ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الشهيد مطهري و احياء الفكر الاسلامي \ الدكتور محمد علي البوشهري

يحاول هذا المقال أن يسلّط الضوء على جانب من نشاط الشهيد مرتضى مطهري في الحقل الفكري والثقافي، ومساعيه للجمع بين الاصالة والمعاصرة، وأهمية هذا النشاط في إيران التي وضعت لها ألوان الخطط لتمييع الاسلام وتشويهه. عملية الإحياء

العودة الى الحياة الاسلامية تبدأ من العودة الى المفاهيم الاسلامية الصحيحة، وتطهير الافكار والنفوس مما علق بها من انحراف. هذا هو الاساس الذي تبناه كل المصلحين في عالمنا الاسلامي لعملهم الاسلامي على اختلاف اجتهاداتهم في تشخيص نوع الانحرافات وترتيب الاولويات.

الشهيد مطهري من أولئك الدعاة الذين نذروا أنفسهم لاصلاح المجتمع الايراني مبتدئاً باصلاح المفاهيم ومحاربة الانحرافات الفكرية، ويطلق على هذه العملية اسم "إحياء الفكر الديني" كما عبّر عنها إقبال اللاهوري من قبل.

ويوضح مقصوده من إحياء الفكر الديني بقوله:

"… المقصود من إحياء الفكر الديني ليس هو إحياء الدين نفسه، بل إحياء التفكير بشأن الدين وبعبارة أخرى غسل الادمغة مما تراكم فيها من انحرافات وتشويهات بشأن الدين" [٢].

نستطيع أن نفهم عظم المسؤولية التي نهض بها الشهيد مطهري في عملية الاصلاح الفكري لو عرفنا ضخامة الجهود التي بذلت في ايران خلال القرن الاخير لتشويه صورة الاسلام ولمسخ المفاهيم الاسلامية عن طريق مزجها بالمفاهيم الغربية الماديّة.

جهود الغرب والمتغربين

الهزيمة التي مني بها العالم الاسلامي أمام الاستعمار الغربي كانت هزيمة نفسية بالدرجة الاولى، وهذه الهزيمة النفسية الداخلية دفعت بكثير من المثقفين المهزومين الى الطعن في تراث الامة وتاريخها وأصالتها، والى التبعية الفكرية والنفسية لعالم المستعمرين.

لقد نهض نفر من العلماء لدراسة هذه الظاهرة في العالم العربي وفي شبه القارة الهندية [٣]. ولكن قلّما احتوت المكتبة العربية دراسات عن هذه الظاهرة في ايران.

في اعتقادنا أن الجهود التي انصبّت لمسخ المفاهيم الاسلامية وتشويهها واشاعة روح "التغرب" و"الالتقاط" في ايران كانت أعمق وأوسع مما كانت عليه في أجزاء العالم الاسلامي الاخرى، ذلك لما يتمتع به هذا البلد من علماء ومن حركة علميّة تتجه نحو الاجتهاد في مسائل الدين، ولابدّ أن تكون الخطة لمواجهة هذه الحركة العلمية المعمّقة في ايران عميقة أيضا ومدروسة.

أول من نهض بعملية الغزو الفكري وعملية مسخ الشخصية الاسلامية في ايران دولة بريطانيا، فمنذ سنة ١٦٠٠ ميلادية وضعت لايران خطة تمثلت - كما ورد في الوثائق البريطانية - بما يلي:

١ - تقوم وزارة الخارجية البريطانية بتأسيس سفارة في ايران ومؤسسات بريطانية أخرى.

٢ - الشركات البريطانية مكلفة بتأسيس فروع تجارية وبنوك في إيران، وبالسعي للحصول على امتيازات استثمار المعادن والمناجم.

٣ - المستشرقون البريطانيون مكلفون بالتوجه الى ايران ودراسة آدابها وتاريخها وفنونها.

٤ - علماء الآثار يتحملون مسؤولية دراسة آثار إيران وإجراء التنقيبات والحفريات فيها. وصاحب ذلك طبعا نهب كثير من آثار ايران القيمة.

