ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحرية حق طبيعي و مقنن \ الاستاذ محمد جواد السهلاني

قضية الحرية الانسانية موضوع حضاري اختلفت فيها الرؤى باختلاف نظرة كل حضارة الى الكون والحياة والانسان، وهذا المقال يحاول استجلاء نظرة الاسلام الى هذه القضية الحضارية الحساسة.

يقولون "إن الانسان محترم بما هو انسان، اذن فارادة الانسان واختياره محترمان كذلك، فله الحق في اختيار ما يشاء وما يرغب لأنه انسان ولا يحق لأحد أن يعترض عليه".

بيدَ أنّه لابد من الاجابة على هذا السؤال: هل إن من لوازم احترام ارادة الانسان هو احترام ما يختاره؟ أم أن احترام الانسان يتجلى في احترام قابلياته وكمالاته؟ إن إنسانية الانسان تقترن بسلسلة من القابليات والطاقات الراقية السامية التي اودعها الباري - تبارك وتعالى - في كيان البشر، اذ قال في قرآنه الكريم: (ولقد كرّمنا بني آدم…. ) [٢].

لقد وهب الباري - عزّ وجل - للانسان الفكر والقدرة على التفكير والقابليات العلمية، ولهذا السبب فإن الانسان محترم اذا ما قورن بالحيوان او النبات.

وكذلك بناءً على ما ورد في الآية الكريمة: (وعلّم آدم الأسماء كلَّها) [٣].

لقد علم اللّه الانسان كل أسمائه وشؤونه، فكمال الانسان في أن يكون عالماً، وللانسان منظومة من القابليات والاستعدادات الاخلاقية والمعنوية، ويمكنه أن يمتلك أسمى الفضائل الاخلاقية والمشاعر القيّمة. فلو أن إنساناً ما افنى انسانيته بيده وشن الحرب على كمالاته وفضائله فإنه يغدو حيواناً وعدواً لدوداً للانسان.

فمثلاً اذا حاد انسان بالقوة وتمرّد على الانسانية الحقّة وخصالها السامية كالصدق والحق والامانة وأصبح كمكيافلّي يؤمن بأن الاخلاق والانسانية والشرف والشهامة سلاح بيد الاقوياء ينبغي أن يستعمل ضد الضعفاء، وأن الاساس هوالسيادة والرئاسة، فإن مثل هذا الانسان يغدو عدواً للانسان.

ويتحدث القرآن الكريم عن الموقف المعادي والتعجرف والتمرد لدى الكفار كحالة تطرفية افراطية من حالات الغرور والعجب لدى الانسان منشؤها حمية الجاهلية.

فاذا أبدى بعض الناس وقاحةً بحيث بلغ بهم التجاسر أن يقفوا بوجه الحق مثل هذا الموقف غير القابل للتصديق يكون قد اختار الجهل وبمقتضى الحرية الانسانية يجب أن يعالج أمرُه ويوقف عند حدّه بحزم، اذ أن المؤمن الحقيقي هو عبد اللّه الذي يخضع للحق ويستجيب له، ولا ينطلي عليه الخداع والغرور الشيطاني ولا يبقى اسيراً للهوى والهوس والرغبات.

والقرآن الكريم يعتبر (الهوى) السبب الاساس والمباشر للضلالة، فكل من يتّبع هواه في الأمور والقضايا الدينية لاشك أنه يبتعد عن سبيل الرشاد والهدى ويتنكّب عن جادة الصواب والحق، والذين يتّبعون خطى أهل الهوى ويسيرون على آثارهم فإنهم لابد وأن ينحرفوا عن سبيل اللّه ويضلوا، كما تقول الآية الكريمة: (قل إني نُهيت أن أعبد الذين تدعون من دون اللّه قل لا أتّبع أهواءكم قد ضللت اذاً وما أنا من المهتدين) [٤].

اذن; فالاسلام يرى أن الحرية تعني الانعتاق والتحرر من العبودية والطاعة لغير اللّه. اما أصحاب المناهج والمدارس الحقوقية الاخرى فإنهم يرون أن معنى حرية الانسان هي استطاعته اختيار كل شيء يريده وقدرته على اختيار أي شيء يرغب فيه ومن بينها العبودية لغير اللّه.

ومن وجهة نظرهم، فإن الانسان حرٌّ في أن يقبل او يرفض الدين الالهي! لأن الدين الالهي هو الآخر شأنه شأن الامور الحياتية العادية والقابلة للرفض والقبول واختيارها يخضع للذوق والرغبة.

وبعبارة اكثر صراحةً: إنهم يرون أن المرء مثلما يكون حراً في اختيار ثيابه وطعامه فإنه حرٌ في اختيار دينه ومعتقده.

وبعبارة اخرى: إن الدين امر لا يقبل البرهنة والتدليل أساساً وله جذور في أعراف وآداب الناس.

اما في منهج الوحي فإن هذا التحرر المطلق يعني الرق والعبودية، اذ لو كانت الحرية بهذا المعنى وهو أنه كلما رغب فيه الانسان فبامكانه أن يعتبره ديناً له وشريعة، وهذا أمر لا يعني سوى اتّباعه الهوى والهوس. كما قال اللّه تعالى في كتابه العزيز: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه…. ) [٥].

إن الانسان حر من الناحية التكوينية وليس مجبراً على اختيار أي دين، لكنه ملزم من الناحية التشريعية أن يؤمن بدين الحق.

هذا الاختلاف في فهم وتفسير الحرية يتسبب في كثير من الاحيان - في تنكّب أتباع المدارس والمناهج الحقوقية الاخرى جادة الصواب، ويضلون، وهذا ما حصل خلال تدوين المواد الحقوقية لمواثيق الامم المتحدة.

