ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حوار بين الريبية و التعصب \ الاستاذ هاني يحيى نصري

كيف يمكن أن تكون أحاكمنا موضوعية نزيهة بعيدة عن التعصب؟ هل يعني أن نتخلّى عن عقيدتنا ومذهبنا الفكري كي يكون موقفنا حياديا بعيدا عن التعصب؟ هذا ما يحاول الباحث معالجته، ورأيه طبعا كسائر بحوث المجلة يمثل وجهة نظر الكاتب.

نقدم البحث للقراء كي يكون منطلقا للحوار حول مسألة "الريبية" و"التعصب".

مقدمة

الدوغمائية "Dogma" موقف يتخذه البعض ممن لم يحذق الفلسفة، ازاء كل مذهب ريبي "Scepticisme" حين يعلن هذا الأخير استحالة الوصول إلى الحقيقة، كحقيقة واحدة لا يستطيع أن يبرهن عليها إلا بالدور، فيقرر الدوغمائي عكس ذلك تماماً، بأنه يمتلك الحقيقة من قناعات ذاتية لا يمكن ايصالها للآخرين، وهذه القناعات حين تتشكل في بيئة مغلقة تصبح مقبولة لا لأنها قابلة للبرهان واليقين، بل لأن الكل يقول بها ويرددها.

فالتوكيدية والتكرار هي التي تثبت الدوغمائية، والتمرد من جهة أخرى والعناد فيها هو الذي يثبت الريبية.

إن "كانط" في كل فلسفته النقدية تحرك لمحاربة الدوغمائية [٢]، ولم يخطر على باله بـإمكان أن تشكل هذه الحرب "كانطية" كادت أن تصل الى نتائج شبيهة بما تحارب، وهذا ما حصل مع كثير من الفلاسفة حين قرر أتباعهم حقائقهم وحدها من كل تاريخ الفلسفة الطويل.

فمعركة الفلسفة مع الدوغمائية هي معركة الفكر معها ومع كل فكر يريد أن يركن الى حقائق ثابتة لا تتغير.

ورغم وجود الثبات إزاء التغير في كل الوجود، إلا أن فهمنا المرن للثبات وحده الذي يجعله ثابتاً، و"كانط" حين حارب الدوغمائية لم يلجأ الى "الريبية" ضدها، بل حارب "التعصب" فيها فجعلها تنهار [٣] من داخلها.

وبذلك وضع قاعدة منطقية للرد على الدوغمائية في الفلسفة، بالرد على التعصب، من منطلق أن الرد "الريبي" لا يمكنه أن يقرر أي حقيقة، وهو في أساسه ليس للرد على التعصب، بل نفياً لكل حكم.

سؤال:

عن أي نوع من الأحكام نتحدث؟ !

- الحكم الذي يصدر منا كأفراد!!

- أم الأحكام التي لا نصنعها بل نتبناها من الآخرين؟ !

إننا حين نتكلم لغتنا ولهجتنا التي انتقت من الأصل مترادفاتها، لانناقش الأحكام التي بني عليها مثل هذا الانتقاء.

كذلك حين نلبس الأزياء ونتقيد بزي عصرنا لا نناقش أسباب هذا التقيد، وأكثر من ذلك قد نهزأ بمن لا يتقيد بالزي الدارج بين الناس؟ !

فماذا يعني هذا؟ !

هذا يعني أن معظم أحكامنا ليست من صنعنا، أما "ما يزيد الطين بله" فهو أن نترك الباقي من هذا المعظم من الأحكام ليوجهها لنا واعظ أو صانع عقيدة، واضعاً لنا إزاء كل احتمال موقفاً سوف نواجهه، صيغة جاهزة للتعامل معه. فإذا أسلمنا زمامنا لهذا المفكر أو الواعظ صرنا "إمعة" لا رأي لنا بأي موقف، وهذا لا يعني أن علينا أن نرفض الاطلاع على آراء السابقين والمعلمين من المفكرين، ولا يعني أن لا نتبع مذهباً أو عقيدة، بل يعني ضرورة استقلالية أحكامنا، على الأقل فيما نواجه من معضلات تخصنا ذاتياً، وتخص مستجدات عصرنا الاجتماعية والعلمية والفلسفية.

