ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 ادباء ايرانيون في دراسات سيد قطب \ الدكتور محمد علي آذرشب

بحث أدبي يجمع بين الاديب الاسلامي المعاصر "سيد قطب" وأدباء ايرانيون سلّط سيد عليهم ضوء نقده وفق منهجه النقدي الفريد، واستخلص الكاتب من ذلك وجهة نظر هذا الناقد المسلم في الادب والاديب واسلوب النقد.

عالم "الادب" هو عالم "الانسان" بكل مافيه من أبعاد واسعة تتجاوز الدائرة العقلية الباردة، وتتجاوز الساحة الماديّة المنظورة. إنه عالم "العرفان" والتحليق في ذروة ما يتهيّأ للانسان من سموّ في عالم النور والضياء والاشراق.

الأدباء الحقيقيون "عرفاء" يعيشون أجواء "نفخة" رب العالمين في هذا الموجود الطيني، ويخاطبون مافي نفس البشر من معطيات هذه النفخة، ومن هنا فان الاديب الحقيقي ليس ملكا لشعبه وأمته، بل هو ملك للانسانية جمعاء.

"سيد قطب" من الذين فهموا معنى الادب وارتفعوا في آفاقه، وأدركوا دوره في خطاب مشاعر الانسان، واستخدموه استخداما إنسانيا وبذلك ارتفع خطابه الى مستوى الانسانية، واتسم بالحرارة والتوهج والاشراق.

لا نريد هنا أن نبيّن معنى "الادب" كما فهمه سيد قطب، ولا أن نتحدث عن خصائص مدرسته الادبية والنقدية فلذلك مجال آخر. بل نريد فقط أن نستعرض وقفاته مع "الادباء الايرانيين" وهو استعراض يصبّ في هدف "التقريب" على ساحة الادب، لأنّه يقدّم النموذج على زوال الحواجز القومية في عالم المشاعر الادبية.

عمر الخيّام

أبو الفتح عمر بن ابراهيم الخيّام، وقيل الخيّامي، وهو شخصية غامضة، فهناك شخصية علمية معروفة في النجوم والحكمة باسم عمر الخيام وصفوه بأنه تلو ابن سينا، ولا يعرف أهو صاحب الرباعيات أم لا، واختلف في محل ولادته، والاكثر على أنه ولد في نيشابور. وتاريخ مولده غير معروف ويظهر أنه عاش في النصف الاول من القرن الخامس وأوائل القرن السادس الهجري.

أول من ترجمها من الفارسية الى الانجليزية فيتزجيرالد Fitzgerald، ثم ترجمت الى العربية وعدد الدكتور يوسف حسين بكار عدد الترجمات العربية فكانت خمسا وخمسين، أشهرها ترجمات محمد السباعي، والزهاوي، وأحمد الصافي النجفي، وأحمد رامي [٢].

رحلة في عالم ممتاز

يرى "سيد قطب" أن الأدب له قيمته الكبرى في الحياة لأنه التعبير عن تجربة شعورية تعبيرا موحيا مثيرا للانفعال في نفوس الآخرين.

ويطرح السؤال: هل يستحق الأدب من الانسانية أن تشغل به نفسها في فترات من هذه الحياة المعدودة؟

ويجيب: أن نعم! فليس بالقليل أن يضيف الفرد الفاني المحدود الآفاق الى حياته صورا من الكون والحياة، كما تبدو في نفس إنسان ملهم ممتاز هو الاديب.

وكل تجربة شعورية يصورها أديب تصبح ملكا لكل قارئ مستعد للانفعال بها، فاذا انفعل بها فقد أصبحت ملكه، وأضاف بها الى رصيده من المشاعر صورة جديدة ممتازة [٣].

"سيد" ينظر الى الابداع الادبي بأنه ثروة شعورية، وأن لكل أديب طبيعته الشعورية الخاصة التي لا يشاركه فيها أديب آخر، وأنّ الانفعال بهذا النتاج الادبي إثراء لرصيد الانسان من المشاعر. وكل لحظة يمضيها القارئ المتذوق مع أديب عظيم هي رحلة في عالم، تطول أو تقصر، ولكنها رحلة في كوكب متفرّد الخصائص، متميّز الصفات.

بهذه النظرة المنفتحة الانسانية العميقة للأدب يتناول "سيد" نماذج من الآداب العالمية لطاغور، وتوماس هاردي، كما له وقفة مع الخيام.

يذكر بعض رباعياته بترجمة أحمد رامي ومطلعها:

سمعت صوتا هاتفا في السحر *** نادى من الحان: غفاةَ البشر

هبوا املأوا كأس الطّلى قبل أن *** تفعم كأس العمر كفُّ القدر

والطريف أنه لا يقف من هذه الرباعيات موقف الرافض لانها تتعارض مع تصوره للكون والحياة. بل يرى فيها تصورا أدبيا فريدا، ورحلة في عالم ممتاز: رحلة مضنية ولاشك، ولكنها لذيذة، لذة الألم، ذلك الزاد الالهي الذي تقتاته الارواح [٤].

يقول: مادمنا قادرين على أن نعيش تجارب هؤلاء الادباء - مرة أخرى - وننفعل بها كما انفعل أصحابها، فان هذا رصيد يضاف الى أعمارنا، وزاد يضاف الى أزوادنا في الرحلة القصيرة المحدودة على هذا الكوكب الارضي الصغير [٥].