٥ - المركز الماسوني الاعلى مكلف بارسال أفراد الى ايران لتشكيل اللوج الماسوني في هذا البلد وتشجيع الايرانيين القادمين الى بريطانيا على الانتماء الى الماسونية.

٦ - على البريطانيين الموجودين في إيران أن يستغلوا نقاط الضعف الموجود في إيران من رشوة وفساد وسرقة لتحقيق أهدافهم وأن يسعوا لتعميق هذه المظاهر السلبية ونشرها.

٧ - البريطانيون الموجودون في إيران يسعون لتقسيم إيران وإضعاف الحكومة المركزية ومحاولة الحطّ من قيمة الحضارة والثقافة الايرانية [٤].

لعل عملية نشر الماسونية والاستشراق في إيران كانت أكثر من الغزو العسكري والاقتصادي تأثيرا في التمهيد لاستعمار إيران والسيطرة على مقدراتها.

آثار ذلك نتلمسها في الهزيمة النفسية النكراء التي مني بها المثقف الايراني… هذا المثقف الذي تعلّم في أوروبا وفي جامعات اوربا ليتولى أمور إدارة بلده في مجلس الشورى والوزارات والدوائر، وليسوق بلده نحو أهداف المستعمرين وليقدم كل مقدسات بلده قرابين على مذبح الطامعين والغاصبين.

ومن أجل أن نعطي صورة أكثر وضوحاً عن الهزيمة النفسية والفكرية التي سادت المثقفين الايرانيين نذكر بعض روّاد الماسونية والتغرّب في إيران. ونبدأ بالميرزا يعقوب خان الارمني. عاش الميرزا يعقوب في أواخر القرن الثالث عشر الهجري، ويعتبر أول رائد للتغريب في ايران، وهو والد ملكم خان الذي سيأتي ذكره، ومن مؤسسي الماسونية في ايران، وأحد أعضاء عصابة ميرزا آقاخان نوري قاتل المصلح السياسي الايراني المعروف "أمير كبير"، ومن عملاء بريطانيا العاملين على تجزئة أرض خراسان.

فريدون آدميّت (وهو كاتب ايراني ماسوني ألف كثيرا في تاريخ المثقفين التقدميين !! في إيران) يفخر بأنه عثر على رسالة للميرزا يعقوب خان يذكر فيها أن الحل الوحيد لانتعاش اقتصاد ايران هو فسح المجال للاوربيين أن يوظفوا رؤوس أموالهم في ايران، وتنشيط سياحة الغربيين فيها [٥].

الميرزا يعقوب هذا يوجه رسالة الى ناصر الدين شاه في حدود سنة ١٢٩٠هـ ويدعوه الى إعادة النظر في الاحكام الدينية، ويركز على الجهاد بالذات، ويقول: إن المفهوم القديم للجهاد لم يعد له أي اعتبار الآن، ويجب تحويل مفهومه الى شكل معاصر يرتبط بتحصيل الخير العام، مثل الجهاد من أجل دفع الفيضانات ومن أجل إنماء البلاد [٦].

ويأتي بعد الميرزا يعقوب في قيادة حركة التغريب في ايران ابنه ملكم خان ناظم الدولة (١٢٤٩ - ١٣٢٦ هـ. ق)، ويحمل لقب پرنس من بلاط الشاه، وتولى سفارة ايران في لندن ثم في روما [٧]. يعتبر ملكم خان دماغ الماسونية المفكر في ايران، ورائد التغريب فيها.

كان بيته منتدى يجتمع فيه كل المشبوهين وضعاف العقيدة من الايرانيين مثل الشيخ محمد باقر بواناتي (معلم ادوارد براون في الفارسية)، والحاجي پيرزاده، وسائر المثقفين الذين تولوا فيما بعد الحركة الدستورية في ايران!! [٨]. وهذا يبين لنا سبب انحراف الحركة الدستورية في ايران وسبب معارضة الشيخ فضل الله نـوري لها.