تحديد:

لا يوجد انسان لا يعتقد بأمر، ويشك بآخر، ويعلق الحكم على ثالث، ولا يدري برابع… وهكذا. أما من يعرف الاجابة على كل هذه المواقف من خلال رأي مفكر أو واعظ واحد، فهو: الدوغمائي.

فالفرد إذا صار دوغمائياً فقد قدرته على البرهان على ماتبنى من أفكار، وصار أمعة لإرجاعاته المستمرة الى مذهب شيخه أو مفكره أو موجهه، أو جماعته.

واذا صارت الجماعة دوغمائية، شكلت قطيعاً وقطيعة مع الجماعات الأخرى، واذا صار المجتمع دوغمائياً انعزل عن التقدم الحضاري الانساني ككل، وهذا هو خطر انحلال أعظم الأفكار الفلسفية والدينية الى مجموعة من الجمل الاعتقادية، التي يرد بها الدوغمائيون على كل موقف مستجد.

هكذا وبعد أن كانت الأفكار الكبرى أداة تقدم لمجتمعاتها، صارت معيقة لتقدم هذه المجتمعات بالعقائد الجامدة الدوغمائية.

ايضاح:

هكذا وجدنا كيف أن امتداد الدوغما من الفرد الى الجماعة ثم من الجماعات الى أفرادها سبب تحجر المجتمعات، وعدم بحث أفرادها عن اجابات للمستجدات الجديدة التي يواجهونها، مما يعطل الحوار مع كل فكر مستجد أو غريب ويبرز أبشع صور التعصب.

والفرد كلما تعرض الى الحوار مع معتقدات أخرى غير معتقداته أصبحت آراؤه قابلة للتعديل الدائم الذي يفرز حتماً التقدم. ولا تذلل صعوبة تعديل الآراء ورفض الدوغما فيها، إلا بالحوار الفلسفي. والشعوب التي ترفض هذه المعرفة - الفلسفة - الانسانية أو تتنكر لها، شعوب تحرم نفسها من التقدم، مهما سعت اليه عبر نتاج العلم بالتقنية أو بالفنون بكل مستوياتها أو سواها من المعارف.

قاعدة:

لايمكن أن يعرى رأس شر المشاعر الانسانية السلبية: التعصب إلا بالفلسفة بجوانبها النقدية والمثالية والعلمية كلها معاً.

فالابن غير الشرعي للفلسفة هي العقائد، والعقائد الدوغمائية خاصة، لأنها رأس آفة كل تعصب.

فهل هذه دعوة الى الريبية في الفلسفة؟ ! بمعنى أنها دعوة الى ضرورة عدم الاعتقاد بشيء أو التيقن من صحته؟ !

جواب:

إن الجواب يجب أن يتضمن معنى الريبية في الفلسفة تاريخياً، وحدود الريب لا كمذهب، بل كموقف في كل تفلسف!!

والريبية كموقف في كل فلسفة نجدها بوضوح، ففي اعلان "سقراط": أنه إن كان يعرف فإنه يعرف أنه لا يعرف شيئاً؟ !

كذلك تنتهي الكثير من حوارات "أفلاطون" الى عدم تقرير أي نتيجة قطعية، فالديالكتيك الأفلاطوني يمكن النظر اليه كهدف بحد ذاته لاكوسيلة للقطع بأي أمر، ولا هو من أجل هذه الوظيفة.

وتلميذ "أفلاطون" المسمى "تيمون Timon" الذي طرح جدلاً لا يمكن الاجابة عليه من القواعد اللغوية الاغريقية، محطماً الاستنباطات المنطقية "Deductions"، معتبراً اياها مجرد براهين ذاتية، من منطلق أن كل ما تبرهنه يجب أن يكون مبرهناً بأمر سابق عليها، وللأسف فإن أغلب أعمال "تيمون" قد ضاعت حيث بقي منها فقط تأكيداته بأن أي قول لا يمكنه أن يعبر عن أي ظاهرة يصفها دون الوقوع بالخطأ - خطأ عدم الاحاطة والضلال - وقد عاش "تيمون" في "أثينا" ومات سنة ٢٣٥ ق. م، ولكن الأمر المدهش هو أن آراءه ونظرياته قد تبنتها الأكاديمية الأفلاطونية بأثينا التي من المفترض أن تتابع التقليد الأفلاطوني، وخاصة من معاصر "لتيمون" في الأكاديمية والذي أصبح مسؤولاً عنها بعد موت "أفلاطون" وهو "أرسيسيلوس "Arcesilaus" الذي ظل تأثيره على الأكاديمية مدة مئتي سنة بعد ذلك، ولم ينج من هذا التأثير سوى "أرسطو" [٤].

