ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 عناصر بقاء السنة الشريفة \ الشيخ احمد مبلغي

قد يبدو لأول وهلة أن البحث عن بقاء السنة أمر ليس له جدوى باعتبار أن بقاءها يعدّ شيئاً كان لابد من تحققه، حيث أنها تمثل المصدر الثاني للشريعة الاسلامية.

أولاً: إن قضية بقاء ونمو مجموعة فكرية على مدى قرون طويلة ليست امراً سهلاً حتى ينظر اليه بعين البساطة. بل هو أمر ملفت للنظر ويستحق توجيه البحث اليه. هذا بالنسبة الى مجموعة فكرية محدودة فكيف الامر بالنسبة الى السنة التي شملت جميع ميادين الحياة.

ثانياً: إن السنة لم تكن خلال مسيرتها الطويلة عبر التاريخ بمأمن من المحاولات العدائية التي استهدفت الاطاحة بها أو تضعيفها. ورغم ذلك فانها بقيت وترسخت في اوساط الامة.

وعلى ضوء ذلك فلا ينبغي قصر النظر على النتجية وهي بقاء السنة من دون النظر الى تلك العناصر التي تظافرت للوصول الى هذه النتيجة.

ولذا آثرنا ان يكون بحثنا مركزاً على كشف ودراسة العناصر التي لعبت هذا الدور.

عناصر بقاء السنة

يمكن تقسيم العناصر التي أدت الى بقاء السنة ومواصلة طريقها الى ثلاث مجموعات:

الأولى: ماتم بعناية وجعل من البارئ تعالى:

لم تتضمن الآيات القرآنية مقومات بقاء السنة فحسب بل انها اعطتها تلك الهوية التي جعلت السنة تحمل طابع المرجعية في التشريع وهذا ما يمكن استفادته من الآيات القرآنية وهي على أقسام، أهمها مايلي:

مايلزم الامة طاعة الرسول غير المشروطة: كقوله تعالى (…. ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا…. ) [١]. وقوله تعالى: (…. أطيعوا الله واطيعوا الرسول واولي الامر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه الى الله والرسول…. ) [٢]

يقول الامام علي (عليه السلام) في بيان هذه الآية: "ردّه الى الرسول: أن نأخذ بسنته" [٣].

مايدل على أن في السنة كفاية لأن يقتدى بها: كقوله تعالى: (لقد كان لكم في رسول الله اُسوة حسنة…. ) [٤].

يقول الامام علي (عليه السلام) في خطبة له: "ولقد كان في رسول الله (صلى الله عليه وآله) كاف لك: في الاسوة" [٥].

وما يدل على ان السنة شارحة ومبينة للقرآن قوله تعالى: (وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس مانزّل اليهم…. ) [٦] وقوله تعالى: (وما أنزلنا عليك الكتاب الا لتبين لهم الذي اختلفوا فيه…. ) [٧] وتتضمن هذه العناصر الثلاثة مبادئ أساسية للتعامل مع السنة وهي:

١ - عدم تحكم الرأي البشري في السنة.

وهذا مستفاد من عنصر لزوم اطاعة الرسول غير المشروطة.

٢ - شمولية السنة.

وهذا مستفاد من عنصر كفاية السنة للاقتداء بها.

٣ - عدم الفصل بين الكتاب والسنة.

وهذا مستفاد من عنصر شارحية السنة للكتاب.

ومن هنا يمكن القول إنّ هذه العناصر القرآنية الثلاثة التي كرّمت بها السنة هي الاساس لبقاء السنة، ويؤول اليها جميع ما سنذكره من العناصر.

المجموعة الثانية: ماتم بعناية وجعل من النبي (صلى الله عليه وآله).

يمكن تقسيم ما قام به النبي (صلى الله عليه وآله) في هذا المجال الى مايلي:

١ - محاولة اعطاء زمام المبادرة بيد السنة:

لاشك ان من جملة عوامل القدرة على البقاء والدفاع عن النفس هو امتلاك زمام المبادرة امام الحركات المعادية. وحيث ان الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله) كان يعلم ان سنته سوف تواجه حركات عدائية وعقبات عديدة في طريقها، فلذا سعى ان يجعل زمام المبادرة بيد السنة لكي تتصدى للمواقف الهجومية عندما تحدث.

