ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المجتمع الانساني في القرآن الكريم - ٣ \ السيد محمد باقر الحكيم

الإنسان والمجتمع الإنساني هدف أساسي في القرآن الكريم لما حظي به الكائن البشري من كرامة عند الله، ومكانة في الكون، وقدرة على الخلافة. وسور القرآن الكريم تتناول جوانب شتى مما يرتبط بالإنسان والمجموعة البشرية في إطار عقائدي تارة واجتماعي وتاريخي وأخلاقي تارة أخرى.

والأستاذ الباحث تناول في الحلقتين السابقتين مباحث تمهيدية ودخل في موضوع الاستخلاف وفصّل القول في هذه الحلقة في نظرية خلافة الإنسان على ظهر الأرض.

نظرية الاستخلاف

بعد أن تعرفنا على آراء العلماء المختلفة تجاه الأمور المهمة التي جاءت في هذا المقطع القرآني، لابد لنا من معرفة الجانب الثالث، وهو الصورة الكاملة للآيات الكريمة التي وردت في هذا المقطع القرآني، لنستخلص نظرية استخلاف آدم منها.

صورتان لهذه النظرية:

وهنا توجد عندنا صورتان بينهما كثير من وجوه الشبه:

تصور الشيخ محمد عبده

الصورة الأولى: ذكرها السيد رشيد رضا في تفسيره عن استاذه الشيخ محمد عبده، حيث يرى أن القصة وردت مورد التمثيل، لغرض تقريبها من تناول أفهام الخلق لها، لتحصل لهم الفائدة من معرفة حال النشأة الأولى.

وعلى هذا الأساس يمكننا أن نفهم كثيراً من جوانب هذه المحاورة والألفاظ التي استعملت فيها، دون أن نتقيد بالمعنى اللغوي العرفي لها.

ولنظرية الشيخ عبده أركان أساسية ثلاثة هي:

١ - إن الله سبحانه وتعالى أخبر الملائكة بالقرار الإلهي، في أن يجعل في الأرض خليفة عنه يودع في فطرته (الإرادة المطلقة) التي تجعله قادراً على التصرف، حسب قدرته ومعلوماته التي لا يمكن أن تصل إلى مرتبة الكمال.

وعلى أساس هذه الإرادة المطلقة، وهذا العلم الناقص، عرف الملائكة أن هذا الخليفة سوف يسفك الدماء ويفسد في الأرض، لأن ذلك نتيجة طبيعية لما يتمتع به من إرادة مطلقة يسير بها حسب علمه الذي لا يحيط بجميع جوانب المصالح والمنافع، الأمر الذي قد يوجه الإرادة إلى خلاف الحكمة والمصلحة، فيقع في الفساد.

وحين عرف الملائكة ذلك، تعجبوا من خلافة هذا النوع من الخلق الذي يسفك الدماء ويفسد في الأرض لله تعالى، فسألوا الله سبحانه (عن طريق النطق، أو الحال، أو غير ذلك) أن يتفضل عليهم بإعلامهم عن ذلك وبيان الحكمة لهم.

٢ - وكان الجواب لهم على ذلك، هو بيان وجوب الخضوع والتسليم، لمن هو بكل شيء عليم، لأن هذا هو موقف جميع المخلوقات تجاهه، لأنه العالم المحيط بكل المصالح والحكم.

على أن هذا النوع من الخضوع والتسليم الذي ينشأ من معرفة الملائكة بإحاطة الله بكل شيء، قد لا يذهب الحيرة ولا يزيل الاضطراب، وإنّما تسكن النفس بإظهار الحكمة والسر الذي يختفي وراء الفعل الذي حصل منه تعجب الملائكة.

ولذلك تفضل الله سبحانه على الملائكة، بأن أوضح لهم السر، وأكمل علمهم ببيان الحكمة في هذا الخلق، فأودع في نفس آدم وفطرته (علم جميع الأشياء من غير تحديد ولا تعيين) الأمر الذي جعل لآدم امتيازاً خاصاً استحق به الخلافة عن الله في الأرض.