واذا كان أساس الفلسفة الريبية كمذهب فلسفي هو القول: "بأن أحداً لا يمكنه أن يعرف، وأحداً لا يعرف"، فان أخطار مثل هذا المذهب أنه يلقى اذناً صاغية من الذين لا يعرفون الفلسفة ولا يقدرون عليها.

لذلك كان "كارنيدس Carneades" الذي أعقب "آرسيسيلوس" على رئاسة الأكايديمة الأفلاطونية حين يعلن محاضراته، وخاصة تلك التي ألقاها في "روما" يعرض بأولها آراء "أفلاطون وأرسطو"، ويعقبها دوماً بمحاضرات ثانية ينقد ماقاله في الأولى فيها ويعكسها [٥]. ليظهر مدى معرفته بالفلسفة لا لمجرد تبني الريبية عن جهل بها، ومن جهة أخرى ليظهر امكان عكس كل رأي فلسفي مهما صلب.

والجدير بالذكر أنه بعد "كارنيدس" هذا استلم المشائية قرطاجي اسمه الأصلي "حاسدروبالHasdrubal ١٨٠ - ١١٠ ق. م " ويسمي نفسه "كليتو ماخوس Clitomachus وقد ألف زيادة عن مئة كتاب في الريبية، بعضها في اللغة "الفينيقية" عارض فيها الايمان بالله وبالدين والسحر والتنجيم معارضات المشكك بكل قول مطروح فيها، ومطوراً النظرية الريبية نحو ضرورة الأخذ بالاحتمال، طالما أن اليقين غير مبرر في كل أمر، علماً بأن بعض الطروحات التي تبدو يقينية ليست إلا أقرب من سواها للحقيقة، فالاحتمال هو الذي يجب أن يكون رائدنا حين طرح الأفكار والمفاهيم، لأنه من الحكمة أن لاتقود الريبية الى تعليق الحكم Agnostique واللاأدرية، بل يجب أن تقود الى نحو الافتراض الاحتمالي المرجح. وهذه آراء يرى "رسل" أنها لا تتعارض مع ما يأخذ به العلم المعاصر [٦].

ومع مرور الزمن تحولت الريبية كمذهب الى الدوغمائية الرافضة لكل أمر ايجابي بأي شيء، فهم يقولون مثلاً أنه: لو كان الله موجوداً لكان مسؤولاً عن الشر، ولم يبتعد الفكر "الروما أغريقي" عن مثل هذه السفسطة الحديثة اذا صح التعبير، إلا بعد أن غزته الأديان الشرقية وخاصة المسيحية، فصار للفلسفة اتجاه آخر قريبها من المشكلات المفارقة التي يسميها الفلاسفة المسيحيون معلومات الوحي أو الثيولوجيا.

فمن الدوغما الريبية عاد الفكر الغربي الى الدوغما الثيولوجية، فهذا هو المعنى المدان للريبية كمذهب فلسفي، وضرورة الريب في كل موقف فلسفي من جهة أخرى.

نتيجة:

إن الريبية موقف ضروري في كل تفلسف، وأساس هام من أسس كل فلسفة حقيقية، لكنها حين تصبح هي الحقيقة الفلسفية الوحيدة لا أداة من أدوات البحث عن الحقيقة، أي حين تصبح مذهباً، تعلن موت الفلسفة، ألم يقل "نيتشه": (على واحدنا أن لا يخدع، فأصحاب النفوس الكبرى ريبيون. "زارادشت" ريبي…. وما تشكيل القناعات التامة إلا سجناً) [٧].