بشار وأبو نواس

عَـلَمان من أعلام الشعر العربي في العصر العباسي الاول، بشار بن برد ايراني ولد بالبصرة لاوائل العقد العاشر من القرن الاول الهجري، ويعتبر أول مجدد في الشعر العباسي [٦].

وابو نؤاس، الحسن بن هاني، ولد سنة ١٣٩ بأهواز ثم انتقل صبيا الى البصرة ويعد من أعاجيب عصره في الشعر. اشتهر بالغزل الفاحش والخمريات، وفي شعره كثير من الالفاظ الفارسية [٧].

الاصداء القصيرة

أشعار أمثال بشار وأبي نؤاس في رأي "سيد" ذات بُعد لايتجاوز حيزا محدودا، وذات لحن واحد قصير الاصداء.

ويطرح على نفسه تساؤلا بالنسبة الى شعر الخيام، فانه أيضا لا نسمع منه الا لحنا واحدا كذلك.

ويجيب: ولكنه هنالك لحن الانسانية جميعا أمام الغيب المجهول، لحن اللهفة البشرية الخالدة لاستجلاء ذلك الغيب المجهول [٨].

هذه نظرة هامة يطرحها "سيد" في تمييز الادب جيده من رديئه، وهي نظرة نقدية هامة تفهم الاديب بأنه الانسان القادر على أن يوصل قارئه وسامعه بالحياة الكبيرة الفسيحة من خلال شعوره الذاتي بالحياة.

ويفهم الشعر بشكل خاص بأنه الغناء المطلق بما في النفس من مشاعر وأحاسيس وانفعالات، حين ترتفع هذه المشاعر والاحاسيس عن الحياة العادية، وحين تصل هذه الانفعالات الى درجة التوهج والاشراق، أو الرفرفة والانسياب على نحو من الانحاء… [٩]

ويقف "سيد" عند بعض قصائد بشار ومقطوعاته أمثال:

يا ليلتي تزداد نُكرا *** من حبِّ من أحببت بكرا

حوراء إن نظرت اليك *** سقتك بالعينين خمرا

وقوله:

وكاعب قالت لأترابها *** يا قوم ما أعجب هذا الضرير

هل يعشق الانسان مالايرى؟ *** فقلت، والدمع بعيني غزير

إن كان عيني لا ترى وجهها *** فانها قد صورت في الضمير

ويقف عند بعض قصائد أبي نؤاس مثل قوله في قصيدة مطلعها:

ذكر الصبوح بسحرة فارتاحا *** وأملّه ديك الصباح صياحا

وقوله في قصيدة مطلعها:

قل لمن يبكي على رسم دَرَس *** واقفا ما ضرّ لو كان جلس!

وقوله في قصيدة مطلعها:

لدوا للموت وابنوا للخراب *** فكلهم يصير الى ذهاب يعلّق على هذه الاشعار بأنها ركن ضيق لا ترى فيه عالما لا كبيرا ولا صغيرا، فيه صدق فني عن طبيعة محدودة، ونموذج من النفوس الحسية القريبة الابعاد، وإن جادت أحيانا بشعور عميق.

معيار "الاديب الكبير" و"الشاعر الكبير" في رأي سيد قطب هو قدرته على أن يصلنا بالكون الكبير، والحياة الطليقة من قيود الزمان والمكان [١٠].

وليس معنى هذا أن الشاعر الكبير هو الذي يتناول القضايا الكبرى والاحداث الهامّة ذات الابعاد الاجتماعية والزمانية الواسعة. لا بل إنه يستطيع أن يظهر قدرته المذكورة وهو يعالج المواقف الصغيرة، واللحظات الجزئية، والحالات المنفردة.

الشاعر الممتاز هو الذي يتصل بالآباد الخالدة والحياة الأزلية، أو بالحياة الانسانية خاصة والطبيعة البشرية، وينقلنا اليها.

من هنا فان الشعراء الممتازين في رأي سيدهم أمثال: ابن الرومي والمتنبي والمعري.

والشعراء المحدودون في رأيه هم أمثال: بشار وأبي نؤاس، وعمر بن ابي ربيعة، وجميل بثنية.

والشعراء الصغار أمثال البهاء زهير وإخوانه.

والنظامون وهم دون هؤلاء الصغار.

ابن قتيبه وابو هلال

ابن قتيبة، ابو محمد عبد اللّه بن سلم بن قتيبة الدينوري، ولد سنة ٢١٣هـ ببغداد وقيل بالكوفة، ايراني من مرو بخراسان، يعدّ اكبر مؤلف أدبي ظهر بعد الجاحظ، وفي عيون الاخبار تظهر ثقافته الواسعة في آداب الفارسية والعربية الى جانب الهندية واليونانية [١١].

وابو هلال، الحسن بن عبد اللّه بن سهل بن سعيد بن يحيى بن مهران العسكري، تلقى العلم فيم بغداد والبصرة واصفهان، توفى سنة ٣٩٥هـ، واشتهر بكتابه: "الصناعتين: النظم والنثر" [١٢].

أصحاب الدلالة المعنوية

ثمة اتجاه ظهر في النقد الادبي يركز على الدلالة المعنوية للأدب، ويهمل العناصر الاخرى في العمل الادبي. هذا ظهر في "المدرسة العقلية" للنقد الادبي الحديث، كما ظهر في القديم لدى ابن قتيبة في كتابه: "الشعر والشعراء" ولدى أبي هلال العسكري في كتابه: "الصناعتين".