ولقد كان لهذه المحاولة النبوية تأثيرها في تمكين السنة من البقاء ومواصلة حركتها على مر التاريخ، بحيث يمكن القول بأنه لولا هذه المواقف الصارمة لآل الأمر الى ضعف السنة وانحصارها. وفي هذا المجال اتخذ النبي (صلى الله عليه وآله) عدة مواقف يمثل كل واحد منها سداً بوجه حركة من الحركات المضاد للسنة. واهمها:

١ - ايجاد التقابل بين السنة والبدعة مع التحذير الشديد من البدعة.

ولايضاح هذا الموقف النبوي نشير الى نقطتين: الاولى: لم يكن في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) للبدعة ظهور بارز كحركة فاعلة في الاُمة.

الثانية: ان النبي (صلى الله عليه وآله) كان قد ركّز تركيزاً شديداً على محاربة البدعة والتحذير منها بأساليب شتى.

وعلى ضوء هاتين النقطتين نفهم ان تعامل النبي (صلى الله عليه وآله) مع البدعة كان يحمل طابعاً هجومياً، وانه اراد بذلك ان يسيق الزمن قبل استفحال حركة البدع فاستعد وأعد. والحقيقة انه لولا موقف النبي (صلى الله عليه وآله) هذا لا نفسح المجال امام المبتدعين لتوسيع نشاطهم وترويج بدعهم، اذ ان هذا الموقف أوجد شعوراً عند الامة بلزوم السعي بالبقاء ضمن نطاق السنة وإبداء الحساسية تجاه مايمت الى البدعة بصلة. ونورد هنا بعض الروايات النبوية حول البدعة: فمنها:

قوله (صلى الله عليه وآله): "كل بدعة ضلالة" [٨].

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): "أبى الله لصاحب البدعة بالتوبة" [٩].

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): "…. فإما الى سنة وإما الى بدعة" [١٠].

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): "من تبسّم في وجه المبتدع فقد أعان على هدم دينه" [١١].

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): "إذا رأيتم أهل الريب والبدع من بعدي فأظهروا البراءة منهم…. " [١٢].

ومنها قوله (صلى الله عليه وآله): "ابى الله ان يقبل عمل صاحب بدعة" [١٣].

ب - التحذير من الكذب عليه (صلى الله عليه وآله).

ان الرسول (صلى الله عليه وآله) كان يعلم بأن سنته الشريفة سوف تشتد ضدها حركة الوضع والكذب، ولذا بادر الى تنبيه الامة على هذا الخطر العظيم. والروايات في هذا المجال كثيرة نكتفي بذكر واحدة ذكرها الفريقان: قال (صلى الله عليه وآله): "من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار" [١٤].

ج - التحذير من الإعراض عن السنة:

لقد تكررت وبمناسبات عديدة عبارة ضمن احاديث النبي وهي قوله (صلى الله عليه وآله): "…. من رغب عن سنتي - او منهاجي - فليس مني" [١٥].

وجدير بالذكر اننا لا نريد ادعاء ان الاعراض عن سنة النبي (صلى الله عليه وآله) لم يقع في عهده بل نريد الاشاره الى ان تكرار هذه العبارة لا يتناسب مع حالات الاعراض في زمنه بل يتناسب مع ما قلنا من انه (صلى الله عليه وآله) كان ينظر في ذلك الى المستقبل كما اننا لا نريد ادعاء ان كل حالات الاعراض كانت تتم عن سوء نية، فإن الاعراض يضاد السنة سواء كان عن سوء نية أم لا.

٢ - محاولة نشر السنة على نطاق واسع في الامة: لقد تمثلت هذه المحاولة في خطوات ثلاثة:

الاولى: إلقاء السنة بين اكبر عدد من الناس: ومن هنا وجدت الارضية لبروز الاخبار المتواترة عن النبي. ومعلوم ان مصطلح التواتر في علم الحديث لم يحتل مكانته البارزة الا من جراء وجود هذه الروايات في السنة.

الخطوة الثانية: الحث على حفظ السنة: لقد ورد الحث على هذا الأمر في طوائف من الروايات وبأساليب شتى تشترك جميعها في إبراز هذا المعنى، ونكتفي برواية وردت عند الفريقين من ان النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "من حفظ على اُمتي أربعين حديثاً من السنة كنت له شافعاً - أو شفيعاً يوم القيامة - " [١٦].

