ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الاختلاف و اسلوب الحوار الحكيم \ الشيخ محمد علي التسخيري

هذا البحث يتناول أسباب اختلاف الفقهاء، والموقف العملي للدولة الاسلامية تجاه هذا الاختلاف، ثم يذكر دعوة الاسلام الى الحوار، وشروط هذا الحوار مركزا على مسائل تحرير محل النزاع، والموضوعية والانطلاق من المبادئ المتفق عليها، والابتعاد عن التهويل، والاثر العملي.

قبل أن نبحث عن دواعي وأسباب الخلاف الفقهي ينبغي أن نذكر حقيقة مهمة هي: أن الاسلام دين الفطرة، أي أنه دين واقعي لا يتعامل مع الخيال وإنما يتعامل مع الواقع سواء كان على صعيد الوجود كله، أو صعيد التاريخ الانساني أو صعيد الفطرة الانسانية وهي السر الوحيد لتميز الانسان عن غيره من المخلوقات.

ومن عجائب الفطرة هذا الانسجام التكويني الرائع بين القناعة الفكرية، والميول العاطفية والسلوك العملي في الانسان، كما أن من عجائبها هذا التنوع في دراسة الاشياء ومعرفتها وتطبيق البديهيات العقلية عليها، وربما كان من عجائبها أيضاً اختلاف وجهات النظر والاجتهادات في تحليل القضية الواحدة.

ولسنا بصدد التحليل النفسي بقدر ما نحن بصدد القول بأن الاسلام بمقتضى واقعيته قرر أن العقيدة يجب أن تتشكل وفق برهان منطقي: (قل هاتوا برهانكم) وأنه لا يمكن الاكراه عليها، وإنما مسيرها الطبيعي الاستدلال والبرهنة، وكذلك فانه بمقتضى واقعيته أيضاً سمح بالاجتهاد في فهم نصوصه القرآنية والنبوية واستنباط أبعادها وتطبيق مفاهيمها على الواقع، وبالتالي استنباط الصور الكلية والجزئية لموقف الاسلام من أنماط السلوك الانساني بل وحتى الموقف الاسلامي من الكون والحياة والانسان، وشتى المواقف الاجتماعية المطروحة أو التي ستطرح على المسيرة الحضارية.

أما الاختلاف الذي نهى عنه القرآن الكريم وشدد النكر عليه، فهو كما هو واضح، الاختلاف في الموقف العام من القضايا المصيرية المشتركة للامة الاسلامية الواحدة، ذلك أن حبل اللّه الذي أمرنا بالاعتصام به هو الخط العام المتيقن من الاسلام والذي يشكل عصمة هذه الامة وخصيصتها الكبرى، إنه (القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة) ولايشك في هذه العروة الوثقى الا جاهل أو مكابر.

وتبقى كل الاختلافات والاجتهادات المتنوعة في إطار الاعتصام بالكتاب والسنة وحينئذ يتوحد الموقف العام رغم اختلاف الاتجاهات في الاطار الواحد.

إن وعي هذه الحقيقة ضروري لدى مفكرينا بل جماهيرنا، وردّ على أولئك الذين يدعون الى تذويب المذاهب الفقهية تحقيقاً للوحدة الاسلامية.

أسباب الاختلاف الفقهي:

ومعرفة أسباب الاختلاف الفقهي أمر مفيد جداً لتحقيق التقريب، وضروري لبحثنا هذا، فما هي هذه الأسباب؟

ورقة العمل المقدمة من قبل اللجنة المنظمة لندوة التقريب التي انعقدت في المغرب، أرجعت الأسباب إلى أربعة، هي:

أ - الاختلاف في دلالة النص الثابت.

ب - الاختلاف في صحة النص المتعلق بالحكم.

ج - تباين الاجتهاد في ترجيح الأدلة عند تعارضها.

د - اختلاف الاجتهاد فيما لم يرد فيه نص صريح [١].

وأوجزها ابن رشد في مقدمة كتابه "بداية المجتهد ونهاية المقتصد" وحصرها في ستة أمور:

أحدها: تردد الألفاظ بين هذه الطرق الأربع، أعني بين أن يكون اللفظ عاماً يراد به الخاص أو خاصاً يراد به العام، أو خاصاً يراد به الخاص، أو يكون له دليل الخطاب أو لا يكون.