كلاهما وقف عند الابيات التالية:

ولما قضينا من منى كل حاجة *** ومسح بالاركان من هو ماسح

وشدّت على حدب المطايا رحالنا *** ولم ينظر الغادي الذي هو رائح

أخذنا بأطراف الاحاديث بيننا *** وسالت بأعناق المطيّ الاباطح

ابن قتيبة نثر هذه الابيات على النحو التالي: "لما قطعنا أيام منى، واستلمنا الاركان، وعالينا إبلنا الانضاء، ومضى الناس لا ينظر الغادي الرائح، ابتدأنا في الحديث، وسارت المطيّ في الأبطح".

وعلّق على هذه الابيات بقوله أنها شعر "حسن لفظه وعلا، فاذا أنت فتشته لم تجد هناك طائلا".

أما أبو هلال العسكري فقد نثر الابيات بقوله: "وإنما هي: ولما قضينا الحج، ومسحنا الاركان، وشدت رحالنا على مهازيل الابل، ولم ينظر بعضنا بعضا… جعلنا نتحدث وتسيربنا الابل في بطون الاودية". وقال عنها: "وليس تحت هذه الالفاظ كبير معنى".

ويقول سيد بشأن هذه الطريقة النقدية: "إنها غير مأمونة، لانها تخرج من الحساب ذلك التناسق التعبيري الخاص، وذلك الايقاع الناشئ من التناسق، وتلك الصور التي يشعها التعبير، ولا تبقى سوى المعنى الذهني العام. وهو عنصر واحد من عناصر كثيرة تؤلف الدلالة الكاملة للتعبير الادبي" [١٣].

فالعبارة تستمد دلالتها - في العمل الادبي - على رأي سيد:

- من مفردات الدلالات اللغوية للالفاظ.

- ومن الدلالة المعنوية الناشئة عن اجتماع الالفاظ وترتيبها في نسق معين.

- ومن الايقاع الموسيقي الناشئ من مجموعة إيقاعات الالفاظ متناغما بعضها مع بعض.

- ومن الصور والظلال التي تشعها الالفاظ متناسقة في العبارة.

من هنا لا يمكن أن نحكم على قيمة العمل الادبي من معناه فقط، ويضرب على ذلك مثالا ببيت من البحتري في مطلع الربيع:

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكا *** من الحسن حتى كاد أن يتكلما

يقول سيد: هذا البيت بنسقه ونظمه وألفاظه هذه هو الذي يعبر عما خالج نفس البحتري من الاحساس بالربيع، وهو يحسّ الجمال الحي المتفتح، ويخيل اليه أن هذا الربيع يختال ضاحكا من الحسن، ويهم بالكلام لفرط مافي أعطافه من الحيوية والتفتح والابتسام. فاذا نثرناه هكذا: "جاء الربيع الطلق يختال من الحسن ويضحك حتى ليكاد أن يتكلم" فان هذا النسق لا يفي بتصوير الحالة الشعورية التي مرّت بالشاعر، لانه يفقد جزءً من إيقاعه الموسيقي الذي اختاره، والذي يشترك في تصوير الحالة التي تخيلها الشاعر للربيع، وتصوير الحالة التي كان الشاعر عليها وهو يتلقى صورة الربيع في حسّه وتصويره [١٤].

وماذا بشأن الترجمة؟

هذا سؤال يطرحه السيد على نفسه حين يقرر أنّ النص الادبي يفقد قيمته الادبية إن فقد ألفاظه وعباراته، والترجمة تفقد النص نهائيا جميع ألفاظه وعباراته، ومع ذلك نتخذها وسيلة لنملي الآداب ونتذوقها؟

ويجيب: أن نعم، ولكنها وسيلة اضطرارية. ونحن نقبلها حين لا تكون هناك وسيلة أخرى لتذوق الآداب سواها.

نعم، يستطيع المترجم أن ينقل قسطا من الصور والظلال والايقاع إذا استطاع أن يختار في لغة ألفاظا وعبارات مشعة ومنغّمة تكافئ ألفاظ المؤلف وعباراته في لغته الاصلية [١٥].

وهذه حقيقة نتلمسها في ترجمة الشعر بل حتى في ترجمة النصوص الادبية الرفيعة، مثل ترجمة القرآن الكريم ونهج البلاغة [١٦].

من هنا لا يمكن أن نوافق على ماقاله العقاد والمازني في كتاب "الديوان" بشأن مقياس الأدب، إذ اعتبرا هذا المقياس أن يستطاع نقله الى أية لغة أخرى دون أن يفقد شيئا من قيمته. فتلك مغالاة ناتجه عن معارك أدبية ترتبط بظروفها.

عبد القاهر الجرجاني

عبد القاهر بن عبد الرحمن الجرجاني الفارسي الاصل الجرجاني الدار، كان ذا ثقافة عميقة وله في النحو مؤلفات، من أول من حاول أن يستكشف مواطن الاعجاز في القرآن الكريم، واشتهر بكتابيه: أسرار البلاغة ودلائل الاعجاز، توفي سنة ٤٧١ هـ [١٧].

الناقد الفذ

أهم وأطول وقفة لسيد في نقده الادبي عند عبد القاهر الجرجاني. فهو يهدي كتابه الى "روح الامام عبد القاهر، أول ناقد عربي أقام النقد الادبي على أسس علمية نظرية، ولم يطمس بذلك روحه الادبية الفنية، وكان له من ذوقه النافذ، وذهنه الواعي، ما يوفق بين هذا وذاك، وفي وقت مبكر، شديد التبكير" [١٨].

