ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 قاعدة الأخوة في الحوار الإسلامي - الاسلامي \ الاستاذ عدنان رضا النحوي

مما لاشك فيه أن الحوار من حيث المبدأ يعتبر وسيلة خلق طيبة، تعارف عليها الناس منذ أقدم العصور، فنحن بحاجة إليها في عالمنا اليوم، وهي كذلك كما ذكرت… فضيلة، ومنهج في العمل. ولكن يجب أن يكون لهذا الحوار شروطه وقواعده وأسسه. ولكي نجيب على ماهية الحوار وشروطه وقواعده وأسسه يجب علينا أولا أن نثير أسئلة نجيب من خلالها، فلماذا الحوار؟ ، وماهي القضية التي نريد أن نعالجها من خلالها الحوار، وهل يكفي الحوار للمعالجة؟ وماهي القضية التي نريد أن نعالجها من خلال الحوار، وهل يكفي الحوار للمعالجة؟ وإذا لم يكن الحوار وحده يكفي لمعالجة القضية فما هو المكمل؟ وماذا نحتاج لمعالجة القضية أو القضايا، خصوصا إذا استحصلت لدينا قضايا يراد حلها عبر الحوار؟

فأما لماذا الحوار؟ فلأنه وسيلة طيبة ومنهج، ولكنه وحده أرى أنه لا يفي لغرض الهدفية التي ننشدها.

وكيف تتم عملية الحوار…. هنا يجب تحديد القضايا التي نريد أن نعالجها، ثم نقوم بتنفيذ خطة متكاملة لمعالجة هذه القضايا، يكون الحوار أحد أجزائها، ومن هذه القضايا مثلا: أن هناك في واقعنا الإسلامي خللا كبيرا، وأن ما نلمسه من هزائم ومشكلات وفواجع في واقعنا هي بما كسبت أيدينا نحن المسلمين، وهي ليست ظلماً من الله سبحانه وتعالى لأنه لا يظلم أحدا. ولأن الله يقضي بالحق. إذاً…. هناك خلل في واقعنا يجب دراسته ويجب معالجته.

وهذا الموضوع - الخلل في واقعنا - لا يمكن دراسته في حوار فقط، وإنما قد لايكون الجهد كافيا. وقد درست هذه القضية في إحدى كتبي وهو كتاب "واقع المسلمين أمراض وعلاج" وقد طرحت تصورات وحلولاً، أستطيع أن أقول إن قضية واقع المسلمين، كيف تعالج، هي الأساس أو الموضع الرئيس الذي كتبت فيه سواء بالشعر والنقد والكتب الفكرية، والكتب السياسية ودراسة الواقع ومشاكله.

والآن ومازلنا… نحاول أن نرسم منهجا يقوم على نظرية وعلى تصور وضمن خطوات وإلى أهداف وعلى شكل مراحل من خلال الدراسات لمعالجة أمراضنا والخلل الذي يتواجد في واقعنا.

إن الحوار الإسلامي - الإسلامي لا يعني بالضرورة أن هناك خلافات بين العاملين في الساحة الإسلامية. صحيح هناك اختلافات في المنهج واختلافات في الوسائل والأساليب والمنطق والسلوك - إلى حد ما - وهناك خلافات حقيقية لايمكن لنا إخفاؤها، ولكن الحوار يعتبر الوسيلة لمعالجة هذه الخلافات، وليس الوسيلة الوحيدة، فالخلاف ليس فقط بين مجموعة إسلامية ومجموعة إسلامية أخرى، بل أعتقد أن هناك خلافات بين ذات المجموعة.

هذه الخلافات يمكن تقسيمها للتوضيح فقط: فهي أما تكون خلافات تأريخية ورثناها من تأريخنا الإسلامي، وهناك خلافات آنية نشأت في عصرنا الحديث، وهناك تابع لذلك.

