ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 صحيح البخاري و سائر الصحاح الستة \ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

هذه الدراسة نموذج لاهتمام علماء الشيعة بالمجاميع الحديثية عند أهل السنة. وهذا الاهتمام ينطلق من اهتمامهم بفهم السنّة التي تشكل مع القرآن الكريم أساس المنهج الاسلامي للحياة الفردية والاجتماعية. والاستاذ الباحث يقارن في هذا المقال بين صحيح البخاري وسائر الصحاح الستّة ويخرج نتائج مفيدة للباحثين في حقل السنة النبوية الشريفة.

اشتهرت بين الكتب ومجاميع الحديث النبوي الشريف، قديما وحديثا، ستة من الكتب باسم "الصحاح الستة" اتفق علماء الجمهور من أهل السنة على صحتها والاستناد إليها حسب مراتبها.

في هذا البحث المتواضع بعنوان "دراسة مقارنة بين صحيح البخاري وسائر الصحاح الستة" أقارن بينها من حيث المؤلفين، وما بينهم من العلاقة والصلة، ومن حيث مرتبتها من الصحة والاعتبار، وكذلك عدد رواتها المشتركين بينها والمختص ببعضها، والطريق إليها إلى غير ذلك من المناسبات.

والهدف من ذلك، التركيز على موضع صحيح البخاري بين تلك الكتب وفضله عليها. وسأكتفي في بحثي هذا بما ذكره كبار أهل السنة والخبراء منهم ولا أتجاوزهم إلى أقوال الآخرين مناقشة ونقدا.

أولا - المؤلفون

أولهم: الإمام الحافظ أبو عبد اللّه، محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن برْدزْبه، الجعفي بالولاء. ولد ببخارى عام ١٩٤هـ وتوفي بـ "خرتنك" قرب "سمرقند" عام ٢٥٦ هـ وله من العمر ٦٢ سنة وهو من أسرة من الايرانيين، وأول من أسلم من آبائه هو جد والده "المغيرة" أسلم على يد سليمان - أو البيان - الجعفي والي بخارى يومئذ "فنسب" إليه بالولاء [٢].

وجعفي - بياء النسبة - أبو قبيلة من اليمن [٣] وكان والده إسماعيل أهل العلم.

وقد بدأ البخاري دراسة الحديث في سن مبكرة ولم يتجاوز الحادية عشرة، ولما بلغ السادسة عشرة حج وحضر عند أشهر شيوخ الحديث في الحرمين الشريفين، ثم رحل الى مصر وغيرها من البلدان، فصرف ستة عشر عاماً في طلب الحديث بين ربوع آسيا، ثم عاد إلى مسقط رأسه [٤]، واشتغل بالتأليف ونشر الحديث، وأهم أعماله العلمية التي اشتهر بها جامعه الصحيح. وكان يقال للبخاري: "أمير المؤمنين في الحديث" [٥].

ثانيهم: الحافظ الإمام أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري [٦]، من بني قشير قبيلة من العرب معروفة [٧].

ولد سنة ٢٠٦، وتُوفي سنة ٢٦١ وعمره ٥٥ عاما - كلاهما في نيسابور - رحل إلى العراق والحجاز والشام ومصر وأخذ الحديث عن الشيوخ، وقدم بغداد غير مرة، وحدّث بها، وروى عنه خلق كثير [٨] وألف صحيحه، ورجع الى نيسابور وتوفي هناك، وفيها التقى بالبخاري لما هاجر من بخارى إليها [٩] ولازمه.

ثالثهم: الحافظ الإمام أبو داود سليمان بن الأشعث، بن إسحاق، بن بشير، بن شداد، بن عمرو بن عمران الأزدي السجستاني [١٠]. والأزدي يشعر بأنه من "الأزد" قبيلة من العرب، والسجستاني مشعر بأنه من أهالي سجستان منطقة في جنوب خراسان وشمال السند.

ولد سنة ٢٠٢، نزل البصرة وتوفيّ بها سنة ٢٧٥ وعمره ثلاث وسبعون سنة.

وكان أبو داود يشبه بأحمد بن حنبل في هديه ودلّه وسمعته [١١] رحل في طلب الحديث، والتقى بجماعة من الشيوخ، وسمع بخراسان، والعراق، والجزيرة، والشام، والحجاز، ومصر، وروى عنه كثيرون منهم الترمذي والنسائي [١٢] وقدم بغداد، وروى بها كتابه المصنف في السنن، ونقلها أهلها عنه وقد صنفه قديما، وعرضه على أحمد بن حنبل فاستجابه وأحسنه [١٣].

رابعهم: الإمام الحافظ، أبو عيسى محمد، بن عيسى، بن سورة، بن موسى، بن الضحاك السلمي الترمذي. ولد بـ "بوغ" من ضواحي ترمذ، عام٢٠٩ وتوفي بـ "ترمذ" سنة ٢٧٩، وله من العمر سبعون سنة [١٤]، ولقبه (السُّلَمي) مشعر بأنه من بني سليم أو سُلَّم قبيلة عربية.

وقال الترمذي: كان جدي مروزيا، انتقل من "مرو" أيام الليث بن سيّار، [١٥] وترمذ - وزان "إثمد" بكسر التاء والميم هوالمعروف المشهور على الألسنة [١٦] وقيل غير ذلك.

أخذ الحديث عن جماعة من أئمة الحديث، ولقي الصدر الأول من المشايخ، منهم محمد بن إسماعيل البخاري وأخذ عن خلق كثير لا يحصون كثرة. وأخذ عنه أيضا خلق كثير، منهم محمد بن أحمد، بن محبوب المحبوبي المروزي ومن طريقه روينا كتابه [١٧]. وتوفي المحبوبي عام ٣٤٦ [١٨].

قال الترمذي: صنّفت هذا الكتاب فعرضته على علماء الحجاز فرضوا به، وعرضته على علماء العراق فرضوا به، وعرضته على علماء خراسان فرضوا به، ومن كان في بيته هذا الكتاب فكأنما في بيته نبي يتكلم [١٩]. وكان بينه وبين البخاري علاقة خاصة سنذكرها.

خامسهم: الإمام الحافظ أبو عبد الله، محمد بن يزيد، بن ماجه، الربعي بالولاء، القزويني، مولى ربيعة. ولد سنة ٢٠٦، وتوفي سنة ٢٧٣ - كلاهما بقزوين على مايشعر به هذا الانتساب - ارتحل إلى العراق، والبصرة، والكوفة، وبغداد، ومكة والشام، ومصر، والري فكتب الحديث. وماجه وماجة، بالهاء والتاء كلاهما الصواب [٢٠].

وقد أتعب محمد فؤاد عبد الباقي نفسه في ضبط "ماجه" بتتبع النسخ، وقال: لم يكن تضارب الأقوال في تحقيق هذا اللفظ بأقلّ من تضاربهم في قيمة السنن ومنزلتها من الكتب الخمسة [٢١]، كما ذكر عن الرافعي الخلاف في أن "ماجه" - وهو اسم فارسي - لقب له، أو هو اسم جده، والأول أثبت [٢٢].