ويتحدث ملكم خان بنفسه عن سبب تأسيس المركز الماسوني في ايران ويقول: لقد خططت من أجل أن أمزج بين العقلية السياسية الغربية والعقلية الدينية الشرقية، لأنني ألفيت أن تغيير إيران على النمط الاوربي لا يتحقق، من هنا سعيت الى تقديم فكرة التطور المادي في لفافة الدين، لكي يفهم أبناء وطني هذه المعاني جيدا، ودعوت أصدقائي والشخصيات المرموقة وحدثتهم عن ضرورة "اصلاح الاسلام" [٩].

ونرى بين أعضاء المركز الماسوني الذي أسسه ملكم كتّاب ساروا على نفس النهج، منهم الميرزا يوسف خان مستشار الدولة، وصاحب كتاب "يك كلمة"، وهو من دعاة مزج الاسلام بآخر ما انتجته الحضارة الغربية ويصرح بضرورة تكميل الاسلام وتغييره وفق مقتضيات العصر، ولابد من تقليد وأروبا في تنظيمات إدارة البلد، والا لا يمكن لدولة بغير ذلك أن يكتب لها البقاء.

ويقول: بين دول الغرب تعتبر بريطانيا أول وآخر سند وصديق لنا [١٠].

ومن رؤوس التغريب والمسخ في ايران فتح على آخوندزاده (آخوندوف). يقول عنه فريدون آدميت: "… في مدرسة الافكار الجديدة يعتبر ميرزا فتح علي آخوند زاده (١٢٢٨ - ١٢٩٥) من المبدعين. إنه يمثل التفكير العلمي الناقد، رائد كتابة المسرحية والقصة الاوربية في الشرق، مبتكر اصلاح الخط وتغيير الحروف الهجائية في المجتمعات الاسلامية، منتقد الادب الكلاسيكي، ورافض التقليد في كتابة التاريخ، ومن دعاة أخذ العلم والحكمة والحضارة الغربية، واضع أسس التفكير القومي الايراني، ومنتقد السياسة والدين، والمؤمن بانفصال الدين عن السياسة، وعدوّ الحكم الاستبدادي وكل حكم فردي، من أنصار المشروطة (الحكم الدستوري) العقلي، العرفي القائم على الحقوق الطبيعية. والمنادي بالاصلاح الديني، مفكر مادي متحلٍّ بافكار منظمة مبوبة، ليس في نظام تفكيره تناقض أو تباين، كل ما يحمله هو أصالة المادة وسلطان العقل" [١١].

وهذا النص الذي يمثل خلاصة شخصية آخوندزاده، على لسان واحد من أنصاره والمستوعبين لحياته وأفكاره، يبين اتجاه الطبقة المثقفة أو المستنيرة!! وأهدافها وآمالها، وهي إصلاح الدين!! وفق نظرة مادية [١٢]، ثم إحياء القومية الايرانية وتغيير الخط العربي واستبدال الحرف اللاتيني به، ثم الدعوة الى النظام الدستوري، وهي دعوة لم تكن تستهدف القضاء على الحكم الفردي بقدر ما كانت ترمي الى جعل زمام التقنين بيد عملاء الغرب وسد الطريق أمام فقهاء الشريعة ومنعهم من التدخل في شؤون المجتمع. وهذا هو الذي حدا بالشيخ الشهيد فضل الله نوري - كما ذكرنا - الى اعلان المطالبة بالحكومة المشروعة بدل الحكومة المشروطة التي كان ينادي بها هؤلاء المهزومون أمام الغرب، وكان يشبّه هؤلاء المتغرّبين بالسامري الذي أضل قوم موسى، وكان ينادي قائلا: "أي أحمق يقبل أن يكون الكفر حامياً للاسلام؟ ! وملكم النصراني حاميا للدين المبين؟ !" [١٣].

ومن الاسماء البارزة بين المثقفين المتغربين الايرانيين "عبد الرحيم طالب اوف". ولد في تبريز سنة ١٢٥٠هـ، وفي السابعة عشر من عمره هاجر الى جنوب روسيا، والف كتبا في الاجتماع والسياسة وأرسلها الى ايران، يبث فيها أفكاره بشأن إجراء إصلاحات في الدين! وتغيير الحروف العربية في الخط الفارسي [١٤].

