ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 قرارات الدورة ١١ لمجمع الفقه الاسلامي

ندرج في هذا الحقل ثلاث وثائق صدرت عن مجمع الفقه التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، ولنا عليها تعليق نذكره على أمل تطوير لغة هذه القرارات لتخدم فكرة التقريب والوحدة أكثر، ولتكون أقرب الى معالجة الواقع. قرار رقم ٨٩ (١ / ١١)

بشأن الوحدة الإسلامية

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨).

بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع الوحدة الإسلامية. وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى أن هذا الموضوع من أهم المواضيع التي تحتاج الأمة الإسلامية اليوم إلى بحثها من الناحيتين النظرية والعملية، وإن العمل على توحيد الأمة الإسلامية فكرياً وتشريعياً وسياسياً، وشدها إلى عقيدة التوحيد الخالص، من أهم أهداف هذا المجمع الدولي….

قرر مايلي:

أولا: إن الوحدة الإسلامية واجب أمر اللّه تعالى به وجعله وصفا لازماً لهذه الأمة بقوله تعالى (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) وقوله عز وجل (إن هذه أمتكم أمة واحدة)، وأكدت ذلك السنة النبوية قولاً وعملا، حيث قال النبي (صلى الله عليه وآله) "المسلمون تتكافأ دماؤهم وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم" وحقق عليه الصلاة والسلام هذه الوحدة فعلاً بالمؤاخاة بين المهاجرين والأنصار وقرر ذلك في أول وثيقة لإقامة الدولة الإسلامية بالمدينة المنورة التي فيها وصف المسلمين بأنهم "أمة واحدة من دون الناس".

إن هذه النصوص من الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة وما في معناها، تقتضي أن يجتمع المؤمنون تحت لواء الإسلام، مستمسكين بالكتاب والسنة، وأن ينبذوا الأحقاد التاريخية والنزاعات القبلية والأطماع الشخصية والرايات العنصرية. وحينما قاموا بذلك تحققت القوة لدولة الإسلام في عهد النبوة ثم في الرعيل الأول، وانتشر دين الإسلام ودولته في الشرق والغرب وقادت الأمة الحضارة الإنسانية بحضارة الإسلام التي كانت أعظم حضارة قامت على العبودية للّه وحده، فحققت العدل والحرية والمساواة.

ثانيا: إن الوحدة الإسلامية تكمن في تحقيق العبودية للّه سبحانه اعتقادا وقولا وعملا، على هدي كتاب اللّه تعالى وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله)، والحفاظ على هذا الدين الذي يجمع المسلمين على كلمة سواء في شتى مناحي الحياة من فكرية واقتصادية واجتماعية وسياسية. وما إن ابتعدت الأمة الإسلامية عن مقومات وحدتها حتى نجمت أسباب التفرق التي تعمقت فيما بعد بأسباب كثيرة منها جهود الاستعمار الذي شعاره (فرق تسد)، فقسم الأمة الإسلامية إلى أجزاء ربطها بأسس قومية وعرقية وفصل بين العرب والمسلمين، وانصبت معظم جهود المستشرقين إلى تأصيل التفرق في دراساتهم التي روّجوها بين المسلمين.

ثالثا: إن الاختلافات الفقهية التي مبناها على الاجتهاد في فهم النصوص الشرعية ودلالاتها، أمر طبيعي في حد ذاته، وقد أسهمت في إغناء الثروة التشريعية التي تحقق مقاصد الشريعة وخصائصها من التيسير ورفع الحرج.

رابعا: وجوب الالتزام بحفظ مكانة جميع الصحابة رضي اللّه عنهم، ودعوة العلماء إلى التنويه بمنزلتهم وفضلهم في نقل الشريعة إلى الأمة والتعريف بحقهم عليها.

خامسا: وجوب الالتزام بالكتاب والسنة، وهدي سلف الأمة من الصحابة، رضي اللّه عنهم أجمعين، ومن تبعهم بإحسان، ونبذ الضلالات، وتجنب ما يثير الفتن في أوساط المسلمين، ويؤدي إلى الفرقة بينهم، والعمل على توظيف الجهود للدعوة إلى الإسلام ونشر مبادئه في أوساط غير المسلمين.

التوصيات

لا يخفى أن عصرنا هو عصر التكتلات التي لها تطبيقاتها الفكرية والاجتماعية والاقتصادية تحت شعارات العولمة والعلمانية والحداثة وبسبب الانفتاح الإعلامي دون أي قيود أو ضوابط، مما يجعل العالم الإسلامي مستهدفا لإزالة خصوصياته وتذويب مقوماته ومعالم حضارته الروحية والفكرية، ولا تتم حماية أمتنا من هذه الأخطار إلا باتحادها وإزالة أسباب التفرق لاسيما أن أمتنا تملك العديد من مقومات الوحدة التي تشمل الوحدة الاعتقادية والاجتماعية والاقتصادية والتشريعية والثقافية.