والآن نريد أن نبحث في بعض مصاديق هذا الاختلاف وهي الحرية السياسية. ففي أجواء الإباحيّة والفردية الضيقة وهي أجواء ملوثة وموبوءة ومظلمة، يغدو معنى الحرية السياسية أن يشارك الاشخاص في الانتخابات ويدلوا بأصواتهم لأي شخص او فئة يريدونها ويتفاخرون بهذه الديمقراطية! اما في أجواء التوحيد النيّرة فإن الحرية السياسية لا تعني فقط ذلك، ولا تتحدد في هذا المحور وحده، مطلقاً.

ففي هذه الأجواء، يجري الحديث عن (الوكالة) و (الولاية) أيضاً. والفرق كبير بين (وكالة الفقيه) و (ولاية الفقيه). فطبقاً للفكر الاسلامي والعقل السليم، نجد أن المجتمع الديني والطالب للكمال يدلي بصوته للولاية القيادية ويحمل الولاء لها، ومتبعاً ولاية فقيه تتوفر فيه الشروط الدينية المقررة من قبل الشرع الإلهي، وبذلك يكون الحكم الحكومي نافذاً على جميع الشرائح والفئات والاشخاص في المجتمع المدني الاسلامي، ويعمل الجميع بالفتاوى الفقهية والاحكام السياسية والاجتماعية وبأوامر القيادة.

ومظهر آخر لبروز هذا الاختلاف طبيعة فهم حرية العقيدة والتعبير. فالقرآن الكريم يوضح حدود ومجال حرية العقيدة، بشكل كامل، فيقول: (…. فبشّر عباد. الذين يستمعون القول فيتّبعون أحسنه…. ) [٦].

ومن ناحية اخرى، فإن القرآن الكريم يوضح في آية اخرى ماهو هذا (القول الأحسن) فيقول: (ومن أحسن قولاً ممن دعا الى اللّه وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين) [٧].

وعلى هذا الاساس، فان القرآن الكريم في نفس الوقت الذي يدعو الناس الى اتّباع أحسن القول يعرّفهم عليه ويوضح خصائصه.

ولا يلتفت أتباع المناهج الاخرى الى هذا الامر ويتصورون أن البشر يتمتعون بكامل الحرية المطلقة في ما يختارونه وما يريدون القيام به، وبامكانهم اختيار أي عقيدة شاؤا!

وكما يقول المفكر المتأله سماحة آية اللّه الجوادي الآملي في كتابه "فلسفة حقوق البشر": "إن القرآن الكريم وضمن تقديمه هذه القاعدة العامة والكلية (الحرية في اختيار القول الأحسن) فإنه أوضح مصداق هذه القاعدة (أي ماهية القول الأحسن) ايضاً. وإن القاسم المشترك بين الفكر الاسلامي والفكر الالحادي هو القاعدة والمبدأ الكلي والأوسع. ولكن لابد من الانتباه الى أن في القرآن الكريم بيّن في مبدأ وقاعدة اخرى ماهو القول الاحسن.

وفضلاً عن ذلك، فإن هذا المبدأ واسع وهذه القاعدة واسعة وهناك مبدأ آخر بيّنه القرآن بدقة يمكن أن يدعى مبدأ اكثر تحديداً. في هذا المبدأ قدم القرآن نموذجاً للقول الأحسن وهو نموذج من قول النبي الاكرم (صلى الله عليه وآله) وهو يعد القضية الصغرى والمصداق الملموس لتلك القاعدة الكلية العامة والمبدأ الواسع: (أدعوا الى اللّه على بصيرة أنا ومن اتَّبعني…. ) [٨].

وبناءً على تينك القضيتين الكبرى والصغرى اللتين وردتا كمبدأين اوسع وواسع فإن القول الاحسن هو الدعوة الى اللّه، وفي هذه الآية يعتبر النبي (صلى الله عليه وآله) داعياً الى اللّه.

وبهذا المبدأ الضيق أو المصداق المحدّد يمكن الاستنتاج بأن النبي (صلى الله عليه وآله) هو حامل وناقل ذلك القول الأحسن.

اما أتباع الفكر الإلحادي فإنهم يتّبعون المبدأ العام المطلق ويتغافلون عن هذين المبدأين الذين يبيّنان ذلك المبدأ ويعتبران روحه ومحتواه ومصداقه. بينما ينبغي أن يُعلَم أنه ليس من صاحب منهج أو مؤسس مذهب إلا ويعتبر نفسه صاحب القول الأحسن; بل وحتى أتباع فرعون الذين ارتكبوا من الجرائم مالا يحصى، يعتبرون أنفسهم أصحاب المذهب الأفضل ويحذّرون الناس من موسى وأخيه هارون اذ قالا كما جاء في القرآن الكريم: (يريدان أن يُخرجاكم من أرضكم بسحرهما ويذهبا بطريقتكم المثلى) [٩].

والمصداق الآخر للاختلاف المذكور يمكن ملاحظته في (الحرية الاقتصادية). ففي الاسلام، يقال - بعد بيان حلالها وحرامها - إن كل انسان مسلط على مايملك ومختار في نتاجات وثمار نشاطاته الاقتصادية كما قال اللّه سبحانه وتعالى: (…. للرجال نصيب مما اكتسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن…) ٢.

وبامعان النظر في بحث الاستقلال والحلال والحرام يمكن ادراك أن الحرية الاقتصادية - في ضوء الفكر الاسلامي - محترمة ومصانة في اطار العبودية للّه واحترام التعليمات المبيّنة للحلال والحرام.

اما في الفكر المادي فليس هناك من حدود او قيود على المعاملات والعقود والتصرفات والسلوك الاقتصادي سوى الملاحظات والامور الاقتصادية. ولهذا السبب فإن اسوأ انماط التعامل والتبادل واقذر اشكال التصرفات تعتبر جائزة ولا بأس بها في الفكر المادي، حتى لو أدى ذلك الى سحق أسمى المثل الاخلاقية وتدمير القيم الانسانية.