يرى سيد أن عبد القاهر هو الفذ بين النقاد والبلاغيين [١٩]. وهو بهذه العبارة لا يفرق بين النقاد والبلاغيين لأن مباحث البلاغة الى ذلك الحين كان لها طابع نقدي عام. ويرى أن مباحث البلاغة على ذلك النحو تكون القاعدة الاولى للنقد الادبي، ويرى أيضا أن البلاغة قد فسدت بعد ذلك بالقواعد الحرفية على أيدي السكاكي والخطيب وسواهما (تأمل بدقة).

"نظرية النظم" في "دلائل الاعجاز"

يسمى سيد ماتوصل اليه عبد القاهر في كتابه دلائل الاعجاز بنظرية النظم ويرى أنه أول من قررها في تاريخ النقد الادبي.

وخلاصة هذه النظرية: أن ترتيب المعاني في الذهن هو الذي يقتضي ترتيب الالفاظ في العبارة، وأن اللفظ لا مزية له في ذاته، وإنما مزيته في تناسق معناه مع معنى اللفظ الذي يجاوره في النظم - أي تنسيق الكلمات والمعاني بحيث يبدي النظم جمال الالفاظ والمعاني مجتمعة - وأن الجمال الفني رهين بحسن النسق أو حسن النظم، كما أنه لا اللفظ منفردا موضع حكم أدبي، ولا المعنى قبل أن يعبّر عنه في لفظ، وإنما هما باجتماعهما في نظم يكونان موضع استحسان أو استهجان [٢٠].

ويضرب عبد القاهر الجرجاني لنظريته مثالا من قوله تعالى: "يا أرض ابلعي ماءك، ويا سماء أقلعي، وغيض الماء، وقضى الامر، واستوت على الجودي، وقيل بُعدا للقوم الظالمين"، وملخص مايقوله الجرجاني بشأن هذه المقطع القرآني [٢١] أن كل كلمة من هذه العبارات القرآنية لو أخذتها لوحدها كقوله تعالى: "ابلعي" فانها لا تؤدي من الفصاحة ما تؤديه وهي في مكانها من الآية. وعظمة الآية يأتي مما بين معاني الالفاظ من اتساق عجيب:

فالارض نوديت، بـ "يا" دون "أي" فلم يقل: يا أيتها الارض. ثم أضيف الماء الى ضمير الكاف، ولم يقل: ابلعي الماء، ثم أُتبع ذلك بأمر السماء بما يخصّها، ثم قال: "وغيض الماء" بالفعل المجهول على أنه لم يغض الماء الا بأمر اللّه سبحانه، ثم تأكد ذلك بقوله: "وقضي الامر"، ثم ذكرت فائدة ذلك كله بقوله: "واستوت على الجودي" باضمار السفينة للدلالة على عظمة الشأن، ثم مقابلة "قيل" في الخاتمة بـ "قيل" في الفاتحة.

ويستنتج عبد القاهر من ذلك: "أن الالفاظ لا تتفاضل من حيث هي ألفاظ مجردة، ولا من حيث هي كلم مفردة، وأن الالفاظ تثبت لها الفضيلة وخلافها في ملاءمة معنى اللفظة لمعنى التي تليها، أو ما أشبه ذلك مما لا تعلق له بصريح اللفظ".

وسيّد إذ ينقل هذه النظرية بنصوص من عبد القاهر دون أن يشرحها يبدي إعجابه بها وبقدرة صاحبها أن يقرر نظرية هامه كهذه - عليها الطابع العلمي - دون أن يخلّ بنفاذ حسّه الفني في كثير من مواضع الكتاب، لكن سيّد يختلف مع صاحب دلائل الاعجاز لاغفاله قيمة اللفظ الصوتية مفردا ومجتمعا مع غيره وهو ما يسميه "الايقاع الموسيقي"، كما يغفل في كثير من الأحيان الظلال التي تشعّها اللفظ [٢٢]، ويقصد بالظلال: المدلول الشعوري الذي يشمل المدلول الذهني إضافة الى الذكريات الغامضة والواضحة التي ترسبت على اللفظ في نفس الانسان [٢٣].

نظرية "التأثير النفسي" في "أسرار البلاغة" [٢٤]

يرى سيّد أن عبد القاهر صاحب نظرية نفسية في النقد والبلاغة يقيمها على أساس "أن مقياس الجودة الادبية تأثير الصور البيانية في نفس متذوقها".

والفكرة إنسانية قديمة لكن صاحب الاسرار حولها الى نظرية، بعد أن عرضها وحققها وعللها واستقرأ أمثلتها، وأزال مايعرض لها من شبهات، وحاول تطبيقها في ميدان الدراسة الخاصة.

يطرح عبد القاهر فرضيته بالشكل التالي:

"فاذا رأيت البصير بجواهر الكلام يستحسن شعرا أو يستجيد نثرا، ثم يجعل الثناء عليه من حيث اللفظ فيقول: حلو رشيق، وحسن أنيق، وعذب سائغ، وخلوب رائع، فاعلم أنه ليس ينبئك عن أحوال ترجع الى جرس الحروف والى ظاهر الوضع اللغوي، بل الى أمر يقع من المرء في فؤاده، وفضل يقتدحه العقل من زناده".

ثم يطبق هذه الفرضية في أبواب بلاغية مختلفة، ويرجع سر تأثير كل فن بلاغي الى علل وأسباب نفسية.