ثم ألم نلاحظ أن كل فلسفة حين تحولها الى مذهب، تعلن بداية نهايتها، لتتفرق الدوغمائية منها في كل اتجاه!!

لا توجد فلسفة ريبية كمذهب، لأن مثل هذه الفلسفة لا تستطيع أن تؤكد شيئاً ايجابياً، والمزحة الشائعة حول عدم قدرة الريبي على تأكيد أي أمر شأنه شأن اللاأدري "Agnostique" هو: اغلاق باب سيارة على يد كل منهما؟ !

والنكتة الثانية عن الريبي أنه: أراد أن يضع كتاباً يطبق فيه مبادئ فلسفته [٨]؟ !

فائدة:

اذا كانت السخرية لا تضحك إلا حين بروز التناقض غير المؤذي إلا لمن يُسخر منه، فهي وسيلة من وسائل تبيان التمانع في كل تناقض تتعرض له، وهذا التناقض يوقف الحركية الديالكتيكية للتناقض، أي لا يسمح للديالكتيك بالتحلزن لابراز حقائق جديدة من عكس الطباق الديالكتيكي.

وما وقوف الفكر عند طباق لا يمكن أن يخرج منه باطروحة جديدة إلا: العبث الذي يعلن اعدام الفكرة، وعدم صلاحها للنقاش بعد ذلك، مما يستدعي ضرورة اهمالها.

وهذا هو غاية ما يمكن أن يصل اليه الفكر الريبي من ابطاله للحقيقة.

والأدب الساخر يفعل هذا بصورة سفسطية معظم الأحيان، بقلب الحقيقة لاظهار جوانب التمانع المؤذية لها فقط، فاذا كان أمام فكر نقدي قادر على استخدام الريبية ضد ريبه فشل في مثل هذا الهدم، لكن ما ينجح به اذا نجح، يترك أثراً لا يمحى على الحقيقة التي ينجح بعد النقد في قلبها.

الأدب الساخر ريبي وهدام وخطر، ولا يقاوم إلا بفكر ريبي نقدي وايجابي، وإلا سود الضحالات السفسطية على كل ايجابية جادة.

تذكرة:

نذكر "بفولتير" في الأدب الفرنسي وامتداده الى كل الآداب الأوروبية، و"الجاحظ" عند العرب، وننبه: من "عضاريط" المسرح الساخر اليوم عندنا وامتداداتهم السينمائية، التي يدعون أنها فكاهية، حين تعبر عن حقدهم المكبوت على قيم أمتهم، ارضاء لسلطات بعض الحاقدين في الداخل والخارج، من الخاضعين لذهنية الالغاء [٩].

نتيجة:

ينتج من كل هذا أن الانسان بحاجة يومية الى اصدار الأحكام، حول ما يتعرض له من مواقف، فاذا بنى أحكامه هذه على آراء جاهزة لمعالجة هذه المواقف التي تقدمها له عقيدة ما، كان دوغمائياً بمعنى أنه رجل متعصب لعقيدته، ويظن أن الحياة لا يمكن أن يوجد فيها مستجدات لم يعرفها سابقوه.

فالتعصب الدوغمائي يورط دوماً أصحابه حين مواجهتهم لمعضلات لم تطرح عقيدتهم حلولاً لها. ولا تذلل هذه الصعوبة إلا بالحوار الفلسفي مع العقائد الأخرى، وكلما تعرض الانسان بذهن مفتوح للحوار مع المعتقدات الأخرى، كانت آراؤه أقل قطعية، وبالتالي أقل دوغمائية، على أن نميز بين مراعاة الاحتمالية، وبين الريبة واللاأدرية التي سبق وتحدثنا عنها. فريبي مثل "نيتشه" مثلاً لم يكن "لا أدرياً" أبداً وهو حين امتد بريبيته الى نفسه، أي الى مذهبه "بارادة القوة والعدد الأزلي"، كأحكام قطعية في هذا المذهب، ظل يعلن موقفاً، وهو موقف ضرورة تحرر الفكر من كل سلطة حتى ولو كانت من صنعه، من أجل السير كما تفرض ارادة الحياة بخط مستقيم نحو التقدم، فالتلميذ الذي يظل تلميذاً، هو أكبر دلالة على فشل استاذه، كذلك الذي يتبنى مذهباً ولا يحيد عنه في كل سلوكه، حتى لو واجه معضلات لم يتخطر أمام واضع هذا المذهب، هو أكبر دليل على فشل مذهبه لأنه يجسد تشخيصاً واقعياً لمثل هذا الفشل.