وقد عرض إبن ماجه هذه السنن على أبي زرعة فنظر فيه وقال: أظن إن وقع هذا في أيدي الناس تعطلت هذه الجوامع أو أكثرها [٢٣].

سادسهم: الإمام الحافظ أبو عبد الرحمن، أحمد بن شعيب، بن علي، بن بحر، بن سنان النسائي. ولد سنة ٢٢٥ - لعله بنسا - ومات بمكة سنة ٣٠٣، ودُفن بها. وهو أحد الأئمة الحفاظ العلماء، لقي المشايخ الكبار، وأخذ الحديث عنهم، ومنهم أبو داود، سليمان بن أشعث السجستاني وأخذ عنه الحديث خلق كثير، منهم أبو بكر احمد بن إسحاق السني الحافظ، ومن طريقه روينا كتابه السنن [٢٤].

وقال الحاكم النيسابوري: أما كلام أبي عبد الرحمن على فقه الحديث فأكثر من أن يذكر، ومن نظر في كتابه السنن تحيّر في حُسن كلامه [٢٥].

ثانيا - العلاقات بينهم

لم نطّلع على اتصال بعضهم ببعض أيام أخذ الحديث، أما بعدها فقد وقع اللقاء بين البخاري ومسلم، فان البخاري لما أنكر الناس عليه قوله: "إن لفظي بالقرآن مخلوق" ببخارى غادرها إلى نيسابور عام ٢٥٠ هـ - أي قبل موته بست سنين - واستقبله الناس والعلماء بنيسابور بمالم يسبق له نظير من الإجلال والتكريم، ومكث بها خمس سنين، فاتصل به مسلم وأخذ عنه واستفاد منه ولازمه إلى آخر بقائه بنيسابور، حتى أن مسلما قطع اتصاله بشيخه محمد بن يحيى الذهلي لما خالف ونازع البخاري في قوله "إن لفظي بالقرآن مخلوق" وقد فاه به البخاري في نيسابور أيضا. وقام الناس والعلماء ضده فترك على أثره هذه البلدة راجعا إلى بلده بخارى [٢٦].

قال الخطيب البغدادي: إنما قفا مسلم طريق البخاري، ونظر في علمه وحذا حذوه [٢٧]. وقال إبن الأثير: "لمّا ورد البخاري بنيسابور في آخر مرّة لازمه مسلم، وأدام الاختلاف إليه، وقال الدار قُطني: لولا البخاري لما ذهب مسلم ولا جاء [٢٨].

وقال صاحب التاج: وكان مسلم إذا دخل عليه قبّل يده وقال له: يا طيب الحديث [٢٩]. هذا ماكان بين البخاري ومسلم.

وأما اتصال الترمذي بالبخاري فقد أخذ عن البخاري كثيراً ونظر هو في كتاب الترمذي وصحّحه، والترمذي ينقل آراء البخاري كثيراً في أثناء كتابه ويعتمد عليها مثل قوله في باب "تخليل اللحية في الوضوء": وقال محمد بن إسماعيل: أصح شيء في هذا الباب، حديث عامر بن شقيق عن أبي وائل عن عثمان [٣٠] وقال في "باب السواك": وأما محمد بن إسماعيل فزعم أن حديث أبي سلمة عن زيد بن خالد أصح (٣١).

ومع ذلك كله لم نقف على رواية الترمذي الحديث عن البخاري في صحيحه، وإنما يروي قوله في تصحيح الأحاديث فحسب.

وجاء في التّاج: (٣٢) وكان الترمذي يسأله عن أحاديث مرة بعد أخرى. والذي يلفت النظر ما نقله الحاكم النيسابوري عن أحد شيوخه قال: مات محمد بن إسماعيل البخاري ولم يخلف بخراسان مثل أبي عيسى في العلم والحفظ والورع والزهد (٣٣). وقال أحمد شاكر: والترمذي تلميذ البخاري وخريجه، وعنه أخذ علم الحديث وتفقّه فيه، ومَـرَن بين يديه، واستفاد منه، وناظره فوافقه وخالفه (٣٤). وأهمّ من ذلك كله مانقل عن الترمذي: أن محمد بن إسماعيل قال لي: ما انتفعتُ بك أكثر مما انتفعتَ بي (٣٥).

وقد شهد له البخاري شهادة قيمة، فسمع منه حديثا واحدا كعادة كبار الشيوخ في سماعهم ممن هو أصغر منهم (٣٦). وقد ولد البخاري قبل مسلم باثنتي عشرة سنة ومات قبله بخمس سنين. وولد الترمذي بعد البخاري بخمس عشرة سنة، ومات بعده بنفس هذه المدة. وولد بعد مسلم بثلاث سنين، وتوفي بعده بعشر سنين.

وهؤلاء الثلاثة كانوا من أهالي خراسان، فولدوا وعاشوا وماتوا فيها: مسلم بنيسابور والبخاري والترمذي كلاهما بماوراء النهر - وكانت يوم ذاك تعد جزء من خراسان - وقد ارتحلوا في طلب الحديث، وعادوا إلى مواطنهم، كما أنهم اشتركوا في أخذ الحديث عن ابن حنبل وعن جملة من الشيوخ سنذكرهم.

أما أبوداود فلم نقف على اتصاله بالبخاري ومسلم أو روايته عنهما، وإنما شاركهما في كثير من الشيوخ منهم أحمد بن حنبل (٣٧). كما أن الترمذي ومسلما، والنسائي كانوا من جملة أشهر من روى عن البخاري (٣٨). وروى عن مسلم كثيرون منهم الترمذي وأبو حاتم الرازي…. وآخر من روى عنه الصحيح منصور بن محمد البزّدوي (٣٩).

وروى مسلم عن أحمد بغير واسطة بينهما، وروى البخاري عن أحمد بن الحسن الترمذي عن أحمد حديثا واحدا في آخر المغازي في مسند بريدة. وقال في كتاب الصدقات - وقد ذكر حديثا - : وزادني أحمد بن حنبل عن محمد بن عبد الله الأنصاري. وقال في كتاب النكاح: قال لنا أحمد بن حنبل (رحمه الله)، ولم يقل: حدثنا أو أخبرنا…. (٤٠)

ومن وجوه العلاقة بين أصحاب الصحاح استنادهم إلى الإمام مالك فإن مشايخ أصحابها ومن عاصرهم كالإمام أحمد في مسنده، أغلبهم تلامذة مالك الذين رووا عنه الموطّأ بروايات عديدة، قل أن تخلو واحدة منها عن زيادة متفرد بها، ولم يتركوا شيئا من أحاديث الموطّأ، بل أخرجوها في مصنفاتهم، ووصلوا كثيراً من مرسلاته ومنقطعاته وموقوفاته (٤١).