والثاني: الاشتراك الذي في الألفاظ، وذلك:

إما في اللفظ المفرد كلفظ: "القرء" الذي يطلق على الأطهار وعلى الحيض، وكذلك لفظ: "الأمر" هل يحمل على الوجوب أو الندب، ولفظ "النهي" هل يحمل على التحريم أو الكراهة، وإما في اللفظ المركب مثل قوله تعالى: (إلا الذين تابوا) [٢] فإنه يحتمل أن يعود على الفاسق فقط، ويحتمل أن يعود على الفاسق والشاهد فتكون التوبة رافعة للفسق ومجيزة شهادة القاذف.

والثالث: اختلاف الإعراب.

والرابع: تردد اللفظ بين حمله على الحقيقة أو حمله على نوع من أنواع المجاز التي هي: إما الحذف وإما الزيادة وإما التأخير وإما تردد على الحقيقة أو الاستعارة.

والخامس: إطلاق اللفظ تارة وتقييده تارة أخرى، مثل إطلاق الرقبة في العتق تارة وتقييدها بالإيمان تارة.

والسادس: التعارض في الشيئين في جميع أصناف الألفاظ التي يتلقى منها الشرع الأحكام بعضها مع بعض وكذلك التعارض الذي يأتي في الأفعال أو في الإقرارات أو تعارض القياسات نفسها، أو التعارض الذي يتركب من هذه الأصناف الثلاثة، أعني معارضة القول للفعل، أو للإقرار أو القياس ومعارضة الفعل للإقرار أو للقياس، ومعارضة الإقرار للقياس [٣].

إلا أن هذا التقسيم وقع موقع الاعتراض إذ أنه ركز على الأسباب التي تتصل بالاختلاف في تنقيح الصغريات لحجية الظهور أو حجية القياس، في حين أن الاختلاف في الكبريات نفسها - باعتبارها المنشأ الأساس لهذا الاختلاف - مما يمكن تجاهله، ولذا اتجهوا الى التركيز على منبعين رئيسيين هما:

١ - الخلاف في الأصول والمباني العامة المعتمدة في الاستنباط الاجتهادي كالخلاف في حجية القياس أو العقل أو الاستصحاب.

٢ - الخلاف في تعيين مصاديق تلك الكبريات وموارد انطباقها.

(وفي هذا القسم تنتظم جميع تلكم المناشئ التي ذكرها ابن رشد ونظائرها مما لم يتعرض له كمباحث المفاهيم والمشتقات ومعاني الحروف وما يشخص صغريات حجية العقل، كباب الملازمات العقلية، بما فيه من بحوث مقدمة الواجب، واجتماع الأمر والنهي والإجراء، واقتضاء الأمر بالشيء، والنهي عن ضده وغيرها من المباحث الهامة) [٤] وهنا نشير الى أن بعض العلماء كانوا يجيزون الاختلاف في الفروع دون أصول الفقه.

وهذا التقسيم الأخير بلا ريب أوفى وأكثر انطباقاً على الواقع من التقسيمين السابقين، وهذا يعني أن الاختلاف في أصول الفقه هو أساس في جل الاختلافات في الفتاوي، الأمر الذي يتطلب جهداً واسعاً ولقاءات عملية مستمرة لتحقيق تفهم أكبر للآراء والأدلة والوصول إلى مساحات مشتركة - وهي واسعة كما أتصور - وذلك تقليلا للخلاف - من جهة - وتفهما أكثر لوجهة النظر الفقهية المخالفة - من جهة أخرى - الأمر الذي يمنع من انسحاب هذا الخلاف الطبيعي إلى المجالات التحريفية التي لمحنا إليها.

وما نود أن نضيفه هنا هو عامل الاختلاف في مناهج الاستدلال فهو يؤدي بالطبع الى الاختلاف في النتائج ومن هنا أدعو الى ضرورة التحديد في منهج الاستدلال، وملاحظة الترتيب المنطقي بين الأدلة. وهو أمر ضروري جداً وإلا لوقعنا في الخلط الكبير.

ولا أعتقد أننا إذا ركزنا على نوع الدليل، ولاحظنا ظروفه الخاصة به، سوف نختلف في الترتيب المطلوب وبدون ذلك نشهد اضطراباً واسعاً، فهذا يستدل بالاستصحاب أولا، ثم يلجأ إلى النص، وذاك يذكر مقتضى أصل الإباحة ثم يلجأ للاجماع، وهكذا نقع في دوامة فقهية فظيعة، وسر هذا الوقوع عدم التصفية المنهجية ابتداء، وهي شرط كل استدلال فقهي متين.