وعليه يوصي المجمع بما يلي:

أـ تأكيد قرار المجمع رقم: ٤٨ (١٠ / ٥) بشأن تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية وما تبعه من توصيات في الموضوع ذاته، وقرار المجمع رقم ٦٩ (٧ / ٧) بشأن الغزو الفكري في التوصية الأولى.

ب - التأكيد على حكومات البلاد الإسلامية بدعم جهود كل من منظمة المؤتمر الإسلامي ومجمع الفقه الإسلامي الدولي باعتبارهما من صور الوحدة بين المسلمين سياسياً وفكرياً.

ج - تجاوز النزاعات التاريخية، فإن إثارتها لا تعود على الأمة إلا بـإذكاء الضغائن وتعميق الفرقة.

د - التزام حسن الظن وتبادل الثقة بين المسلمين دولا وشعوبا، بتوجيه وسائل الإعلام إلى تنمية روح التآلف وإشاعة أخلاقيات الحوار واحتمال الآراء الاجتهادية.

هـ - الاستفادة من القضايا المصيرية التي توحد الأمة الإسلامية وفي مقدمتها قضية القدس والمسجد الأقصى أولى القبلتين ومسرى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) لدرء الأخطار التي تهدد إسلاميتها، والتأكيد على أنها قضية المسلمين جميعا.

ويناشد المشاركون في المؤتمر حكومات البلاد الإسلامية مضاعفة اهتمامها بهذه القضية وأمثالها، والمبادرة ا لى الإجراءات المناسبة، ومنها:

* - التنديد بما تتعرض له الأراضي الفلسطينية وأهلوها من سياسات التهجير والاستيطان والتهويد، وما يعانيه الإنسان الفلسطيني من احتلال وظلم وقمع وحرمان وقتل وتشريد وامتهان لكرامة الإنسان وحقوقه الأساسية.

* - الدعم المطلق لفلسطين المجاهدة وأرضها المباركة ومسجدها الأقصى أولى القبلتين، في معركتها الاستقلالية والوقوف بجانبها وجانب الشعب الفلسطيني في صموده.

* - إدانة الحركة الصهيونية والاحتلال الإسرائيلي فيما يقوم به من ألوان التنكيل وصور العدوان البشع على الشعب الفلسطيني المناضل في سبيل حريته وتحرير مقدساته.

و - الاهتمام بالآليات المطروحة التي لها أولوية في تحقيق الوحدة الإسلامية مرحليا مثل:

١ - إعداد المناهج التعليمية على أسس إسلامية.

٢ - وضع الاستراتيجية الإعلامية الإسلامية المشتركة.

٣ - إنشاء السوق الإسلامية المشتركة.

٤ - إقامة محكمة العدل الإسلامية.

ز - قيام الأمانة العامة لمجمع الفقه الإسلامي بتكوين لجنة من أعضاء المجمع وخبرائه لوضع دراسات عملية قابلة للتطبيق تراعي واقع الأمة الإسلامية، وتشمل الجوانب الثقافية والاجتماعية والاقتصادية، وتضع آليات تحقيق الوحدة في هذه المجالات مع الاستفادة من الجهود القائمة حاليا في إطار المنظمات العربية والإسلامية، والاستعانة بالمختصين في المجالات المختلفة.

ولضمان جدية نشاط هذه اللجنة وتنفيذ نتائج دراستها، نوصي باعتماد تشكيلها ومهامها من منظمة المؤتمر الإسلامي.

وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قرار رقم: ٩٠ (٢ / ١١)

بشأن العلمانية

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨).

بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع "العلمانية"، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى خطورة هذا الموضوع على الأمة الإسلامية.

قرر مايلي:

أولا: إن العلمانية (وهي الفصل بين الدين والحياة) نشأت بصفتها رد فعل للتصرفات التعسفية التي ارتكبتها الكنيسة.

ثانيا: انتشرت العلمانية في الديار الإسلامية بقوة الاستعمار وأعوانه، وتأثير الاستشراق، فأدت إلى تفكك في الأمة الإسلامية، وتشكيك في العقيدة الصحيحة، وتشويه تاريخ أمتنا الناصع، وإيهام الجيل بأن هناك تناقضا بين العقل والنصوص الشرعية، وعملت على إحلال النظم الوضعية محل الشريعة الغراء، والترويج للإباحية، والتحلل الخلقي، وانهيار القيم السامية.

