ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الحوار الاسلامى - الغربى

بعد انتشار نظرية "صراع الحضارات"، ظهرت في العالم الاسلامي موجة "حوار الحضارات" منطلقة من روح الاسلام التي تدعو الى الحوار الحضاري.

غير أن هذه الموجة بحاجة الى تأصيل نظري ومنهجة عملية، كي لا يقع المسلمون في مطبات وهم يواجهون حضارة لها هيلها وهيلمانها، وبريقها وسلطانها. ولكي لا يدخلون في مشروع لا يعرفون أشواطه ونهايته.

لا يمكن الانعزال والانغلاق أمام العالم الآخر، ولكن كيف نتعامل معه؟ وكيف ندخل معه في حوار متكافئ؟ وكيف ننفتح مع المحافظة على هويتنا وكرامتنا؟

هناك من يدعو الى الحوار مع الغرب مندفعا بروح الهزيمة، وهناك من يدعو الى هذا بثقة الانسان المؤمن بعقيدته ورسالته وهويته.

لذلك التقت مجلة "رسالة التقريب" بالاستاذ الدكتور عبد اللّه النفيسي فحاورته عن الممكن وغير الممكن في الحوار مع الغرب وعن طبيعة هذا الحوار ومنعطفاته.

عُرف الدكتور النفيسي في العالم العربي والاسلامي بمواقفه المتميّزة بالجمع بين الاكاديمية والدقة العلمية، والصراحة والجرأة الكاملة، والالتزام الاسلامي.

ولأنه درس في الغرب ودرّس فيه، وخبر مشكلة العالم الاسلامي في مواجهة الغرب، التقته مجلة "رسالة التقريب" وأجرت معه المقابلة التالية حول الحوار مع الغرب.

طلبنا منه أولا أن يعرّف نفسه فقال:

بسم اللّه الرحمن الرحيم. أنا عبد اللّه فهد عبد العزيز النفيسي، مسلم من الكويت، كنت أعمل رئيسا لقسم العلوم السياسية في جامعة الكويت، وكنت عضوا في مجلس الامة الكويتي، ثم مستشارا سياسياً للمجلس، لي بعض المؤلفات المتعلقة بشأن الكويت والجزيرة والحركات الاسلامية، نشر معظمها في العاصمة البريطانية. وأنا الآن حريص على الاتصال بكل الجهات الاسلامية في العالم أجمع لبث بعض الافكار التي أؤمن بها، وهي وحدة الامة الاسلامية، وضرورة ارتكازها على الاسلام كنظام للحياة، وضرورة بناء الآلة الدولية الاسلامية.

" السؤال الموجه الى الدكتور النفيسي هو مدى إمكانية الحوار مع الغرب.

¨ أقول وباللّه التوفيق، إن لكل حركة حوارية شروطها الفنية والموضوعية. سواء كانت بين فردين أو جهتين. لابد من توفر الشروط الموضوعية والشروط الفنية. الشرط الموضوعي أن تكون هناك نية صادقة للحوار بين الطرفين. وإذا لم تتوفر هذه النية والخلوص الصادق لقيام هذا الحوار، سوف تتحول هذه الحركة الى حركة محاكمة، أكثر منها حوار، والمحاكمة تختلف عن الحوار، والموجود اليوم في الصحافة الغربية تجاهنا هو المحاكمة. لانا نحن في منظورهم ارهابيون متخلفون متهمون يجب أن نثبت براءتنا، إذن لا يتوفر الشرط الموضوعي في الحوار.

الشرط الفني غير متوفر أيضا، لأن الغرب لايرغب بنا كوجود في قاراته. الذي يراجع السياسات الاوربية والسياسات الامريكية تجاه الاقليات الاسلامية سيلحظ أن هناك اتجاها منذ ١٥، ١٨، ٢٠ سنة للتضييق على المسلمين في أوروبا وأمريكا ومحاصرتهم هناك. وهم مواطنون، عندهم الجنسية، وعندهم الحماية القانونية المفترضة، وعندهم الحقوق الدستورية المفترضة، ومع ذلك هناك شيء من التضييق المتدرج إزاء الاقليات الاسلامية في أوربا والولايات المتحدة وكندا.

