ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الربانية \ الشيخ محمد مهدي الآصفي

إخلاص العبودية للّه سبحانه يجعل من الفرد المسلم والمجتمع المسلم على طريق العمل الصالح المثمر البنّاء، ويحصّن المسلمين من وساوس الشيطان التي توقع الفتن والبغضاء بين أبناء البشر، والمقال بحث علمي ودرس تربوي في العبودية.

(أفغير دين اللّه يبغون. وله أسلم من في السماوات والارض طوعاً وكَرْهاً واليه يُرجعون) [٢].

"الربانية" هو الأصل والاساس في هذا الدين. ومن هذا الاصل يتم اشتقاق سائر الاصول. وهي أبرز معالم هذا الدين، والصبغة العامة للاسلام.

وهذا الاصل يجري في كل شؤون وأبعاد الاسلام، في العقيدة والشريعة والاخلاق.

فان الانسان المؤمن يؤمن باللّه، ويؤمن بأنه من اللّه والى اللّه ويوحِّد اللّه في الخلق والتدبير والامر والنهي والحكم، وتحكيم اللّه في كل شؤون حياته، ويأخذ بما يأمر به اللّه، ويترك ما ينهى الله عنه، ويخلص نيته للّه في كل عمل يعمله. ويبتغي وجه اللّه تعالى وعلا في كل ما يعمل ويحب اللّه، ويحب في اللّه، ويبغض في اللّه، ويرضى بقضاء اللّه، ويثق باللّه، ويتوكل على اللّه، ويفوض أمره كله الى اللّه.

معادلة من ثلاث حلقات

وتختصر الربانية هذه الآية المباركة من القرآن (إنا لله وإنا اليه راجعون). فإن الانسان من اللّه والى اللّه، والله تعالى هو المبدأ والمعاد والأول والآخر، وهو المهيمن على الانسان خلال حركة الانسان من المبدأ الى المعاد، والانسان في قبضة سلطانه وتدبيره.

هذه هي الحلقة الاولى من المعادلة، وهي الجانب التكويني من المسألة.

والحلقة الثانية من المعادلة أن اللّه تعالى وحده يحق له الولاية والحكم في حياة الانسان، وليس لغيره تعالى ولاية وحاكمية في حياة الانسان الا بأمر اللّه، ولا يستحق أحد طاعة من الانسان الا بأمره تبارك وتعالى.

وهو الجانب التشريعي من هذه المعادلة.

والحلقة الاولى "التكوينية" في هذه المعادلة، تستدعي الحلقة الثانية "التشريعية" بالضرورة.

فإن الله تعالى هو الخالق والمهيمن والمدبّر للانسان. وهذا هو البعد التكويني في المسألة، وهو البعد الاول.

وبحكم ذلك فإن الله تعالى هو وحده الحاكم الديّان المشرّع في حياة الانسان وهذا هو البعد التشريعي في المسألة تبعاً للبعد الاول.

والحلقة الثالثة في هذه المعادلة تخص علاقة الانسان بالله تعالى، وهي تتبع بطبيعة الحال البعد الثاني.

وتتلخص هذه الحلقة في الطاعة والاخلاص والعبودية والعبادة والاستعانة والخشوع والخوف، والتوكل والتسليم من قبل العبد لله تعالى. وهذا هو البعد الثالث من هذه المعادلة.

والعلاقة بين الحلقة الثانية والثالثة واضحة كالعلاقة بين الحلقة الاولى والثانية.

وهذه هي ثلاث حلقات متواليات تؤدي الاولى منها الى الثانية، ويؤديان معاً الى الثالثة. وفيما يلي توضيح وبسط لهذه الحلقات من خلال كتاب الله.

الحلقة الاولى

الحلقة الاولى من حلقات هذه الحلقات الثلاثة تختص بالتكوين فقط.

وبموجب هذه الحلقة نعلم أن الله تعالى هو وحده خالق هذا الكون وهو وحده رب هذا الكون. وهو وحده إله هذا الكون.

وليس لهذا الكون من "خالق" و"رب" و"إله" غير الله تعالى.