ثالثا: انبثقت عن العلمانية معظم الأفكار الهدامة التي غزت بلادنا تحت مسميات مختلفة كالعنصرية، والشيوعية والصهيونية والماسونية وغيرها، مما أدى إلى ضياع ثروات الأمة، وتردي الأوضاع الاقتصادية، وساعدت على احتلال بعض ديارنا مثل فلسطين والقدس، مما يدل على فشلها في تحقيق أي خير لهذه الأمة.

رابعا: إن العلمانية نظام وضعي يقوم على أساس من الإلحاد يناقض الإسلام في جملته وتفصيله، وتلتقي مع الصهيونية العالمية والدعوات الإباحية والهدامة، لهذا فهي مذهب إلحادي يأباه اللّه ورسوله والمؤمنون.

خامسا: إن الإسلام هو دين ودولة ومنهج حياة متكامل، وهو الصالح لكل زمان ومكان، ولا يقر فصل الدين عن الحياة، وإنما يوجب أن تصدر جميع الأحكام منه، وصبغ الحياة العملية الفعلية بصبغة الإسلام، سواء في السياسة أو الاقتصاد، أو الاجتماع، أو التربية، أو الإعلام وغيرها.

التوصيات

يوصي المجمع بما يلي:

أ - على ولاة أمر المسلمين صد أساليب العلمانية عن المسلمين وعن بلادهم، وأخذ التدابير اللازمة لوقايتهم منها.

ب - على العلماء نشر جهودهم الدعوية بكشف العلمانية، والتحذير منها.

ج - وضع خطة تربوية إسلامية شاملة في المدارس والجامعات، ومراكز البحوث وشبكات المعلومات من أجل صياغة واحدة، وخطاب تربوي واحد، وضرورة الاهتمام بـإحياء رسالة المسجد، والعناية بالخطابة والوعظ والإرشاد، وتأهيل القائمين عليها تأهيلاً يستجيب لمقتضيات العصر، والرد على الشبهات، والحفاظ على مقاصد الشريعة الغراء.

وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

قرار رقم: ٩١ (٣ / ١١)

بشأن الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة

الحمد للّه رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين وعلى آله وصحبه وسلم.

أما بعد: فإن مجلس مجمع الفقه الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي في دورة انعقاد مؤتمره الحادي عشر بالمنامة في دولة البحرين، من ٢٥ - ٣٠ رجب ١٤١٩هـ (١٤ - ١٩ نوفمبر ١٩٩٨).

بعد اطلاعه على الأبحاث المقدمة إلى المجمع بخصوص موضوع "الإسلام في مواجهة الحداثة الشاملة"، وفي ضوء المناقشات التي وجهت الأنظار إلى خطورة هذا الموضوع، وكشفت وأوضحت حقيقة الحداثة بأنها مذهب فكري جديد، يقوم على تأليه العقل، ورفض الغيب، وإنكار الوحي، وهدم كل موروث يتعلق بالمعتقدات والقيم والأخلاق.

وأن أهم خصائصها عند أصحابها:

* - الاعتماد المطلق على العقل، والاقتصار على معطيات العلم التجريبي بعيداً عن العقيدة الإسلامية الصحيحة.

* - الفصل التام بين الدين وسائر المؤسسات الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية، والخيرية. وبذلك تلتقي مع العلمانية.

لذا قرر المجمع مايلي:

أولا: الحداثة بالمفهوم المنوه به مذهب الحادي يأباه اللّه ورسوله والمؤمنون لمناقضته الإسلام في أصوله ومبادئه، مهما تلبست بمظهر الغيرة على الإسلام ودعوى تجديده.

ثانيا: إن في قواعد الإسلام وخصائص شريعته مايفي بحاجة البشرية في كل زمان ومكان من حيث ابتناؤه على ثوابت يقينية لا تستقيم الحياة الإنسانية إلا بدوام وجودها، ومتغيرات تكفل التقدم والتطور، وتستوعب كل جديد صالح من خلال الاجتهاد المنضبط المعتمد على مصادر التشريع المتنوعة.

التوصيات:

يوصي المجمع بما يلي:

أ - أن تهتم منظمة المؤتمر الإسلامي بتكوين لجنة من المفكرين المسلمين لرصد ظاهرة الحداثة، ونتائجها، ودراستها دراسة علمية موضوعية شاملة لتنبه إلى ماقد تشتمل عليه من زيف، لحماية الناشئة من أعضاء الأمة الإسلامية من الآثار الخطرة.