في كتابه "مسائل الحياة" يعقد حوارا بين آقا رضا (وهو عالم ديني تقدمي) واحمد آقا (مثقف مزود بالعلوم الحديثة) يتحدث فيه آقا رضا عن علوم الدين التي تعلمها، ويستهين بها، ويصفها بأنها "ألسنة الاموات، وأنها معلومات قد سقطت من حيّز الانتفاع وأصبحت من الخرافات!" ثم يبدأ بتوضيح عطاء العلوم الحديثة [١٥].

ماذكرناه من أسماء "مثقفين" متغربين ايرانيين إنما يمثلون الرعيل الاول، وتبعهم رهط كبير ألفوا في بثّ فكرة التغريب وإصلاح الاسلام (أو مسخ الاسلام) كثيرا من الكتب والمقالات، وأسسوا المحافل والجمعيات، وكان لهم أكبر التأثير على الادب والفكر والسياسة في ايران.

ويلاحظ في العقود الاخيرة من تاريخ ايران ظهور ردّ فعل بين المثقفين الايرانيين تجاه الليبرالية الغربية، بعد أن سجّل الغرب أبشع صور مصادرة الحريات وظلم الناس واستعبادهم في بلدان الشرق الاسلامي. لكن ردّة الفعل هذه كانت كما يقول الاستاذ مالك بن نبي أشبه بصحوة انسان لايزال يثقل جفونه نوم عميق [١٦] فما اتجه هؤلاء المثقفون الى الاصالة بعد أن صدمهم الغرب، بل اتجهوا الى الغرب أيضا، ولكن في إطار ماقدمه الغرب كبديل لليبرالية وهو الاشتراكية والشيوعية. وظهر "حزب توده" ليقدم الفكر الماركسي اللينيني في إطار اسلامي!! وظهرت تفاسير لآيات من القرآن الكريم ينحو فيها أصحابها منحى ماركسيا ثوريا!! وحتى الغيب فسروه بأنه: "المراحل التمهيدية لنمو الثورة التوحيدية، وفترة حدوث التحولات الكمية" [١٧].

يطول بنا الحديث لو أردنا استعراض كل جهود المتغربين في ايران لبث الافكار المنحرفة عن الدين والتشكيك في المنهج الاسلامي الاصيل، لكننا أردنا تقديم نموذج من تلك الجهود، لنفهم عظم المهمة التي أخذها على عاتقهم دعاة الاصالة الاسلامية ودعاة إحياء الفكر الاسلامي في إيران، ومنهم الشهيد مطهري رضوان اللّه عليه.

مكافحة الانحرافات

الشهيد مطهري واجه في عملية الاحياء مشكلتين: الاولى: مشكلة الفئة المتحركة من الشباب والمثقفين الذين يتشبعون بأفكار الغرب ليبراليها واشتراكيها، ويحملون نظرات سلبية قاتمة عن الدين وعلماء الدين وكتب الدين. والثانية: مشكلة الفئة الجامدة الهامدة من المسلمين الايرانيين التي تفتقد كل تحرك، وترى بأم أعينها ما يضج به المجتمع من فساد وانحراف، غير أنها تكل الامر الى اللّه وتنتظر الفرج الغيبي.

أهم ما نهض به الشهيد مطهري هو مكافحة الانحرافات الفكرية كمقدمة ضرروية لاحياء الدين في المجتمع، وهذا ما يؤكد عليه الامام الخميني (قدس سره) في نعيه للشهيد مطهري إذ قال:

"مطهري كان لي ولداً عزيزا وللحوزات العلمية الدينية سندا قويا وللشعب والبلد خادما معطاءً… ومايجب أن أقوله بشأنه هو إنه قدم خدمات جُلّى للاسلام والعلم.

إنه كان من النوادر في فهمه الاسلام ومختلف فنون الاسلام والقرآن الكريم.

لقد قضى عمره الشريف على طريق الاهداف الاسلامية المقدسة وقارع بشدّة الانحراف والالتقاط … وأنا أوصي الطلبة والمثقفين الملتزمين أن لا يَدَعوا كتب هذا الاستاذ العزيز يلفها النسيان بفعل دسائس أعداء الاسلام…. " [١٨].