وفي هذا الصدد قال بعض الفضلاء: اختار أحمد بن حنبل في مسنده رواية عبد الرحمن بن مهدي، والبخاري رواية عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم رواية يحيى بن يحيي التميمي النيسابوري، وأبو داود رواية القعنبي، والنسائي رواية قتيبة بن سعيد - قالوا: وهذا أغلبي - قال الشنقيطي: ومن هذا يعلم بالضرورة أن أصحاب كتب الحديث المعتبرة كلهم عالة على مالك وأصحابه، وهو شيخ الجميع…. (٤٢)

ونقول: بهؤلاء الرواة عن مالك استغنى أصحاب الصحاح عن الرواية عن مالك بطريق أحمد لأنها تتطلب الوساطة بينهم وبين مالك بشخصين: هما أحمد وعبد الرحمن بن مهدي، مع أن الرواية عن مالك عن طريق هؤلاء تكون بواسطة واحدة.

ويروي أبو داود في سننه كثيراً عن الإمام أحمد الحديث، وأشياء أخرى: قال في "باب ما يجزي من الماء في الوضوء": سمعت أحمد بن حنبل يقول: الصاع خمسة أرطال، وهو صاع ابن أبي ذئب، وهو صاع النبي (صلى الله عليه وآله) (٤٣). وقال في "باب مقدار الماء الذي يجزي في الغسل": سمعت أحمد بن حنبل يقول: الفرق ستة عشر رطلا…. (٤٤) ثم ذكر مقدار الصاع والرطل نقلا عن أحمد.

وأما أبو داود فلم يكن من خراسان، ولا نعلم أين ولد - ولعله ولد بسجستان - لكنه نزل البصرة وعاش ومات فيها. وقد ولد بعد البخاري بثماني سنين، ومات بعده بتسع عشرة سنة، وولد قبل مسلم بسنتين، ومات بعده بأربع عشرة سنة، وولد قبل الترمذي بسبع سنين، ومات قبله بأربع سنين.

وأما ابن ماجة فلا نعرف شيئا من اتصاله بالآخرين، سوى مشاركته معهم في عدد من الشيوخ. وقد ولد في نفس السنة التي ولد فيها الترمذي أي عام ٢٠٩، وتوفي قبله بست سنين، وولد بعد البخاري بخمس عشرة سنة، ومات بعده بسبع عشرة سنة، وولد بعد مسلم بخمس سنين، ومات بعده باثنتي عشرة سنة، وولد بعد أبي داود بسبع سنين، ومات قبله بسنتين.

وأما النسائي فقد تقدّم أنه أخذ الحديث عن البخاري وأبي داود، ولا نعلم أخذه عن الآخرين من أصحاب الصحاح، وقد ولد بعد البخاري باحدى وعشرين سنة، ومات بعده بسبع وأربعين سنة، وولد بعد مسلم بإحدى عشرة سنة، ومات بعده باثنتين وأربعين سنة، وولد بعد الترمذي بست سنين، ومات بعده بأربع وعشرين سنة، وولد بعد أبي داود بثلاث عشرة سنة، ومات بعده بثمان وعشرين سنة.

ثم إن ماثبت لدينا من قومية هؤلاء الستة أن اثنين منهم إيرانيان: البخاري من ماوراء النهر، جعفي ولاء، وابن ماجه من قزوين، ربعي ولاء، وثلاثة منهم عرب في الأرومة وإيرانيون في المولد: مسلم قشيري نيسابوري، وأبو داود أزدي سجستاني، والترمذي سلمي من ترمذ، ولا نعرف عن النسائي سوى أنه منسوب إلى "نسا" - بفتح النون - وهي مدينة بخراسان بينها وبين سرخس - يومان (٤٥). فينبغي للايرانيين في ما وراء النهر عامة ولأهل خراسان خاصة المباهات بهم لأنهم جميعا نشأوا في هذه المنطقة وخمسة منهم سوى ابن ماجة من خراسان القديمة بما فيها ماوراء النهر.

وكل هؤلاء من مواليد ومتوفي المائة الثالثة، إلا البخاري فمن مواليد آخر المائة الثانية، وإلا النسائي فمن وفيات أول المائة الرابعة.

والذي يُلفت النظر أن المائة الثالثة كانت أخصب القرون للحديث النبوي الشريف ولاسيما في فارس وما وراء النهر.

ويطيب لي أن أحكي لكم كلاماً بشأن خمسة من هؤلاء - أي سوى ابن ماجة - عن الشيخ منصور علي ناصف صاحب كتاب "التّاج الجامع للسنن" الذي جمع فيه أحاديث خمسة من الصحاح، قال في مقدمة كتابه: النسائي بلده الأصلي نسا، ومسلم من نيسابور، وكلاهما بـإقليم خراسان، والبخاري من بخارى، والترمذي من ترمذ، وكلاهما بـإقليم ماوراء النهر، وأبو داود من سجستان بـإقليم السند. وهذه أقاليم أعجمية فارسية، شرق الخليج الفارسي، الا أن السند بازاء مدينة "نصار"! وخراسان وماوراء النهر ماثلان إلى الشمال، كما في خريطة الممالك الإسلامية للمرحوم أمين بك واصف. فليس فيهم عربي، ولا من جزيرة العرب إلا مسلما فإنه قشيري من أحد قبائل العرب. ولكن الله ألان لهم علم الحديث، كما ألان الحديد لداود (عليه السلام). وهؤلاء الأئمة كانوا يتعبّدون على مذهب الشافعي (رضي الله عنه)، إلا البخاري فلم يُعلم مذهبه.

وقد اشتركوا في أخذ العلم عن شيوخ معلومة، فإنهم كانوا في عصر واحد، وهو القرن الثالث الذي ظهرت فيه شمس الحديث وبسطت أنوارها على الأرض بمن فيها، ولكن مسلما والترمذي كانا كثيري الاجتماع بالبخاري رضي اللّه عنهم - انتهى.

ونحن لا نوافقه في قوله: "ليس فيهم عربي سوى مسلم" فقد استظهرنا من سياق التراجم أن الترمذي سُلميّ وأبا داود أزدي فأصلهما عربي.

ثالثا - عدد شيوخهم المشتركين بينهم

ويكفينا في هذا المجال الأستاذ أحمد شاكر في مقدمته القيّمة لصحيح الترمذي إذ قال: وقد روى هؤلاء الأئمة الستة عن شيوخ كثيرين، فتفرد بعضهم بالرواية عن بعض الشيوخ، واشترك بعضهم مع غيره عن آخرين، واشتركوا جميعاً في الرواية عن تسعة شيوخ فقط وهم:

محمد بن بشار بُندار: ولد سنة ١٦٧ ومات سنة ٢٥٢.

محمد بن المثنّى: ولد سنة ١٦٧ ومات سنة ٢٥٢.