وهذه الروايات هي التي اوجدت عند المسلمين ظاهرة الحرص على نقل الحديث النبوي بلفظه. وجدير بالذكر ان حفظ الاحاديث ليس مقصوراً على الحفظ في الصدور بل يعمه الى كل ما يكتب او يلقى أو…. حيث ان المراد من حفظها هو حفظها من الزوال والتلف [١٧].

ولعل كلمة "على" في الحديث تشير الى ذلك.

الخطوة الثالثة: تكراره للموارد المهمة من السنة.

ولتوضيح هذه الخطوة النبوية نشير الى الامرين التاليين:

١ - إن الناظر الى السنة يرى انه في كثير من الموارد وردت مجموعة من الروايات حول مضمون واحد ومن المعلوم انه لايمكن إدعاء ان تكون كل هذه الموارد قد نشأت كنتيجة لاختلاف نقل الرواة لألفاظ الروايات بل كان التعدد في الروايات في كثير من هذه الموارد ناشئاً من تكرار النبي (صلى الله عليه وآله) لبعض الجوانب من سنته الشريفة لاسيما ونحن نرى اختلاف القيد في بعض الروايات المشتركة في معنى واحد، بحيث لايمكن تفسيره باختلاف نقل الرواة. وكمثال على ذلك الحديث الوارد للحث على حفظ اربعين حديثاً من سنة الرسول، فقد جعلت نتيجته في بعض الروايات الشفاعة [١٨] وفي بعضها الاخر ان يحشر الحافظ لها فقيها أو عالماً [١٩] وفي بعضها الآخر دخول الجنة [٢٠] أو أن يحشر الحافظ لها مع الشهداء [٢١].

٢ - لم تكن عناية النبي (صلى الله عليه وآله) بتكرار بعض جوانب السنة متمركزة على القول فحسب، بل كان (صلى الله عليه وآله) يستخدم اسلوب التكرار في غير السنة القولية ايضاً بل كان احياناً للتكرار في السنة الفعلية دور أقوى.

المجموعة الثالثة: ماتم بعناية من اهل البيت (عليهم السلام).

١ - لقد كان لاهل البيت (عليهم السلام) موقف صارم موقف صارم من الوضع والبدعة والتأويل الخاطئ. لو ألقينا نظرة الى كلمات اهل البيت (عليهم السلام) في هذا الميدان لوجدناها تتسم بطابع التشدد والتأكيد على غرار ما نشاهده من فعل الرسول (صلى الله عليه وآله). واليك بعض النماذج.

سأل رجل الامام علياً (عليه السلام) عن السنة والبدعة…. فقال (عليه السلام) أما السنة: فسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)، واما البدعة: فما خالفها…. [٢٢].

قال الامام علي (عليه السلام): ما اُحدثت بدعة إلا ترك بها سنّة [٢٣].

قال ابو جعفر الباقر (عليه السلام): أدنى الشرك ان يبتدع الرّجل رأياً فيحب عليه ويبغض [٢٤].

وقد عبّر الامام الصادق (عليه السلام) عن موقف اهل البيت تجاه الحركات المضادة للسنة بقوله: "إن فينا اهل البيت في كل خلف عدولاً ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين" [٢٥].

٢ - محاولة نشر السنة: لم تكن السبيل معبدة امام أهل البيت (عليهم السلام) في نشر السنة اذ ان السلطات الحاكمة كانت تمنعهم من ذلك، وتضيق الخناق عليهم، وقد اقتضى هذا الأمر أن يبذل اهل البيت نوعين من الجهود، جهود في نشر السنة واحيائها، واخرى في تهيئة الارضية المناسبة لذلك.

ومن ابرز مصادق الجهود التي بذلوها في تهيئة الارضية لذلك هو تركيزهم الشديد على موقعهم من رسول الله (صلى الله عليه وآله) وتوارثهم لعلمه واحداً بعد آخر.

ونذكر هنا حديثين فقط:

١ - قال الامام الصادق (عليه السلام): حديثي حديث ابي، وحديث ابي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين وحديث الحسين حديث الحسن وحديث الحسن حديث امير المؤمنين، وحديث امير المؤمنين حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحديث رسول الله (صلى الله عليه وآله) قول الله عزوجل [٢٦].