الاستاذ الشهيد مطهري يوضح بنفسه أهدافه في نشاطاته الفكرية ويقول:

"منذ سنة ١٣٣٠هـ. ش (استشهد في ١٣٥٨هـ. ش) حيث مسكت القلم لأكتب مقالا أو لأخُطَّ كتابا ماكان أمامي هدف سوى حل المشاكل والاجابة على الاسئلة المطروحة في الشؤون الاسلامية المعاصرة. كتاباتي بعضها فلسفي وبعضها أخلاقي وبعضها اجتماعي وبعضها تاريخي ومع اختلاف موضوعات هذه الكتابات فإنها توخّت هدفا واحدا لا غير.

الدين الاسلامي الحنيف دين مجهول، حقائقه قد انقلبت بالتدريج في نظر الناس، والسبب الاساس في إعراض طائفة من الناس هو المفاهيم الخاطئة التي قدمت باسم هذا الدين. هذا الدين المقدس يتعرض في عصرنا الراهن أكثر من غيره الى إساءة بعض أدعياء حماية الدين.

هجوم الاستعمار الغربي من جانب بعملائه المرئيين وغير المرئيين، وقصور أو تقصير كثير من أدعياء حماية الاسلام في هذا العصر من جانب آخر أدّى الى تعرض الفكر الاسلامي باستمرار في الحقول المختلفة أصولا وفروعا الى هجوم غادر.

من هنا فإنني - العبد الضعيف - رأيت أن واجبي يفرض عليّ العمل في هذا الميدان قدر استطاعتي.

لا أدّعي طبعا أن الموضوعات التي تناولتها في كتاباتي كانت من أهم الموضوعات، ولكنّني أستطيع أن أدّعي بأني لم أتجاوز نطاق حل المسائل المستعصية في الفكر الاسلامي وعرض الحقائق كما هي بقدر الامكان. وإن لم تستطع هذه الكتابات أن تحول دون الانحرافات على الصعيد العملي، فلعلها تستطيع أن تقف بوجه الانحرافات الفكرية وخاصة في المجالات التي يتذرع بها أعداء الاسلام. وفي هذا المجال حاولت حسب تشخيصي رعاية الاولويات" [١٩].

تقديم الاسلام بلغة العصر

الاستاذ مطهري وجد أن مهمته الاولى هي تقديم الاسلام بلسان العصر، أو بعبارة أخرى الجمع بين الاصالة والمعاصرة، وبدون ذلك فإن الاتجاه الفكري في المجتمع الاسلامي سيتخذ أحد سبيلين: إما التقوقع والتخلف والابتعاد عن روح العصر، وإما تحريف الاسلام باسم التقدمية والبروتستانتية. والى هذا يشير الاستاذ الشهيد في تحذيره روّاد النهضة الاسلامية إذ يقول:

"أنا باعتباري فرداً أحسّ بمسؤوليتي الالهية أوجّه تحذيري الى زعماء النهضة الاسلامية العظام، وأتم الحجة بيني وبين ربّ العالمين وأقول لهم: إن نشر الافكار الغريبة والتقاطها باسم الفكر الاسلامي وإضفاء الطابع الاسلامي عليها، سواء كان ذلك عن سوء نية أو عدم سوء نية، خطر يهدد كيان الاسلام. طريق مواجهة هذا الخطر لا تتمثل في المنع والحظر، وهل يمكن منع العطشى المتلهفين الى الماء من تناول الماء بحجة أنه ملوث؟ ! إنها مسؤوليتنا التي تفرض علينا أن نقدّم كتبا بلغة العصر في الحقول الاسلامية المختلفة، لو أننا عرضنا ماء قراحا سلسبيلا بالمقدار الكافي لما اتجهوا الى الماء الملوث.

طريق المواجهة هو عرض المدرسة الاسلامية بشكل صحيح في كل المجالات وبلغة العصر. حوزاتنا العلمية التي تموج اليوم بالنشاطات الاجتماعية يجب أن تعي مسؤوليتها العظيمة العلمية والفكرية. يجب أن تضاعف أعمالها العلمية والفكرية عشر مرات. يجب أن تعلم أن الاقتصار على الدراسات الفقهية والاصولية الرسمية لايلبي حاجات الجيل المعاصر" [٢٠].