التوحيد في الخلق والربوبية والالوهية

واليك إيضاح هذه النقاط الثلاثة من القرآن يقول تعالى:

(يا أيها الناس اذكروا نعمة الله عليكم. هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والارض. لا إله الا هو فأنّى تؤفكون) [٣].

فلا خالق لهذا الكون غير الله تعالى. وهذا هو التوحيد في الخلق. كذلك ليس من رب لهذا الكون غير الله تعالى.

والربُّ يأتي في القرآن بمعنيين، بمعنى الاصلاح والتدبير والتربية والانماء والإعلاء. وهو قوله تعالى في قصة موسى (عليه السلام) وفرعون (قال: فمن ربكما يا موسى؟ قال: ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى) [٤].

فالرب هو الذي يعطي كل شي خلقه الذي يحتاجه ويصلحه ويؤهّله للبقاء والتنازع والتنافس على البقاء وهو بمعنى التدبير، والمعنى الاخر للرب هو المالك والصاحب، كما تقول رب البيت يعني مالكه، والربوبية خاصة بالله، وليس من رب في هذا الكون كله غير الله: (قل أغير الله أبغي رباً وهو رب كل شيء) [٥]. (رب المشرق والمغرب لا اله الا هو فاتخذه وكيلا) [٦]. (ربّ السماوات والارض ومابينهما وربّ المشارق) [٧].

وهذا هو توحيد الربوبية في الكون.

والنقطة الثالثة توحيد الالوهية في الكون.

والاله في القرآن بمعنى المهيمن الحاكم القاهر.

وليس في الكون من إله غير الله، والله تعالى وحده المهيمن والسلطان المطلق في هذا الكون، وكل شيء في قبضته وتحت سلطانه وخاضع لامره.

يقول تعالى: (وهو الذي في السماء إله وفي الارض إله) [٨].

ويقول تعالى: (ولا تدع مع الله إلهاً آخر لا إله الا هو) [٩].

وهذا هو توحيد الالوهية: (لا اله الا الله).

إذن، فإن الله تعالى وحده خالق كل شيء ومالك كل شيء ومدبر كل شيء والحاكم المهيمن على كل شيء والقاهر على كل شيء.

وهذه هي الحلقة الاولى من الحلقات الثلاثة.

الحلقة الثانية

إذا كان الخلق، والملك، والتدبير، والسلطان والهيمنة لله تعالى وحده في هذا الكون، فمن الطبيعي ومن المنطقي أن تكون لله الولاية والحاكمية على الانسان. وأن يكون سبحانه هو المشرع الديّان في حياة الانسان، وليس لأحد الولاية والحكم والتشريع في حياة الانسان من دون الله، وبغير إذن اللّه وأمره.

وهذه هي الحلقة الثانية من هذه المعادلة. والقرآن الكريم يؤكد هذه الحلقة، كما يؤكد الحلقة الاولى، ويربط بين الحلقتين.

يقول تعالى في توحيد الله تعالى بالحاكمية والسيادة المطلقة في حياة الانسان (إن الحكم إلا لله) [١٠]. (له الحمد في الأولى والآخرة وله الحكم واليه تُرجعون) [١١]. (أفحكم الجاهلية يبغون، ومن أحسن من اللّه حكما لقوم يوقنون) [١٢].

وفي توحيد الولاية يقول تعالى: (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) [١٣]، (وما كان لهم من دون الله من أولياء) [١٤].

وفي توحيد الله تعالى في التشريع يقول تعالى: (أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين مالم يأذن به اللّه) [١٥].

والخلاصة التي ليس وراءها خلاصة: أن كل شيء في حياة الانسان لله تعالى وبيد الله وبأمر اللّه.

(يقولون هل لنا من الأمر من شيء؟ قل إنَّ الامرَ كله للّه) [١٦].

والخلاف والنزاع والصراع بين الجاهلية والاسلام حول هذه الكلمة (هل لنا من الامر من شيء؟ ).

والجواب الالهي الحاسم الذي لا راد له: (قل: إن الأمر كله للّه) وكفى. وهذه هي الحلقة الثانية.