وفي هذا الصدد نجد مثلا الإمام الغزالي، يطرح الترتيب على النحو التالي: "يجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره إلى النفي الأصلي قبل ورود الشرع، ثم يبحث عن الأدلة السمعية المغيرة، فينظر أول شيء في الإجماع، فإن وجد في المسألة إجماعاً، ترك النظر في الكتاب والسنة فإنهما يقبلان النسخ والإجماع لا يقبله، فالإجماع على خلاف مافي الكتاب والسنة دليل قاطع على عدم النسخ إذ لا تجتمع الأمة على الخطأ، ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة، وهما على رتبة واحدة، لأن كل واحد يفيد العلم القاطع، ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدها ناسخاً فما وجد فيه نص عن كتاب أو سنة متواترة أخذ به، وينظر بعد ذلك إلى عمومات الكتاب وظواهره، ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن الأقيسة، فإن عارض قياس عموماً أو خبر واحد عموماً، فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، فإن تساويا عنده توقف على رأي، وتخير على رأي آخر" [٥].

فالترتيب لديه هو مقتضى القاعدة التي تنفي التشريع قبل وروده، ثم الأدلة المخالفة لهذا المقتضى، وفيها أيضاً يرجع إلى الاجماع أولاً، وإلا فإلى النصوص المتواترة، وبعدها إلى العمومات الكتابية ثم المخصصات، والأرجح إلى الأقيسة، وعند التعارض يطلب الترجيح ومع التساوي، فإما التخيير، وإما التوقف، والذي يظهر أن هناك نقاطاً مبهمة في هذا الترتيب.

منها: إن الاجماع - لو قلنا باستقلاليته في الدليلية - يقف إلى صف واحد من الكتاب والسنة وباقي الأدلة الاجتهادية فما معنى تخصيصه أولاً بالرجوع؟

ومنها: إن العمومات الكتابية على مستوى واحد من عمومات السنة، فما معنى تخصيص الأولى بالذكر.

ومنها: إن القياس - لو قلنا به - فهو في رتبة واحدة مع النصوص، فلماذا التأخير؟

ومنها: إنه ما الموقف عند فقدان الأدلة الاجتهادية، أي، ماهو الموقف العلمي؟ وليس لدينا أصلاً دليلان متعارضان حتى نتخيّر أو نتوقف، ثم أين مسألة الاستصحاب؟ والبراءة؟ وعلى أي حال، فهناك إبهامٌ واضح في البين.

إن هذا الأمر يتطلب دراسة موسعة حول ملاكات تقديم أي دليل على آخر، وهذه الملاكات تعرضت لها بالتفصيل المدرسة الأصولية الإمامية، وإن كان الاستيعاب قد تم في مرحلة متأخرة جداً [٦].

وقد ذكرت أن الملاكات هي: التخصيص والتخصص والحكمة والورود، ونشير بالإجمال إلى معانيها:

- التخصيص: والمراد به إخراج من الحكم مع دخول المخرج موضوعاً.

- التخصص: والمراد به الخروج الموضوعي الوجداني.

وهذان معروفان:

- الحكومة: والمراد بها أن يكون أحد الدليلين ناظراً إلى الدليل الآخر موسعاً أو مضيقاً له، فمن القسم الأول: من أن الفقاع خمر استصغره الناس. ومن الثاني: قوله (صلى الله عليه وآله): "لا ضرر ولا ضرار" الذي يقوم بتضييق موضوع الأدلة الأولية إلى مالا يشمل الأحكام الضرورية.

- الورود: والمراد به الدليل النافي للموضوع وجداناً، ولكن بواسطة تعبد شرعي كتقدم دليل: "لا ضرر" على دليل: "وجوب دفع الضرر المحتمل" في المورد الضروري.

وعبر هذه الملاكات لا أظن أننا سنختلف بعد ذلك كثيراً، ذلك أن المجتهد يبحث - أول ما يبحث - عن واقع الحكم الشرعي - فإذا لم يجد شيئاً، راح يبحث عما نزل بمنزلة الواقع، فإذا لم يعثر على شيء فعليه البحث عن موقفه العملي كما تحدده الوظيفة الشرعية، وإلا راح للموقف العلمي كما يحدده العقل، وعند تعقّد الأمر يلجأ عادة للقرعة طبق تحديداتها.

وهذا الترتيب قائم على قوانين الحكومة والورود.

فالأدلة التي تكشف بلسانها عن الواقع كالكتاب والسنة والإجماع، وغيرها مقدمة بلا ريب على الأدلة التي تكشف عن الواقع التنزيلي (أي ما هو بمنزلة الواقع) كالاستصحاب وأصالة الصحة وقاعدة التجاوز والفراغ في الصلاة وأمثالها، وذلك لأن الأولى حاكمة على الثانية ومزيلة لموضوعها تعبداً، في حين نجد أن أدلة الواقع التنزيلي مقدمة بدورها على أدلة الوظيفة الشرعية كأدلة البراءةوالتخيير والاحتياط، لأن هذه الأدلة، أخذ في موضوعها فقدان الواقع بجميع مراتبه حتى التنزيلية.