أنا عشت في أوربا. عملت ودرّست. قمت بالتدريس في الولايات المتحدة، لم أدرُس هناك، بل درّست في مركز دراسات الشرق الاوسط في جامعة هارفارد سنة ٧٥، ودرّست في معهد هوفر لمناطق النزاع، وفي جامعة استانفورد في كاليفورنيا وهي من أشهر الجامعات في الغرب الامريكي. وبالمناسبة أنا لم أطلب العمل هناك، هم الذين طلبوني من جامعة الكويت، وقالوا: نطلب أن يأتينا النفيسي للاشراف على سلسلة رسائل ماجستير في مسائل المنطقة.

أعود وأقول ليس هناك الشرط الفني للحوار، ولكن مع ذلك أقول: من مصلحتنا نحن تهيئة الاجواء الموضوعية والفنية للحوار مع بعض التنبيهات والتحذيرات.

" حبذا لو أكملت حديثك ببيان هذه التحذيرات التي أشرت اليها في حديثك عن الحوار مع الغرب.

¨ التحذير الاول: أن لا نتوقع من الطرف الآخر أي من الغرب أن يكون بريئا مخلصا في تطلعاته وحواره، ومقبلا علينا بصدق.

وهذا التحذير والتنبية مبني على منظومة معلومات وأفكار. ينبغي ونحن نقبل على الحوار مع الغرب أن نأخذ بنظر الاعتبار المراحل التي مررنا فيها مع الغرب. لابد أن نستحضر الحملات الصليبية، وهي حملات غربية استمرت ضدنا قرونا من الزمان. وكانت تستهدف أولا التصدي الفكري للاسلام، ثانيا: الاختراق الثقافي لامة الاسلام، وثالثا: الاحتواء الحضاري لأمة الاسلام وعزل الاسلام.

ينبغي أن نستحضر هذا، ونستحضر العنف التاريخي الذي اشتملت عليه الحروب الصليبية. لقد ارتكبوا مذابح رهيبة ضد المسلمين، هؤلاء الغربيون الذين نحرص على التحاور معهم هم أحفاد هؤلاء. هؤلاء جيّشوا الجيوش وعسكروا العساكر سيّروا الاساطيل وقصفوا المدن الاسلامية، وقطّعوا أوصال الامة الاسلامية، ودمّروا مقوماتها الاقتصادية وأسسوا الكيان الصهيوني. هذه جريمتهم (أي تأسيس الكيان الصهيوني) ولايزالون يصرون على استمرارها بل وعلى ضمانها في المستقبل.

إذن يجب أن نستحضر هذه الشخصية الغربية في ذهننا ونحن نتوجه الى

الحوار مع الغرب. هذا تنبيه يجب أن نضعه في الاعتبار.

التنبيه الثاني: يجب أن نتخيّر مَـنْ يقوم بالحوار مع الغرب، لكي تكون حركة الحوار متكافئة. لابد من اختيار كادر مميّز في معرفته بالغرب وبشخصية الغرب وبتراث الغرب وبمسارات الفكر الغربي، يجب أن يكون مستوعبا لهذا حتى نضعه في الحوار مع الغرب. أما أن نضع أمام الغرب من لا يعرف الغرب ومن يؤخذ ويُبهر أمام الغرب دون فحص وتمحيص وتدقيق فان الحوار يكون غير متكافيء.

ثالثا - محاور الحوار، على ماذا نتحاور، لابد أن نقرر سلسلة ثوابت، نقول للغرب ابتداء لايجوز الحوار حولها، نحن عرب، أو نحن ايرانيون أو نحن مسلمون، هذه ثوابت. ونحن من حقنا كأمة إسلامية أن تكون لنا ثوابت كما للغرب ثوابت. عندئذ يكون الحوار متكافئا. هذا الغربي الذي يفد الى عواصمنا، ويستغرب لماذا لاتوجد الكحول والمراقص. ويتأفف من هذا الوضع. يجب أن نلقمه حجرا، ونقول له: هذه من ثوابتنا، تقبل ذلك والا فارحل، لا أن نعتذر له، ونبرر له، ونقول له: معذرة إننا لم نستطع أن نفي بمتطلباتك!! إطلاقا، يجب أن نلقمه حجرا. عندئذ سيحترمنا أكثر، وسيحرص على التعامل معنا أكثر.