("اذهب بعيدا عني وقاوم زرادشت… فربما أنه قد خدعك… فالتلميذ يسيء الى استاذه ولا يكافئه اذا ظل تلميذاً" لذلك يرى "كوفمان" أن فلسفة "نيتشه" تشكل أسطع فلسفة معادية للدوغمائيات الايديولوجية) [١٠].

إن كل تعصب يصبح مبرراً طالما هو بين أتباع دوغمائية واحدة، يثنون على بعضهم ويطيبون لبعضهم بعضاً كل مزاودة تطرف بين أفراد جماعتهم.

فلننتبه الى سلب التعصب وخطره!؟ مما تفرزه كل دوغمائية.

تنبيه:

التعصب "Prejudice" فاعلية فردية سلبية ترتبط بالمشاعر الانسانية، فقط حين ارتباط هذه المشاعر بالأحكام القيمية، بمعنى حين تربط المشاعر الانسانية الذات الانسانية ككل برأي تركن اليه، أو بعقيدة شكلتها عن رأي نسيت كيف شكلته أو تبنت براهينه واقتنعت بها، فيصبح تهافت هذا الرأي أو التهديد بابراز تهافته لصيق الصلة بوهم تهافت كل الذات الانسانية التي تبنته.

ففي التعصب اذا بهذا المعنى مغالاة "Fanatic" في ابراز حسنات ما نتعصب له، تضعف كل قدرة على شرح وتبيان الأسس العقلية التي تدعم ما نتعصب له، وحين الشعور بمثل هذا الضعف يلجأ المتعصب الى تأكيد رأيه بالسلطة بكل أصنافها الممكنة، حسب مدى تمكنه من أي جانب من جوانبها، سواء المالية أو الاجتماعية أو السياسية أو الدينية، أو حتى الوهمية التي يحاول أن يصنع أو يوحي لخصمه بامتلاكها، وهذا التأكيد للرأي بالاستعانة بأي قوة خارجة عن صحة حججه هو: ما يتسم به كل الفكر الدوغمائي "Dogma" المتصلب المتعصب.

تعميم:

الدوغمائية لا تبرز إلا حين ينقل التعصب من الذات الى الآخرين، فهي وإن كانت ظاهرة فردية إلا أنها بالعصبية تصبح ظاهرة اجتماعية، تغذيها آراء سلطوية لا تحمل إلا براهين ذاتية، على أحسن تقدير على صحة منطلقاتها.

فاذا توفرت الشروط الاجتماعية لكي ينفذ الدوغمائيون الى بنية اجتماعية ما، ويسيطروا عليها، ظهرت كل أصناف الدكتاتوريات: الطبقية أو الفردية أو العصبية، حسب العصبيات الدوغمائية المنتصرة.

وهنا ينتقل التعصب من مجرد ارتباطه بالأحكام القيمية فردياً، الى ارتباطه بالاحتكام الى القوة، فيستدعي ضرورة مقاومته بنفس علته، فكما لا تقاوم الجريمة إلا بالعقاب، وهو الاعدام الذي هو في نهاية المطاف نوع من القتل، وكما لا يقاوم الباطل إلا بقوة الحق وهو قوة بقوة، كذلك لايقاوم التعصب إلا بالتعصب اذا ألغي الحوار.

نصيحة:

اذا كانت التوبة تخفف من العقاب أو حتى تلغيه أحياناً، كما لو دل المجرم مثلاً على رأس الجريمة المنظمة التي تستعمله، فمكّن من القضاء على استمرارية الجريمة، ولما كانت مقاومة سلبيات الباطل بتكافل ايجابيات الحق التي تطوقه حتماً وتغنيه، لأنها الأكثر والأقوى في نهاية المطاف - اذا كان ثمة نهاية مطاف - كذلك على الدوغمائيات المتعصبة أن تفيد من سكون فترة انتصاراتها النسبية، لتعود الى الانفتاح قبل أن تعتمل بفترة هذا السكون قوى التعصب الدوغمائي المناوئ.