٣ - ويظهر هذا الامتياز حين نقارن بين الإنسان وبني المخلوقات لله سبحانه، فقد نطق الوحي، ودل العيان والاختبار على أن الله تعالى خلق العالم أنواعاً مختلفة، وخص كل نوع منها بقدرات ومواهب، ولكن الإنسان مع ذلك يختلف عنها، في أنّه لما منحه الله من قدرات ومواهب ليست لها حدود معينة لا يتعداها على خلاف بقية المخلوقات.

فالملائكة - الذين لا نتمكن من معرفة حقيقتهم إلاّ عن طريق الوحي - لهم وظائف محدودة - كما دلت الآيات والأحاديث - فهم يسبحون الله ليلاً ونهاراً، وهم صافون، ويفعلون ما يؤمرون، إلى غير ذلك من الأعمال المحدودة.

وما نعرفه بالنظر والاختبار عن حال الحيوان والنبات والجماد، فإنها بين ما يكون لا علم له ولا عمل كالجماد، أو يكون له عمل معين يختص به نفس دون أن يكون له علم وإرادة، ولو فرض أن له علماً أو إرادة فهما لا أثر لهما في جعل عملهما مبيناً لحكم الله وسنته في الخلق، ولا وسيلة لبيان أحكامه وتنفيذها.

فكل حي من الأحياء المحسوسة والغيبية - عدا الإنسان - له استعداد محدود وعلم إلهامي محدود، وما كان كذلك لا يصلح أن يكون خليفة عن الذي لا حد لعلمه وإرادته.

وأما الإنسان فقد خلقه الله ضعيفاً وجاهلاً، ولكنه على ضعفه وجهله، فهو يتصرف في الموجودات القوية، ويعلم جميع الأسماء بما وهبه الله من قدرة على النمو والتطور التدريجي في إحساسه ومشاعره وإدراكه، فتكون له السلطة على هذا الكائنات، يخسرها ثم يذللها بعد ذلك كما تشاء قوته الغريبة التي يسمونها (العقل) ولا يعرفون حقيقتها ولا يدركون كنهها؛ فهذه القوة نجدها تغني الإنسان عن كل ما وهب الله للحيوان في أصل الفطرة والإلهام من الكساء والغذاء والأعضاء والقوة.

فالإنسان بهذه القوة غير محدود الاستعداد ولا محدود الرغائب ولا محدود العلم ولا محدود العمل.

وكما أعطاه الله تعالى هذه المواهب، أعطاه أحكاماً وشرائع حدد فيها أعماله وأخلاقه، وهي في الوقت نفسه تساعده على بلوغ كماله لأنها مرشد للعقل الذي كان له كل تلك المزايا.

وبهذا العلم كله استحق الإنسان خلافة الله في الأرض، هو التصرف وخلق المخلوقات بها، ونحن نشاهد في عصرنا آثار هذه الخلافة بما فعله الإنسان من تطوير وسيطرة وتصرف في الكون.

وحين أودع الله في فطرة آدم على الأشياء من غير تحديد، عرض الأشياء على الملائكة وأطلعهم عليها إطلاعاً إجمالياً، ثم طالبهم بمعرفتها والإنباء بها، وإذا بهم يظهرون التسليم والخضوع والعجز والاعتراف.

وعند ذلك أمر الله آدم أن ينبئهم بالأشياء ففعل، وذلك لتتكشف لهم الحقيقة بأوضح صورها وأشكالها.

تصور العلامة الطباطبائي

وأما الصورة الثانية: فهي التي عرضها العلامة الطباطبائي، وهي تختلف عن الصورة السابقة في بعض الجوانب، وتتفق معها في بعض الجوانب الأخرى، وسوف نقتصر على ذكر جوانب الخلاف التي سبق أن أشرنا إلى بعضها:

١ - إن خليفة الله موجود مادي مركب من القوى الغضبية والشهوية، والدار دار تزاحم محدودة الجهات وافرة المزاحمات، لا يمكن أن تتم فيها الحياة إلاّ بإيجاد العلاقات الاجتماعية وما يستتبعها من تصادم وتضاد في المصالح والرغبات، الأمر الذي يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء.