والقرآن يوضح الحلقة الاولى ويؤكدها تأكيداً، ويوضح الحلقة الثانية ويؤكدها وقد وضحنا ذلك، ويربط بين الحلقتين في معادلة منطقية.

المعادلة بين الحلقة الاولى والثانية

يقول تعالى: (إن ربكم الله الذي خلق السماوات والارض في ستة أيام ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا، والشمس والقمر والنجوم، مسخرات بأمره، ألا له الخلق والامر، تبارك الله رب العالمين) [١٧].

والعلاقة واضحة في هذه الاية بين (الخلق) و (الامر) فالخالق هو الآمر والحاكم، والذي لم يخلق لا يأمر، والعلاقة بين الخلق والامر علاقة منطقية، ليس في وسع أحد التشكيك فيها.

فلا محاكمة: الأمر والحكم في الناس يكون لله تعالى وحده، لأنّه هو الخالق المهيمن والمدبر لهم.

الحلقة الثالثة

واذا آمنا بالكلمة الاولى والكلمة الثانية.

وآمنا بأن الله تعالى هو وحده الخالق المالك المدبر والمهيمن والقاهر في هذا الكون.

وآمنا بأن الله تعالى هو وحده الولي الحاكم المشرع والديّان في حياة الانسان، فلا محالة نعلم أن على الانسان أن يوحد الله تعالى بالطاعة والولاء. وأن يوحّد الله بالدعوة، وأن يوحد الله في الدين، وأن يخلص لله في كل عمل ونية، وأن يخاف الله تعالى ويخشاه ويتوكل عليه وحده وهذه هي الحلقة الثالثة، وعلاقة هذه الحلقة بالحلقة الاولى والثانية (معاً) واضحة ومنطقية بقدر وضوح علاقة الحلقة الثانية بالاولى.

واليك توضيح طائفة من مفردات هذه الحلقة.

١ - إن الطاعة والتسليم لمن يكون له الحكم والولاية. وهذه حقيقة لا يمكن النقاش فيها. ولما كانت الحكم والولاية على الانسان لله تعالى وحده كما تقدم، فلابد أن تكون طاعة الانسان لله تعالى وحده بحكم هذه الحتميات، يقول تعالى: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الامر منكم) ويقول تعالى (اتبعوا ما أنزل اليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء) [١٨].

وطاعة الرسول وأولي الامر من طاعة الله وبأمر الله وإذنه، ومن دون إذن الله لا طاعة على أحد لأحد. يقول تعالى: (ومن يطع الرسول فقد أطاع الله) [١٩]. (وما أرسلنا من رسول الا ليطاع بإذن اللّه) [٢٠].

وخلاصة هذا الدين (واسمعوا وأطيعوا) [٢١].

٢ - ولما كانت أزمة الامور كلها بيد الله فلا يصح أن يدعو الانسان في شؤونه وحاجاته غير اللّه تعالى.

يقول تعالى (ولا تدع مع الله الها آخر لا اله الا هو) [٢٢].

٣ - واذا عرفنا أن الله تعالى وحده هو المشرع والديان والحاكم في حياة الانسان فلا يجوز للانسان أن يدين بغير دين الله. يقول تعالى: (إن الدين عند الله الاسلام).

٤ - وإذا عرفنا أن السلطان المطلق لله تعالى وحده في الكون وفي حياة الانسان، وأن الكون والانسان في قبضة سلطانه وحكمه تعالى وهو القاهر على كل شيء والمهيمن على كل شيء. وهو أكبر من كل شيء، ورب كل شيء فلا محالة يجب أن يكون خشوع الانسان وعبادته لله تعالى وحده، يسلم اليه أمره، ويرضى بقضائه وقدره، ويحمده، ويذكره وحده.

وهذا هو معنى حصر العبادة في الله تعالى (إياك نعبد) وإذا عرفنا أن أزمّة الامور كلها بيد الله، من دون استثناء لم يجز أن يستعين الانسان في حياته بغير الله ولا يجوز أن يتوكل على غير الله، ولا أن يدع لحاجاته غير الله إلا إذا كان في امتداد دعاء الله والتوكل على الله.