إن بعض الخلافات التي تولدت عن الغزو والصمت في تأريخنا الإسلامي من الغرب والشرق أو من إعداء الله غزواً فكرياً وثقافياً وعسكرياً واقتصادياً أثّر في منهج التفكير عند المسلم وعند الجماعات الإسلامية. وكان هذا التأثير كبيرا، وحتى في واقعنا اليوم تجد بين المسلمين من يكاد يكون جهده كبيرا ويتوجه نحو الديمقراطية والاشتراكية، والحداثية في بعض الأمور، ونتساءل هنا، هل هذه دعوة إسلامية أم ليست كذلك؟ هذا يعني أن الغرض أساسا من الحوار هو لمعالجة الخلافات، بمعنى أننا لو عالجنا هذه الخلافات فهذا لا يعني أننا يجب أن نستغني عن الحوار.

أما تصنيفنا للحوار فإنه إمّا يكون حوارا مابين متخاصمين أو حوارا مابين متعاملين. ولفظة كلمة "حوار" ربما كانت جديدة، يعني أنها لم تأخذ مساحة أوسع في التأريخ الإسلامي ولكنها بين المتعاونين يمكن أن نسميها الشورى، أو تبادل الرأي.

والحوار كمصطلح نستخدمه اليوم، إذا كان بين المتخاصمين فهو حوار أو جدل، (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن) هذه الكلمة لم يستخدمها القرآن الكريم، ولا بأس أن نستخدمها نحن اليوم، لا يعطل ذلك من قيم التوجه اللغوي أو الإسلامي بل يرفع من شأنه أن الحوار مستمر بين الناس، ويأخذ مصطلحا آخر غير لفظة الحوار ذاته، وهو مستمر بين أبناء الإنسانية وحياة الامم والناس أجمعين.

ومن الممكن أن نسمي الحوار شورى، وقد أشرنا إلى ذلك في كتابنا عن الشورى، وممارستها، واعتبرنا الحوار مبدأ أساسيا في التصور والفكر الإسلامي. حيث أن الشورى بين الفرد والآخر في الأسرة، أو العمل، والبلد، والحكومة، وعلى جميع المستويات أمرٌ ضروري جدا.

ضوابط الحوار

بالنسبة لنا كمسلمين فإن لنا ثوابت لو تخلينا عنها فإننا ابتعدنا عن إسلامنا، ومن هذه الثوابت القرآن والسنة التي يقوم عليها التصور الإيماني والقرآني. وترتكز هذه الثوابت كلها على كتاب الله وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله). إذا اتفق المسلمون على هذين الركيزتين والأساسين فإن الحوار يمكن أن يكون في باقي القضايا.

وهناك نقطة نود أن نناقشها في وجوب التزامنا بكتاب الله وسنة نبيه (صلى الله عليه وآله) فنحن محرم علينا أن نسيء إلى آيات الله، وأن يتم تأويلها بغير علم ولا دراية. لقد قال الله تعالى في كتابه العزيز: (إنما المؤمنون أخوة)، وجاء في الأحاديث: المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يسيء إليه… وهناك أحاديث كثيرة في هذا المجال، فإن قضية الأخوة الإيمانية يشترط فيها اتفاق الأطراف على ركائز الإسلام، الاخوة ضرورية لأنها أساسية للإيمان والعقيدة، وضياع الأخوة في الله ضياع وحدة كبيرة من الإيمان، والسؤال الذي يطرح نفسه دائما مامدى تجسيدنا هذه الأخوة؟ إننا - جميعا - غير مقتنعين تماما بأُخوتنا، ولكننا نطمح لما هو أعلى وأسمى في سبل تجسيدنا لها.

يجب أن نطرح شعارا يحقق لنا الأخوة ويعمقها لنا، فالأخوة حسب ما أوضحها لنا المنهاج الرباني هي مسؤولية وتآلف وفكر وعاطفة… وهي ليست مجرد عاطفة حب خالصة.