وإلا لن تكسر هذه الحلقة في دورها - لادورتها - الاجتماعي المغلق.

تعرية:

إن تحليل ظاهرة التعصب فردياً واجتماعياً وفك مغالق - شفرتها - ليست عملية "تفكيك" لهذه الظاهرة فقط، بل تعرية لها كما يجب أن تعرى كل المشاعر السلبية الانسانية، لفقء قيمها أمام كل من هو معرض لابتلاع سمومها المغلفة بالدوغمائية في حال التعصب، والاحتيال في حال سواها.

وطالما أن الخفاء صفة كل باطل، والحقيقة: السفور، فكيف يبعدنا التعصب عن الحقيقة؟ وهل علينا أن نتعصب ضد التعصب حتى نعريه؟ !

اجابة:

للاجابة على السؤال الثاني: قد يبدو أن تعرية التعصب ضرب من التعصب ضد التعصب اذا كان الهدف غير قابل للشرح والايضاح، ولا يرتكز إلا على نفس ركائز التعصب الدوغمائية، ومن البين الواضح أن هذا عمل سفسطائي يخفي الحقيقة بتضليل ركائز المفاهيم والكلمات، فهو مدعاة للسخرية، ولأنه كذلك يصبح مجرد لغو سفسطي من أجل التسلية.

وبعبارة أخرى: لا يمكن أن يوجد تعصب ضد التعصب، كما لا يوجد شر خيّر ضد الشر، إلا بشكلية الفهم السفسطي للمفاهيم من أجل السخرية لتمييع كل فهم.

أما للاجابة على السؤال الأول: فمنه سنخطو الخطوة الأولى لتعرية التعصب فنقول:

إن امتداد "الدوغما" من الفرد الى الجماعة، أو من الجماعة الى أفرادها هو: برأينا سبب معظم المآسي الانسانية، لأن "الدوغما" تعتمد على يقينها الذاتي غير القابل للحوار مع العقائد الأخرى.

سؤال: لماذا؟ !

لأن الوجود معطى لكل واحد منها دفعة واحدة ازاء تواجده المحدود المعرفة، وهو مطالب عبر كل ثقله باتخاذ مواقف، وبالتالي اصدار أحكام على كل أمر وشيء دوماً، فيضطر الانسان الى أن يبدي رأياً بكل مايقدم اليه وكل ماهو متورط فيه، والكثير من آرائنا تحكمها اللغة، أي يحكمها "المعجم". وهناك معجمان الأول لغوي فصيح مكتوب، به كل آراء أجدادنا الغابرين من خلال معاني ومدلولات الكلمات الفصحى، والثاني معجم شفهي "عرفي" محلي تحكمه آراء أجدادنا الأقربين، الذين اختاروا وتواضعوا على مترادف من مترادفات المعجم الفصيح، وأعطوه دلالة محدودة تعنى بغرض بيئتهم في التفاهم المحدود والمحدد بمعرفتهم.

مثال:

خذ مثلاً كلمة هاتف: تجد أنها تعني في المعجم معنى صوفياً بحتاً هو: تلقي الكلام من لا منظور، سواء بصيغة لفظ أو بصيغة معنى على شكل ما يمكن تسميته "بالحدوس" ولأن جهاز الهاتف يحجب صورة المتكلم فيه صار "التلفون" هاتفاً.

فاذا قلنا وزارة الهاتف اليوم، فنحن لا نعني وزارة الجان، كذلك وزارة الطيران ومؤسسات السيارات لا تعني مؤسسات النجوم ولا مؤسسات القوافل… الخ.