ولا يجوز أن يثق بغير الله في حاجاته وشؤونه الا أن يكون باذن الله ويعرف أنه امتداد سلطان اللّه.

٥ - وهذا هو معنى حصر الاستعانة بالله تعالى: (واياك نستعين). وعلاقة الانسان بالله تعالى أحد أمرين:

فإما أن تكون علاقة صاعدة، وهي العبادة، كالذكر والشكر والخشوع، والصلاة، والحمد، والتسليم، والرضا، وكل ذلك من العبادة بمعناها العام، والعبادة لله تعالى وحده (إياك نعبد).

وإما أن تكون العلاقة في استنزال الرحمة من عند الله للانسان في حاجاته وشؤونه والاستعانة به تعالى، كالدعاء، والاستغفار، والاستعاذة، والتوكل، والاستشعار، وطلب الرحمة والرزق وكل ذلك من الاستعانة، والاستعانة من الله تعالى وحده (وإياك نستعين).

وهذا وذاك بمعنى قوله تعالى (إياك نعبد واياك نستعين) وهو من دقائق مفاهيم القرآن وأفكاره، ومن دقائق التوحيد والمعرفة.

٦ - واذا عرف الانسان أن الامر كله للّه والسلطان كله لله، وله الدنيا والآخرة، وهو مالك يوم الدين فإن هذه المعرفة تستدعي لا محالة الخشية والخوف من الله تعالى وحده.

يقول تعالى: (إنما يخشى اللّه من عباده العلماء).

ويقول تعالى: (الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحدا إلا الله وكفى بالله حسيبا) [٢٣].

وفي كلتا الآيتين تقع الخشية موقع الحصر، وأداة الحصر في الآية الاولى (إنما) وأداة الحصر في الآية الثانية النفي والاستثناء.

والفرق بين الحصرين: أن الحصر في الآية الاولى في العلماء، يعني أن العلماء فقط يخشون الله وليس غيرهم. وكل إنسان إنما يخشى الله بقدر معرفته بالله تعالى.

والحصر في الآية الثانية في حصر الخشية في اللّه تعالى فقط (ويخشونه، ولا يخشون أحداً إلا الله)، يعني أن العلماء يخشون الله تعالى فقط، ولا يخشون غيره. وهذا الحصر غير ذلك الحصر.

٧ - وإذا عرف الانسان أن ما يصيبه من الرحمة من الله، وأن الله تعالى يرحم عباده ويحميهم وهو أرحم الراحمين أحب الله تعالى وكان حبه لله أشد ما يكون الحب وأبلغه: (والذين آمنوا أشد حباً لله) [٢٤].

٨ - واذا عرف الانسان أن أزمّة الامور كلها بيد الله تعالى، وأن الله خبير بصير بعباده، توكل الانسان على الله.

ومعنى التوكل على الله أن يتخذ الله وكيلا عن نفسه في كل شأن يهمّه، كمن يغيب عن تجارته وعمله فيتخذ وكيلا يقوم مقامه في إدارة عمله… ومن أولى من الله تعالى أن يتخذه الانسان وكيلا عنه في حضوره وغيابه وحضره وسفره وسرائه وضرائه.

(رب المشرق والمغرب لا إله الا هو فاتخذه وكيلا) [٢٥] واذا اتخذ الانسان ربه سبحانه وكيلا عنه أغناه وكفاه عن كل وكيل (وكفى بالله وكيلا) [٢٦].

واذا أمعن الانسان النظر وجد أن الانسان اذا اتخذ غير الله وكيلا فقد اشرك بالله، فإن الانسان لا يوكل أمره الا لمن يملك الامر، وليس هناك من يملك الامور كلها الا الله تعالى.

ولذلك فإن التوكل على الله من مقولة التوحيد: (وجعلناه هدى لبني اسرائيل ألاّ تتخذوا من دوني وكيلا) [٢٧].

٩ - واذا عرف الانسان أن الامر كله لله تعالى وليس لاحد من الامر شيء: (يقولون هل لنا من الامر من شيء قل إن الأمر كله لله) [٢٨]. (لله الأمر من قبل ومن بعد) [٢٩].