٢ - قال الامام الرضا (عليه السلام): إنا أهل بيت يتوارث اصاغرنا عن اكابرنا القذة بالقذة [٢٧].

ومن هنا يعلم سر تركيز مدرسة اهل البيت على ابراز جانب انتمائهم الى رسول الله (صلى الله عليه وآله)، الامر الذي كان يرفضه سلاطين بني امية وبني العباس.

وبالرغم من كل هذه المحاولات المضادة فقد تمكنوا من ابراز هذا الجانب. ويمكن رؤية ذلك من خلال ما يحكي لنا التاريخ من ان اكثر الناس ومنهم المحدثون كانوا يخاطبون أئمة أهل البيت (عليهم السلام) بقولهم: "يابن رسول الله". وقد كان الامام الصادق (عليه السلام) قد وافته الفرصة اكثر من غيره لنشر السنة واحيائها.

وقد كان يحدث عنه آلاف المحدثين. وقد آنست آذان الناس كلمة: "قال رسول الله" على لسان الامام وذلك لكثرة ترديده لهذه العبارة في مختلف لقاءاته مع الناس.

ولم يكن يحدث عن رسول الله الا ويرى وجهه متغيراً، يقول مالك متحدثاً عن الامام الصادق: اذا قال - اي الامام (عليه السلام) - "قال رسول الله" اخضر مرة واصفر اخرى حتى ينكره من يعرفه.

ويقول عنه كذلك: ما رأيته يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا على الطهارة [٢٨]. هذا التصدي العظيم لنشر اقوال الرسول الاعظم جعل من الامام الصادق ملجأً لكل من يطلب الوصول الى حديث رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فهذا سفيان الثوري يطلب من الامام الصادق (عليه السلام) أن يحدثه بحديث خطبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) في مسجد الخيف فقال الامام (عليه السلام) دعني حتى اذهب في حاجتي فاني قد ركبت فاذا جئت حدثتك فقال: أسألك بقرابتك من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لما حدثتني قال فنزل …. وحدثه بذلك الحديث [٢٩].

ونرى للامام الباقر (عليه السلام) مثل هذه المرجعية في أخذ الحديث ويمكن استفادة ذلك من الاحداث التي نقلها لنا التاريخ ومنها ماذكره الشيخ أبو زهرة من ان أبا حنيفة قال للامام الباقر (عليه السلام) اجلس مكانك كما يحق لك حتى اجلس كما يحق لي، فإن لك حرمة كحرمة جدك (صلى الله عليه وآله) في حياته على اصحابه…. [٣٠].

المجموعة الرابعة: ماتم بعناية من الاُمة.

سعت الامة الاسلامية بدورها في ابقاء السنة ويمكن ابراز هذا السعي من خلال الموارد التالية:

١ - السعي للحفاظ على السنة.

٢ - عدم اخضاع السنة للآراء.

٣ - الحرص على الرجوع الى السنة.

٤ - محاولة الحصول على الطرق الصحيحة للاستفادة من السنة.

وفيما يلي نستعرض تفاصيل هذه الموارد مع التعرض لبعض الجوانب التي يمكن استدراكها منها والتي تمثل جانباً من الضعف والتقصير.

١ - السعي للحفاظ على السنة

يتمثل سعي الامة في هذه الميدان ضمن المحاولات التالية:

الاولى: حفظ السنة في الصدور: برزت هذه المحاولة عند الاوائل ولاسيما في زمن الصحابة (٣١) حيث ان السنة لم تكن قد أخذت طريقها للتدوين بعد.

المحاولة الثانية: السفر لطلب الحديث: لقد اصبح السفر لطلب الحديث ظاهرة ملموسة عند الاوائل، وكمثال على ذلك ما نقله البيهقي عن عطاء بن أبي رباح قال: خرج ابو أيوب الانصاري إلى عقبة بن عامر يسأله عن حديث سمعه من رسول الله (صلى الله عليه وآله) لم يبق أحد سمعه منه غيره، فلما قدم الفسطاط أتى منزل مسلمة بن مخلد الانصاري - وهو أمير مصر - فخرج اليه فعانقه وقال: دلوني على عقبة، فأتى عقبة وقال: ماجاء بك يا أبا أيوب، قال: حديث سمعته من رسول الله (صلى الله عليه وآله) في ستر المؤمن، فقال: نعم سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: "من ستر مؤمناً ستره الله يوم القيامة" ثم انصرف ابو أيوب الى راحلته فركبها راجعاً الى المدينة (٣٢).