أما بشأن الحق الطبيعي للانسان فله في الثقافة والفكر الاسلاميين مكانة خاصة ومفهوم سام، وهو يستند الى الفطرة الإلهية، ولو كان له غير هذا المعنى لما كان صائباً، إذ أن خالقية اللّه الواحد الأحد هي وحدها التي يمكنها أن تعطي للبشرية حقها الوافي.

وكما يقول العلامة الجوادي الآملي:

"ولأن المبدأ الفاعل للحقوق - وهو اللّه - سبحانه منزّه عن المادة والطبيعة، فإن مبدأها الغائي ايضاً سيكون مبرّأ من الزمان والمكان وأية قيود مادية اخرى. ولذلك فإن مجرى العدالة يكون - وفقاً لبعض الآراء - اساساً للحقوق، ووفقاً لبعض الادلة الاخرى يعدّ هدفا للحقوق.

وبالرغم من أن ذلك صحيح الى حد ما ولكن ليس صحيحاً بصورة كاملة، لأن الهدف النهائي من تحقيق وتحقق حقوق الفرد والمجتمع; وصول الانسان الى مكانة سامية ومنزلة عليا في لقاء اللّه تبارك وتعالى. فالقرآن الكريم وضمن ثنائه على القسط والعدل، يرى أنهما صفتان ممتازتان يستطيع المقسطون والعادلون العروج بهما الى مقام أسمى، وبهذا المقام تصبح روح الانسان الساعي الى الحق نورانية.

وهذا ما يمكن استنباطه من الآية الخامسة والعشرين من سورة الحديد المباركة، والتي تؤكد على أن هدف رسالة الانبياء ونزول الكتب السماوية الدينية (أن يقوم الناس بالقسط) ويضاف هذا المفهوم الى ماورد في بداية سورة ابراهيم التي تضمنت التأكيد بأن المقصود من نزول الكتاب الإلهي تنوير الناس وهدايتهم الى الصراط المستقيم كما قال اللّه تعالى في كتابه الحكيم: (كتابٌ أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات الى النور باذن ربهم الى صراط العزيز الحميد [١١].

ومن جهة اخرى، فإن الفطرة بمعناها العام تشمل الطبيعة التي فطرها اللّه، لأن كون اللّه فاطرا لا يقتصر على خلقة الموجود المجرّد. كما أن ظاهر الآية الأولى من سورة فاطر يجمع ويشمل الموجودات المجردة والمادية كما قال اللّه تعالى: (الحمد للّه فاطر السموات والأرض…. ) [١٢].

ومن جانب ثان، فإن الفطرة بالمعنى الخاص في مقابل الطبيعة العامة، أي أن الانسان يتكون من - البدن المادي والروح المجرّدة، إذن أن ما يدرك ويفهم ما وراء الطبيعة ويشاهد المخلوقات الغيبية بعين البصيرة ويعاهد ويرى انه الغريم الذي ترتبط به العهود الغيبية ويعترف بربوبية اللّه تبارك وتعالى ويقر بعبوديته للذات الإلهية المقدسة; إنما هي الروح الانسانية المجردة التي ورد ذكرها في آية أخذ ميثاق الذرية (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنّا كنّا عن هذا غافلين) [١٣].

وبالرغم من أن الانسان يتكون من جسد مادي وروح غير مادية لكن أصالة هذا المخلوق تعود الى هذه الروح المجرّدة التي تقوم بتدبير الجسد وادارة شؤونه. وبناءً على هذا الاساس فإن معرفة حقوق الانسان يجب أن يسبقها معرفة جوهره وتكوينه، ولذلك فإن جميع حقوق الانسان ينبغي أن تكون في ضوء هاتين النظرتين.

- الاولى: الناحية الطبيعية والمادية التي هي فرعية:

- الثانية: الناحية الفطرية التي هي الأصل.

واذا كان تقويمنا لحقيقة الإنسان مبنياً على اساس مادي وطبيعي محض نكون قد انكرنا جزءاً مهماً من حقيقته.

واذا اعتبرنا أن حقيقة الانسان تساوي الناحية المادية والفطرة وأخذهما بنظر الاعتبار على قدم المساواة لجعلنا الفرع والأصل متماثلين وساوينا بينهما، ولو فضلنا الجسد والمادة على الفطرة والروح نكون قد فضّلنا الفرع على الأصل وقدمناه عليه وأزحنا الأصل عن الارجحية والأقدمية، وفي هذه الحالة فإن حقيقة الانسان تكون قد مسخت وشوّهت فصارت مصداقاً لقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "ولُبس الاسلام لبس الفرو مقلوباً" [١٤].

وبالالتفات الى النقطة المذكورة، اذا اعتبر شخص - وفقاً لما يصطلح عليه - أن الطبيعة والفطرة يمثلان شيئاً واحداً وأن الحقوق الطبيعية المادية والفطرية واحدة كذلك ولا يرى بأساً في ذلك لأنه حر في ما يصطلح عليه، ولكن لو اعتبر شخص كل حقيقة الانسان تتجلى في طبيعته وناحيته المادية وأن الفطرة شيء غير مغاير للجانب الطبيعي للانسان فإنه يكون قد أنكر جزءاً مهماً وأصيلاً من الانسانية. وفي هذه الحالة فإن حقوقه لن تدوّن بشكل صحيح، ولهذا فإن تنظيم حقوق الانسان لابدّ أن يسبقه البحث والتحقيق في فلسفة الحقوق، واذا لم يعرف مقنّن الحقوق الحق جوهر وحقيقة الانسان فكيف يمكنه تدوين حقوقه؟

اضافة الى ذلك، فإن صفة كل مخلوق تتبع جوهر الموصوف أو حقيقته، وحقيقته تتبع وجوده أي أنه اذا كانت حقيقة موجود ما غير محدودة ولا متناهية، فإن خصوص صفته الذاتية تكون كأصل وجوده لا متناهية ولا محدودة حتى لو كان وصف فعله محدوداً.