ب - على ولاة أمر المسلمين صد أساليب الحداثة عن المسلمين وبلادهم، وأخذ التدابير اللازمة لوقايتهم منها.

وصلى اللّه وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

تعليق رسالة التقريب

بشأن الوحدة الاسلامية

يبدو أنه أول قرار يصدر عن المجمع بشأن وحدة المسلمين، ولعلّ هذا التوجّه يعود الى نقلة نوعية حصلت لمنظمة المؤتمر الاسلامي ومؤسساته خلال الدورة الاخيرة، أو لعله يصدر استجابة الى شوق اسلامي عام الى توحيد الصفوف بعد عمليات الاذلال التي بدأت القوى العالمية تمارسها بشراسة تجاه المسلمين في كافة أقطارهم.

على أيّ حال لقد أصدر المجمع مشكورا قراره في هذا الشأن المهم الحياتي، ونأمل أن يتواصل هذا التوجّه في المجمع وفي كل المؤسسات التابعة للمنظمة، وبذلك فقط تستطيع هذه المؤسسات الاسلامية أن تتجاوب مع تطلعات أبناء الامة وآمالهم في حياة حرّة عزيزة كريمة.

ولابدّ أن نركز هنا على توصية من توصيات المؤتمر تنصّ على "تجاوز النزاعات التاريخية، فإن إثارتها لا تعود على الأمة الا باذكاء الضغائن وتعميق الفرقة".

وهذا مبدأ لو التزمت به المذاهب الاسلامية جميعا لانتهت كل مشكلة مذهبية وطائفية بين المسلمين، ولزالت كل الحساسيات التي تحول دون تحقق أهداف التقريب والوحدة.

فالمعلوم أن المسلمين اختلفوا في عصر رسول اللّه، واختلفوا بعده، في الفروع والاصول، وفي كثير مما لا يمسّ جوهر الاسلام، أي إنهم اختلفوا في مساحات معينة قد لايزالون مختلفين فيها، وظلّوا متمسكين بمساحات تشكل جوهر الاسلام وحقيقته، والخارج عن هذه المساحة المشتركة ضال مبتدع باجماع المسلمين. ونحن اليوم بأمسّ الحاجة لأن نتعاون على ما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضا فيما اختلفنا فيه. وهذا مبدأ يجب أن نتخذه في كل مناهجنا الفكرية والعملية، سواء كان في إطار قراءتنا للتاريخ، أو في إطار قراءتنا للاسلام، أو على صعيد التطبيق العملي للشريعة.

يبقى أن نشير إشارة عابرة الى مسألة دون أن نقف عندها طويلا، وهي إنّ لغة بعض نصوص القرار لا تتناسب مع هذه التوصية.

نؤكد أولا تأييد "رسالة التقريب" لكل ماجاء في القرار وتبنينا لها، ولكننا نتحدث عن لغته، فهي أحيانا تنحو منحى يمكن أن يفسَّر بأنه تعريض بهذا المذهب أو ذاك من المذاهب المعترف بها بين المسلمين. لا نريد أن نقف عند هذه المسألة أكثر من هذا كي لا نخرج عن منهجنا في "رسالة التقريب"، بل نوصي الاخوة في المجمع أن يكونوا موضوعيين أكثر في لغة الخطاب، ليكون صوتهم نافذا في قلوب كل المسلمين بكافة مذاهبهم المعروفة.

بشأن العلمانية

من القرارات الهامّة التي ترتبط بواقع حياة المسلمين السياسية، بل بهويتهم وعزّتهم وكرامتهم أيضا، لأن انفصال الدين عن الحياة، يبعد الدين عن دوره في خلق "الامة" العزيزة الكريمة المتميّزة.

وفي قرارات المجلس بهذا الشأن فقرة لنا عليها تعليق تنصّ على "أن العلمانية (وهي الفصل بين الدين والحياة) نشأت بصفتها ردّ فعل للتصرفات التعسفية التي ارتكبتها الكنيسة".

صحيح أن الدين انفصل عن الحياة في أوربا بسبب تعسّف الكنيسة، وصحيح أن موجة التقليد سادت في العالم الاسلامي لتحذو حذو أوربا بشكل ببغاوي أعمى. ولكن هناك عاملا آخر نسيه المجمع أو تناساه، وهو تعسّف الحكام الذين حكموا العالم الاسلامي باسم الدين، إن الاسلام سجّل أروع الصور في خلق المجتمع المتحرك نحو العلم والقوة والعدالة والعزّة، وأشاد بذلك حضارة عظيمة يشهد لها حتى الاعداء، لكنّ تاريخ الحكّام بعد عصر الخلافة الراشدة لم يكن مشرّفا، اللهم الا في فترات بسيطة نظير فترة خلافة عمر بن عبد العزيز.