وهكذا يلخّص الاستاذ نشاطه الفكري والثقافي لإحياء الدين في المجتمع. ونجد مصداق ذلك فيما كتبه الاستاذ من مقالات وألقاه من محاضرات ودوّنه من كتب. فهو قد جمع أولا بين مختلف احتياجات المجتمع الفكرية، ابتداء بالفلسفة الاسلامية المعمّقة التي طرحها من خلال تعليقه على كتاب "اصول فلسفه وروش رئاليسم" (أصول الفلسفة والطريقة الواقعية) في خمسة أجزاء، وانتهاءً بكتابة القصص التربوية المبسطة المستقاة من السيرة والتاريخ الاسلامي في كتابه "داستان راستان" (قصص الصالحين)، في جزأين. لقد استطاع الشهيد مطهري أن يطرح القضايا الفلسفية من خلال معالجة الواقع الاجتماعي كما فعل في "علل گرايش به ماديگرى" (أسباب النزوع الى المادية) وفي "العدل الإلهي". وطرح الخطوط العامة لنظرة الاسلام الى الكون والحياة، في عدة كتب تعالج موضوع التوحيد والنبوة والقيامة. وكتب دروسا في العلوم الاسلامية كالعرفان والفلسفة والمنطق والكلام. وقارع النظرية المادية وتفسيرها للتاريخ والمجتمع في كتب عديدة، وتناول قضية المرأة من خلال كتب ومقالات عديدة، وحارب الالتقاط من خلال الكشف عن زيف الالتقاطيين وخوائهم الفكري. وله في تفسير القرآن وربط القرآن بالحياة دروس ومحاضرات وم

قالات. وله في توضيح المفاهيم الاسلامية وبيان الانحرافات التي تراكمت على هذه المفاهيم باع طويل أيضا. كل هذا يمثل جهدا متواصلا استمر قرابة ثلاثين عاما في الجمع بين "الاصالة" و"المعاصرة"، من أجل إحياء الاسلام في مجتمع تكالبت عليه قوى الشر والضلال والانحراف لتبعده عن المسيرة الاسلامية الصحيحة.

جهاده السياسي

ولا يفوتنا أن نذكر هنا جهوده التي بذلها من أجل استنهاض الهمم وتحريك الطاقات وغرس روح التحرك وروح العمل والجهاد والشهادة في المجتمع، فقد كان لها تأثير كبير على دفع القطاعات المتقوقعة المنزوية الى ساحة النشاط الاجتماعي الرسالي، وعلى إزالة الافكار والمفاهيم السلبية التي عشعشت طويلا في اذهان الفئة المتدينة التقليدية تجاه العمل السياسي والنشاط الاجتماعي الاسلامي.

بقي أن نؤكد هنا أنّ الجهاد الفكري الطويل الذي خاضه الشهيد مطهري لا يعني انصرافه عن الجهاد من أجل القضاء على الطاغوت السياسي الحاكم في المجتمع. كل مصلح إسلامي حقيقي مخلص لا يمكن أن ينسى مهمة تحكيم الاسلام في كل مرافق الحياة وهو يخوض معترك الصراع الفكري.

الشهيد محمد باقر الصدر - مثلا - مع كونه رائد الفكر الاسلامي المعاصر، يرى أن صفة الانقلابية الثورية لا تنفك عن الاسلام وعن حركة الانسان المسلم والمجموعة المسلمة، غير أن الظروف والملابسات هي التي تفرض طريقة ممارسة هذه الصفة [٢١]. ويرى أن نزعة "الانتقام من الجبارين" نزعة تكاملية لا يمكن للانسان السائر على طريق الله أن يتخلى عنها [٢٢].