٢ - إن آدم استحق الخلافة لقدرته على تحمل السر الذي هو عبارة عن تعلم الأسماء التي هي أشياء حية عاقلة محجوبة تحت حجاب الغيب محفوظة عند الله، وقد أنزل الله كل اسم في هذا العالم بخيرها وبركتها، واشتق كل ما في السماوات والأرض من نورها وبهائها، وإنهم على كثرتهم وتعددهم لا يتعددون تعدد الأفراد، وإنّما يتكاثرون بالمراتب والدرجات.

الموازنة بين الصورتين

ويحسن بنا أن نوازن بين هاتين الصورتين لنخرج بالصورة الكاملة التي نراها صحيحة، لتصوير هذا الجانب من المقطع القرآني، ولنأخذ النقاط الثلاث التي خالف فيها العلامة الطباطبائي الشيخ محمد عبده.

ففي النقطة الأولى: نجد العلامة الطباطبائي على جانب من الحق، كما نجد الشيخ محمد عبده على جانب آخر منه، ذلك لأن العلامة الطباطبائي أكد ما فطر عليه الإنسان من غرائز وشهوات وعواطف مختلفة - وهذا شيء صحيح أكده القرآن أيضاً - لما لهذه الغرائز من تأثير كبير في حركة الإنسان وحصول التزاحم والتنافس في المجتمع الإنساني، الأمر الذي يؤدي إلى الفساد وسفك الدماء، وأساس هذه الغرائز غريزة حب الذات التي جاءت بها الأديان السماوية ومنها الإسلام من أجل توجيهها توجيهاً صالحاً، يدفعها إلى تجنب الفساد والسفك للدماء، ولذلك نجد القرآن الكريم يؤكد دور الهوى - الذي يعبر عن طغيان هذه الغرائز - في الفساد وسفك الدماء.

والشيخ محمد عبده حين يغفل هذا الجانب في حقيقة الإنسان - وفي مسألة معرفة الملائكة للفساد، وسفك الدماء في الإنسان - يؤكد جانباً آخر له دور كبير - أيضاً - في الفساد وسفك الدماء، وهو الإرادة المطلقة المقرونة بالمعرفة الناقصة، فلولا هذه الإرادة، ولولا هذا النقص في العلم، لما كان هذا السفك والفساد، ولذا لا نرى الفساد وسفك الدماء في عباد الله المخلصين الصالحين، لأن علمهم بالمصلحة علم كامل مع وجود الغرائز والشهوات فيهم، وكذلك لا نراه حتّى في عامة الملائكة، وقد يكون ذلك إما لعدم وجود الإرادة، أو وجودها - والله أعلم - مع عدم وجود الشهوات فيها والتضاد بينهم والله العالم.

وعلى هذا الأساس يمكن أن نعتبر كلا الجانبين مؤثراً في معرفة الملائكة لنتيجة هذا الخليفة.

وفي النقطة الثانية: نجد الشيخ محمد عبده يحاول أن يذكر أن الشيء الذي أثار السؤال لدى الملائكة، هو قضية أن هذا المخلوق المريد ذا العلم الناقص لابد أن يكون مفسداً في الأرض وسافكاً للدماء، ومن ثم فلا مبرر لجعله خليفة مع ترتب هذه الآثار والنتائج على وجوده.

وأما العلامة الطباطبائي فهو يحاول أن يذكر في أن الشيء الذي أثار السؤال، هو أن الخليفة لابد أن يكون حاكياً للمستخلفِ (الله) وبدا لهم كأن هذا المخلوق لا يحكي هذا المستخلف، لأنه يفسد في الأرض ويسفك الدماء، بخلاف الملائكة أنفسهم، حيث يمكن أن يحكوا المستخلف من خلال تسبيحهم وحمدهم.

وفي هذه النقطة قد يكون الحق إلى جانب العلامة الطباطبائي، وذلك بقرينة أن التفسير والمبرر الإلهي، لهذه الخلافة كان من خلال بيان امتياز هذا الخليفة بالعلم، كما قد يفهم من الآية، وأشار إليه الشيخ محمد عبده، مع أن هذا المبرر لا ينسجم مع النقطة التي ذكرها الشيخ عبده، لأنه افترض في أصل إثارة سؤال الملائكة وجود العلم الناقص إلى جانب الإرادة؛ فكيف يكون هذا العلم - بالشكل الذي ذكره الشيخ محمد عبده أي علمه بالأشياء وهو علم ناقص على أي حال - جواباً لهذا السؤال؟