زياد بن يحيى الحَسّاني: مات سنة ٢٥٤.

عباس بن عبد العظيم العنبري: مات سنة ٢٤٦.

أبو سعيد الأشجّ عبد اللّه بن سعيد الكندي: مات سنة ٢٥٧.

أبو حفص عمر بن علي الفَلاس: ولد بعد سنة ١٦٠ ومات سنة ٢٤٩.

يعقوب بن إبراهيم الدورقي: ولد سنة ١٦٦ ومات سنة ٢٥٢.

محمد بن مَعمَر القيسي البحراني: مات سنة ٢٥٦.

نصر بن علي الجَهْضمي: مات سنة ٢٥٠.

وقال: وقد أدرك أبو عيسى الترمذي شيوخاً أقدم من هؤلاء وسمع منهم وروى عنهم في كتابه هذا: أي في صحيحه وسمّاهم: ثم قال وكثير منهم من شيوخ البخاري (٤٦).

رابعاً - عدد الصحاح في البخاري

عدد أحاديث صحيح البخاري غير المكرر أربعة آلاف حديث كما قال الإمام النووي، وقال الحافظ ابن حجر عدد مافيه بدون المكرر والموقوف والمعلّق ألفان وسبعمائة وإثنان وستون فقط (٤٧).

هذا رأيهما، والعجيب بعد ذلك الاختلاف البين في عدد أحاديثه عند الآخرين، فعن ابن الصلاح أنها مع المكررات (٧٢٧٥) سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا وتبعه النووي وابن تيمية، وقال ابن خلدون في المقدمة أنها ٩٢٠٠ تسعة آلاف ومائتان. وقد خطأوه وظنوا أنه تبع النووي إلا أنه ذكر تسعة آلاف مكان سبعة آلاف خطأ.

وقد قال ابن حجر بعد أن عدّد الأبواب أنها مع حذف المكررات ٣٦٠٢ - كما حكينا عن النووي - ويضاف اليها ١٥٩ حديثا معلقا مرفوعا، و١٣٤١ حديثا معلقات. ثم قال: جميع أحاديثه مع المكررات تبلغ ٩٠٤٢ تسعة آلاف واثنين وأربعين حديثا في ٣٤٥٠ بابا نقلت عن ٢٨٩ شيخا اختص منهم البخاري عن مسلم بـ ١٣٤ شيخا. ويعلم من هذا أن كلام ابن خلدون لم يكن خطأ (٤٨).

قال البخاري: خرجت كتابي هذا من زهاء ستمائة ألف حديث (٤٩). وقال مسلم: صنّفت كتابي هذا من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة… وعدد مافيه أربعة آلاف حديث (٥٠). وهذه من دون المكرّرات وأما معها فعددها ٧٢٧٥ سبعة آلاف ومائتان وخمسة وسبعون حديثا والتكرار فيه أقل من البخاري (٥١). وعدد أحاديث كتاب الترمذي فوق خمسة آلاف حديث (٥٢). وأما أبو داود فقال: كتبت عن رسول (صلى الله عليه وآله) خمسمائة ألف حديث، فانتخبت منها أربعة آلاف وثمانمائة ضمنتها هذا الكتاب، ذكرت فيه الصحيح وما يشبهه ويقاربه… (٥٣)

وأما سنن ابن ماجه فرقم أحاديثه المسلسلة بلغ ٤٣٤١ حديثاً في الطبعة التي قام محمد فؤاد عبد الباقي بتصحيحها وترقيمها (٥٤). وقال هذا الأستاذ في خاتمة السنن: من هذه الأحاديث ٣٠٠٢ ثلاثة آلاف وحديثين أخرجها أصحاب الكتب الخمسة كلهم أو بعضهم، وباقي الأحاديث وعددها ١٣٤١ الف وثلثمائة وواحد وأربعين حديثاً الزوائد على ماجاء في الكتب الخمسة…. (٥٥).

ولا يحضرنا الآن رقم أحاديث النسائي، ولاهي مذكورة في مقدمة كتابه، وليس مرقما.

خامساً: تقويم هذه الصحاح

قال ابن الأثير: البخاري ومسلم أثبتا في كتابيهما من الأحاديث ما قطعا بصحته وثبت عندهما نقله… وسمّيا كتابيهما الصحيح من الحديث وأطلقا هذا الاسم عليهما وهما أول من سمّى كتابه بذلك (٥٦).

وقد بحثوا كثيرا في التفاضل بين هذين الصحيحين واختلفوا فبعضهم رجّح البخاري وبعضهم مسلما وفي مقدمة شرح النووي لصحيح مسلم بعد أن أشار إلى دقائق مافي صحيح مسلم قال: وعلى الجملة فلا نظير لكتابه في هذه الدقائق وصنعة الإسناد، وهذا عندنا من المحقّقات التي لاشك فيها للدلائل المتظافرة عليها ومع هذا فصحيح البخاري أصح وأكثر، فائدة هذا هو مذهب جمهور العلماء، وهو الصحيح المختار، لكن كتاب مسلم في دقائق الأسانيد ونحوها أجود (٥٧).

وقال النووي: اتفق العلماء رحمهم اللّه على أن أصح الكتب بعد القرآن العزيز الصحيحان البخاري ومسلم وتلقتهما الأمة بالقبول وكتاب البخاري أصحهما وأكثرهما فوائد ومعارف ظاهرة وغامضة - ألى أن قال - وهذا الذي ذكرناه من ترجيح كتاب البخاري هو المذهب المختار قاله الجماهير وأهل الاتقان والحذق والغوص في أسرار الحديث - الى أن قال - ومما ترجّح به كتاب البخاري أن مسلما (رحمه الله) كان مذهبه - بل نقل الإجماع فى أول صحيحه - أن الاسناد المعنعن له حكم الموصول "بسمعت" بمجرد كون المعنعن والمعنعن عنه كانا في عصر واحد وإن لم يثبت اجتماعهما، والبخاري لا يحمله على الاتصال حتى يثبت اجتماعهما، وهذا المذهب يرجح كتاب البخاري، وإن كنا لا نحكم على مسلم بعمله في صحيحه بهذا المذهب لكونه يجمع طرقا كثيرة يتعذّر معها وجود هذا الحكم الذي جوزه والله أعلم (٥٨).

وقد انفرد مسلم بفائدة حسنة، وهي كونه أسهل تناولا من حيث أنه جعل لكل حديث موضعاً واحداً يليق به. جمع فيه طرقه التي ارتضاها واختار ذكرها وأورد فيه أسانيده المتعددة وألفاظه المختلفة، فيسهل على الطالب النظر في وجوهه واستثمارها ويحصل له الثقة بجميع ما أورده مسلم من طرقه، بخلاف البخاري، فانه يذكر تلك الوجوه المختلفة في أبواب متفرقة متباعدة، وكثير منها يذكره في غير بابه فيصعب على الطالب جمع طرقه وحصول الثقة بجميع ما ذكره البخاري من طرق هذا الحديث…. " (٥٩) وقد ذكر النووي معنى قولهم "حديث صحيح على شرط البخاري أو على شرط مسلم" وعدد من خرج لهم البخاري ولم يخرج مسلم وبالعكس ومافيه التعليق عند البخاري، وليس عند مسلم بما يطول، وذكر كثيرا من الفوارق بينهما فلاحظ (٦٠).