التاريخ يحدثنا أن معظم الحكام مارسوا - باسم الدين - أفظع ألوان البطش والتنكيل من أجل فرض عقيدة معينة أو سلب أموال الناس ومتاعهم، ولذلك نرى سخط الامة على هؤلاء الحكام يبرز في صور متعددة وردود فعل متباينة خلال عصور التاريخ.

حتى في عصر الخليفة الصالح عمر بن عبد العزيز يحدثنا التاريخ عن ممارسات تعسفية لولاته، مما أثارت حفيظة هذا الخليفة وغضبه.

الصورة التي ارتسمت في الاذهان عن مجلس هؤلاء الحكام هي أنه كان "يستقبل من يدخل عليه وكبير حجابه في جانب، وفي جانب آخر كبير حرّاسه المعروف باسم الجلاّد، والنطع دائما أمامه، فمن غضب عليه أطاح برأسه توّا" (تاريخ الادب العربي، شوقي ضيف ٣ / ٢١).

هذه الصور التاريخية المرعبة لها أيضا دور في تخوّف قطاع كبير من المسلمين من عودة ذلك النمط من الحكّام المستبدين. من هنا فلابدّ من الاشارة لدى الحديث عن أسباب نشوء العلمانية في عالمنا الاسلامي الى هذه المسألة، ثم التأكيد على أن هذه الظاهرة كانت من ظواهر الانحراف عن الشريعة الاسلامية، والتأكيد على أن الحاكم الاسلامي يتولّى أمور المسلمين ضمن شروط معينة، وتنفسخ ولايته عند عدم توفر أحد هذه الشروط.

ثم إن بعض الممارسات الحالية لبعض الفصائل "الاسلامية" تثير الرعب أيضا في النفوس، وتعيد الى الاذهان الصور التاريخية التعسفية، وتعطي الحجة - مع الاسف - للعلمانيين كي يشهروا كلمتهم، وينددوا بتسييس الدين!! وهذه مسألة أخرى لابدّ أن نضعها بنظر الاعتبار ونحن ندافع عن عودة الدين الى الحياة.

بشأن الحداثة

"الحداثة" موجة لم تقتصر على الدين بل شملت الادب والفنّ وسائر شؤون الفكر والحياة. ظاهرها فيه الرحمة لأنها تريد تقديم الجديد، وباطنها فيه العذاب لأنّ وراءها من يريد دفع الجيل الى الابتعاد عن دينه.

نريد أن نكون صريحين مع أنفسنا وإخواننا ونقول إن الحداثة أمر يستهوي كلّ كائن حيّ متحرك وثّاب، وخاصة فئة الشباب. لقد شاء اللّه سبحانه أن تكون فترة الشباب والمراهقة من أشدّ الفترات التي يتمرّد فيها الانسان على القديم ويطلب الجديد، وهذه الحالة لها عطاؤها العظيم في تطوير المسيرة الانسانية، ولولاها لساد الركود والجمود.

ولكنّ المهم هوأن يتوجّه الجيل نحو "الجديد" الحقيقي الاصيل، لا نحو "الجديد" السرابي الكاذب الخادع.

وقلق المجمع الفقهي في قراره بشأن الحداثة ناشئ عن واقع يعيشه جيل الشباب اليوم، وهو اتجاهه نحو "حداثة" كاذبة زائفة. فمن هو المسؤول عن ذلك؟

المسؤول هم قادة الفكر الاسلامي. لا نقول إن الساحة خلت منهم، ولكن نقول إن ما يقدمونه كما وكيفا لا يتناسب مع حاجة الجيل، ولا نقول إن الجيل يجري اليوم وراء "الحداثة الزائفة" ولكنّ دعاة هذه الحداثة الزائفة جادّون لأن يملأوا الفراغ، ويمتدّوا على المساحات التي لم يستطع الفكر الاسلامي المعاصر أن يستوعبها.

التوصيات التي جاءت في هذا القرار مفيدة: رصد الظاهرة… صد أساليبها… ولكنها غير كافية، نحتاج الى تكثيف الجهود لتقديم الاسلام بلغة العصر، ومتناسبا مع متطلبات العصر… عندئذ سوف تتراجع كل الدعوات الزائفة التي تريد تقديم قراءة خاطئة عن الاسلام باسم الحداثة.



[ Web design by Abadis ]