نعم لو افترضنا أن العلم الذي علمه الله تعالى لآدم، هو الرسالات الإلهية الهادية للصلاح والرشاد والحق والكمال - كما أشار الشيخ محمد عبده إلى ذلك في نهاية النقطة الثالثة - فقد يكون جواباً لسؤال الملائكة، لان مثل هذا العلم يمكن أن يصلح شأن الإرادة والاختيار، الذي أثار المخاوف ويحد من الفساد وسفك الدماء، ولكن قد يقال: إن هذا خلاف الظاهر، لأن يفهم من ذيل هذا المقطع الشريف: ﴿… فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولاهم يحزنون﴾ [١]، إن هذا الهدى الذي هو الرسالات الإلهية الهادية، جاء بعد هذا التعليم لآدم.

وأما لو افترضنا أن الذي أثار السؤال لدى الملائكة، هو الإرادة والاختيار فقط - كما اختاره أستاذنا الشهيد الصدر قدس سره - أصبح بيان الامتياز بالعلم والمعرفة جواباً للسؤال وتهدئة للمخاوف التي ثارت لدى الملائكة، لان هذا العلم الذاتي في الإنسان يهدي إلى الله تعالى، ويتمكن هذا الإنسان بفطرته من أن يسير في طريق التكامل الإرادي، الذي هو أفضل ألوان التكامل.

وأما العلامة الطباطبائي فقد اعتبر الانتماء إلى الأرض والتزاحم بين المصالح فيها، هو الذي يؤدي إلى الفساد، ويكون العلم بالأسماء - حينئذ - طريقاً وعلاجاً لتجنب هذه الأخطار، لأن الأسماء بنظره موجودات عاقلة حية.

وفي النقطة الثالثة: يفترض الشيخ محمد عبده أن العلم هو الذي جعل الإنسان مستحقاً للخلافة، وهذا العلم ذو بعدين:

أحدهما: العلوم الطبيعية التي يمكن للإنسان أن يحصل عليها من خلال التجارب والبحث، والتي يتمكن الإنسان بواسطتها من الهيمنة على العالم المادي الذي يعيش فيه، كما نشاهد ذلك في التاريخ وفي عصرنا الحاضر بشكل خاص.

والآخر: العلم الإلهي المنزل من خلال الشريعة، والذي يمكن للإنسان من خلاله أن يعرف طريقه إلى الكمالات الإلهية، ويشخص المصالح والمفاسد والخير والشر.

وهذا التصور ينسجم مع إطلاق كلمة العلم في الآية الكريمة، ومع فرضية أن الجواب الإلهي للملائكة، إنّما هو تفسير لجعل الإنسان خليفة، لأن الجواب ذكر خصوصية (العلم) كامتياز لآدم على الملائكة.

ما ينسجم هذا التصور مع ما أكده القرآن الكريم في مواضع متعددة من دور العقل ومدركاته في حياة الإنسان، ومسيرته وتسخير الطبيعة له، وكذلك دور الشريعة في تكامل الإنسان ووصوله إلى أهدافه.

ولكن هذا التصور نلاحظ عليه:

أولاً: ما ذكرناه من أن الشريعة قد افترض نزولها في هذا المقطع الشريف بعد هذا الحوار: ﴿…. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، إذن فهي ليست من العلم الأول.

ثانياً: الظاهر أن الإرادة والاختيار يمثلان ميزة أخرى لآدم والإنسان على الملائكة، على ما يظهر من الشيخ محمد عبده، حيث ذكر: أن هذه الخصوصية هي التي أثارت مخاوف الملائكة وسؤالهم، كما نبهنا عليه وأشار إليه الشيخ محمد عبده.

وأما العلامة الطباطبائي فقد افترض أن هذا الاستحقاق للخلافة، إنما كان باعتبار العلم بالأسماء وحده، ولكنه فسر الأسماء بأنها موجودات عاقلة لها مراتب من الوجود، حيث يمكن من خلال العلم بها أن يسير الإنسان في طريق التكامل.

ولكن هذا التفسير فيه شيء من الغموض ولعله يعتمد على بعض المذاهب الفلسفية.