يقول في التشبيه مثلاً: "إذا استقريت التشبيهات وجدت التباعد بين الشيئين كلما كان أشد كان الى النفوس أعجب، وكانت النفوس لها أطرب، وكان مكانها الى أن تحدث الاريحية أقرب، وذلك أن موضع الاستحسان، ومكان الاستظراف، والمثير للدفين من الارتياح…. أنك ترى بها للشيئين مثلين متباينين، ومؤتلفين مختلفين….

والمعنى إذا أتاك ممثَّلا فهو في الاكثر ينجلي لك بعد أن يحوجك الى طلبه بالفكرة وتحريك الخاطر له، والهمّة في طلبه، وماكان منه ألطف كان امتناعه عليك أكثر، وإباؤه أظهر، واحتجابه أشدّ، ومن المركوز في الطبع أن الشيء إذا نيل بعد الطلب له، والاشتياق اليه، ومعاناة الحنين نحوه، كان نيله أحلى، وبالميزة أولى، فكان موقعه في النفس أجل وألطف، وكان به أضنّ وأشغف".

التشبيه إذن يؤثر في السامع بسبب الارتياح الذي يحصل له في نفسه حينما يرى شيئين متباعدين يجمعهما صورة واحدة، وحين ينال الصورة بعد طلب واشتياق.

ومن هنا فان الشعر الرمزي لايكون مذموما إذا كان بالامكان فهمه بعد جهد واجتهاد، بل إن قارئه سيشعر بلذّة إن فهمه بعد أن تأبّى عليه، وهي طبيعة نفسية في الانسان لا يستهويه الظاهر المكشوف بقدر ما يجتذبه الخفي المستور.

حافظ الشيرازي

الخواجة شمس الدين محمد حافظ الشيرازي، أشهر شعراء الفارسية في القرن الثامن الهجري، لقب بلسان الغيب وترجمان الاسرار. ولد في شيراز من مدن محافظة فارس الحالية وعاش وتوفي فيها، ومقبرته معروفة تسمى بالحافظية [٢٥]. وسمي "حافظ" لأنه حفظ القرآن الكريم. وديوانه متداول في كل بيت ايراني، وترجم الى لغات عديدة، وترجمه الى العربية نظما ونثرا الدكتور ابراهيم أمين الشواربي مع مقدمة للدكتور طه حسين.

وقفة عند حافظ

عند صدور "أغاني شيراز" للدكتور ابراهيم أمين الشواربي وهو يضم ترجمة منظومة ومنثورة لاشعار حافظ الشيرازي سارع سيد قطب لاقتناء الكتاب والتعليق عليه، وأظن ظنا أن إقبال الأدباء والنقاد المصريين على ترجمة ديوان حافظ ينطلق من شوق دفين لديهم الى تراث الشرق لخصلتهم الشرقية العميقة، ولسأمهم من كثرة ماطالعوه من ترجمات الادب الاوربي التي لا تنسجم في كثير من نفحاتها مع روح الشرقيين.

الدكتور طه حسين في مقدمته للترجمة يشير الى ذلك، وهكذا الشاعر محمد مهدي الجواهري يصرّح بذلك لدى ترجمته بعض أشعار حافظ الشيرازي [٢٦].

وسيد يتحدث عن مشاعره مع أغاني حافظ فيقول:

"عشت أياماً جميلة مع "حافظ" أتاحها لي ولقراء العربية الدكتور إبراهيم أمين. لست أدري كيف أشكره، فهذه الساعات الحلوة التي أتاحها لي لا تقدَّر بثمن تكافئ من ينقلك من الأيام الثقيلة الصاخبة الكئيبة، إلى جو طليق هادئ رفاف تشيع فيه الأنداء والاضواء، وترف فيه الأنسام والأصداء، ويستقبلك بالطلاقة والبشر والايناس!

لقد أخلدت - مع حافظ - إلى الغناء العذب بروح صادقة، لاتكدرها شوائب الحياة، ولا هموم العيش، ولا أحقاد الناس، ولا تفسدها كذلك غواشي القلق، ولا هموم الفكر، ولا الجدل الذهني العقيم.

كأس من الخمر، ووجه جميل، ورفاق مسعدون، وطبيعة باسمة. وعلى الدنيا السلام…. !

"أي شيء أجمل من رفقة الأحباب، والتمتع باللهو والرياض والربيع الجميل؟

"فأين الساقي؟ قل له: ما هذا الانتظار الطويل؟

"واعتبر ما يتهيأ لك من طيب الوقت فرصة عزيزة وغنيمة كبيرة.

"فلا علم لأحد بما تكون عليه نهاية الأمور" [٢٧].

ويشير "سيد" الى أغاني شيراز ومافيها من عطاء للعالم العربي، ويركز على النقاط التالية:

- زيادة ثروة الادب العربي، وإثارة ألوان جديدة من التفكير وفنون من الشعور الخصب.

- زيادة رصيد الغناء في الشعر العربي.

- استرواح عطر الشرق البعيد وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه.

ثروة وألوان جديدة

يستشهد سيد بفقرة من مقدمة الدكتور طه حسين حيث يقول:

"…. وهذه طرفة أخرى نفيسة رائعة، يسعدني أن أطرف بها قراء العربية! لأنها ستمتعهم من جهة، ولأنها ستزيد ثروة الأدب العربي من جهة أخرى، ولأنها بعد ذلك ستثير في نفوس الكثيرين منهم ألوانا من التفكير المنتج، وفنوناً من الشعور الخصب، ولعلها أن تفتح لبعض الشباب أبوابا في الحس والشعور والتفكير لم تفتح لهم من قبل" [٢٨].