ولكن العاطفة جزء مهم من الأخوة في الله. والأخوة بعد ذلك مسؤوليات وحقوق، حقوق لنا وعلينا، ويجب علينا أن نؤديها، وإن لم نؤدّها فقد ارتكبنا الإثم وحاسبنا الله يوم القيامة. إن الأخوة في الله قضية أساسية في الحوار وفي قضية وحدة المسلمين، ومن شروط الايمان كما يريدها الله سبحانه وتعالى لاكما تريدها أهواؤنا.

ومن ضوابط الحوار وشروطه هناك الولاء، فحتى يكون هناك حوار وتكون هناك أخوة فيجب أن يكون هناك ولاء يجمع المتآخين في نقطة واحدة، فالولاء الأول لله سبحانه وتعالى، هو الله وحده ومن يخالف هذه الولاء فقد خسر الدنيا والآخرة لأن هذا هو أساس التوحيد، فإذا التقينا جميعا عند هذه النقطة (الولاء) عندئذ ستنشأ بيننا الموالاة، وتنشأ أخوة الإيمان، وهذه هي الشروط الأساسية لضوابط الحوار، وأعتقد أن أهمها الولاء، فولاء الابن لأبيه هو بر الابن لأبيه، ومثلما يجب أن يخضع لنظرة القرآن الكريم فإنه بالإطار الأكبر يجب أن يكون الولاء للإسلام، للوطن، للقضية الحقة، وعلينا أن نعمق هذا الولاء لكي نضمن أُخوتنا في الله ونجعل من هذه الأخوة منهجا وسلوكا في الحوار الإسلامي - الإسلامي، كحالة سلوكية واقعية نمارسها جميعا في علاقتنا. علما أننا يجب أن نركز على قضية أساسية وهي الحوار وهو لايمكن - مثلما أسلفنا - أن يبني الأخوة مثلما بناها الرسول (صلى الله عليه وآله) وإنما بنيت مدرسة النبوة وفق منهج وخطة متكاملة، أخذت جهدا كبيرا في بناء العقول والنفوس وبناء منهج للتفكير ومنهج للعمل، ونحن اليوم لا نحتاج إلى حزب إسلامي يرفع لنا الشعارات، بقدر ما نحتاج إلى أخو

ة تجعلنا بثقل في الساحة. ونحن الآن بحاجة إلى منهج جديد في التفكير، ومنهج جديد في العمل، جديد على واقعنا اليوم وليس جديدا على الإسلام، فمثلما أصبحنا غرباء عن الإسلام يجب أن نحقق العودة من خلال السبل الإيمانية عبر المناهج التفكيرية والعملية.

يجب أن نبني النفوس والعقول، ونتبنى المنهج بصدق.

ومن ضوابط الحوار أيضا أن نجعله ضمن خطة متكاملة، نستعبر من سيرة الرسول (صلى الله عليه وآله) وأصحابه. ويجب أيضا أن نمارس الأخوة ونحل المشاكل فيما بيننا، إذ ليس من المعقول أن يحكم بيننا المسيحي مثلما يجري بعالمنا اليوم وعلنيا أن نرى أن الجميع بشر ولكن الأولوية في الحل وفي الحوار وفي الاحترام هي للمسلم الذي يشاركني توحيدي وأخوتي وولائي و… إلخ.

حيث أن اختلاف المذاهب يجب أن لا يعطل الأخوة. فإذا صدق الإيمان وشروطه، وتوافرت مرتكزاته فإننا يجب أن نلتفت إلى معالجة نواحي الخلل ويجب أن ينبع ولاء للآخر - الإسلامي - لكي يكون الناتج الأفضل هو قضية الإيمان والتوحيد، وإنها أخطر قضية في حياة الإنسان، أنا اعتبرها أخطر من القضايا السياسية. وهي حقيقة كبرى في الكون، يجب أن نسعى إلى الجنة من خلال إيماننا وتوحيدنا وصدق أخوتنا، وجعل الولاء هو نقطة الالتقاء الأساسية لنا. والحمد للّه رب العالمين.