وأدلة الوظيفة العملية الشرعية مقدمة على أدلة الوظيفة العملية العقلية.

وهذه الأخيرة مقدمة على أدلة القرعة لنفس ما ذكرناه [٧].

وما أظنه أن الكثير من الاختلاف في مناهج الاستدلال راجع إلى عدم التركيز على ملاكات التقديم هذه والا فلا مجال للاختلاف الكثير.

ومن الضروري أن ننبه هنا أن هذه الملاكات بنفسها تلعب دورها في تقديم أدلة الأحكام الثانوية - كالأحكام الضرورية والحرجية وأحكام (السبيل على المؤمنين) وأمثالها - على أدلة الأحكام الأولية، كالوضوء والصوم والحج، وغيرها.

وكذلك في تقديم أدلة الأحكام الولائية التي يصدرها ولي الأمر في منطقة المباحات بعناوينها الأولية على أدلة الإباحة هنا باعتبار أن أدلة الولاية ناظرة إلى الأدلة الأولية ومقدمة عليها، وهو باب واسع من الضروري أن تتم دراسته والتأمل العميق فيه.

مجالات الاختلاف الفقهي والموقف فيها

لاحظنا أن وجود الاختلاف حالة طبيعية نتيجة تعدد أسباب الاختلاف.

الا أننا هنا نحاول التحدث عن المجالات التي يتم الاختلاف فيها وكيفية توجيه الموقف فيها أو احتواء الموقف الخلافي أو بالاحرى تحويل الخلاف الى نقطة قوة وثراء بدلاً من أن يتحول الى نقطة خور وضعف، ومهما قيل عن الحديث المنسوب للرسول (صلى الله عليه وآله) "اخلاف أمتي رحمة" فان الاسلام لابد أن يحول كل القضايا الطبيعية الى عنصر ثراء للمسيرة الاسلامية الصاعدة.

ولما كان الفقه مرتبطاً بالحياة الفردية والاجتماعية فمن الطبيعي أنه يترك أثره الايجابي أو السلبي على المسيرة الحياتية، فماهو الطرح الاسلامي المتصور في البين؟

ولدى الجواب نود أن نذكر بأن السلوك ينقسم الى فردي واجتماعي دون أن نضع حداً فاصلاً بينهما، فان هناك سلوكات فردية ترتبط تماماً بالسلوك الاجتماعي، وأخرى لا علاقة مباشرة لها بذلك، ولذلك فهي مشمولة للاحكام الاجتماعية بمقدار هذه العلاقة.

فاذا ركز على أنماط السلوك الفردي من قبيل (استحباب القنوت في الصلاة ووجوب رد السلام، وحرمة النذر لغير اللّه تعالى) وأمثال ذلك مما لا يرتبط مباشرة بالسلوك الاجتماعي العام، وجدنا أن الاسلام يفسح المجال للمسلم أن يجتهد بنفسه لاستنباط هذه الاحكام أو يقلد مجتهدا فيها، ولا ضير حينئذ في اختلاف الاجتهاد ولا يترك أثراً على وحدة الموقف العام.

فاذا انتقلنا الى الساحة الاجتماعية، والعمل الاجتماعي فان الموقف كما نرى يتغير، فرغم سماح الاسلام للمجتهدين بل تأكيده عليهم في استنباط المواقف النظرية للاسلام في هذا المجال، وكذلك سماحه لهم في إبداء الرأي في النوازل والحوادث الواقعة الا أنه لا يسمح لهم مطلقاً بالاخلال بالموقف العام، ومن هنا نقول: إن المجتهدين يمكن أن يستنبطوا الحكم الاسلامي الاولي أي الذي وصفه الاسلام للموضوعات بعناوينها الاولية كحرمة الخمر والربا والقمار ووجوب الصلاة والزكاة والحج، كما لهم أن يعينوا الموقف النظري في الاحكام الثانوية أي الاحكام التي تطرأ على الموضوعات نتيجة حصول ضرر أو حرج أو إكراه أو وقوع الشيء مقدمة للواجب أو سد ذريعة للحرام وما الى ذلك، والمكلفون هم الذين يشخصون مصاديق هذه المواقف النظرية ويعملون بها في سلوكاتهم الفردية.