أقول: إذا عرف الانسان ذلك فلا محالة أن يسلم أمره كله لله تعالى ويفوضه اليه: (وأفوض أمري الى الله إن الله بصير بالعباد) وإذا عرف (إن الله بصير بالعباد) وأنه (أرحم الراحمين)، فلا محالة يرضى بقسم الله تعالى وقضائه وتقديره له.

وهذه هي مرحلة "الرضا"، وهي فوق مرحلة "التسليم" و"التفويض". (رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك الفوز العظيم) [٣٠].

المعادلة الاولى في القرآن

والقرآن يشير الى المعادلة القائمة بين الحلقة الاولى والحلقة الثانية يقول تعالى: (أفغير دين الله يبغون، وله أسلم من في السماوات والارض، طوعاً وكرهاً، واليه يرجعون) (٣١).

فالعلاقة بين طرفي المعادلة واضحة.

فإن على الانسان أن يدين للذي أسلم له من في السماوات والارض فقط، وليس يجوز أن يبغي الدين من غير الذي أسلم له من في السماوات والارض.

ويقول تعالى: (وما لي لا اعبد الذي فطرني واليه ترجعون) (٣٢).

إن على الانسان أن يعبد الذي خلقه وفطره وركّبه مما يشاء، فأحسن تركيبه، وليس له أن يعبد من دون ذلك أحدا.

والعلاقة بين العبادة والخلق والفطرة علاقة منطقية.

يقول تعالى: (ذلكم الله ربكم لا اله الا هو، خالق كل شيء فاعبدوه وهو على كل شيء وكيل) (٣٣).

وهذه هي نفس المعادلة بصيغة أخرى. في الطرف الاول من المعادلة الربوبية، والالوهية، والخلق: (ذلكم الله ربكم، لا إله الا هو خالق كل شيء) وفي الطرف الثاني من المعادلة العبادة: فاعبدوه.

والعلاقة بين الطرف الاول والطرف الثاني منطقية عقلية، لا مندوحة عنها.

الاخلاص

اذا استوثقت للانسان معرفة الحلقة الاولى والحلقة الثانية وعرف الخالق والرب والاله، وعرف استحقاقات الخلق والربوبية والالوهية في حياة الانسان فإنه - لا محالة - لا يشرك بالله أحدا أو شيئاً في نيته وعمله، ويخلص عمله لله تعالى، ويصفي عمله ونيته وقلبه من الشرك الخفي الذي يخالج نفسه ونيته، ويخص الله تعالى وحده بعمله وعبادته ونيته فيكون كل عمله لله.

يقول تعالى: (قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين).

وليس فقط (صلاتي ونسكي)، بل (ومحياي ومماتي) أيضا، وهذه قمة في الإخلاص أن يجعل للانسان محياه ومماته كلها لله، ولا يدع من حياته ومماته شيئاً لغير الله.

ويقول تعالى: (ليعبدوا الله مخلصين له الدين) وإخلاص الدين هو إخلاص العمل والنية لله تعالى، فإن الدين عمل ونية.

الخلوص

إن إخلاص العمل والنية يؤدي في النتيجة الى خلوص النفس ونقائها. وذلك أن عمل الانسان ونيته من صادرات النفس ووارداتها في وقت واحد.

فإن النفس مرآة لعمل الانسان، فإذا أخلص الانسان في نيته وعمله صفت نفسه وخلصت، وانعكس عمله على نفسه، واذا كانت أعماله مشوبة بالشرك والرياء انعكست على نفسه بصورة سلبية، والنفس دائماً مرآة لعمل الانسان. تكتسب منه الصفاء والنور اذا أحسن الانسان عمله، وأخلص لله، كما يعكّرها سوء العمل وما يشوبه من الشرك.

إذن; الإخلاص في العمل يستتبع الخلوص في النفس: وأولئك هم المخلَصون (بالفتح).

يقول تعالى: (وما تجزون الا ما كنتم تعملون، الا عباد الله المخلصين) (٣٤).