ولكن اذا كان وجود الموصوف محدوداً ومتناهياً فمن المؤكد أن صفته - سواءً صفة ذاته او وصف فعله - يكون محدوداً كذلك ومتناهياً، وبما أن وجود الانسان محدود وأوصافه الكمالية - من قبيل الحياة، والعلم، والقدرة والإرادة وأمثالها - متناهية تكون حريته هي الأخرى محدودة، أي أنه لا يمكن أن يكون اصل وجود الإنسان محدوداً ومتناهياً وبينما حريته - التي تعتبر من اوصافه - مطلقة ولا متناهية، بل انها هي الاخرى مقيّدة ومشروطة ومحدودة.

والآن يطرح هذا السؤال: ماهو العامل الاساس الذي يعيّن حدود حرية الانسان في شؤون وجوده، سواءً في العقيدة والاخلاق والحقوق، والاعمال، والاحوال، وبالجملة: السنّة وسيرة حياته؟

إن ما يمكن أن يكون الجواب المنطقي للسؤال المذكور هو ان الجانب الاساس والعنصر الوحيد الذي يمكنه تحديد حرية الانسان هو مبدأ تحديد أصل وجوده. اي أن اللّه الخالق هو الذي منح الوجود المحدود للانسان في الدنيا، والكيان المحدود هو المرجع الوحيد الذي يمكنه تعيين حدود حريته، لأن غير ذلك الخالق المعطي للحياة لا يمكن لأي مبدأ آخر أن يحيط بالكون ويعلم كل شؤونه.

وعلى هذا الاساس فإن المرجع الصالح الوحيد الذي يستطيع تحديد حرية البشر هواللّه - تبارك وتعالى - الذي اعطاه وجوداً وكياناً محدوداً وجعل لكل شيء قدراً محدوداً حيث قال سبحانه: (إنا كلَّ شيء خلقناه بقدر) [١٥].

واذا ظن كل امرئ نفسه متحرراً من كل قيد واتبع هواه ورغباته في التخطيط لنفسه، فعليه أن يعلم أنه يحمل في ذهنه ادعاء وصف اللاتناهي واللامحدودية لموصوف محدود، وأنه ادعى الربوبية لوجوده المحدود!

فالحرية التي هي من أجمل صور الحقوق، ليست ملكاً للانسان بل هي وديعة اللّه التي اؤتمن عليها، وعلى الانسان يقع واجب حمايتها وأن لا يقصّر في حراستها وأن لا يفسرها برأيه كيف يشاء.

لا يحق لأحد أن يهمل هذه الوديعة الإلهية ويجعل من نفسه عبداً للآخرين، أي أن يبدل حريته - بذرائع واهية واطماع ساذجة - الى عبادة للشهوات والرغبات المدمّرة للحرية مثلما أن الحياة وديعة ربانية وأمانة إلهية وليس من حق أحد أن يقدم على الانتحار حتى في أحلك الظروف وأشدّها، لأن الانتحار والعبودية كلاهما خيانة للأمانة الإلهية.

ماهو القانون؟

إن وجود القانون وحاكميته للمجتمع البشري ناتج عن ضرورة تأمين متطلبات الحياة البشرية في المجتمع، والسيطرة على الاهواء والميول الانانية التي تؤدي الى ظهور الخلافات والنزاعات، واستمرارها يؤدي الى فساد المجتمع وفنائه. ولذلك فمن الضروري أن نقدّم تعريفاً مختصراً للقانون:

القانون عبارة عن مجموعة من المعايير التي يستند اليها من اجل معالجة الخلافات بين الناس، وهي المعايير المقبولة من قبل المجتمع.

ولتوضيح هذه الحقيقة يمكن القول إن في طبيعة الانسان عوامل وعناصر مختلفة تحثه على ايجاد الحياة الجماعية، وليست هناك حاجة الى تفكير ونظر لجعلها تقرّب الناس من بعضهم البعض، ومن هنا يمكن اعتبارها عوامل غريزية وفطرية، تحمل الانسان بشكل شبه واع على اختيار الحياة الجماعية وهي تلعب دورها كأولى عوامل وجود أو ظهور المجتمع.

اضافة الى هذه العوامل الفطرية، فإن العقل أيضاً يحكم بضرورة الحياة الاجتماعية ويعتبرها ضرورية لتأمين مصالح البشر وتحقيق منافع الانسان المادية والمعنوية، ويحمل الناس على اختيار الحياة الاجتماعية بوعي وحرية.

ولكن بما أن الحكم المذكور من احكام العقل البديهية فإنه من الاحكام الواضحة والمفهومة للجميع ويمكن اعتباره بهذا المعنى عاملاً فطرياً آخر لإيجاد واستمرار الحياة الاجتماعية.

ومن ضمن العوامل الغريزية ذات التأثير في قيام الحياة الاجتماعية للناس; الغرائز والعواطف التي تؤدي الى تكوين العائلة واقامة العلاقات العائلية.

اولاً: إن الغريزة الجنسية وبالرغم من أنها عامل قوي ومهم في جذب الرجل والمرأة احدهما الآخر، ولكن لا يمكن اعتبارها العامل الوحيد في تشكيل العائلة وقيام المجتمع، لأن هذه الغريزة توجد عند جميع الحيوانات، بينما لا نرى أنها تعيش كلها حياة اجتماعية.

وإنما العنصر الذي يزيد من أواصر الرجل والمرأة ويقوي علاقاتهما في اطار وحدة اجتماعية هوالعاطفة الشديدة بين الزوجين مما يؤدي الى ظهور الانس والأُلفة والمحبة والمودة عند كل واحد منهما تجاه الآخر.