المحاولة الثالثة: التثبت في اخذ الحديث وفي التحديث به، واليك نموذجاً لكل منهما.

الاول: قال رجل لابن عباس: مالي لا أراك تسمع لحديثي، احدثك عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا تسمع؟ ! فرد عليه ابن عباس: إنّا كنّامرة إذا سمعنا رجلاً يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، ابتدرته أبصارنا وأصغينا اليه بآذاننا فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس الا ما نعرف (٣٣).

النموذج الثاني: قال عمرو بن ميمون: اختلفت الى عبد الله بن مسعود سنة فما سمعته فيها يحدث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) ولا يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) الا انه حدّث ذات يوم بحديث فجرى على لسانه: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله)، فعلاه الكرب حتى رأيت العرق يتحدر عن جبينه ثم قال: ان شاء الله اما فوق ذلك او قريب من ذلك، واما دون ذاك (٣٤).

المحاولة الرابعة: التشدد في تطبيق السنة.

واليك نموذجاً على ذلك: أخرج البخاري في صحيحه عن ابي سعيد الخدري أنه أنكر على مروان والي المدينة من قبل معاوية تقديم الخطبة على صلاة العيد، وجذبه من ثوبه، فجذبه مروان، فارتفع وخطب فقال ابو سعيد: فقلت له: غيّرتم والله. فقال: يا أبا سعيد قد ذهب ماتعلم. فقلت: ما أعلم - والله - خير مما لا أعلم. فقال مروان: ان الناس لم يكونوا يجلسون لنا بعد الصلاة (٣٥).

تعقيب:

مع كل ماذكرناه مما قامت به الامة من محاولات حفظ السنة فانه قد حصلت ثغرات في هذا الميدان لابد من ذكرها:

اولاً: تأخر تدوين السنة: من المعلوم ان تدوين السنة لم يبدأ الا في زمن عمر بن عبد العزيز أي بعد مرور قرن كامل على وفاة صاحب السنة الشريفة (صلى الله عليه وآله). وقد ترك هذا التأخير ارضية لتوسيع وتعميق حركة الوضع من جانب واختفاء بعض الاحاديث من جانب آخر (٣٦).

ثانياً: عدم التصدي الحازم للوقوف بوجه حركة الوضع: فلو كانت الامة قد تصدت لحركة الوضع اكثر مما قامت به لضيقت الخناق على هذه الحركة الشيطانية.

ثالثاً: تأخر حركة التوثيق: من المعلوم ان العناية بتوثيق الرواة كانت موجودة منذ زمن الصحابة (٣٧) ولكنها لم تبرز كحركة فاعلة الا في القرن الثاني الهجري (٣٨) ومن المعلوم كذلك ان حركة الوضع كانت قد بدأت في القرن الاول بحيث استطاعت ان تمد جذورها وتبدي ثمارها والقرن الاول لم ينته بعد (٣٩) ومن هنا يعلم مدى الفجوة الزمنية الحاصلة بين حركتي الوضع والتوثيق. ولقد كان لهذه الفترة الزمنية بينهما الاثر الكبير في ان لا تتمكن الحركة التوثيقية في ازالة كل رسوبات حركة الوضع وان تمكنت من اداء دورها الى حد كبير في هذا الميدان. وخلاصة القول ان هذه الحركات الثلاث أثرت كل منها في الاخرى.

فلو أن السنة كانت قد دونت مبكراً لما فسح المجال بهذا المقدار للوضاعين، ولو ان الامة بعد ان دخل الوضع في السنة تصدت للوضاعين لما تعمقت حركتهم. ثم ان حركة التوثق لو لم تكن تأخرت بهذا المقدار لكانت السنة قد محّصت أكثر من هذا، ولما بقي مجال لترسخ بعض آثار حركة الوضع في التاريخ.