أما المجال الاجتماعي أو الموقف الاجتماعي فالذي يقرره هو المجتهد الحاكم لا غير ويمكن لغيره من المجتهدين أن يعينوه على ذلك، وإذا صدر الموقف الحكومي الشرعي فليس لاحد من المجتهدين أن يخالفه عملياً على الاطلاق والا لأدى ذلك الى شق عصا المسلمين ومن هنا يحق لنا أن نقول إنه لامجال للاختلاف في الموقف الاجتماعي العام داخل المجتمع الاسلامي أو تجاه خارج هذا المجتمع.

ولي الامر وانتخاب الفتوى الملائمة

في أحد بحوثنا الماضية التي طرحت حول مسألة (التلفيق والأخذ بالرخص) قلنا بأنّ للفرد أن يأخذ بمسألة التلفيق بين الفتاوى بعد أن بنينا ذلك على عدم لزوم اتباع الأعلم في التقليد.

ولسنا نريد إعادة البحث هنا، ولكنا نريد أن نتحدث عن حقيقة مهمة هنا هي إن الحاكم الشرعي يستطيع أن يعتمد فتواه أو فتوى غيره مما يراه منسجماً أكثر من غيره مع مجمل الخط العام الاسلامي، فيصدر أمره بجعل هذه الفتوى حكماً عاماً وقانوناً تتبعه الأمة - بما فيها سائر المجتهدين بما يشمل القائلين بخلاف تلك الفتوى - وهذا المعنى إنما يتصور في مجال الحياة العامة لا السلوك الفردي [٨].

ولتوضيح الامر نقول:

إن المجال هنا ليس مجال تقليد العامي للمجتهد ليأتي بحث (الأعلمية)، وإنما هو مجال إدارة الحياة العامة بما يحقق المقاصد الاسلامية وفق الاحكام التي شرعها الشارع الحكيم (تعالى)، في إطار تخطيط إسلامي للحياة قد يتطلب أحياناً اللجوء الى فتوى معينة هي أكثر انسجاماً مع المصلحة العامة، وتشكل مع غيرها مجموعة متكاملة، مما يدفع الى انتقائها وجعلها قانوناً بعد أن كانت حصيلة اجتهاد اسلامي جار وفق الطريقة الشرعية لاستنباط الاحكام. فلو كان الحاكم ممن يقولون بمسألة تعدد الآفاق - كما هي فتوى الشافعية - وبالتالي تعدد أوائل الشهور القمرية في العالم الاسلامي، إلا أنه كانت هناك فتوى معتبرة - وحبذا لو كانت مشهورة أيضاً - تقول بوحدة الآفاق وكفاية رؤية القمر في أي مكان من العالم للحكم بدخول الشهر القمري كما هي مثلاً فتوى المذاهب الثلاثة (الحنفي والمالكي والحنبلي) وبعض علماء الامامية كالمرحوم الامام الخوئي والامام الشهيد الصدر [٩] فان للحاكم الشرعي لا بصفته يفتي لمقلديه، بل بصفته يدير شؤون الامة الاسلامية ان ينتخب هذه الفتوى ويحولها إلى حكم الزامي تدار على أساس منها شؤون الامة.

فملاك عمل الفرد في تقليده هو الوصول الى الرأي الحجة بينه وبين ربه في المجال العملي في حين أن ملاك عمل الحاكم الشرعي هو تحقيق مقاصد الشريعة وإشاراتها مع الحفاظ على المصلحة العامة للامة في إطار ما منحته الشرعية من صلاحيات قانونية.

ولكي نقرّب الأمر إلى الذهن نلاحظ أن الباحث المسلم لكي يكتشف مذهباً حياتياً كالمذهب الاقتصادي الاسلامي أو المذهب الاجتماعي، أو الحقوقي أو غير ذلك، قد يجد فتاوى منسجمة مع بعضها لدى مفتين متعددين، لكنها تشكل وجهاً واحداً لخط عام منسجم، وحينئذ فانه يستطيع أن يطرح ذلك الخط كصورة اجتهادية عن المذهب المذكور.

وهذاما فعله المرحوم الشهيد الصدر - وهو من كبار المجتهدين - في كتابه "اقتصادنا" وقال مفسراً ذلك: "إن اكتشاف المذهب الاقتصادي يتم خلال عملية اجتهادية في فهم النصوص وتنسيقها والتوفيق بين مدلولاتها في اطراد واحد، وعرفنا أن الاجتهاد يختلف ويتنوع تبعاً لاختلاف المجتهدين في طريقة فهمهم للنصوص، وعلاجهم للتناقضات التي قد تبدو بين بعضها والبعض الآخر، وفي القواعد والمناهج العامة للتفكير الفقهي التي يتبنونها. كما عرفنا أيضاً أن المجتهد يتمتع بصفة شرعية وطابع إسلامي مادام يمارس وظيفته ويرسم الصورة ويحدد معالمها ضمن إطار الكتاب والسنة، ووفقاً للشروط العامة التي لا يجوز اجتيازها.