من أجل قواعد للحوار الإسلامي - الاسلامي

الاستاذ صادق محمد الجبران [٢]

لاشك أن موضوع الحوار الاسلامي - الاسلامي، يفترض أن يتصدر سلم الأولويات، للبحث والنقد في الساحة الاسلامية، لما لهذا الأمر من أهمية قصوى، نظراً للمرحلة الحساسة التي تعيشها الاتجاهات الاسلامية كافة على الصعد والمستويات المختلفة.

وقد يبدو الحوار عنصراً كمالياً من نافلة الأخلاق في الوهلة الاولى، ولكن ما أن تتطور وتتشعب علاقات الفرد، ويخرج من دائرة العلاقات الفردية الى دائرة العلاقات الجماعية، حتى يرى نفسه داخل دائرة لا تسمح بطبيعتها الى انفراد أحد أفرادها بالرأي دون غيره في الحالة الطبيعية. وهو وإن قبلها فإما عن قناعة وإما عن اضطرار، وهذا ما نلحظه في سلوك الطفل، فهو قبل وصوله الى مرحلة اللعب الجماعي، نراه يتصرف في قواعد اللعب كيف يشاء وهذا أمر طبيعي، إلا أن الأمر يختلف حين يبدأ هذا الطفل الانسجام مع مجموعة أطفال آخرين، فهو لابد أن يتنازل عن احتكار اللعبة أو قواعد اللعب، وإذا لم يقبل ذلك نجد أن المشرف على تربيتهم يوجهه الى القبول بالتنازل للآخرين عن شيء مما يعتقد أنه حق طبيعي له. وهكذا كلما تعقدت الحياة ومشاريع العمل التي يدخل الفرد فيها، وجد نفسه بحاجة أكبر الى إحدى مفردات الحوار وهي مراعاة الآخرين والالتزام بالرأي الجمعي.

وبما أن الاختلاف في السلوك البشري مسألة طبيعية، فإن الانسان بحاجة الى تقنين مجموعة متنوعة من القواعد التي تحكم سلوكه المرتبط بالجماعة البشرية.

في المجال القانوني ميز فقهاء القانون بين نوعين من القوانين "قوانين تبين حقوق الأشخاص وتحدد كيف ينشأ الحق وكيف ينقضي. وهذه هي القوانين المقررة للحقوق، كالقانون المدني والتجاري والبحري. وقوانين تبين الوسيلة التي بمقتضاها تؤدّى هذه الحقوق وتحترم، أي تبين جزاء الإخلال بهذه الحقوق، كقانون أصول المحاكمات، وهذه هي القوانين الجزائية، والنوع الأول من القوانين يتناول دراسة أصل الحقوق أما النوع الآخر فهو يتعلق بالشكل بمعنى أنه يلزم الأفراد باتخاذ إجراءات وأوضاع معينة، إذا أرادوا التمتع بحماية حقوقهم كما يلزم القضاء بمراعاة ضوابط وأصول معينة عند الفصل في الخصومات. ولابد من شكلية الإجراءات حتى يطمئن الأفراد الى المحافظة على حقوقهم متى اتخذوا الأوضاع التي نص عليها القانون، كما أنه لابد من هذه الشكلية لضمان سير القضاء حتى لا يكون مرجع الأمر لمطلق تقدير القضاة وهم - كأي إنسان - تختلف طريقتهم في التقدير والحكم والإدراك، ولهذا وذاك قيل بحق إن الشكل توأم الحرية. ولقد أدرك الرومان التفرقة المتقدمة فميّزوا الاجراءات وخصصوا لها الباب الثالث من أبواب القانون المدني ليشتمل على الدعاوى أي اجراءات التقاضي" [٣].