ثم تؤدي العواطف المتبادلة بين الاب والام من جهة، والأولاد من جهة اخرى، الى استحكام البنية العائلية وقوة العلاقات بين افراد العائلة، ونتيجة لتوسع نطاق العائلة وظهور الاجيال التالية تتسع هذه العلاقة.

يقول القرآن الكريم في هذا الصدد: (ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم ازواجاً لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودّة ورحمة…) [١٦].

وقال (عزّوجل): (وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة) [١٧].

وعلاوةً على العواطف العائلية التي تعتبر ركائز اكثر الوحدات الاجتماعية طبيعيةً - أي العائلة - فإن هناك عواطف اجتماعية أُخرى من شأنها خلق الانسجام على صعيد اوسع، أهمها عاطفة حب الناس الآخرين والتعاطف معهم ومواساتهم، وعندما تقوى هذه العاطفة وتتعمق عن طريق القيم والمثل الاخلاقية والتربوية والدينية، فإن باستطاعتها أن تخلق آثاراً مدهشة في المجتمع ويمكنها أن تزين صفحات التاريخ البشري بأروع صورة، وتكون مناراً لمسيرة الأجيال القادمة، من أجل بلوغ العزة والحرية والسموّ.

أما العامل العقلي الذي يلعب دوراً مساعداً ومهماً في تكوّن واستمرار المجتمع فهو الايمان بهذه الحقيقة وهي أنه ليس هناك أحد بـإمكانه تأمين مصالحه وتحقيق منافعه المادية والمعنوية بمفدره، ودفع كل الاخطار وآفات الحياة عن نفسه، والحيلولة دونها.

وعلى أساس هذا الامر، فإن العقل يحكم بأن يعيش الناس متلاحمين ومنسجمين ومتعاونين، في سبيل البقاء على قيد الحياة والعيش الكريم وبلوغ مراتب الكمال المادي والمعنوي والبقاء بعيداً عن جميع الأخطار.

هذا العامل العقلي يتجلى دورهُ اكثر فأكثر عندما يحمل الانسان نظرة كونية ومعتقداً، وفي ضوء الايمان والاعتقاد بدين الحق يستطيع اكتساب معارف أوسع واكمل وأدق - من ناحية - وقيم أسمى وأعمق واعلى من ناحية اخرى.

وبعبارة أخرى، فإن تأثير العامل العقلاني في ايجاد المجتمع له مراتب ودرجات، أولها تتحقق في أوطأ المراتب الثقافية للناس، وهي ادراك ضرورة التعايش من أجل بلوغ المنافع والحصول على المصالح ودفع الأضرار والأخطار المادية.

بَيدَ أنّ درجة تأثيره لا تنتهي بهذا المقدار وإنما عبر توسيع نطاق المعارف الصحيحة والرؤى العميقة والايمان بقيم أسمى يمكن أن يزداد هذا الدور، ويؤثر في بناء مجتمعات وأنظمة ذات أهداف أعمق.

والنتيجة هي أنه على الرغم من أن الرغبة نحو الحياة الاجتماعية لايمكن البرهنة والتدليل عليها في طبيعة الانسان كما هو الامر لدى بعض فصائل الحيوانات كالنمل والنحل، ولكن هناك عوامل فطرية وعقلية مختلفة في الانسان، من شأنها حمله على الميل والرغبة في الحياة الاجتماعية، وتجعل هذا النمط من العيش ضرورة لا يمكن اجتنابها في نظر الانسان.

ولابد من أن نضيف بأن تأثير العامل العقلي والوعي لدى الانسان في تحقيق وتكامل حياته الاجتماعية، ليس دليلاً على نقص هذا المخلوق بل لابد من اعتباره دليلاً على كماله وتفوقه قياساً ببقية المخلوقات. ذلك لأنه - على هذا الاساس - يدير اموره بناءً على معرفة وبصيرة ووضوح الرؤية والاختيار، وليس محكوماً بالغرائز العمياء والاهواء المجردة، وهذا بحد ذاته من انماط الاستقلال والاعتماد على النفس، ودليلا على الشرف والسمو والفضل والتفوق للانسان.

من ناحية اخرى، فإن لكل انسان غرائز وميولاً ورغبات واهدافاً تسوقه نحو تأمين طلباته وحاجاته الشخصية. فمثلاً: الاحساس بالحاجة الى الطعام واللباس يدفع الانسان الى السعي لتوفير الاكل والملابس. والاحساس بخطر الحوادث الطبيعية وخطر هجمات الحيوانات الوحشية والمضرة يدفعه الى اعداد المسكن ووسائل حماية نفسه مما يجعله يسعى لتأمين ذلك.

وهكذا بالنسبة لسائر الغرائز والمتطلبات الطبيعية والنفسية، كل واحد تحمل الانسان بمقتضاها الى طلب شيء يجعل الانسان يجد ويجهد نفسه من أجل ارضائها واشباعها، واستعمال فكره وذهنه لبلوغ اهدافه التي يروم تحقيقها، ويسخّر قواه الجسدية والروحية لكي يستخدم أنواع الجمادات والنباتات والحيوانات، ويتصرف بها كما يشاء لينتفع بفوائدها وينال ما يبتغيه ويريده، لتأمين حاجاته الضرورية.

وإن انتفاع الانسان من باقي المخلوقات لا ينحصر في نطاق محدود، وبالاضافة الى استخدام الاشياء فإنه يسعى للاستفادة من باقي افراد البشر باشكال واساليب مختلفة، ويسخّر بني نوعه من أجل خدمة مصالحه.

