨، تمهل الهياكل العظيمة التي نخرها الجوع إلى عام ٢٠٠٥ لتغذية نصف عددهم البالغ ٨٠٠ مليون نسمة (حسب أرقام المؤتمر لعام ١٩٩٦)، وهي ليست جادة في ذلك. وعلى أية حال، فحتى ذلك التاريخ، فإن العدد المذكور سوف يتضاعف مرات عديدة وإن مات القسم الأكبر منهم. - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

* - باحثة اقتصادية كبيرة تقطن فرنسا، من أصل سوري.



[ Web design by Abadis ]