وهكذا ففي نطاق الخصومة القضائية وهي الأقرب الى موضوعنا نجد أن النزاع فيها ينصب على حق افتراض يدعي كل طرف أنه الأحق به دون صاحبه، أو أن يدافع عن حق معين أو أن يدفع عن نفسه تهمة معينة، وما الى ذلك من أشكال الخصومات القضائية، ولكي لا تضيع الحقوق وضع المشرع سواء كان سماويا أو وضعيا قواعد وقوانين يحكم القضاء بواسطتها وينهي النزاع على أساسها، وحيث أن الادعاء بالحق يؤثر في كافة الأطراف لذا فإنّ المشترع وضع للطرفين قواعد وأصول يرجعون اليها لتنظيم طريقة المطالبة بحقوقهم، بمعنى أن هذه الأنظمة تبين لهم الكيفية التي عليهم أن يسلكوا طريقها للحصول على حقوقهم.

وهذا ما اتفق رجال القانون على تسميته قانون أصول المحاكمات كما في لبنان أو بالمرافعات كما في مصر أو بالاجراءات كما في فرنسا سواء كانت المحكمة مدنية أم جزائية أم غير ذلك من أنواع المحاكمات…

إن القانون هنا وضع قواعد حيادية لمصلحة يمكن للجميع التوسل بها حين تحصل الخلافات أو الخصومات، فليس للفرد في دولة القانون أن يتوسل بوسائله الخاصة - حتى لو كان محقا - في تنفيذ وتطبيق مجرى العدالة وذلك لوجود قانون وهيئات قضائية مختصة بذلك. وفي المجال الفقهي أيضا توجد أصول وقواعد يرجع اليها الفقهاء المختلفون في استنباط الأحكام الشرعية، هي في الإجمال موضع اتفاق فيما بينهم عدا مباحث قليلة هي موضع جدال أصولي، إلا أن وجود تقنين للجسم الأكبر من القواعد الأصولية، جعل نتاج العمل الفقهي متقاربا الى الحد الذي لا يتضح الخلاف فيه إلا للمتخصصين.

ومن هنا اعتبر السيد محمد تقي الحكيم في كتابه "الأصول العامة للفقه المقارن" أن من فوائد الفقه المقارن "تقريب شقة الخلاف بين المسلمين والحد من تأثير العوامل المفرقة التي كان أهمها وأقواها جهل علماء بعض المذاهب بأسس وركائز البعض الآخر مما ترك المجال مفتوحاً أمام تسرب الدعوات المغرضة في تشويه مفاهيم بعضهم والتقوّل عليهم بمالا يؤمنون به". وعرّف السيد الحكيم أصول الفقه المقارن بأنه: "القواعد التي يرتكز عليها قياس استنباط الفقهاء للأحكام الشرعية الفرعية الكلية، أو الوظائف المجعولة من قبل الشارع أو العقل عند اليأس من تحصيلها من حيث الموازنة والتقييم".

وقد أراد بالقواعد الكبريات التي لو انضمت اليها صغرياتها أنتجت ذلك الحكم أو الوظيفة، لأن الكبرى هي التي تصلح أن تكون قاعدة لقياس الاستنباط، وعليها تبنى نتائجه.

ولذا دعا السيد محمد تقي الحكيم الى العمل على توحيد هذه الأصول للوصول الى هذا الهدف، حيث انطلق في بحثه التمهيدي الثاني من عدة مبادئ بديهية اعتبرها من أصول الاحتجاج وأولياته وهذه المبادئ هي:

١ - مبدأ العلية والمعلولية بما فيها امتناع تقدم المعلول على العلة وتأخرها عنه أو مساواتها له في الرتبة ثم امتناع تخلفه عنها، فحيثما توجد العلة التامة يوجد المعلول حتما…

٢ - مبدأ استحالة التناقض اجتماعا وارتفاعا مع توفر شرائط الاتحاد والاختلاف فيه.

٣ - مبدأ استحالة اجتماع الملكة وعدمها وارتفاعها مع توفر قابلية المحل.

٤ - مبدأ امتناع اجتماع الضدين.

٥ - مبدأ استحالة الدور.

٦ - مبدأ استحالة الخلف.

٧ - مبدأ استحالة التسلسل في العلل والمعلولات.