وقال في التاج: (٦١) إن البخاري ومسلما التزما أن لا يرويا حديثا إلا إذا كان متصل السند بنقل الثقة عن الثقة، من أوله إلى منتهاه، سالماً من الشذوذ والعلة، وهذا حد الصحيح عند العلماء بلا خلاف، إلا أن مسلما اكتفى في الراوي والمروي عنه أن يكونا في عصر واحد، وإن لم يجتمعا بخلاف البخاري فإنه اشترط اجتماعهما زيادة الاحتياط. انتهى.

ومن مزايا صحيح البخاري ذكر العناوين الواضحة لكل باب وذكر الآيات الواردة فيها الشيء الذي يفقده كتاب مسلم.

قلنا: إن البخاري هو أول من جمع وألف الصحيح، وقد كان أستاذه إسحق بن راهويه هو الذي اقترحه على تلاميذه حيث قال لهم: لو جمعتم كتابا مختصراً شاملا للصحيح من أحاديث الرسول. قال البخاري فوقع كلامه وأثر في نفسي فقمت بجمع الصحيح (٦٢). ثم اقتدى به مسلم وآخرون.

وقد قام جماعة من الحفاظ بالجمع بين الصحيحين فلاحظ الفهارس. وقال الدكتور صبحي الصالح: انتقدوا من أحاديث البخاري ١١٠ حديثا، خرج منها مسلم ٣٢ حديثا وانفرد هو بثمانية وسبعين حديثا، ويروي ابن حجر العسقلاني أن هذه الأحاديث التي أخذت عليه ليست عللها كلها قادحة، بل أكثرها الجواب عنه محتمل، واليسير منه في الجواب عنه تعسف (٦٣).

قال البخاري: ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ماصحّ وتركت من الصحاح مخافة الطول، وقال مسلم: ليس كل شيء عندي صحيح وضعته هاهنا، إنما وضعت ما أجمعوا عليه (٦٤) وقد بحث التهانوي في الفصل الثاني من كتابه حول إطلاق الصحيح علي كتابي البخاري ومسلم وذكر آراء المناقشين (٦٥).

وكذلك جاء هذا البحث في مقدمة ابن الصلاح (٦٦): وقال: ترك جماعة من المحدثين رواية البخاري لمسألة اللفظ (٦٧) - أي قوله: "لفظي بالقرآن مخلوق".

وقد ذكر ابن الصلاح كغيره مراتب مافي الصحاح بأن أصح الأحاديث ما اتفق عليه البخاري ومسلم ثم ما انفرد به البخاري ثم ما انفرد به مسلم…. (٦٨) وكذلك بحث هو حول اطلاق الصحيح على الكتب الخمسة - أي سوى ابن ماجة - (٦٩).

والشيخ محمد ناصر الدين الالباني، قسم أحاديث البخاري في مقدمة كتابه مختصر البخاري إلى الموصولة - وهي التي يسوقها المؤلف بأسانيدها المتصلة منه إلى رواتها من الصحابة - والأحاديث المعلقة، وقسم المعلقة إلى مرفوع وموقوف، وذكر عدد الأحاديث المرفوعة ٩٩٨ حديثا وعدد الأحاديث المعلقة المرفوعة ٣١٧ حديثا، وعدد الآثار الموقوفة ٤٠٩ أثراً، ورقم الأحاديث الموصولة في المجلد الأول من المختصر بلغ ٩٩٨ حديثا، ولم نقف على المجلد الثاني حتى نعلم رقم جميع أحاديثه بالضبط.

وقال القاضي أبو بكر بن العربي في أول شرحه على الترمذي باسم - عارضة الأحوذي - إعلموا أنار الله أفئدتكم أن كتاب الجعفي - أي صحيح البخاري - هو الأصل الثاني في هذا الباب، والموطّأ هو الأول وعليهما بناء الجميع كالقشيري - أي مسلم - والترمذي فمن دونهما، وليس فيهم مثل كتاب أبي عيسى - أي الترمذي - حلاوة مقطع، ونفاسة منزع، وعذوبة مشرع، وفيه أربعة عشر علما…. (٧٠)

قال أحمد شاكر في مقدمة جامع الترمذي (١ / ٦٦) في شأن هذا الكتاب ما خلاصته: يمتاز بأمور ثلاثة لا توجد في غيرها من الصحاح وغيرها من كتب الحديث:

١ - أنه بعد رواية حديث الباب يذكر أسماء الصحابة الذين رويت عنهم فيه سواء كان موافقا لما أورده من الحديث، أو مخالفا له، أو بـإشارة اليه ولو من بعيد. وهذا أصعب مافي الكتاب على من يريد تخريجها ولاسيما في هذه العصور التي عدمت الكتب وقل حفاظ الحديث، وقد حاول الشيخ المبارك فوردي ذلك في شرحه، فلم يمكنه تخريج كل الأحاديث التي أشار إليها الترمذي.

٢ - أنه يذكر اختلاف الفقهاء وأقوالهم غالبا في المسائل الفقهية مشيرا إلى الأهم، ويذكر الأحاديث المتعارضة، وهذا من أعلى المقاصد في علوم الحديث يميّز الصحيح من الضعيف للاحتجاج والعمل به.

٣ - العناية البالغة بتعليل الحديث، بذكر درجته من الصحة والضعف تفصيلا في حال الرجال. ومن أجل ذلك صار كتابه كأنه تطبيق عملي لقواعد علوم الحديث خصوصا علم العلل، فصار أنفع كتاب للعالم والمتعلم وللمستفيد والباحث في علوم الحديث.

وأنا أضيف إليها أمورا ثلاثة لتصير ست خصائص.

٤ - يهتم بتعريف الرواة كثيرا اذا ذكروا بالكنى مثل: "أبو المتكل اسمه علي بن داود، وأبو سعيد الخدري اسمه سعيد بن مالك بن سنان" (١ / ٢٤٢).

٥ - أنه يذكر عناوين الأبواب واضحاً، ويذكر المعارضات في باب تلوها مع العنوان.

٦ - ينبّه على أخطاء الرواة مثل قوله: "وهذا أصح من رواية يحيى بن اليمان، وأخطأ يحيى بن اليمان" (٢ / ٩).