نعم؛ هناك فرضية تشير إليها بعض الروايات المأثورة عن أهل البيت - عليهم السلام - وسبقت الإشارة إلى ذلك - وهي أن هذه الأسماء عبارة عن أسماء الأنبياء والربانيين والأحبار، الذين جعلهم الله تعالى شهوداً على البشرية والإنسانية واستحفظهم على كتبه ورسالاته.

والظاهر أن هذه الفرضية هي التي ذهب إليها أستاذنا الشهيد الصدر قدس سره، في بحثه عن خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء [٢].

ولكن هاتين الصورتين كانتا على مستوى مدلول هذا المقطع القرآني الشريف.

وأما لو أردنا أن ننظر إلى مبررات الاستخلاف على مستوى آيات الاستخلاف كلها، فقد نرى أمامنا صورة ثالثة أكثر وضوحاً وتفصيلاً، وعناصر تبين مبررات هذه الخلافة.

وهذه الصورة هي: أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وميزه بميزات على بقية المخلوقات في أصل خلقته وهذه الميزات هي: العلم، والعقل، والإرادة، حيث أودع فيه من المواهب والقابليات ما يمكنه من التكامل في المصير إلى الله تعالى بواسطة هذا العلم والعقل والإرادة، وبالتوفيق والهدي الإلهي، ما يصل به إلى قاب قوسين أو أدنى في القرب من الله تعالى.

فالعلم: الذي يهدي الإنسان إلى الحق والإيمان بالله تعالى، ومعرفة هذا الوجود في مبدئه ومنتهاه، ومعرفة رسل الله ورسالاته وحقوق الله على عباده، من شكر النعم والتزام الطاعة والوفاء بالعهد والميثاق، وهو: ما يسمى بالعقل النظري.

وقد ركز هذا المقطع الشريف من القرآن الكريم على خصوصية (العلم) ودوره في هذا الامتياز، وفي معالجة السؤال الذي أثاره الملائكة، حول جعل الله تعالى للإنسان خليفة في الأرض، مع أنّه يتصف بالخصائص الأخرى التي اتصف بها الإنسان.

والعقل: الذي يمكن الإنسان من تمييز المصالح والمفاسد، ويعطيه القدرة على إدراك الأشياء وتمييزها، فبالعقل يدرك الخير، والشر، والصلاح، والفساد، والحسن، والقبيح.

كما أنّه هو الذي يعطي الإنسان القدرة على تسخير الموجودات التي خلقها الله تعالى، حول هذا الإنسان ومكنه منها بالعقل.

كما أنّه بالعقل يثاب الإنسان ويعاقب، وبه يعبد الإنسان الله تعالى، وهو الذي يوصله إلى تقوى الله تعالى، والاعتصام بحبله، وإدراك سبل النجاة، واجتناب طرق الهلاك.

فهو الهداية الذاتية التي أودعها الله تعالى في الإنسان، واستحق بها هذه الخلافة في الأرض.

وهذا هو ما يسمى (بالعقل العملي) والفطرة الإنسانية السليمة.

وهذا (العقل) هو جانب من (النفخة الإلهية) التي أودعها الله تعالى في الإنسان، عندما خلقه وأمر الملائكة بالسجود له، كما أن (العلم) الذي تحدث عنه هذا المقطع الشريف، وغيره من الآيات [٣]، يمثل الجانب الآخر لهذه النفخة.

قال تعالى: ﴿فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين﴾ [٤]، وبدون العقل يصبح الإنسان كالأنعام، إن لم يكن أشر منها وأضل سبيلا.

قال تعالى: ﴿إن شر الدوابّ عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون﴾ [٥].

وبذلك يتميز الإنسان عن الحيوانات التي تشترك معه في الشهوات واللذات وفي وجود الحواس لديه.

قال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيراً من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل أولئك هم الغافلون﴾ [٦].

كما أن حواس الإنسان تصبح معطلة وغير قادرة على أداء وظيفتها الإنسانية التكاملية في فهم الحياة وآثارها ونتائجها، عندما يفقد الإنسان خصوصية العقل، فيصاب بالعمى الحقيقي.

قال تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور﴾ [٧].