ولم ير السيد الحكيم ضرورة في تفصيل القول في هذه القضايا، لاعتقاده أن الجميع يؤمنون بها وربما شاركهم فيها فلاسفة العالم على الاطلاق، ولذا فهو يجعلها قاعدة ينطلق منها في مشروعه العلمي ذلك.

كيف نفهم الاختلاف؟

تعددت رؤية المفكرين الاسلاميين عن أسباب الاختلاف بين المذاهب الاسلامية أو بين فصائل الحركة الاسلامية أو مشاريع العمل الاسلامي أين وجدت؟ . ففي هذا السياق يرى البعض أن الاختلاف شيء طبيعي ومشروع ويراه البعض الآخر بعداً عن الدين ورجساً من عمل الشيطان يجب اجتنابه.

إلا أن أغلب مفكري الصحوة الاسلامية عدّوا أغلب الاختلاف الحاصل من من مصاديق الرحمة بين أمة الاسلام، فيما عدّوا الجزء الآخر منه من التفرق المذموم. ولهذا أرجعوه الى عدد من الأسباب الأخلاقية والنفسية والفكرية.

فالدكتور القرضاوي يعتبر أن هناك اختلافات أسبابها أخلاقية، وأن الاختلاف الذي ينشأ عن تلك الرذائل أو المهلكات اختلاف غير محمود بل هو داخل في التفرق المذموم، ومن هذه الأسباب:

١ - الغرور بالنفس، والإعجاب بالرأي.

٢ - سوء الظن بالغير، والمسارعة الى اتهامه بغير بينة.

٣ - حب الذات واتباع الهوى.

٤ - التعصب لأقوال الأشخاص والمذاهب والطوائف.

٥ - العصبية لبلد أو إقليم أو حزب أو جماعة أو قائد…

فيما يرى أن الاختلافات التي أسبابها فكرية "مردها الى اختلاف وجهات النظر في الأمر الواحد، سواء كان أمراً علميا كالخلاف في فروع الشريعة، وبعض مسائل العقيدة التي لا تمس الأصول القطعية، أم كان أمرا عمليا كالخلاف في المواقف السياسية واتخاذ القرارات بشأنها، نتيجة الاختلاف في زوايا الرؤية، وفي تقدير النتائج وتبعا لتوافر المعلومات عند طرف ونقصها عند آخر، وتبعا للاتجاهات المزاجية والعقلية للأطراف المتباينة، وتأثيرات البيئة والزمن عليها سلباً وايجاباً" [٤].

وعن واقع الاختلاف في حياة البشر اعتبر الشيخ حسن الصفار أسباب الاختلاف عائدة الى التالي:

١ - تفاوت درجات الايمان قد تسبب تمايزاً واختلافاً في بعض الأفكار والمواقف والممارسات: (هم درجات عند الله والله بصير بما يعملون) [٥].

٢ - اختلاف مستوى المعرفة والوعي عند الناس.

٣ - اختلاف المصالح بين الناس [٦].

ويعتبر البعض أن سبب الاختلاف هو الابتعاد عن النص الأول وهو القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة الصحيحة المتفق عليها. ويعتبر أن الاختلاف إنما حصل بسبب النص الثاني أو الثالث أو الحواشي التي جاءت على النص الأول كالتفسير والاجتهاد، إلا أن هذا القول لا يصح على اطلاقه، إذ أننا نجد المسلمين قد اختلفوا في اللحظة الأولى التي ارتحل فيها صاحب النص الأول الى الرفيق الأعلى، حيث تنادى الأنصار بوجه المهاجرين بأن منا أمير ومنكم أمير……

كيف نبدأ الحوار:

لا أدعي أني أمتلك الوصفة السحرية الملائمة لعلاج مسألة الحوار الاسلامي - الاسلامي، فهذا جهد تراكمي يجب أن يضطلع به جميع المفكرين الحريصين على تقدّم ورُقي الأمة… إلا أن ما أدعو اليه هو ضرورة وجود نظام تقوم عملية الحوار على أساسه، وهو ماقد يُصطلح عليه بـ "أصول الحوار" أو "أصول المناظرة" أو "أصول الجدل" وإن كنتُ أفضل المصطلح الأول. لأن الظلال الذي يُلقيه هذا المصطلح، لا يجعل طرفي المعادلة يشعران بأن على أحدهما أن ينتصر فيما يتحمل الثاني مرارة الهزيمة… فالهدف من الحوار ليس الانتصار، إنما الوصول الى القواسم المشتركة، أو على الأقل الاستماع الى رأي الطرف الآخر دون حساسية.

إن وجود أصول للحوار أمر في غاية الضرورة، تفرضه تعاليم الدين الاسلامي الحنيف. وطبيعة المرحلة التي نعيشها اليوم. فصراع اليوم والمرحلة القادمة صراع فكري بالدرجة الأولى. ولابد أن تختلف فيه الآليات المستخدمة عنها في المراحل السابقة. وهذا يفرض أن نتوجه الى الحوار فيما بيننا للدخول - أقلاً - برؤية واضحة لخوض غمار المرحلة القادمة… وأن الحوار هو المدخل الطبيعي لذلك، وهو الذي يجعلنا أقوى عودا وحجة كذلك. فمن يهرب من الحوار ويتوسل بآليات أخرى لفرض رأيه على الآخرين هو في حقيقة الأمر الطرف الأضعف في المرحلة القادمة، التي يتوقع أن يكون عنوانها الحوار بين التيارات الفكرية بشتى أنواعها….

وبـإمكاننا أن نحدد أصولاً وقواعد للحوار الاسلامي - الاسلامي في النقاط التالية:

القواعد الأخلاقية: وهي التي تحافظ على سلامة عملية الحوار ومنهجيتها، وتضمن فاعليته وهي كالآتي:

١ - الإخلاص لله تعالى والتجرد من الأهواء.

٢ - التحرر من التعصب للأشخاص والمذاهب والفئات.

٣ - الإنصاف والتثبت في الحكم على الناس.

٤ - الاعتدال في الحب والبغض.

٥ - ذكر المحاسن والمساوئ والموازنة بينهم: (لا تبخسوا الناس أشياءهم).

٦ - تجريد الحق عن قائله والخير عن فاعله.

القواعد الفكرية: وهي التي تساعد على عرض وجهات النظر بشكل سليم، وتساهم في تلاقح الأفكار للوصول الى نتائج أفضل… وهذه القواعد هي:

١ - الحذر من إطلاق المسلمات والأحكام المطلقة الكاسحة.

٢ - الحذر من النقل على لسان الأعداء، والمحاولة قدر المستطاع من نقل أفكار الآخرين من مصادرها الأصلية. ونقل ماعليه إجماعهم في هذا الصدد، وعدم نقل الرأي الشاذ لديهم. كما من الضروري نقل ماصح عند الآخر وعدم نقل ماضعّفه.

٣ - ضرورة حماية الحوار بالقواعد القانونية كالاحترام المتبادل وكفالة حق حرية الرأي… للحصول على المزيد من آفاق ومفردات الحرية الاجتماعية والسياسية.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - عضو رابطة الأدب الاسلامي العالمية، من المملكة العربية السعودية.

٢ - كاتب من المملكة العربية السعودية.

٣ - أصول المحاكمات المدنية، الدكتور أحمد أبو الوفا، الدار الجامعية - بيروت، ص ٣٠.

٤ - انظر: الصحوة الاسلامية بين الاختلاف المشروع والتفرق المذموم، لبنان، دار الرسالة، ١٩٩٣.

٥ - آل عمران / ١٦٣.

٦ - انظر: التعددية والحرية في الاسلام، بحث حول حرية المعتقد وتعدد المذاهب، الشيخ حسن الصفار، دار البيان العربي، لبنان ١٩٩٠.



[ Web design by Abadis ]