وينتج عن ذلك كله ازدياد ذخيرتنا بالنسبة إلى الاقتصاد الاسلامي ووجود صور عديدة له كلها شرعي وكلها إسلامي، ومن الممكن أن نتخير في كل مجال أقوى العناصر التي نجدها في تلك الصورة وأقدرها على معالجة مشاكل الحياة وتحقيق الاهداف العليا للاسلام وهذا مجال اختيار ذاتي يملك الباحث فيه حريته ورأيه".

ويضيف: "إن ممارسة هذا المجال الذاتي، ومنح الممارس حقاً في الاختيار ضمن الاطار العام للاجتهاد في الشريعة قد يكون أحياناً شرطاً ضرورياً من الناحية الفنية لعملية الاكتشاف".

ثم يضيف متسائلاً: "هل من الضروري أن يعكس لنا اجتهاد كل واحد من المجتهدين - بما يتضمن من أحكام - مذهباً اقتصادياً متكاملاً وأسساً موحدة منسجمة مع بناء تلك الاحكام وطبيعتها؟ ونجيب على هذا التساؤل بالنفي لأن الاجتهاد الذي يقوم على أساسه استنتاج تلك الاحكام معرض للخطأ، ومادام كذلك فمن الجائز أن يضم اجتهاد المجتهد عنصراً تشريعياً غريباً على واقع الاسلام… ولهذا يجب أن نفصل بين واقع التشريع الاسلامي كما جاء به النبي (صلى الله عليه وآله) وبين الصورة الاجتهادية كما يرسمها مجتهد معين" [١٠].

فإذا كانت الحال هذ ه - مع اكتشاف النظرية العامة للاسلام من قبل مجتهد ما - مشروعة فهي أولى في المشروعية عندما يراد إصدار قانون عام، وذلك:

أولاً: لما يملكه الحاكم الشرعي من صلاحية واسعة لتحويل الاحكام وفق المبادئ المعطاة.

ثانياً: لكون هذه الحالة مؤقتة في حين يراد للنظرية أن تكون دائمة.

ثالثاً: لأنه يعتمد على خبراء الدولة ومشاورتهم في معرفة القائم واكتشاف التلاؤم بين الفتاوى، الأمر الذي يقربه من الواقع.

رابعاً: لأنه لا مفر لانتخاب أحد الفتاوى للعمل بها بشكل عام من قبل الحاكم الشرعي ولذا فمن الطبيعي أن تنتخب الفتوى الاكثر انسجاماً مع سير الأمور.

كل ذلك شريطة أن تكون قد صدرت على أساس من قواعد الاجتهاد المعروفة بل وقد نشترط فيها احياناً أن تكون من الفتاوى المشهورة. ونشير هنا إلى أن الكثير من الدول في دساتيرها لم تعتمد مذهباً إسلامياً معيناً حتى في قضايا الاحكام المدنية، رغم أنها ركزت على خصوص أحد المذاهب، فقد اضطرت لكي تحفظ سلامة العائلة وصيانتها للاعتماد على الرأي الإمامي القائل بعدم مشروعية الطلاق بالثلاث واعتبارها طلاقاً واحداً رغم أنها اعتمدت في عموم أحكامها على المذاهب الاخرى.

الحوار المطلوب

إذا كان الاسلام قد سمح بالاجتهاد واعتمد العقل والبرهان سبيلاً منطقياً للاقناع فمن الطبيعي أن يجوز الحوار ويدعو اليه على كل الاصعدة، وهي من قبيل:

أ - الحوار بين المسلمين المختلفين في الشؤون الشخصية.

ب - الحوار بين المختلفين في القضايا الاجتماعية.

ج - الحوار بين الفقهاء.

د - الحوار العقائدي.

هـ - الحوار بين الاديان.

و - الحوار بين الحضارات.

وفي كل هذه الانماط نجد النصوص الاسلامية تركز على بعض الشروط الضرورية، وقد تحدث علماؤنا القدامى عن آداب الحوار والجدال، ولكننا ندخل ما ذكروه جميعاً في منطقة الشروط الضرورية لأنها جميعاً إن لم تتوفر عرضت النتائج لخطر التمويه.