ويبدو من القرآن الكريم أن هناك علاقة بين العلم والعقل تتمثل في أن العقل والفهم والفقه من صفات العلم، ومن آثار ونتائجه.

قال تعالى: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلاّ العالمون﴾ [٨].

وقد ورد في الحديث عن علي - عليه السلام - أنّه قال: (العقل أصل العلم وواعية الفهم) [٩]، وقال - عليه السلام - : (العقل مركب العلم) [١٠].

ويظهر من الأحاديث الواردة عن أهل البيت - عليهم السلام ـ، أن أفضل شيء وهبه الله تعالى للإنسان في أصل خلقته هو العقل، فقد روى الكليني بطريق صحيح عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر - عليه السلام -، قال (لما خلق الله العقل استنطقه ثم قال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر، ثم قال له: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً هو أحب إلي منك ولا أكملتك إلا فيمن أحب، أما إني إياك آمر وإياك أنهى وإياك أعاقب وإياك أثيب) [١١].

ولعل هذا العقل أو بعض درجاته العالية، هو الذي وصل إليه آدم في جنة الأولى التي أسكنه الله تعالى فيها، وابتلاه واختبره بالتكاليف الإلهية عندما نهاه وزوجه عن أكل الشجرة فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة، حيث وجدت عنده قدرة التمييز بين الحسن والقبيح على ما يظهر من القرآن الكريم، والله سبحانه أعلم.

٣ - والإرادة: هي الحرية التي تمثل الميزة والخصوصية الثالثة التي يختص بها الإنسان من بين المخلوقات، وهي تعني الإرادة والاختيار في أن يسلك طريق الهدى والصلاح والشكر لله تعالى، فتتطابق إرادته السلوكية مع الإرادة التشريعية لله تعالى فيصل إلى الجنة ورضوان الله تعالى، أو يختار طريق الضلال والفساد والكفر بالله تعالى، فتختلف إرادته السلوكية مع إرادة الله التشريعية، فيسقط في مهاوي النار.

وهذه الحرية تؤهل الإنسان إلى الامتحان والفتنة والاختبار فيتكامل بذلك، كما تجعله أمام المسؤولية الإلهية والعقاب والثواب، عندما يكون كامل العقل والعلم بلطف الله تعالى.

وبهذه الحرية يواجه الإنسان جهاد النفس، وجهاد العدو، ويتحمل المصاعب والآلام من أجل الأهداف الكبرى.

كما أن الإنسان بهذه الحرية، يكون في موضع خطر السقوط والفساد، وسفك الدماء والوقوع تحت تأثير الهوى والشهوات.

وهذه الإرادة هي نفخة من الصفات الإلهية، التي اتصف بها الله تعالى، ويمكن أن تعبر عنها الآية الكريمة التي تحدثت عن النفخ فيه من روح الله.

ولكن مع ذلك نجد أن آيات الاستخلاف تحدثت عن هذه الصفة - أيضاً - مثل ما سبق من آية سورة يونس، وفاطر، وغيرهما.

كما أن القرآن الكريم تحدث عن هذه الحرية في خلق الإنسان، وقانون الابتلاء الذي يتعرض لها في أصل هذا الخلق.

قال تعالى: ﴿الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملا وهو العزيز الغفور﴾ [١٢].

وقوله تعالى: ﴿إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيراً * إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفورا﴾ [١٣].

وقوله تعالى: ﴿لقد خلقنا الإنسان في كبد* أيحسب أن لن يقدر عليه أحد* يقول أهلكت مالا لبداً * أيحسب أن لم يره أحد* ألم نجعل له عينين* ولسانا وشفتين * وهديناه النجدين * فلا آقتحم العقبة * وما أدراك ما العقبة﴾ [١٤].

وقوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر…﴾ [١٥].

وقد أشير إلى هذا الاختيار في هذا المقطع الشريف في قضية النهي عن أكل الشجرة، وفي آخره؛ بقوله تعالى: ﴿…. فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون * والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [١٦].

وهذه العناصر والميزات الثلاثة، هي التي استحق بها الإنسان الخلافة من الله تعالى، كما تحمل بها المسؤولية العظيمة في العهد والميثاق، وأصبح الإنسان فيها مؤتمناً على هذا العهد والميثاق؛ قال تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين * أو تقولوا إنّما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون﴾ [١٧].