والاستاذ الشهيد حسن البنا عُرف بدعوته الفكرية والاخلاقية والتربوية لكنه مثل سائر العاملين الملتزمين المخلصين كان يؤكد على دور القوة في تحقيق رضا اللّه تعالى وعلى ضرورة إعداد القوة اللازمة للمعركة العنيفة ضد الباطل. وجاء هذا التأكيد واضحا في قوله: "وفي الوقت الذي يكون فيه منكم - معشر الاخوان المسلمين - ثلاثمائة كتيبة قد جهزت كل نفسها روحيا بالايمان والعقيدة، وفكريا بالعلم والثقافة، وجسميا بالتدريب والرياضة… في هذا الوقت طالبوني بأن أخوض بكم لجاج البحار، وأقتحم بكم عنان السماء، وأغزو بكم كل عنيد جبار، فاني فاعل إن شاء اللّه…" [٢٣].

وهذا المفكر المسلم أبو الاعلى المودودي يشير الى عقم الاكتفاء بأسلوب الوعظ والارشاد فيقول:

"يُصبح من العبث الدعوة الى الاسلام على طريقة التبشير المسيحي. ولو طبعت ملايين النشرات تدعو الى التمسك بالاسلام وتصيح بالناس أن اتقوا الله صباح مساء، لما كانت ذات فائدة تذكر، اذ ماهي الفائدة العملية التي ستنجم عن تأكيد أن الاسلام صالح لكل زمان ومكان وأن فوائده ومزاياه ليس لها مثيل عن طريق القلم والخطابة؟ إن حاجة العصر تتطلب إبراز هذه المزايا بصورة عملية في عالم الواقع… إن مشاكل العالم المادية لن تحل بمجرد القول بأن الاسلام يملك حلها. إن قيمة الاسلام الذاتية لابد وأن تبرز الى الوجود في هيئة نظام عملي مهيمن يلمس الناس آثاره ويجنون ثماره… إننا نعيش في عالم يقوم على الصراع والكفاح. والخطابة والوعظ لن تفلح في تغيير مجراه، ولكن الكفاح الثائر وحده هو الذي يستطيع ذلك" [٢٤].

والمودودي لا يريد أن يستهين طبعا بدور الكلمة في الدعوة الى اللّه، وهو الكاتب والواعظ والخطيب، بل يردّ على الذين يقنعون أنفسهم بالاكتفاء بالكلمة، إنه بعبارة أخرى يرد على تجار الكلمة وعلى المهزومين نفسيا أمام بطش الجبارين، ويؤكد أن الكلمة الجادّة المخلصة لا تفترق عن الحركة الجادّة، وعن الكفاح الثائر، والعمل الجاد هو الدليل الوحيد على صدق جدّية الكلمة [٢٥].

الشهيد مطهري كان أيضا من المؤمنين بأن التغيير الاجتماعي في المنظور الاسلامي لا يمكن أن يتحقق دون ثورة كاملة تطيح بالمؤسسة السياسية الطاغوتية المتحكمة، لكن هذه الثورة لايمكن أن يكتب لها البقاء، ولا يمكن صيانتها من الزلل والانحراف الا إذا ساندتها نهضة فكرية عميقة أصيلة تقدم الاسلام في جميع مجالات الحياة وفق مقتضيات العصر.

يقول: "…. كل نهضة اجتماعية يجب أن يكون لها سند من نهضة فكرية وثقافية، والا فسوف تقع في فخ التيارات التي تمتلك ثورة فكرية، وتتجه نحو هذه التيارات وتغيّر مسيرها. وقد رأينا أن الجماعات الفارغة من الفكر الاسلامي كيف سقطت كالذبابة في شراك بيت العنكبوت" [٢٦].

ويقول في موضع آخر:

"… لو استيقظ الشرق واكتشف هويته الاسلامية، فلا تستطيع حتى القنبلة الذرية أن تقف بوجه هذه القوة العظيمة، وهذه الجماهير الثائرة. وطريق هذه اليقظة التعرف على تاريخنا وثقافتنا وايديولوجيتنا…" [٢٧].