أولاً: تحرير محل الحوار، وهو أول شرط وأهمه فان الحوار قد يكون مضيعة للوقت اذ يتبين للمتحاورين بعد فترة طويلة أنهما كانا يركزان حديثهما على محورين مختلفين، أو وجهتين متفاوتتين، ولذا كان ديدن علمائنا البدء بتحرير محل النزاع وتشخيص أبعاده ليكون الاستدلال منتجا، وهذا شرط منطقي لا نحتاج للاستدلال عليه [١١].

ثانياً: الموضوعية، ونعني بها الدخول الى مرحلة الحوار بعد التخلي موقتاً عن كل القناعات السابقة والسعي لطلب الحق أينما كان.

وهذا هو القرآن الكريم يخاطب الرسول الكريم وهو القمة في الايمان واليقين بأن يدخل في الحوار بروح موضوعية هادفة ليقول (وإنّا أو إيّاكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين) [١٢].

ويقول تعالى: (قل فأتوا بكتاب من عند اللّه هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين) [١٣].

وهو أمر أكده السابقون من علماء الاخلاق وغيرهم.

يقول صاحب "المحجة البيضاء في إحياء الاحياء" عند التحدث عن شروط المناظرة: الاول: أن يقصد بها إصابة الحق وطلب ظهوره كيف اتفق، لا ظهور صوابه وغزارة علمه وصحة نظره، فان ذلك مراء منهيٌّ عنه بالنهي الاكيد" ويضيف "أن يكون في طلب الحق كمنشد ضالة يكون شاكراً متى وجدها ولا يفرق بين أن يظهر على يده أو يد غيره فيرى رفيقه معيناً لا خصماً ويشكره إذا عرفه الخطأ وأظهر له الحق" [١٤].

ثالثاً: الانسجام بين مؤهلات أطراف الحوار والموضوع نفسه. فلا معنى للحوار حول موضوع لا تعلمه الاطراف أو لا يعلمه أحدهم أو لا يتخصص فيه إن كان مما يحتاج للتخصص.

يقول تعالى: (ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجّون فيما ليس لكم به علم، واللّه يعلم وأنتم لا تعلمون) [١٥].

ويقول سبحانه: (إن الذين يجادلون في آيات اللّه بغير سلطان أتاهم إنْ في صدورهم إلا كِبْرٌ ماهم ببالغيه فاستعذ باللّه إنه هو السميع البصير) [١٦].

وهنا يقول أحد العلماء: "الثامن أن يناظر مع من هو مستقل بالعلم ليستفيد منه إن كان يطلب الحق" [١٧].

ومن هنا فنحن نعتقد أن طرح الاستدلالات العلمية الدقيقة في المجامع العامة مع اختلاف مستويات الحاضرين أمر يجانب شروط الحوار.

رابعاً: الانطلاق من المبادئ المتفق عليها. إن الحوار لن ينتج مطلقاً إذا لم تكن هناك مبادئ متفق عليها مسبقاً، وفرضيات مسلمة يرجع اليها المتحاوران. ومن هنا رد الجميع عنصر المصادرة على المطلوب واعتبروه أسلوباً مخاتلاً… ولا سبيل هنا الا التنبيه على بعض القضايا الوجدانية، ومن هنا نجد القرآن الكريم يرد على أولئك المنكرين للبديهيات بتنبيههم لخطأ ما يعتقدون وإيقافهم أمام تساؤلات فطرية إذ يقول تعالى لاولئك المقلدين لآبائهم (دونما منطق): (وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا أو لوكان أباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون) [١٨] ويقول تعالى: (وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير الا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قل أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون) [١٩].

فان هؤلاء قوم لا يؤمنون بشيء مشترك مع المحاور المسلم بها، وما عليه إلا أن ينبههم على بعض المشتركات الفكرية من قبيل:

(أن المجانين لا يُتبعون، فاذا افترضنا أن آباءهم مجانين فهم لا يتبعون، إذن عليكم التحقيق).

أو (إن الافضل والاهدى هو المُـتَّبع فيجب التأكد من الأهدى).

خامساً: المنطقية، بحيث يسير البحث بشكل منطقي وتؤدي المقدمات الى النتائج بشكل طبيعي وذلك دونما تحايل أو مماطلة أو جدال عقيم، والنصوص التي تنهى عن الجدال والمراء كثيرة.

منها قوله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلاً بل هم قوم خصمون) [٢٠]. وقوله تعالى: (وكان الانسان أكثر شيء جدلا) [٢١].