٢ - عدم اخضاع السنة للآراء:

لقد كانت الامة تفهم بصورة ارتكازية لزوم جعل السنة في الصدارة ولزوم الخضوع لها، والسعي لكي تكون متبوعة لا ان تكون تابعة. لذلك نرى ان جلّ القواعد لتمييز الاحاديث الصحيحة عن السقيمة قد تم في مجال توثيق الأسانيد لا في مجال توثيق متون الاحاديث مباشرة يقول الامام الشافعي " لا لأحد ادخال لم ولا وكيف ولا شيئاً من الرأي على الخبر من رسول الله (صلى الله عليه وآله) ".

ويقول في موضع آخر: "أبان الله لنا ان سنة رسوله فرض علينا بأن ننتهي اليها لا أن لنا من الامر شيئاً الا التسليم لها واتباعها، ولا أنها تعرض على قياس ولا على شيء غيرها وان كل ماسواها من قول الآدميين تبع لها" (٤٠).

تعقيب

ومع ان الفكرة السائدة في اذهان الامة كانت هذه، اي اطلاق الحرية للسنة الا انه حصلت بعض الموارد سلبت فيها الحرية عن السنة ولم يفسح لها المجال لكي تتحرك كما تشاء وتدلي بصوتها. وابرز هذه الموارد مايلي:

١ - المجال السياسي: قد كانت التأويلات غير المستندة الى أساس سلاحاً بيد السلطة تستخدمه أنّى شاءت وكيف شاءت ولاسيما عندما تصطدم مصالحها مع ارادة السنة الشريفة، وابرز مانراه من هذه التأويلات ماكان على يد الامويين والعباسيين، وجعلوا ملاكهم في ذلك الانتصار على اهل بيت النبوة حيث كان أهل البيت يصرّون على التصدي للوقوف بوجه انحرافاتهم عن السنة.

٢ - التعصب المذهبي: دفع التعصب المذهبي - حينما بلغ ذروته - الكثير الى تأويل مافي السنة بما يتلاءم مع المذهب. وكمثال على ذلك ماورد على لسان احد علماء القرن الرابع حيث يقول: "الاصل ان كل آية تخالف قول اصحابنا فانها تحمل على النسخ او على الترجيح والأولى ان تحمل على التأويل من جهة التوفيق" (٤١).

٣ - ماحصل في عهود التقليد: لقد كانت السنة في عهود التقليد تؤخذ من خلال اقوال فقهاء المذهب ويختلف هذا المورد عن سابقيه بان الحرية فيهما سلبت بصورة مباشرة عن السنة بينما هنا تم سلب الحرية منها من خلال سلب العلماء حرية الاجتهاد عن انفسهم. وهذابدوره يبرز عمق واصالة النظرية القائلة بحرية باب الاجتهاد حيث انها تعني اعطاء الحرية الى السنة لكي تؤتي ثمارها.

٣ - رجوع الامة الى السنة:

من جملة ما حرصت الامة عليه الرجوع الى السنة في فهم القرآن وأخذ مالم يبينه القرآن من الاحكام والعقائد، ويمكن ابراز شدة تمسكهم بالرجوع الى السنة من خلال ذكر امور وهي:

اولاً: ان رجوعهم لم يكن مقصوراً على القضايا التي نصت عليها السنة بل كان يرجع اليها حتى في القضايا التي لم تنص عليها السنة مباشرة، من الأخذ بعمومها، والاعتماد على القواعد المستقاة منها.

ثانيا: اذا رأوا تعارضاً بين روايات السنة فإنهم لا يضربون عنها بل يلجؤون الى طرق العلاج التي يبقون بها في دائرة السنة.

ثالثاً: انهم حاولوا الحصول على النسب القائمة بين السنة والقرآن من التخصيص والتقييد والنسخ والبيان والتفصيل.

وعلى ضوء هذه الامور يمكننا القول ان بروز الفقه كعلم مستقل كان وليداً للسنة. بمعنى ان الفقه كان في بداية تكونه عبارة عن نتائج تلك الرجوعات الى السنة سواء فيما نصت عليه ام فيما لم تنص عليه، ولذلك نرى ان الفقه في كتب المتقدمين من السنة والشيعة كان عبارة عن نقل الروايات واحيانا التعليق عليها، ويمكن رؤية ذلك من خلال النظر الى موطأ مالك او النهاية للشيخ الطوسي.

٤ - محاولة معرفة طرق الاستفادة الصحيحة من السنة

ان تقيد العلماء بالسنة جعلهم يدركون الحاجة الماسة الى كشف طرق تضمن صحة الاستفادة من السنة.