والمخلصون (بالفتح) هم المخلصون (بالكسر) الذين رزقهم الله تعالى باخلاص العمل خلوص النفس فصفت نفوسهم وخلصت من شوب كل شرك ومن سلطان الاهواء والفتن. وهذه هي الغاية في صفاء النفس وخلوصها.

آثار الخلوص

واذا بلغ الانسان هذه المرحلة في صفاء النفس وخلوصها رزقه الله تعالى أربعاً، وهذه الاربعة للمخلص (بالفتح):

١ - أعفاه الله من الحضور في مواقف الحساب ويقول تعالى: (فإنهم لمحضرون الا عباد الله المخلصين) (٣٥).

٢ - ويعطي الله تعالى يوم القيامة كل أحد بنسبة عمله (ولا أقول بمقدار عمله) الا المخلصين (بالفتح) فإن الله تعالى يعطيهم بغير نسبة، ولا حساب: (ولا تجزون الا ما كنتم تعملون الا عباد الله المخلصين) (٣٦).

٣ - والمخلصون (بالفتح) هم الذين يتمكنون من حمد الله تعالى وشكره وثنائه وتسبيحه. وهذه القدرة نابعة من المعرفة، وكلما كان الانسان أكثر معرفة بالله كان أقدر على تسبيح الله وحمده. إذن خلوص النفس يمنح الانسان المعرفة بالله، والمعرفة بالله تمكن الانسان من التسبيح والحمد. يقول تعالى: (سبحانه الله عما يصفون الا عباد الله المخلصين) (٣٧).

٤ - والخلوص يحصن الانسان من الشيطان، والمخلصون في حمى الله تعالى من نفوذ الشيطان وأعوانه: (ولأغوينهم أجمعين، الا عبادك منهم المخلصين) (٣٨). قال: (فبعزتك لأغوينهم اجمعين، الا عبادك منهم المخلصين) (٣٩).

واذا أخلصت نفس الانسان لله تعالى ونقت، كانت طيبة، والنفس الطيبة لا يصدر منها الا الطيب، فيحب الله، ويشتاق، ويأنس به، ويرجوه، ويخافه ويذكره، ويحمده ويشكره، ويخلص له في كل شيء ويكون الله معه في الدنيا، ويكون عند الله في الآخرة لأن الله تعالى مع المحسنين في الدنيا: (وإن الله لمع المحسنين) والصادقون عند الله في الآخرة: (في مقعد صدق عند مليك مقتدر).

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - عالم وباحث في قم، ورئيس لجنة البحوث والدراسات في المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

٢ - آل عمران / ٨٣.

٣ - فاطر / ٣.

٤ - طه / ٤٩ - ٥٠.

٥ - الانعام / ١٦٤.

٦ - المزمل / ٩.

٧ - الصافات / ٥.

٨ - الزخرف / ٨٤.

٩ - القصص / ٨٨.

١٠ - الانعام / ٥٧.

١١ - القصص / ٧٠.

١٢ - المائدة / ٥٠.

١٣ - الاعراف / ٣.

١٤ - هود / ٢٠.

١٥ - الشورى / ٢١.

١٦ - البقرة / ١٥٤.

١٧ - الاعراف / ٥٤.

١٨ - الاعراف / ٣.

١٩ - النساء / ٧٩.

٢٠ - النساء / ٦٣.

٢١ - التغابن / ١٦.

٢٢ - القصص / ٨٨.

٢٣ - الاحزاب / ٣٩.

٢٤ - البقرة / ١٦٥.

٢٥ - المزمل / ٧٣.

٢٦ - النساء / ٨٠.

٢٧ - الاسراء / ٢.

٢٨ - آل عمران / ١٥٤.

٢٩ - الروم / ٤.

٣٠ - المائدة / ١١٩.

٣١ - آل عمران / ٨٣.

٣٢ - يس / ٢٢.

٣٣ - الانعام / ١٠٢.

٣٤ - الصافات / ٤٠.

٣٥ - الصافات / ١٢٨.

٣٦ - الصافات / ٤.

٣٧ - الصافات / ١٦.

٣٨ - الحجر / ٤٠.

٣٩ - ص / ٨٣.



[ Web design by Abadis ]