وهذا ما رأيناه ونراه من محاولة الانسان فرض أنماط سيطرته الفردية او الجماعية والوطنية والعرقية على باقي افراد البشر وأجياله المختلفة، وهناك العديد من الانماط والامثال والنماذج لهذه الحقيقة الماثلة في تاريخ الحياة الانسانية، ومازلنا نراها ماثلة اليوم في العالم المعاصر، بأشكال شتى، منها الاستئثار والاستغلال وطلب الهيمنة والسعي للتسلط، بحيث إن بعض العلماء اعتبرها صفة ذاتية في الانسان وغير قابلة للتغيير.

وعلى أية حال; فان وجود الرغبات والميول الفردية لدى الانسان أمر لا يمكن انكاره او الشك فيه ابداً، وإن التصور القائل بأنه ربما يأتي يوم تزول فيه الرغبات والطلبات الشخصية بشكل كامل او أن تذوب شخصية الانسان تماماً في المجتمع وتتغيّر طبيعته تغيّراً كاملاً، خيال ووهم ليس إلا، وعلى الأقل يمكن اعتبارها مجرّد نبوءة ساذجة وغير منطقية.

وبالطبع فإن الانسان قادر على الامتناع عن تلبية رغباته الغريزية او تفضيل بعضها على الآخر، استناداً الى قوة الارادة لديه وبناءً على اختياره ومشيئته، بل ويمكنه القيام بهذا الامر طبقاً لحكم العقل وعلى اساس اختيار مصلحته، أي أنه من الممكن أن يصل العقل الانساني - في بعض الحالات - الى هذه الحقيقة وهي أن من اللازم أو الأجدر بالانسان - من أجل حفظ مصلحة المجتمع او في سبيل تأمين منافع الآخرين - أن يصرف النظر عن مصالحه الخاصة، وخاصة وفقاً للرؤية الإلهية، وهذا النوع من الايثار والتضحية ستقابله انماط من الأجر واشكال من الثواب الخالد، والنتيجة أن المرء يشعر في ضوء ذلك أن التضحية والايثار - فضلاً عن أنهما لم يكونا مضرّين له - بل سوف يتسبّبان في حصوله على نفع كبير، ويكون بامكانه التحكم بأهوائه النفسية وتنظيمها على اساس العقل والتفكير السليم، بشكل أسهل، كما ورد في القرآن الكريم: (يا أيها الذين آمنوا هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم* تؤمنون باللّه ورسوله وتجاهدون في سبيل اللّه بأموالكم وأنفسكم ذلك خير لكم إن كنتم تعلمون * يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنّات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبةً في جناتِ عدن ذلك الفوز العظيم) [١٨].

وفي آية اخرى من القرآن الكريم: (ان اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنّة يقاتلونَ في سبيل اللّه فيقْتِلُون ويُقتَلون وعداً عليه حقاً في التوراة والانجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من اللّه…. ) [١٩].

ولابد هنا من التذكير بأن أيّاً من الامور التي مرَّ ذكرها آنفاً لا يعني إنكار الرغبات والميول الفردية لدى الانسان لأن فقدان الرغبة والدافع شيء، وعدم الاستجابة له لأي سبب كان شيء آخر. فقيمة هذه الأنماط من الايثار والتضحية - اساساً - في مجال وجود الرغبات والميول الفردية امر قابل التحقيق وحينذاك يغدو مشهوراً، والا فمجرد غض النظر عن شيء لا يحبه ولا يرغب فيه المرء، لا قيمة له، وفي هذا الصدد فان القرآن الكريم اعترف بوجود هذه الميول والرغبات في طبيعة الانسان، لكنه انكر تأثيرها القسري عليه، واعتبرها قابلة للسيطرة والتحكم بها واكد ضرورة تغييرها وتوجيه مسارها حتى أنه قال: (إن الإنسان خلق هلوعا* إذا مسّه الشر جزوعاً * وإذا مسّه الخير منوعاً إلا المصلّين * الذين هم على صلاتهم دائمون) [٢٠].

وإن استثناء المؤمنين والمصلّين والعابدين في مثل هذه الآيات لدليل على أن الرغبات والميول الفردية لا تعتبر عناصر وعوامل جبرية وقسرية لا يمكن التحكم بها، وهي لا تؤدي الى سلب ارادة وحريّة الانسان، ولابدّ له أن يتحكّم بها ويتغلب عليها وينظّمها على اساس حكم العقل، لأن التكامل الحقيقي للانسان يحصل من خلال التمرد على الاهواء النفسية ومخالفتها، واتّباع الاهواء النفسية والأنانيّات والعنجهيات اساس ومصدر المفاسد الاجتماعية والسقوط الاخلاقي والانحطاط المعنوي للانسان.

إن الاستجابة للرغبات والميول الفردية تؤدّي الى التزاحم والتعارض بين الناس، شاء الانسان أم أبى، وبخاصة عندما تكون مشاعر التنافس وطلب التفوّق هي السائدة في المجتمع، وسوق التفاخر والتكاثر مزدهرة وعامرة، وكل امرئ يفكر في توسيع ما يستولي عليه والاستحواذ على المزيد من الامتيازات بسعي محموم وجهد متواصل.

وبديهي أن شيوع هذه الصفات وتفاقم حالة التنافس لتحقيق التفوق يؤدي الى النزاع والخصام على صعيد المجتمع وانتشار القتال والحروب وبالتالي شيوع الفوضى والتعسف ولغة القوة. ويمكن تصنيف حالات التعارض والنزاع بين البشر الى اربعة أقسام بشكل عام:

أ - الثمار والثروات الطبيعية التي يمكن استثمارها بشكل مباشر ودون الحاجة الى ممارسة عمل انساني، من اجل تأمين حاجات الحياة البشرية، كالاعشاب والكلأ والثمار الموجودة في الغابات والاراضي السكنية، وبالطبع كانت هذه الاشياء موضع النزاع والخلاف بين الناس البسطاء في العصور القديمة.