وقال تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوماً جهولاً﴾ [٨].

ثم منح الله تعالى هذا الإنسان المواهب والقابليات والصفات التي هي من الصفات ذات الطبيعة التكاملية والتي تتصف بالزيادة والنقصان، والشدة والضعف، من دون أن تكون محدودة بحد.

وابتلاه بالهوى والشهوات والميول والغرائز، وجعل طريقه إلى الله تعالى في التكامل والقرب منه، مقروناً بالكدح والبأساء والضراء والفتنة والاختبار؛ قال تعالى: ﴿يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه * فأما من أوتي كتابه بيمينه * فسوف يحاسب حساباً يسيراً * وينقلب إلى أهله مسروراً * وأما من أوتي كتابه وراء ظهره * فسوف يدعو ثبواً * ويصلى سعيراً * إنه كان في أهله مسروراً﴾ [١٩].

وقد وضع الله سبحانه ذلك وفق نظام محكم تتأثر فيه الإرادة الإنسانية بالأوضاع الكونية المحيطة بها، ولكن دون أن تفقد فيها دورها في الاختيار، كما تتأثر الأوضاع الكونية المحيطة بالإنسان، بالإرادة الإنسانية.

وتتداخل فيه المسيرة السلوكية الفردية للإنسان بالمسيرة الاجتماعية له، بحيث تنعكس آثار كل منهما على المسيرة الأخرى، دون حيف أو ظلم، فيتكامل المجتمع أو يتسافل بسبب الأوضاع النفسية للأفراد، وتنسحب الأوضاع الاجتماعية للجماعة على الأفراد، حتّى لو كانوا خارج دائرة المسؤولية المباشرة لهذه الأوضاع، قال تعالى: ﴿واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب﴾ و﴿ وذلك بأن الله لم يك مغيراً نعمة أنعمها على قوم حتّى يغيروا ما بأنفسهم وأن الله سميع عليم ﴾ [٢٠].

وعلى أساس هذه الحقائق في هذه الصورة، نجد القرآن الكريم يثبت الآثار والنتائج لهذه الحقائق، على أنها حقائق ثابتة وباقية في حياة الإنسان، وموجبة للتفاضل والتمييز، دون غيرها مما يزول ويرتبط بمرحلة معينة من وجوده.

فأثر العلم هو الإيمان بالله تعالى، وهو حقيقة باقية في حياة الإنسان، كما أن أثر الظن والوهم والأماني، هو الكفر والضلال وهو حقيقة باقية في حياة الإنسان.

وأثر العقل هو التقوى لله تعالى، وهي حقيقة باقية في حياة الإنسان، توجب التفاضل والتكريم، وأثر الجهل هو الفسوق والتمرد…. [٢١].

وأثر الحرية والإرادة والإحساس بالمسؤولية، الجهاد في سبيل الله والكدح في مجاهدة النفس وأعداء الله، وفي مقابل ذلك العبودية للهوى والشهوات والوقوع في أسرها، والأثقال في أغلالها، والختم على السمع والقلب، والغشاوة على البصر، وفقدان الرؤية، قال تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة فمن يهديه من بعد الله أفلا تذكرون﴾ [٢٢].

معنى الخلافة

وأما الخلافة التي استحقها هذا الإنسان بهذه المواصفات، فالظاهر منها - كما ذكرنا - هو الخلافة لله تعالى في الأرض، ولكن بمعناها الواسع، بحيث تشمل جميع الأبعاد والصور والاحتمالات التي ذكرت في بيان المذهب الثالث.

١ - فهي خلافة لله تعالى في الحكم والفصل بين العباد، عند الاختلاف والنزاع، وهو ما اختص به الله تعالى الأنبياء والربانيين والأحبار من بين الناس، كما ورد ذلك في قوله تعالى: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فأحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله…﴾ [٢٣].

وكذلك في قوله تعالى: ﴿إنا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور يحكم بها النبيون الذين أسلموا

أسلموا للذين هادوا والربانيون والأحبار بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء…. ﴾ [٢٤].