فاندفعوا الى معرفة ذلك. واثمرت المحاولات الاولية لهم عن تكوين مجموعة من مباحث الالفاظ التي هي اساس علم الاصول، ومطالعتنا لتاريخ علم الاصول تهدينا لذلك (٤٢).

خاتمة:

من خلال ما سردنا في صفحات هذه المقالة يتبين لنا ما للسنة الشريفة من مكانة مرموقة واهمية كبيرة في حياة السملمين، وانها استطاعت رغم العوائق والصعوبات ان تحصّن نفسها ومن ثم تحصن الامة إذ أن الامة استطاعت أن تواصل حركتها وتحفظ هويتها كاُمة اسلامية على ضوء هدى السنة وبركاتها. وقد كان من جملة بركات السنة الشريفة على الامة تمهيد الارضية لنشوء صنوف من العلوم الاسلامية كعلم الحديث والرجال واصول الفقه والفقه.

وآخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - الحضر / ٧.

٢ - النساء / ٥٩.

٣ - نهج البلاغة، الخطبة: ١٢٥.

٤ - الاحزاب / ٢١.

٥ - نهج البلاغة، خطبة: ١٦٠.

٦ - النحل / ٤٤.

٧ - النحل / ٦٤.

٨ - صحيح مسلم، كتاب الجمعة ٤٣، وسائل الشيعة ٦: ٥١١.

٩ - البحار ٧٢ / ٢١٩.

١٠ - مسند احمد ٢ / ١٥٨.

١١ - سفينة البحار ١ / ٦٣.

١٢ - وسائل الشيعة ٦ / ٥٠٨.

١٣ - سنن ابن ماجة ١ / ١٩. ح ٥٠.

١٤ - نهج البلاغة الخطبة: ٢١٠، اصول الكافي ١: ٦٢، صحيح البخاري ١: ٣٨ مسند بن احمد حنبل ١: ٧٨ - ١٣٠.

١٥ - اصول الكافي ٢: ٨٥. مسند احمد ٢: ١٥٨.

١٦ - كنز العمال ١٠ / ٢٢٤، ح ٢٩١٨٤، الوسائل ٢٧: ٩٤.

١٧ - الاربعون حديثاً للمازندراني: ٤.

١٨ - كنز العمال ١٠: ٢٢٤.

١٩ - عوالي اللآلي ١: ٩٥، ح ١.

٢٠ - كنز العمال ١٠ / ٢٢٥.

٢١ - نفس المصدر.

٢٢ - تحف العقول للبحراني: ٢١١.

٢٣ - نهج البلاغة: الخطبة ١٤٥.

٢٤ - ثواب الاعمال وعقابها ٣: ٥٨٧.

٢٥ - راجع رسالة الوشنوي في حديث الثقلين التي اصدرتها دار التقريب بين المذاهب بمصر.

٢٦ - اصول الكافي ١: ٥٣.

٢٧ - اصول الكافي ١: ٣٢٠.

٢٨ - الامام جعفر الصادق للجندي: ١٥٩.

٢٩ - اصول الكافي ١: ٤٠٣.

٣٠ - الامام الصادق لابي زهرة: ٢٣.

٣١ - توثيق السنة في القرن الثاني الهجرى: ٢٨.

٣٢ - نقله صاحب حجية السنة عن مفتاح الجنة للسيوطي: ٤٨.

٣٣ - نقله صاحب توثيق السنة عن صحيح مسلم بشرح النووي ١: ٦٧ - ٦٨.

٣٤ - فتح الباري ٦: ٢٨.

٣٥ - نقله صاحب حجية السنة عن البخاري: ٥٠.

٣٦ - اضواء على السنة المحمدية: ٢٦٨، ٢٦٩.

٣٧ - المصدر نفسه: ٦٣.

٣٨ - توثيق السنة في القرن الثاني الهجري ٢٣.

٣٩ - اضواء على السنة المحمدى: ١١٨.

٤٠ - اختلاف الحديث للشافعي: ٢١، ٣٣.

٤١ - اصول الكرخي: ٨٤، طبعة مصر.

٤٢ - تأسيس الشيعة لعلوم الاسلام للصدر: ٣١.



[ Web design by Abadis ]