وقد رأينا العلماء يردون التحايل على الطرف الآخر ويذكرون لذلك أمثلة من قبيل:

أ - إبهام العبارة حتى لا يفهمها الطرف.

ب - الاحتيال عليه حتى يخرجه عن محل تساؤله.

ج - توجيه كلام السائل الى وجوه محتملة [٢٢].

بل تحدثوا عن الصفات التي قد يبتلي بها المتحاوران نتيجة عدم القدرة على امتلاك الموقف من قبيل الحقد والحسد وتزكية النفس والفرح بمساءة الاخرين، والاستكبار عن الحق، والرياء، وكل ذلك لكي تعود الى المحاور شخصيته الطبيعية التي تحقق منطقيته في الحوار.

سادساً: الابتعاد عن جو التهويل أو مايسمى بتأثير العقل الجمعي ففي مثل هذا الجو يفقد الحوار جوه المطلوب، ولا معنى فيه للاستدلال المنطقي الهادئ الحكيم.

ومن خير الامثلة على ذلك ما ذكره القرآن الكريم من جو انفعاليواجه المشركون به النبي (صلى الله عليه وآله) واتهموه بالجنون، ولذلك طلب من الرسول (صلى الله عليه وآله) أن يدعوهم الى نبذ هذا التهويل والعودة الى الهدوء المطلوب ثم التفكير بما يتهمونه به، يقول تعالى: (قل إنما أعظكم بواحدة أن تقوموا للّه مثنى وفرادى ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جِنّة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد) [٢٣].

سابعاً: أن يكون الحوار مما يترك أثراً عملياً أو فكرياً فلا معنى للحوار حول افتراضات تجانب الواقع. يقول الامام الغزالي: "الرابع أن يناظر في واقعة مهمة أو في مسألة قريبة من الوقوع وأن يهتم بمثل ذلك" [٢٤].

ثامناً: أن تلحظ في الحوار كل الجوانب المرتبطة بالموضوع فقد تترك الجوانب غير الملحوظة أثرها على النتيجة، أما إذا لم يتسع صدر البحث فيجب الاتفاق على قدر متيقن فيها.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - ورقة عمل ندوة التقريب بين المذاهب الإسلامية المقدمة إلى ندوة التقريب في المغرب ص: ١٢.

٢ - النور / ٥.

٣ - ص ٥ - ٦ ج ١، من: "بداية المجتهد ونهاية المقتصد".

٤ - أصول الفقه المقارن ص ١٩.

٥ - المستصفى ١ / ٣٩٢.

٦ - فقد قال صاحب (أصول الفقه) العلامة المظفر (رحمه اللّه) ج ٣ - ص ١٩٠: "إن مصطلحي الحكومة والورود" هما من مبتكرات الشيخ الأنصاري الكبير (رحمه اللّه) المتوفى سنة (١٢٨١ هـ) في حين أرجعه المرحوم الحلي إلى طبقة أسبق منه، كما ذكر السيد الحكيم في أصول الفقه المقارن ص ٨٧.

٧ - راجع أصول الفقه للمظفر - ٣٣ / ص ١٩٢ - ١٩٥ وأصول الفقه المقارن ص ٨٥ - ٩٢ وباقي الكتب الأصولية من قبيل دروس في علم أصول الفقه للمرحوم الصدر، وغيرها.

٨ - راجع كتابنا "المرجعية" طبع بيروت ص ٤٤.

٩ - راجع "الفتاوى الواضحة" للامام الصدر و"منهاج الصالحين" للامام الخوئي.

١٠ - اقتصادنا ج ٢ ص ٢٨٠.

١١ - راجع "الكافية" للجويني ص ٥٤٠ و"قاموس الشريعة" للسعدي ج ٣ ص ٦.

١٢ - سبأ / ٢٤.

١٣ - القصص / ٤٩.

١٤ - "المحجة البيضاء في شرح الاحياء" للغزالي - ج ١ ص ٩٩ - ١٠٠ والغزالي في إحياء العلوم ج ١ ص ٤٣.

١٥ - الانعام / ٦٦.

١٦ - غافر / ٥٦.

١٧ - المحجة ج ١ ص ١٠١.

١٨ - البقرة / ١٧٠.

١٩ - الزخرف / ٢٣ - ٢٤.

٢٠ - الزخرف / ٥٨.

٢١ - الكهف / ٥٤.

٢٢ - راجع الجويني في الكافية ٥٤٢ - ٥٤٩.

٢٣ - سبأ / ٤٦.

٢٤ - المحجة البيضاء ج ١ ص ١٠٠.



[ Web design by Abadis ]