ويعلق على ذلك بقوله:

"وهذه نبوءة تصح من غير شك لو خلي بين الأدباء - الشبان خاصة - وهذه المجموعة من شعر حافظ. فان قلة النسخ المطبوعة منها، وارتفاع ثمنها بالقياس إلى مقدرة هؤلاء الشبان، قد يجعلان الانتفاع بها محدودا في الوقت الذي يجب أن تكون في متناول الأيدي جميعاً".

حافظ والغناء في الشعر العربي

يرى سيد أن "أغاني شيراز" ستعمل على تغذية الشعر العربي بالروح الغنائية بعدما غرق الشعر العربي الحديث في موجة فكرية، يقول:

"إن هذه الأغاني تجيء في وقتها المناسب - والشعر العربي يعاني أزمة يحتاج فيها إلى مثل هذا الزاد - فلقد آن للشعر أن يكون غناء بحتاً، بعدما طوح بنفسه في مجالات لم تعد له، أو لم يعد يبدو فيها بأجمل ألوانه… طوح بنفسه في مجال الفلسفة، وفي لجج الفكر، كما أخذ يطوح بنفسه كذلك في مجال القصة والمسرحية وما إليها، بعد أن عادت روح العصر لا تهش للقصة، ولا للمسرحية الشعرية" [٢٩].

ويرى أن سبب طغيان الموجة الفكرية في الشعر العربي المعاصر يعود الى اهتمام الشعراء المعاصرين بمواجهة موجة الاسلوب اللفظي أو الايقاعي التي اهتمت بالمحسنات البديعية الجوفاء والايقاع الموسيقي الذي لا يتسم بالحياة ولا بالجدية. يقول:

"والموجة الفكرية الفلسفية في الشعر العربي الحديث، كانت ضرورة في وقت من الأوقات، لأنها كانت رد فعل طبيعي لموجة أخرى سبقتها. موجة الأسلوب اللفظي، أو الأسلوب الايقاعي. فكانت مهمة الموجة الجديدة أن تدخل القصد والمعنى إلى الأدب، وأن تمد الشعر بروافد نفسية وفكرية حية، لتنقذه من ذلك العبث بالمحسنات البديعية الجوفاء، ومن الايقاع الموسيقي الذي لا يحمل وراءه حياة ولا جداً. وقد استطاعت أن تحيي الشعر العربي وتجدد مجده، وتزيد عليه متاعاً قيما من صور الحالات النفسية الصادقة. عبرت عنها بدقة بالغة فأوجدت في الشعر العربي لوناً جديداً حقاً. ولكنها وقفت بالشعر الحديث حيث لا يجوز الوقوف، قصت من أجنحته المرفرفة. وغضت من غنائيته المنغمة، وأقلت فيه من السبحات والومضات، وجعلت عنصر الوعي الفكري بارزاً فيه" [٣٠].

وماهي مهمة الشعر إذن؟ يقول سيد إن الشعر:

"يجب أن يكون تعبيراً عن لحظات الاشراق والتهويم، ولحظات التوهج والانطلاق في النفس الانسانية، تلك اللحظات التي يستحيل فيها الشاعر روحا أكثر ما تكون تجرداً، أو حساً أشد مايكون توهجا. تلك اللحظات التي ينطلق فيها التعبير كأنما يكون نفسه - وإن كان الوعي يعمل فيه - وهي لحظات يعرف مثلها كل شاعر ملهم في حياته الطويلة. وما عداها من اللحظات والحالات فغير جدير بالشعر في اعتقادي، أو أنه من الدرجة الثانية أو الثالثة في حياة الشاعر الفنية" (٣١).

وعن دور ترجمة شعر حافظ في مواجهة الموجة الفكرية في الشعر العربي المعاصر يقول:

"و (أغاني شيراز) تأتي في حينها المناسب لتساعد على انحسار الموجة الفكرية عن الشعر الحديث. وقد لا تلبي هذه الأغاني كل مطالب الشعر في هذه الفترة، لأن الحس يغلب عليها والأشواق الروحية الخالصة تقل فيها - على الرغم من طابعها الصوفي - ولكنها على كل حال تزيد من رصيد الغناء في الشعر العربي زيادة لها قيمتها. وحسبها أنها تجعل الشعر غناء خالصا لا تبهظه أثقال الفلسفة إلا حيث تعرض في سرعة وتختفي سريعاً، ولا تبرده ثلوج الفكر - وإن كال فيها على ماسيجيء - لعب بالألفاظ والصور والمعاني، ولكنه لعب لطيف حلو لا يغض من حلاوة الغناء الطليق" (٣٢).

استرواح عطر الشرق

بعد انتشار موجة التقليد للآداب الغربية في الادب العربي الحديث، ظهر لدى كثير من دعاة "الاصالة" حنين الى الروح الشرقية، ووجد المرحوم الدكتور عبد الوهاب عزّام ضالته في الادب الفارسي فاهتمّ به، وألفت الأنظار اليه، وتوالت الترجمات العربية للشعراء الايرانيين تظهر للقارئ العربي، ويتناولها الادباء والمتأدبين بشوق كبير يدل على وحدة الجذور بين الادبين العربي والفارسي، ووحدة الروح بين العرب والايرانيين. وفي هذا الشأن يقول "سيد" عن أغاني شيراز:

"ثم إن لها عندي مزية أخرى:

فقارئ هذه الأغاني يستروح فيها عطر الشرق البعيد، وبساطته ومرحه، وغيبيته وتصوفه، ونحن اليوم أحوج مانكون إلى استرواح هذا كله، حين تغمرنا موجة العقلية الغربية، وهي موجة قوية طاغية، لانجد لها في حاضرنا الروحي كفاء.