ب - المصنوعات والمنتجات التي تظهر الى الوجود نتيجة عمل الانسان ونشاطه في استخدام المواد الخام كالمحاصيل الزراعية والصناعية، حيث يحصل خلاف وتنافس وخصومة بين بني الانسان حول كيفية توزيع هذه المحاصيل وكل فرد او فئة تحاول جاهدة نيل حظ أوفر وحصة اكبر منها، كما يحصل الخلاف والنزاع حول السيطرة على المواد الخام والمصادر الطبيعية ووسائل الانتاج، ويتطور ذلك الى خصومة وقتال بسبب هذه الامور، وبعبارة اخرى أن النزاع يحصل حول كيفية توزيع هذه الأشياء قبل انتاجها وبعدها كذلك.

ج - الاستفادة من الجنس الآخر يعتبر هو أيضاً من العوامل المثيرة للنزاع بين الناس وخاصة فيما يخص اختيار الزوج.

د - استغلال الضعفاء من قبل الاقوياء يعتبر مصدر نزاع ومنشأ خلاف هو الآخر، وذلك بشكلين:

الأول: بين المستغِلّ والمستغَلّ

والثاني: بين المتسلطين والاقوياء أنفسهم يقع النزاع حول احتكار واستغلال الضعفاء.

كما أن هناك تقسيماً آخر للخلافات بين الناس يجدر هنا ذكره:

- الخلافات التي هي من نمط التعارض المباشر بين الارادات، كالخلاف بين شخصين او فئتين حول استغلال أحدهما للآخر وسعي كل منهما لفرض ارادته على غريمه.

- التعارض غير المباشر بين الارادات نظير الاستفادة من الاشياء الملموسة او المادية ذات المظهر الخارجي او استغلال اشخاص او فئات ثالثة.

ومع كل ذلك، وبالرغم منه فمن الممكن تلخيص كل النزاعات والخلافات الحادة الحاصلة بين الاشخاص والفئات والمجموعات البشرية في عبارتين هما: (الرغبات والاطماع اللامحدودة للانسان وحرصه الشديد) و (محدودية الثمار والثروات والمواد الاولية والمصادر الطبيعية).

وبالطبع; فإن الاحتياجات الطبيعية للناس يمكن تأمينها بواسطة الطبيعة وثمراتها فهي كافية لهم، إلا أن الاطماع والتنافس والتنازع اللامحدود على السيطرة والاستحواذ والتفوّق، لدى بعض الناس هو المنشأ الاساس لظهور الخصومات والخلافات، وفي الوقت نفسه فإن تهرب الاشخاص المتقاعسين عديمي المنطق من طلاب الراحة من انجاز العمل وتحمل المشاق، سبب آخر لظهور الاختلافات.

لقد وضع اللّه - تبارك وتعالى - في طبيعة الانسان وخلقته حوافز ودوافع ضرورية لاستمرار انشطة الحياة البنّاءة وروح التكامل للانسان، لكن الناس يسيؤون الاستفادة من هذه الدوافع ويتسببون في اثارة النزاعات والتضارب التي تؤدي الى انماط العدوان والتعدي وشيوع الخوف وفقدان الامن والاستقرار ورواج الفساد.

ونظراً لضرورة الحياة الاجتماعية من ناحية ووجود الميول والاطماع الانانية الانحرافية والنفسية المذنبة من ناحية اخرى، فإن الانسان لابد له من السيطرة على الميول والاهواء الفردية والتحكم بها بشكل إيجابي، لكي يتمكن بفضل الاستفادة العادلة من التعاون والتعاضد مع الآخرين والاحساس بالاستقرار والأمن في ظل حياة اجتماعية سليمة، يتمكن من الاستفادة من المواهب الالهية والحد الأقصى من المزايا المعقولة في انشطة الحياة.

إذن; فمن الضروري أن تكون هناك وسيلة ناجحة للحيلولة دون التصرفات المتطرفة او المفرّطة في الحياة، على الرغم من العقل الفطري بالاضافة الى الضمير والعواطف الموهوبة له من اللّه تعالى رسمت له طريق التعايش والمودة مع الآخرين، لكنّها لا تخلق الضمانات التنفيذية والالزامية للاشخاص المتغطرسين والجامحين والمتمردين على المنطق الظلمة، ولذلك فلابد من أن يتم تعيين الحق والواجب بصورة متبادلة من قبل سلطة مرضية عند الطرفين. وينبغي أن تكون ذات نمطين من الشمولية:

أولا: أن تكون شاملة لجميع الافراد والفئات واصناف المجتمع بشكل منصف.

ثانياً: أن ترعى المصالح المادية والمعنوية والانسانية للجميع دون استثناء.

ويعبَّر عن مثل هذه المعايير والموازين بمجموعها باسم (القانون) وعلى المقنّن الذي يريد أن يعيّن كل المصالح والامور النافعة التي يحتاجها الناس أن يتمتّع بالاحاطة العلمية الكاملة، وأن لا يكون محتاجاً الى غيره، لكي لا تكون القوانين مقبولة وجذّابة وفيها دقّة تحمل الناس على مراعاتها وتنفيذها برغبة واشتياق فقط، بل يقترن ذلك بحصول التكامل المعنوي والنهائي لهدف المخلوقات، لكي تؤمّن السعادة الحقيقية للبشرية.

وإنّ الدين الاسلامي المبين - وبتصريح القرآن ووفقاً للسنن - ألهم أسمى المخلوقات في عالم الخلقة السير نحو تحقيق أدق احتياجات البشرية وفق قوانين راقية، وهذا الدين قدّم للحياة الانسانية - وفق الرقابة الإلهية غير الخاضعة للنقاش والجدل - الحركة الدائبة الديناميكية والنشاط الحثيث المتواصل.