وقد نقل أحمد شاكر (١ / ٨٨) عن الحافظ أبي الفضل المقدسي أن كتاب الترمذي على أربعة أقسام: صحيح مقطوع به، وهو ما وافق فيه البخاري مسلما. وقسم على شرط الثلاثة دونهما (يريد بالثلاثة أبا داود والنسائي، وابن ماجه…) وقسم آخر للضدية أبان عن علته ولم يغفله. وقسم رابع أبان هو عنه، وقال: ما أخرجت في كتابي إلا حديثا قد عمل به الفقهاء، وهذا شرط واسع….

قال الترمذي ما ذكرنا في كتابنا: "حديث حسن" فإنما أردنا حسن إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً، ويروى من غير وجه نحو ذلك فهو عندنا حديث حسن (٧١).

وقال ابن الأثير: هذه الكتب الستة هي أم كتب الحديث وأشهرها في أيدي الناس، وبأحاديثها أخذ العلماء واستدل الفقهاء، وأثبتوا الأحكام، وشادوا مباني الإسلام ومصنفوها أشهر علماء الحديث، وأكثرهم حفظا، وأعرفهم بمواضع الخطأ والصواب، وإليهم المنتهى، وعندهم الموقف (٧٢).

وابن الأثير هو أول من وضع لأصحاب الصحاح الرموز، وهو الذي جعل من الصحاح الموطأ مكان سنن ابن ماجه: فللبخاري: خ، ولمسلم: م، وللموطأ: ط، وللترمذي: ت، ولابي داود: د، وللنسائي: س (٧٣)

وقال محمد فؤاد عبد الباقي بعد كلامه المتقدم بشأن عدد أحاديث ابن ماجة وزوائده - وهي ١٣٣٥ حديثاً - : ٤٢٨ أحاديث رواتها ثقات، صحيحة الإسناد، ١٩٩ أحاديث حسنة الإسناد، ٦١٣ أحاديث ضعيفة الإسناد، ٩٩ أحاديث واهية الإسناد، أو منكرة، أو مكذوبة. وإن كتابا يجمع بين دفتيه ٣٠٠٢ حديث يرويها أصحاب الكتب الخمسة في كتبهم، ثم يجيء ابن ماجة يرويها كلها عن طريق غير طريقهم، وكل الطرق يؤيد بعضها بعضاً مما يعطي للأحاديث قوة فوق قوتها، ثم يضيف إلى عددها ٤٢٨ حديثاً صحيحة الإسناد رجالها ثقات و١٩٩ حديثاً حسنة الإسناد هو كتاب له قيمة لو اقتصر على هذه المزية فقط، فما بالكم وقد جاوز هذه المزية إلى مزايا أخرى سترد مفصلة فيما بعد.

وجاء في مقدمة ابن الصلاح (٧٤) بحث حول إطلاق الصحيح على الكتب الخمسة - أي غير سنن ابن ماجة - وتصريح عن أبي داود بانقسام كتابه إلى صحيح وغيره وتصريح الترمذي بالتمييز بين الصحيح والحسن. وقد قسّم أحمد شاكر (٧٥) أحاديث كتاب الترمذي إلى أربعة أقسام: قسم مقطوع بصحته، وقسم صحيح على شرط أبي داود والنسائي، وقسم أظهر علّته، وقسم رابع أبان عنه وقال فيه: ما أخرجت في كتابي هذا إلا حديثا قد عمل به بعض الفقهاء - وقد سبق - .

وأما سنن النسائي فقال النسائي: كتاب السنن الكبرى كله صحيح وبعضه معلول - إلا أنه لم يبين علته - والمنتخب المسمّى بـ "المجتبى" صحيح كله (٧٦). وقد ذكر التهانوي: أول من أطلق الصحيح على سنن النسائي، وقال وبالجملة إطلاق الصحيح على كتاب النسائي الصغير - وهو مشهور - شائع، وهو مبني على تسمية الحسن صحيحا.

وقال الحافظ أبو الفضل بن ظاهر - في شروط الأئمة - كتاب أبي داود والنسائي ينقسم على ثلاثة أقسام: الأول، الصحيح المخرج في الصحيحين. الثاني صحيح على شرطيهما - وذكر شرطيهما - الثالث: أحاديث أخرجاها من غير قطع بصحتها، وقد أبانا علتها بما يفهمه أهل المعرفة. وإنما أوردا هذا القسم في كتابيهما، لأنه رواية قوم لها واحتجاجهم بها، فأورداها وبينا سقمها لتزول الشبهة، وذلك إذا لم يجدوا له طريقاً غيره، لأنه أقوى عندهما من رأي الرجال.

وقد نقلوا عن النسائي أن من مذهبه أن يخرج مالم يجمع على تركه ثم ذكر السيوطي الآراء في حديث النسائي (٧٧)، وسمى رجالا أطلقوا اسم الصحة على كتابه (٧٨) وأن إطلاق الصحيح على أحاديثه باعتبار الأغلب، لأن غالبها الصحاح والحسان (٧٩). وجاء في الهامش: إن كتاب النسائي أقل الكتب بعد الصحيحين حديثاً ضعيفاً، ورجالا مجروحا، ويقاربه كتاب أبي داود وكتاب الترمذي. ويقابله من الطرف الآخر كتاب ابن ماجة فإنه تفرّد بـإخراج أحاديث عن رجال متهمين بالكذب وسرقة الأحاديث، وبعض تلك الأحاديث لا تعرف إلا من جهتهم (٨٠).

ونختم بحث تقويم الصحاح - وقد طال - بمزية لها جميعاً ذكرها صاحب التّاج (٨١) قال: ومن مزايا الصحاح أنها أقصر وأعلا سنداً، وكان المحدثون يرون لقصر السند منزلة عظيمة، حتى أن الشيخين - أي البخاري ومسلماً - أخذا كثيرا من الأحاديث عن أحمد عن الشافعي، ولكنهما لم يرويا من هذا السند لوجود أسانيد أقصر منه، وأما أصحاب السنن فقد رووا عن هذا السند كثيراً.

ونقول علو الإسناد يعبر عنه بقرب الإسناد، وهناك كتب للإمامية وغيرهم باسم "قرب الإسناد" وقد أخرجوا ثلاثيات البخاري وغيره في كتب، ويرون أن عددها عند البخاري أكثر من غيره والله العالم.

ترتيب كتب الصحاح

وقبل أن نبدأ بذلك نقول إن الجامع لا يطلق إلا على الصحيحين باعتبارهما يحتويان السير والمغازي إلى جانب السنن وقد ألحقوا بهما جامع الترمذي لاحتوائه أيضا على ذلك، وأما الثلاثة الباقية فهي سنن ولا يقال لها صحاح.

وقد استخرجنا ترتيب الكتب من الصحاح الستة تفصيلا ونكتفي هنا بأهم مابينها من التفاوت: بدأ البخاري كتابه بباب بدء الوحي، ثم كتاب الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة إلى غيرها من أبواب الأحكام، وذكر بعد كتاب الجهاد: كتاب بدء الخلق، وفيه صفة النبي والأنبياء، ثم الفضائل والسيرة والمغازي، ثم كتاب التفسير وبعدها النكاح والطلاق وغيرها وقد ختم كتابه بالاعتصام بالسنة وجملة مما يتعلق بالدار الآخرة.