التحويل وأخذ المترادفات من المعجم اللغوي الفصيح، وحتى من المعاجم اللغوية الفصحى الأجنبية كأخذ المصطلحات اللاتينية والاغريقية القديمة في كل العلوم والفنون - هو الذي يشكل اللغة المحكية، اضافة الى تبسيط تلك المصطلحات، وعدم التعامل إلا مع دلالاتها المحدودة والمحددة بالمصطلح الضروري للتعامل اليومي - التلفون النقال أصبح اسمه خليوياً في لبنان وجوالاً في السعودية كدلالة لاختيار العامية للترادف الذي يلائم فهمها المحلي للمستجدات - فنحن - إذن - نشكل دوماً لغتنا بالاستناد على مايقدم الينا من معطيات، ومالدينا من معجم شفهي ومعجم مكتوب وهذا ما يقصد به حين القول: إن اللغة كائن حي متطور، بمعنى أنها محكومة بفكر من سبقنا وبأحكامه حول الوجود، وملبية لحاجاتنا المستجدة في ذات الوقت. وما المبالغة "الكومتية" - نسبة الى "أوغست كومت" - بأن الأموات يحكمون فكر الأحياء، بهذا المعنى إلا للفت الانتباه الى أن مواقفنا وأحكامنا تحكمها اللغة، في كثير من جوانبها وهي من صنع أجدادنا وآبائنا، كما يجب أن يفهم هذا المصطلح "الكومتي".

تحديد:

علينا أن نعرف أننا محكومون بآراء موتانا حول الوجود، عبر المعاني المعجمية للألفاظ التي كانوا يستعملونها عبر دلالات معينة، فعلى كل واحد منا أن يعيد فهمه الخاص لا لكل تلك الدلالات - وهذا مستحيل - بل لما يستعمله منها، وإلا فرضت آراءها الدوغمائية عليه.

فالريبية بهذا المعنى ضرورية الى حد ما، وباطلة خارج هذا الحد. كذلك نحن محكومون بالبنى الاجتماعية المتوارثة، الطبقية في المجتمعات الطبقية، وخاصة بالغرب، والعصبية في المجتمعات الشرقية ذات البنى العشائرية عندنا، فعلينا أن لا ننظر الى بنانا الاجتماعية بمنظار غربي يخطيء فهم واقعه، وأن لا نخجل من فهم تركيباتنا العشائرية ذات الأسس القبلية، كما أوضحها مثلاً "ابن خلدون وابن الأزرق": بالعصبية.

والتي نرى أنها تحكمنا كما تحكم كيان العدو، لكن هناك بصورة أشد وأكمل، لانطباق اطاريها العشائري والقومي على بعض، أما بنانا العصبية فعلينا أن نتقصى كيف تعمل واحدتها ضد الأخرى، كثابت أساسي يعيق كل مشروع وحدوي عربي.

وكيف أن "ميكانيزم" أو آلية مثل هذا العمل تتحرك وتعمل بكل أشكال وواجهات التبرير المختلفة بشكل شعوري ولا شعوري، لا يسمح لأي طرح ريبي فيها.

فعلينا أن لا نخاف من الريبية، كما أن علينا أن لا نقف عندها، وبكلا الحالين نثبت مناخنا الفكري الجامد ضد كل تفلسف، أعني ذاك النابع من بنانا العصبية المحاربة لكل فكر حر، والداعية لنا كأفراد دوماً الى الانخراط بدوغمائياتنا العصبية، لنكون أمعة نجتر معها دوماً حلقية مغلقة لتاريخنا، مما لا يسمح لنا كأمة وكجماعات بأي اتجاه حقيقي نحو التقدم.

والتبريرات الموجودة في مناخنا الفكري هذا، بدأ من هجوم أمثال "الغزالي" على الفلسفة، وانتهاء بكل صوفية محلية ضيقة نتجت من ركائز مثل هذا الهجوم، وهذه التبريرات التي لا تسمح بأي طرح ريبي في وعلى مرتكزاتها، لتجعلنا اليوم مجرد كيانات دوغمائية صغيرة يمكن لأي مؤسسة اجتماعية علمية عدوة التلاعب بنا كيف تشاء.