وفي أغاني حافظ، كما في رباعيات الخيام الفارسيين، وكذلك في أشعار تاجور الهندي - على بعدما بينهم في الاحساس والاتجاه - ذلك الروح الشرقي العميق، الذي يستطيع اليوم أن يسعفنا، ويحفظ تراثنا الشعوري في وجه التيار.

وهذا هو ما أعنيه باسترواح الشرق البعيد; فليس نموذجاً واحداً ما أريد، ولكنها نماذج شتى، تجمعها سمات أصيلة، تعبر عن الموروث والمذخور في نفس الشرق من رصيد" (٣٣).

خصائص شعر حافظ

يستعرض سيد بعض خصائص شعر حافظ ونلخصها فيما يلي:

١ - تكرار دون ملل

في شعر حافظ أو غزلياته كما تسمى بالفارسية ظاهرة التكرار وظاهرة اللعب بالنكات اللفظية والتعبيرية التي تزحم بالديوان. وهذا التكرار مشهود في شعر البديعيين في اللغة العربية، غير أنه هنا مملّ يبعث على السأم وهناك في شعر حافظ "لايدعك تسأم أو تملّ وهو يكرر ويكرر الى غير نهاية أوصاف طرة الحبيب التي هي تارة شباك لصيد المحبين، أو سلسلة يأوي اليها العشاق راضين، وتارة نافجة مسك يفوح منها الطيب، أو صولجان من العنبر يسحبه الحبيب على جبينه المشرق في وجهه الجميل …. الى آخر هذا الحشد المكرور من التشبيهات" (٣٤).

٢ - الجوّ الموحّد

حافظ في رأي "سيد" درويش "يخطرف" في حديثه، ويلقي كلمة من هنا وكلمة من هناك حتى ليخيل إليك في بعض الاحيان أنه لا توجد في "الظاهر" رابطة بين الاشارات والايماءات. غير أنها تربطها في "الباطن" رؤى درويش متصوف، تطالعه من وراء "الغيب" فيرمز لها ولا يبين.

أسلوب حافظ إذن غير مفكك "فوراء هذه الاشارات والايماءات جوّ موحّد تعيش فيه الغزلية الواحدة، بل تعيش فيه الغزليات جميعا، ذلك هو جوّ "الشهود" في اصطلاح الصوفية" (٣٥).

ويذكر "سيد" أمثلة من شعر حافظ، ويرى فيها "أنها جميعا أصداء لطيفة لانفعالات شاردة، تتوالى على حسّ مرهف، في "حضرة" الحبيب، ويربطها جميعا ذلك الرباط اللطيف الدقيق (أي رباط جوّ الشهود) ".

٣ - الراحة اللذيذة السالية

يرى سيد أن هناك تشابها بين شعر حافظ والخيام فكلاهما يستجليان السرّ الاعظم للكون، هذا السرّ الذي أوصدت دونه الابواب، غير أن الخيام يدقّها دقّا عنيفا متواصلا، حتى كلّت يداه وأدركه الاعياء وغشاه الملال، فجلس يغرق أشجانه في كأس من الشراب، ويتسلى لحظة ريثما يعود الدق على الابواب من جديد، لكن حافظا يواجه الموقف في وداعة واستبشار، لا ليغرق هما ولا ليسكت حيرة، بل لينتشي ويثمل ويتملّى محاسن الحبيب. لقد يئس هو الآخر من استجلاء سرّ الغيب، ولكن هذا لا يعنيه، يطلب كأساً ليرى فيه وجه الحبيب، فربما تفتحت له فيها أسرار الغيوب:

"الآن ونسيم الجنة يهب من البستان

إليّ بالخمرة المفرحة وبالحوراء التي قامتها كحور الجنان

"ولم لا يفخر السائل المسكين بأنه أضحى اليوم سلطان الزمان

وقد عقد له السحاب خيامه، وبسطت له الحقول مائدة الخوان؟

"وهذا الربيع الجميل يحكي لي حكايته الجميلة

فيقول: ليس عاقلاً من يفضل النسيئة ويترك النقد.

"فعمّر قلبك بالشراب، فلا همّ لهذه الدنيا الخربة

إلا أن تحيل ترابنا إلى لبنات وآجرّات… الخ".

تلخيص واستنتاج

سيد قطب في نقده لمن ذكرناهم من الادباء والشعراء الايرانيين يعتمد منهجا فريدا يقوم بالدرجة الاولى على تحليل النفس الانسانية، وقدرة هذه النفس على الارتفاع والسموّ والاشراق. ويرى أن الادب نتيجة توهّج هذه النفس لدى الافراد المستعدين لهذا التوهّج، وتحوّلها الى شحنة تثقل على صدر صاحبها فينفثها على شكل كلمات منظومة أو منثورة ذات إيقاع خاص وتأثير خاص في مستمعها وقارئها.

كما ينظر الى الاديب بأنه الانسان المتفرّد في نظرته الى الكون والحياة، والقادر على أن يتجاوز حدود الظاهر والمألوف والعادة، فيرى مالايراه الناس العاديون، ويشعر بمالا يشعر به القابعون في دنيا الظاهر والمألوف. ويستطيع أن يقدّم لنا صورة فريدة عن الحياة هي هامة جدا في رصيد المعرفة الانسانية.