كانت هذه وقفة قصيرة ضرورية - في خاتمة مطافنا - عند حقيقة هامة هي أن الشهيد مطهري مثل سائر كبار المصلحين الاسلاميين المعاصرين ودعاة إحياء الفكر الاسلامي في العالم الاسلامي، لم يكن يرى العمل الفكري منفصلا عن العمل الثائر الرامي الى حدوث انقلاب اجتماعي عام في المجتمع، بل كان يرى عملية الاحياء الفكري مقدمة ضرورية للتغيير الشامل، وضمانا أكيدا لسلامة المسير وللوقاية من الزلل والانحراف.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - استاذ في كلية الآداب بجامعة طهران.

٢ - احياء الفكر في الاسلام، مطهري، ترجمة آذرشب، ط١، طهران، ١٤٠٢هـ، ص ١٣.

٣ - انظر: الفكر الاسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، د. محمد البهي، دار الفكر، بيروت. وكتاب: الصراع بين الفكرة الاسلامية والفكرة الغربية، أبو الحسن الندوي، القاهرة، ١٩٧٧.

٤ - فراموشخانه وفراماسونرى در ايران، اسماعيل رائين، طهران، منشورات امير كبير.

٥ - انديشه ترقى وحكومة عصر سپهسالار، فريدون آدميت، ط ٢، ص ٤٥ - ٤٨.

٦ - ن. م، ص ١٠٣ و ١٠٤.

٧ - مقدمة فكرى نهضت مشروطيت، د. علي اكبر ولايتي، ص ٨٠، ط ٣، طهران ١٩٨٦.

٨ - تحقيق در افكار ميرزا ملكم خان، نورايى، ص ١٠٢، طهران ١٣٥٢هـ. ش.

٩ - انديشه ترقى…، آدميت، ص ٦٤ و ٦٥.

١٠ - تشيع ومشروطيت در ايران، عبد الهادي حائري، منشورات امير كبير، ط ١، طهران ١٣٦٠هـ. ش.

١١ - انديشه هاى ميرزا آخوندزاده، فريدون آدميت.

١٢ - وهي محاربة الدين طبعا ومحاولة إزالته من المجتمع باسم الاصلاح.

١٣ - تذكرة الغافل وارشاد الجاهل، فضل اللّه نوري، ص ١٨.

١٤ - انظر: از گاتها تا مشروطيت، محمد رضا فشاهي، ص ٣٩٢، طهران، ١٣٥٤هـ. ش ; وتاريخ مشروطه ايران، احمد كسروي، ص ٦٢، ط ١٢، طهران، منشورات امير كبير.

١٥ - مسائل الحياة، عبد الرحيم ابن شيخ ابو طالب، ص ٤٩، مطبعة غيرت، تفليس ١٣٢٤هـ. ق.

١٦ - شروط النهضة، مالك بن نبي، ترجمة مغاوى وشاهين، فصل دورة السياسة والفكرة.

١٧ - انظر: ماترياليسم در ايران، مطبوع مع كتاب: علل گرايش به ماديگرى، مرتضى مطهري، ص ٥ - ٥٢، ط ٨، طهران ١٣٥٧هـ. ش.

١٨ - سيري در آثار استاد شهيد مطهري، ستاد بزرگداشت سالگرد استاد، ص ٢٠ - ٢١، طهران ١٣٥٩ هـ. ش).

١٩ - عدل الهى (الاصل الفارسي)، الشهيد مطهري، ص ٨ و٩.

٢٠ - نهضت هاى اسلامى در صد سال أخير "النـص الفارسى"، الشهيـد مـرتضـى

مطهري، ص٧٥.

٢١ - رسالتنا، مقال: "رسالتنا فكرية انقلابية".

٢٢ - خلافة الانسان وشهادة الانبياء، الشهيد الصدر، فصل مسار الخلافة على الارض.

٢٣ - مشكلات الدعوة والداعية، فتحي يكن، ص ٢٣٠.

٢٤ - رسالة: داء المسلمين ودواؤهم، المودوي، ص ١٥.

٢٥ - انظر: مقدمتنا على كتاب احياء الفكر في الاسلام، الشهيد مطهري ص ٥ - ١٢.

٢٦ - نهضت هاى اسلامى در صد سال اخير (النص الفارسي)، مطهرى، ص ٧٤.

٢٧ - پيرامون انقلاب اسلامى (فارسى)، مطهري، ص ١٢٥.



[ Web design by Abadis ]