الخلاصة

الحرية يمكنها أن تكون اعظم وسائل تفتّح العقل والروح لدى الانسان العبد (للّه) لكن:

- ينبغي أن لا تمنع حركة الانسان (العاملة بالفكر والتعقل والضمير الحي) بحرية الإرادة واختيار طريق المسيرة التكاملية. وأن الشعور اللذيذ والمبهج بالحرية لا ينبغي أن يجعلنا نغفل عن حكمة وجودنا وبغض الطرف عن لياقاتنا وقابلياتنا في مسيرة الحياة العقلية.

- يجب أن لا تؤثر على حرية الآخرين الذين يريدون الاستفادة من ارادتهم الحرّة وحقهم الانساني دون التسبب بأي أذى أو مضايقة للآخرين. وأن التعارض مع حق الحياة والكرامة والتحرر يعتبر في الحقيقة مخالفة ومعارضة مع المشيئة الإلهية البالغة. واذا أساء انسان استثمار الحياة والاعتماد على الكرامة وأدّى الى تدمير الحياة والكرامة الموهوبة للآخرين من اللّه، فقد حقّه في الحياة والكرامة.

- هل إن بني الانسان أحرارٌ في العيش في هذه الدنيا بدون الإيمان بأي عقيدة؟ وهل يمكن لأي منهم طيلة عمره أن يترك عقيدة ويؤمن باخرى ويقضي عمره في التنقل من عقيدة الى أُخرى؟

الاجابة على السؤال الاول لا يمكن أن تكون بالإيجاب، لأن ذلك الجواب يعتبر بحد ذاته عقيدة!… والجواب على السؤال الثاني - بالنظر لكون العقائد الاساس التي تجعل الانسان ينخرط في مسير الحياة العقلية ليست قابلة للزوال - ليس بالايجاب. وبالطبع فإن تبديل وتجديد العقيدة يعتبر في ضوء التغيرات النفسية امرا طبيعياً، واذا كان ذلك مستنداً الى الحقائق المتكاملة الأسمى فإنه يدل على السمو الروحي التكاملي للانسان…

العقائد الضرورية:

١ - الاعتقاد بوجود اللّه، وهو مبدأ التوحيد، وبغير هذه العقيدة لا يمكن افتراض أي حكمة ومنطق للوجود، ولا يمكن العثور على أي هدف وفلسفة للمبادئ والمثل العليا للانسان بدون هذه العقيدة الحقّة.

٢ - مبدأ النبوّة والامامة، لم يستطع الانسان أن يحصل على سعادته بغير التمتع بوجود رسالة الانبياء وخلفائهم من الافذاذ، حتى بشكل نسبي، بالرغم من أن الانسان خطا خطوات في سبيل الحصول على وسائل أفضل لكنه لم يحصل على السعادة التي كان تواقاً لنيلها.

٣ - مبدأ المعاد، وكما يقول الشيخ الشبستري: "لو لم تكن هناك قيامة ومعاد لكانت الحياة كلها مجرّد لعب".

وإن الالتزام بالعقائد الاصيلة سالفة الذكر لا تعتبر مخالفة للحرية بل إهمالها يوقع الانسان في حبال ومصائد الغرائز الحيوانية وخاصة في فخ الكبر وعبادة الذات.

- اما بشأن الفكر: فإنه حرّ بحيث لا يؤدي الى سقوط قيمة الفكر نفسه، وأن لايزاحم او يضايق باقي الانشطة العقلية والنفسية، ولابدّ أن يكون الفكر مفيداً، أي أن يكون ذا نشاط ايجابي بحيث يستطيع اكتشاف الحقائق وكشفها، وهذا الامر يعني صيانة قيمة الحياة الكريمة المعقولة لبني الانسان لا الضغط على الفكر…

- وبشأن حرية التعبير، فإن الحرية عبارة عن منح فرصة للانسان للقيام بعمل ما أو تركه، سواءً كان أحد الجانبين أو كلاهما ذا قيمة او مضاد للقيم، وما يجعل حرية التعبير توصف بأنها معقولة او غير معقولة هو كيفية الاستفادة من الحرية، فإن كانت وفقاً للأصول والقوانين الانسانية المفيدة تسمى معقولة، واذا كانت مخالفة للاصول والقوانين الانسانية المفيدة، تعد غير معقولة.

ضرورة القانون

في ضوء النقاط التالية تعتبر ضرورة وجود القانون امراً محرزاً:

١ - حياة الانسان اجتماعية وطلبات البشر يمكن تأمينها من خلال المجتمع.

٢ - الانسان ذو رغبات وميول أنانية تؤدي في الحياة الاجتامعية الى ظهور الخلافات والنزاعات مع بقية الناس.

٣ - استمرار الخلافات يؤدي الى فساد المجتمع وضياعه.

٤ - إن حل الخلافات وازالتها بين الناس لا يمكن أن يحصل إلا على اساس المقاييس والموازين المقبولة من قبل المجتمع، وتسمى هذه المقاييس والموازين (قانوناً).

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - مدرس في جامعة شريف الصناعية بطهران.

٢ - الاسراء / ٧٠.

٣ - البقرة / ٣١.

٤ - الأنعام / ٥٦.

٥ - الجاثية / ٢٣، والفرقان / ٤٣.

٦ - الزمر / ١٧ و ١٨.

٧ - فصلت / ٣٣.

٨ - يوسف / ١٠٨.

٩ - طه / ٦٣.

١٠ - النساء / ٣٢.

١١ - إبراهيم / ١.

١٢ - فاطر / ١.

١٣ - الأعراف / ١٧٢.

١٤ - نهج البلاغة خ ١٠٨، الفقرة ١٧.

١٥ - القمر / ٤٩.

١٦ - الروم / ٢١.

١٧ - النحل / ٧٢.

١٨ - الصف / ١٠ - ١٢.

١٩ - التوبة / ١١١.

٢٠ - المعارج / ١٩ - ٢٣.



[ Web design by Abadis ]