وأما مسلم فبدأ بكتاب الإيمان، وقد أورد فيه ٢٣٣ بابا في العقيدة، ثم الطهارة وما بعدها من الأحكام إلى كتاب الجهاد والسير وفيه المغازي والإمارة ثم يستمر في الأحكام الى أن ختم كتابه بالقدر والعلم والذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، ثم الرفاق وصفات المنافقين وأحكامهم، ثم كتاب الفتن ثم الزهد، ثم التفسير، وهو مختصر بخلاف التفسير عند البخاري فهو مفصل.

وأما سنن أبي داود والترمذي والنسائي فبدأت بكتاب الطهارة ثم الصلاة وسائر كتب الأحكام الى آخرها مع تفاوت كثير بين الستة في تقديم بعضها على بعض، وهناك فرق بين هذه الثلاث ففي الترمذي بعد كتاب النذور والإيمان: كتاب السير وذكر فيه المغازي، وهو الذي جعله جامعاً. وسائر السنن خال عنها. وفي آخر صحيح الترمذي: كتاب القدر وكتاب الفتن وكتاب الرؤيا… ثم صفة القيامة والجنة والنار وجاء في أواخر أبواب الأحكام في سنن أبي داود: كتاب العلم والرواية والفتيا، وفي آخرها كتاب الحروف والقراءات… والفتن والملاحم. وأما النسائي فبدأ الطهارة بتأويل آية الوضوء، وجعلها أربعة كتب: كتاب الطهارة، كتاب المياه، كتاب الحيض والاستحاضة، كتاب الغسل والتيمم. وجعل كتاب الصلاة ١٦ كتاباً: مثل كتاب الأذان، كتاب السهو، كتاب المساجد وهكذا. وباقي الصحاح غالباً يجعلونها أبوابا سوى القليل منهم في بعض الأبواب فلاحظ فهارسها.

وفي سنن النسائي: كتاب البيعة - بدل الإمارة، وكتاب الزينة - بدل اللباس وفي أواخرها: كتاب الإيمان وشرائعه. وآخرها كتاب الأشربة.

وأمّا سنن ابن ماجة فابتدأها باتباع السنة واجتناب البدع، والإيمان والقدر، ثم فضائل النبي والصحابة، ثم ذكر الخوارج، ثم العلم والعلماء، ثم كتاب الطهارة وغيره من كتب الأحكام وفي آخرها تعبير الرؤيا ثم الفتن والزهد. وليس في هذه السنن الثلاثة أبواب المغازي ولا التفسير.

سابعاً - الطريق إلى الصحاح

لنا من طريق مشايخنا الإمامية وفي طليعتهم العلامة الطهراني صاحب كتاب "الذريعة إلى تصانيف الشيعة" طريق إلى الصحاح، وكذلك عندنا إجازات اليها من المشايخ من أهل السنة، منهم المغفور له العلامة الشيخ محمد الحافظ التيجاني - وكان يسمى في القاهرة: "خاتمة المحدثين".

وقد جاء في مقدمة بعض هذه الصحاح إسنادها. ذكر النووي في أول شرحه لصحيح مسلم إسناده إلى مسلم بعدة طرق (٨٢).

كما ذكر ابن الأثير في الباب الخامس من مقدمة جامع الأصول إسناده إليها سوى سنن ابن ماجه، فجعل مكانه موطأ مالك وله الى البخاري طريق واحد، وإلى مسلم طريقين وإلى الموطأ ثلاث طرق، وإلى باقي السنن طريق واحد (٨٣). وكل من له طريق إلى ابن الاثير فله أن يروي الصحاح من طريقه.

ثامنا - ما ألحق بالصحاح أو حذف منها

الجدير بالذكر أن بعض العلماء كصاحب "التاج" اكتفوا بخمس من الصحاح وتركوا سنن ابن ماجة لأن معظم مافيها موجود في الصحاح وما انفرد به لا عبرة به لضعفه، أو لعدم الحاجة إليه. وقد جعل ابن الأثير - كما سبق - مكان سنن ابن ماجة الموطأ، وقليل منهم بدل الموطأ بمسند أحمد.

وقد جاء في مقدمة "سنن الدارمي" وصف رائع لها وللدارمي نفسه على لسان كبراء الحفاظ فجاء بلاسند: روى عنه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وابو داود وعبد الله بن أحمد بن حنبل. وعن أحمد أنه جعله في عداد البخاري وأبي زرعة الرازي وغيرهم وقال: أنه أتقنهم. وعن ابن حجر: أن أول من أضاف ابن ماجة إلى الخمسة الفضل بن طاهر فتابعه غيره وجعل غير واحد السادس: الموطأ أو مسند الدارمي. وعن السيوطي في "تدريب الراوي" أن مسند الدارمي ليس بمسند - والمسند عند المحدثين مرتب على أسماء الصحابة، والسنن على أبواب الفقه، وقد يقال للبخاري "مسند" لأن احاديثه مسندة - بل هو مرتب على الأبواب، وبعض المحدثين سموه بالصحيح وعن شيخ الإسلام - الأنصاري - أنه ليس دون السنن في الرتبة بل لو ضمّ إلى الخمسة لكان أولى من ابن ماجة، فإنه أمثل منه بكثير (٨٤).

ونقول: الذي يرجحه على غيره من أصحاب الصحاح أن مولده قبل هؤلاء فأدرك شيوخا لم يدركوهم، فقد ولد بسمرقند سنة ١٨١ - أي قبل البخاري بثلاث عشرة سنة، لأنه ولد عام ١٩٤ - وتوفي بمرو ودفن فيها سنة ٢٥٥ - أي قبل البخاري بسنة، وقيل توفي عام ٢٥٠. وقد سالت دموع الامام البخاري عليه لما بلغه نعيه وهو الحافظ أبو محمد عبد الله، بن عبد الرحمن، بن الفضل، بن بهرام، بن عبد الصمد التميمي السمرقندي الدارمي - بكسر الراء - نسبة الى دارم بن مالك، ابن حنظلة، بن زيد مناة، بن تميم، أحد بطونه (٨٥).

فالدارمي، عربي الأرومة، خراساني الموطن أيضا وله فضل التقدم عليهم من حيث المولد والطبقة ولقاء الشيوخ.