من هنا يتناول الخيام باعتباره من الادباء العالميين المتميزين، ومن هنا لا يقيم وزنا كبيرا لشعر أبي نؤاس وبشار. والمعيار في الحكمين هو هذا الارتباط بالكون الفسيح، والقدرة على إيصال المستمع والقارئ بالكون الكبير والحياة الطليقة من حدود الزمان والمكان.

ثم حين يتناول الناقدين القدامى من أمثال ابن قتيبة وأبي هلال العسكري يرى أنهما غرقا في المعنى وهما بذلك يشبهان أصحاب الموجة الفكرية في النقد عند المعاصرين وخاصة أصحاب مدرسة الديوان.

ويقف طويلا عند عبد القاهر الجرجاني، ويرى فيه الناقد الكبير الذي استطاع أن يمزج بين المعايير العقلية والذوقية، فيجمع النقد والبلاغة في إطار من الاحكام العلمية المستلهمة من الذوق ومن طبيعة النفس الانسانية.

ثم يقف عند حافظ وقفة أحسب أنها عميقة جدا ودقيقة جدا وبحاجة الى دراسة مستوعبة.

يفهم سيد عرفان حافظ على أنه طريقة معينة في استجلاء الغيب. وكل العرفان حركة نحو فتح الابواب الموصدة في عالم الشهادة بين الانسان وبين عالم الغيب. لا يستطيع الكائن البشري أن يفهم كنه هذا العالم، ولكنه يعرفه ويحاول أن يعيش فيه، ويجد لذته الكبرى حين يغرق في سبحاته، وتلامسه نفحاته.

ولكل من حافظ والخيام طريقتهما في دق أبواب الغيب، يوضح "سيد" الطريقتين بأسلوب فريد يستحق كما ذكرت مزيدا من الدراسة.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - استاذ في جامعة طهران.

٢ - انظر: الترجمات العربية لرباعيات عمر الخيام، دراسة نقدية، الدكتور يوسف حسين بكار، قطر ١٩٨٨.

٣ - النقد الادبي / ١٥.

٤ - نفس المصدر / ١٧ - ١٨.

٥ - نفس المصدر / ٢٠.

٦ - انظر: بشار بن برد للمازني، وبشار بن برد لعمر فروخ، وبشار بن برد لطه الحاجري، وانظر المقدمة القيمة لمحمد الطاهر بن عاشور شيخ جامع الزيتونة على ديوانه.

٧ - انظر: ابو نؤاس الحسن بن هاني، للعقاد.

٨ - النقد الادبي / ٥٩ - ٦٣.

٩ - نفس المصدر / ٥٧.

١٠ - النقد الادبي / ٥٨.

١١ - انظر في ابن قتيبة: الفهرست / ١٢١.

١٢ - انظر معجم الادباء ٣ / ١٣٥.

١٣ - النقد الادبي / ٤٤.

١٤ - النقد الادبي / ص ٤٥.

١٥ - النقد الادبي / ٤٥.

١٦ - ظهرت أخيرا ترجمة للقرآن الكريم الى اللغة الفارسية بقلم الدكتور ابو القاسم امامي حاول فيها أن ينقل قسطا من ايقاع الآيات، كما صدرت من قبل ترجمة لنهج البلاغة بقلم استاذنا الدكتور جعفر شهيدي وفيها قمة مايمكن الارتفاع الى مستوى النص الاصلي.

١٧ - انظر ترجمته في طبقات الشافعية الكبرى للسبكي ٣ / ٢٤٢.

١٨ - النقد الادبي / ٥.

١٩ - نفس المصدر / ١٢٤.

٢٠ - النقد الادبي / ١٢٦.

٢١ - ينقل سيد نص ماقاله الجرجاني / ص ١٢٧ - ١٢٨.

٢٢ - النقد الادبي / ١٢٨.

٢٣ - نفس المصدر / ٣٦ - ٣٧.

٢٤ - يستعرض "سيّد" نظرية عبد القاهر النفسية استنادا الى ثلاث دراسات: الاولى للاستاذ أمين الخولي، تحت عنوان "البلاغة وعلم النفس" منشورة في مجلة كلية الآداب / جامعة القاهرة / سنة ١٩٣٩. والثانية للدكتور محمد خلف اللّه تحت عنوان: "التيارات الفكرية التي أثرت في دراسة الادب" مجلة كلية الآداب / جامعة الاسكندرية / مايو ١٩٤٣. والثالثة للاستاذ خلف اللّه أيضا تحت عنوان: "نظرية عبد القاهر الجرجاني في أسرار البلاغة" المجلد الثاني من المجلة نفسها سنة ١٩٤٤.

٢٥ - فرهنگ شاعران زبان پارسى، عبد الرفيع حقيقت.

٢٦ - انظر ديوان الجواهري، ج ١ / ٣٦٧ طبعة وزارة الاعلام العراقية عام ١٩٧٣.

٢٧ - كتب وشخصيات / ٦٨.

٢٨ - مقدمة ديوان حافظ، ترجمه ابراهيم الشواربي.

٢٩ - كتب وشخصيات / ٦٩.

٣٠ - كتب وشخصيات / ٧٠.

٣١ - نفس المصدر.

٣٢ - كتب وشخصيات / ٧١.

٣٣ - نفس المصدر السابق.

٣٤ - نفس المصدر / ٧٢.

٣٥ - كتب وشخصيات / ٧٧.



[ Web design by Abadis ]