فهي خلافة شهادة على الناس، وفصل للنزاع والخلاف، وقطع لمادة الفساد، ولعل هذا النوع من الخلافة، هو الذي أشار إليه القرآن الكريم في المقطع الشريف في جواب سؤال الملائكة وإثارتهم لقضية الفساد وسفك الدماء، على ما تشير إلى ذلك بعض روايات أهل البيت - عليهم السلام - [٢٥]، وبوجود هذا النوع من الناس يفسر استحقاق الإنسان لهذه الخلافة من ناحية، ويعالج المخاوف التي أثارها الملائكة من ناحية أخرى.

٢ - وهي خلافة - أيضاً - في عمارة الأرض واستثمارها من إنبات الزرع وإخراج الثمار والمعادن وتفجير المياه وشق الأنهار، وغير ذلك.

ولعل أكثر موارد استعمال (خلائف، وخلفاء، واستخلاف) أريد منه هذا النوع من الاستخلاف، قال تعالى: ﴿واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض تتخذون من سهولها قصوراً وتنحتون الجبال بيوتا فاذكروا آلاء الله ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾ [٢٦].

٣ - وهي خلافة لله تعالى في الأرض في السلوك والعمل: في علاقته مع الله تعالى، ومع أخيه الإنسان، ومع الطبيعة والكون المحيط به، حيث - مع حريته والاختيار في إرادته - يكون مسؤولاً أن يعمل في ذلك بما يوافق المصلحة والحق والعدل، وينسجم مع ما جاء من الله تعالى من هدى ونور وأوامر ونواه، تتطابق مع المصالح والمفاسد الواقعية، قال تعالى: ﴿آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فالذين آمنوا منكم وأنفقوا لهم أجر كبير﴾ [٢٧].

وقال تعالى: ﴿ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون﴾ [٢٨].

فالإنسان - وإن كان حراً في التصرف والانتخاب - يكون مسؤولاً عن سلوكه أمام الله تعالى، لأنه مستخلف فيه من قبل الله، وعليه أن يمثل المستخلف، كما أنّه هو المسؤول عن أداء هذه الشؤون وتنظيمها، لأن ذلك هو طبيعة الاستخلاف فيها.

يتبع

١ - البقرة: ٣٨.

٢ - خلافة الإنسان وشهادة الأنبياء: الشهيد السيد محمد باقر الصدر.

٣ - ﴿اقرأ باسم ربك الذي خلق* خلق الإنسان من علق* اقرأ وربك الأكرم* الذي علم بالقلم* علم الإنسان ما لم يعلم﴾ العلق / ١ ـ٥.

وقال تعالى: ﴿الرحمن* علم القرآن خلق الإنسان * علمه البيان﴾ الرحمن / ١ - ٤.

٤ - الحجر / ٢٩.

٥ - الأنفال / ٢٢.

٦ - الأعراف / ١٧٩.

٧ - الحج / ٤٦.

٨ - العنكبوت / ٤٣.

٩ - غرر الحكم ١ / ١٠٢، برقم ١٩٨٠، ط الاعلمي.

١٠ - المصدر السابق / ٤٢، برقم ٨٦٦.

١١ - الكافي ١ / ١٠ - ح ١.

١٢ - الملك: ٢.

١٣ - الإنسان ٢ - ٣.

١٤ - البلد ٤ - ١٢.

١٥ - الكهف: ٢٩.

١٦ - البقرة: ٣٨ - ٣٩.

١٧ - الأعراف ١٧٢ - ١٧٣.

١٨ - الأحزاب: ٧٢.

١٩ - الانشقاق: ٦ - ١٣.

٢٠ - الأنفال: ٢٥ - ٥٢.

٢١ - ورد عن الإمام الصادق - عليه السلام - حديثاً يعدد فيه جنود العقل وجنود الجهل، فراجع الكافي ١ / ٢٠ - ٢٣، ح ١٤.

٢٢ - الجاثية: ٢٣.

٢٣ - ص: ٢٦.

٢٤ - المائدة: ٤٤.

٢٥ - نور الثقلين ١ / ٥٠ - ٥١، ح ٨٠ و ٥٤، ح ٨٧.

٢٦ - الأعراف: ٧٤.

٢٧ - الحديد: ٧.

٢٨ - يونس: ١٤.



[ Web design by Abadis ]