فالريبية ضرورية كما قلنا: لكن الى حد ما، وهذا الحد هو الذي يستدعي عدم تحويلها الى حقيقة بحد ذاتها، بل مجرد أداة للوصول الى الحقيقة، حقيقة واقعنا الاجتماعي الذي فيه كل العناصر الحضارية الايجابية، ازاء معيقات العصبية فيه، والتي علينا الانتباه اليها وفرزها من لحظاتنا التاريخية الحضارية العربية الاسلامية المشرقة، التي وصلت بهذه لحظاتنا التاريخية الحضارية العربية الاسلامية المشرقة، التي وصلت بهذه الأمة في يوم من الأيام الى ذرى الفكر والبنى الحضارية الانسانية.

ونحن اذ نتطلع الى هذه الذرى كي نستعيدها، نعرف أن ايجابيات الماضي لا يمكنها أن تعود الى الحاضر والمستقبل كما هي، بل اذا كان ثمة عود فلا يمكنه إلا أن يكون أفضل.

ولكي يكون كذلك لابد لنا من استخدام كل آليات ووسائل الفكر الفلسفي، وحتى الريبي منها، دون أن نقف عند هذه الآليات فنقع بالدوغمائية، المرفوضة من كل ذوق كل فلسفة.

فاذا أردنا أن نعيد الشعور الوطني المتراجع اليوم، علينا أن نحدد أسباب تراجعه الدوغمائية العصبية في اليقينيات الساذجة، والتي ستظل على سذاجتها طالما نتنكر كأمة لمستوى معرفي انساني نظن أننا لسنا بحاجة اليه، ألا وهو: الفلسفة.

تلك التي نقتلها بجامعاتنا حين نحرم طلابنا منها خوفاً من حرية الفكر الذي فيها، أو نقصرهم على جانب اعتقادي واحد فيها.

وفي كلا الحالين نحتكم الى ظن أن التقنية وحدها كفيلة باخراجنا من ثباتنا الحضاري.

الوطنية ليست بفرض واحدية الفكر والرأي على الناس، ولا هي بحب الأرض وحدها، بل بمدى قدرة الناس على هذه الأرض في التفاهم والتآخي والمحبة، أي أن حب الوطن ليس إلا حب كل الناس الذين هم فيه، مهما كانت انتماءاتهم.

ولتحقيق هذا المطلب لابد من الشك، واعادة النظر بكل البداهات التي يظهر فيها كره جماعة لأخرى في وطن واحد، بكل بداهات العشائريات العصبية.

ومثل هذا الموقف الريبي ضروري للأمة العربية اليوم، على أن لا تتجاوزه نحو الغاء عقيدتها الأساسية، وأن لا تتطرف فيه نحو عدم القبول والشك بكل رأي يقدم.

هكذا تتحدد الريبية [١١] فنعرف متى نستعملها ومتى يجب الاقلاع عنها!! وهذه هي الخطوة الأولى نحو فلسفة عربية اجتماعية صحيحة، كحلم نعلنه بلا ريب.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - باحث من سورية، والبحث نشرناه باذن خاص من "المعرفة" السورية.

٢ - Kant, Lectures on Logic, Cambridge University Press, ١٩٩٩٢.

٣ - Ibid, P. P ١٥ - ٦١

٤ - Bertand Russell, History if wstern Philosophy Routledge, london

. ١٩٩٦,PP. ٢٤٤ - ٢٦١

٥ - . I bid, P٢٤٥

٦ - I ibd, P ٢٤٧.

٧ - Walter Daufman, Nietzsche, Princton, New Jersey, Pinceton Univer

Press, ١٩٧٤ , P ٩٢.

٨ - يستطيع الفيسلوف الريبي أن يضع كتاباً أو كتبا تشرح مبادئ فلسفته لكنه لا يستطيع أن يضع كتاباً يطبق فيه هذه المبادئ لأنه سيشك في كل نتائجها، أما اللا أدري فلا يمكنه أن يقرر أي نتيجة!! فعلى أي أساس سيقرر أنه لا أدري في كتابه المفترض.

٩ - سننبه الى هذه الذهنية في كتاب تحت نفس هذا العنوان قيد الطبع.

١٠ - Walter Kaufmann, Nietzsche. OP. cit, P١١٧

١١ - كموقف ضروري، لا كمذهب فلسفي.



[ Web design by Abadis ]