وترتيب كتابه أنه بدأ بباب ما كان عليه الناس قبل مبعث النبي (صلى الله عليه وآله)، ثم وصفه (عليه السلام) في الكتب قبل مبعثه، ثم كيف كان أول شأنه، ثم ذكر أبواب في ما أكرمه الله من الآيات والمعجزات وماأعطي من الفضل، وحسنه وأخلاقه ووفاته، ثم باب اتباع السنة والاجتناب عن القول فيما ليس فيه كتاب أو سنة، ثم أبواب في الفتيا، وفي العلم والعلماء، وكتابة الحديث، واختلاف العلماء ونحوها. ثم بدأ بكتاب الطهارة والصلاة والزكاة إلى آخر الأحكام، بتقديم وتأخير وبتفاوت كثير مع الصحاح. وفيها بعد باب الجهاد كتاب السير وفيه بعض المغازي وأحكام الأمراء، وجاء في آخرها كتاب فضائل القرآن ولا نعلم بالضبط عدد أحاديثها، ولكنها أقل من الصحاح والتكرار فيه غير مشهود.

وآخر دعوانا أن الحمد للّه رب العالمين وسلام على المرسلين.

- - - - - - - - - - - - - - - - - - - - - -

١ - بحث مقدّم إلى مؤتمر الإمام البخاري المنعقد بسمرقند بمناسبة مرور ألف ومائتين وخمس وعشرين عاما على ولادته.

٢ - دائرة المعارف الاسلامية، ج ٣ / ٤١٩.

٣ - جامع الأصول ١٠ / ١٨٥.

٤ - دائرة المعارف الاسلامية. ٣ / ٤١٩.

٥ - مقدمة أحمد شاكر على صحيح الترمذي ١ / ٨٧.

٦ - جامع الاصول ١٠ / ١٨٧.

٧ - مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي / ب.

٨ - جامع الأصول ١ / ١٨٨.

٩ - نفس المصدر.

١٠ - جامع الأصول ١٠ / ١٨٩ وفي بعض نسبه خلاف لاحظ مقدمة سنن ابي داود ط الحلبي وأولاده بالقاهرة.

١١ - مقدمة السنن نقلا عن الحافظ الذهبي تذكرة الحفاظ.

١٢ - مقدمة السنن: ح.

١٣ - جامع الاصول ١ / ١٨٩.

١٤ - جامع الاصول ١ / ١٩٣، وغيره.

١٥ - جامع الاصول ١ / ١٩٤.

١٦ - مقدمة جامع الترمذي لأحمد شاكر / ٧٨.

١٧ - جامع الاصول ١ / ١٩٣.

١٨ - مقدمة الترمذي ١ / ٨٣.

١٩ - جامع الاصول ١ / ١٩٤.

٢٠ - خاتمة سنن ابن ماجة ط دار الفكر: لمحمد فؤاد الباقي: ١٥٢٢.

٢١ - خاتمة السنن / ١٥٢٠.

٢٢ - خاتمة السنن / ١٥٢٤.

٢٣ - خاتمة السنن ١٥٣٣.

٢٤ - جامع الاصول ١ / ١٩٥.

٢٥ - جامع الاصول ١ / ١٩٥.

٢٦ - جامع الاصول ١ / ١٨٨.

٢٧ - جامع الاصول ١ / ١٨٨.

٢٨ - نفس المرجع.

٢٩ - التاج ١ / ١٥، الهامش.

٣٠ - صحيح الترمذي ١ / ٤٥.

٣١ - صحيح الترمذي ١ / ٣٤.

٣٢ - ١ / ١٥ في الهامش.

٣٣ - مقدمة الصحيح / ٨٦.

٣٤ - مقدمة الصحيح / ٨٢.

٣٥ - مقدمة الصحيح / ٨٧.

٣٦ - مقدمة الصحيح / ٨٣.

٣٧ - مقدمة السنن ط مصطفى الحلبي: و.

٣٨ - علوم الحديث للدكتور صبحي الصالح / ٣٩٧.

٣٩ - علوم الحديث / ٣٩٨.

٤٠ - الجمع بين الصحيحين ط دار الكتب العلمية / ٥.

٤١ - مقدمة الموطأ ط كتاب الشعب، القاهرة / ٩.

٤٢ - نفس المرجع / ٨.

٤٣ - سنن ابى داود. ١ / ٢٢.

٤٤ - سنن ابي داود ١ / ٥٥.

٤٥ - معجم البلدان ط بيروت ١٣٧٦ - ٥ / ١٨٢.

٤٦ - مقدمة صحيح الترمذي: ٨١ و ٨٢.

٤٧ - شرح النووي على صحيح مسلم ١ / ١٥.

٤٨ - علم الحديث للاستاذ كاظم شانه چي: ٤٧ ملخصاً.

٤٩ - جامع الأصول / ١.

٥٠ - شرح النووي لصحيح مسلم ١ / ١٥.

٥١ - شرح النووي لصحيح مسلم ١ / ١٥.

٥٢ - التاج ١ / ١٥ في الهامش.

٥٣ - مقدمة المسند: ز.

٥٤ - ج ٢ / ١٤٥٢.

٥٥ - خاتمسة السنن / ١٥١٩.

٥٦ - جامع الاصول ١ / ٤١.

٥٧ - مقدمة صحيح مسلم بشرح النووي: خ.

٥٨ - شرح النووي ١٠ / ١٤، نفس المرجع / ١٥.

٥٩ - نفس المصدر / ١٥.

٦٠ - نفس المصدر / ١٥.

٦١ - ج ١ / ١٦.

٦٢ - قواعد التحديث: ٧١ نقلا عن ابن حجر.

٦٣ - مباحث من علوم الحديث / ٣٩٦.

٦٤ - قواعد من علوم الحديث للعلامة ظفر أحمد العثماني التهانوي / ٦٣.

٦٥ - نفس المصدر / ٥٦.

٦٦ - ٥٤ - ٥٦.

٦٧ - مقدمة ابن الصلاح / ٣٦١.

٦٨ - مقدمة ابن الصلاح / ١٤.

٦٩ - مقدمة ابن الصلاح / ٢٠.

٧٠ - مقدمة جامع الترمذي / ٨٩.

٧١ - جامع الاصول ١ / ١٧٨.

٧٢ - جامع الاصول ١ / ٤٩.

٧٣ - نفس المصدر / ٦٢.

٧٤ - ص ٢٠.

٧٥ - مقدمة سنن الترمذي / ٤٠٠.

٧٦ - قواعد من علوم الحديث للتهانوي / ٧٢.

٧٧ - مقدمة سنن النسائي بحاشية السيوطي ط دار الكتب العلمية - بيروت - ٣.

٧٨ - نفس المرجع / ٥.

٧٩ - نفس المرجع / ٦.

٨٠ - نفس المرجع / ٥ الهامش.

٨١ - ١ / ١٥ في الهامش.

٨٢ - شرح النووي لصحيح مسلم ١ / ٦.

٨٣ - جامع الأصول ١ / ١٩٨.

٨٤ - لاحظ مقدمة سنن الدارمي نشرته دار احياء السنة النبوية.

٨٥ - مقدمة المسند.



[ Web design by Abadis ]