حين كنت طالبا في جامعة كمبرج كان يدرس معي أيضا مجموعة من الطلبة المسلمين، ولم يكن لنا مكان نصلي فيه جماعة، رحنا نبحث عن مكان لاداء الصلاة، وعلى الاقل صلاة الجمعة. اتصلنا بادارة الجامعة فحولونا على المجلس البلدي للمدينة، ذهبنا الى المجلس البلدي، فقالوا لنا: لايوجد عندنا أماكن للعبادة سوى الكنيسة، بامكانكم أن تتحدثوا مع المسؤولين فيها لاداء صلاتكم. ذهبنا، وتحدثنا معهم، وقلنا لهم نحن مسلمون ونريد أن نصلي يوم الجمعة في بهو الكنيسة، وطبعا صلاتنا يسبقها أذان يجب أن يرفع عند باب

الكنيسة، ثم فيها خطبة يجب أن تلقى قبل الصلاة. وافقوا على ذلك، وقالوا نوافق شرط أن تتركوا كل شيء في الكنيسة على ماهو عليه. قلنا لهم: لا هذا لايمكن، هذا يتعارض مع عبادتنا، لايمكن أن نصلي أمام تماثيل وصلبان قائمة في الكنيسة، أصررنا على موقفنا. فحضر القسّ، وتحدثنا معه وبينا له مانريد وطال الحديث مع القسّ، وتحولت الجلسة الى جلسة دعوة الرجل الى الاسلام، لاجلسه إقناعه بالصلاة في الكنيسة على النحو الذي نريد. وهناك شعرنا بالعزّة، هذا الاحساس نتيجة إصرارنا على مبادئنا وثوابتنا.

وما كان من الرجل في نهاية الجلسة إلا أن أبدى إعجابه الشديد بنا، حينما رآنا شبابا متحمسين لديننا، متمكسين بأصول عباداتنا. ووافق على أن تكون الكنيسة تحت تصرفنا من العاشرة حتى الثالثة بعد الظهر من كل يوم جمعة. وباستمرار نشأت بيننا وبين أبناء المنطقة المسيحيين علاقات حميمة، وكانوا يحترموننا كثيرا، وقالوا لنا لقد تغيرت الصورة التي في ذهننا عن الاسلام والمسلمين. وكنا طوال المدة نستلم الكنيسة منهم نظيفة ونسلمها لهم أنظف، وهكذا كبرنا في أعينهم.

لذلك فاننا بحاجة الى أن نصرّ على ثوابتنا ولا نتقهقر، ولا نتراجع عنها، ونصرّ على أخلاقيتنا. والا فان الغرب سوف يفرض علينا مايشاء.

إذا وفينا بهذه التنبيهات والتحذيرات فان الحوار سيقوم على أسس سليمة. أن نحدد ثوابتنا وأن نختار الكادر الذي يتحاور مع الغرب اختيارا دقيقا مفحوصا، وأن نعرف الغرب من هو.

هذه الاشتراطات الثلاثة يجب أن نفي بها تماما ونتأكد منها تماما قبل الولوج في الحوار مع الغرب.

" ماهي موضوعات الحوار مع الغرب في رأيك وماهو مفتاح الدخول في هذا الحوار؟

¨ بشأن الموضوعات التي نتحدث فيها مع الغرب. لابد أن أقول إن الغرب ماديّ في نظرته. ولايؤمن الا بالمادة، ولا يعترف بقيمة الثقافة ولا قيمة ما يرتبط بالثقافة. أولا المادة. فاذا وفيت بالتزامك المادي معه، فهو على استعداد أن يفهم التزامه غير المادي معك.

أما قبل أن تفي بالتزاماتك المادية معه فانه لن يفهمك إطلاقا. وهذه شخصية الانسان الغربي. في كل طبقاته وفلسفاته ومن يمينه الى يساره الى وسطه… أنا أعتقد أن هذا مفتاح الشخصية الغربية، أن تعرف اشتراطاته في التعامل معك: أن تعطيه حقه المادي أولا، ثم أن تتكلم في حقوقك غير المادية معه.

أيضا في هذه سقف وفي هذه أرضية. على سبيل المثال إذا قال لك: نريد نفطا بأسعار شبه مجانية نقول له: لا. نفضل أن يبقى مخزونا في الارض على أن نبيعه لك بهذه الشروط. حرب، فلتكن حربا. عندما يرى الطرف المقابل مستعداً للدخول معه الى نهايات الطريق، فانه يتفاوض معه. شخصية الغرب ليست بالجسورة، وبالفدائية. دخلوا الصومال بشعارات ضخمة وعندما فقدوا ١٤ جنديا غادروها في لحظة واحدة. دخلوا لبنان بشعارات ضخمة، وعندما فجرت هذه الفتاة الشهيدة الكريمة الطيبة مقر المارينز تركوا لبنان في لحظة واحدة.

وقال ريغان في الكونغرس نحن نستطيع أن نواجه كل شيء الا إنسانا يريد الموت. لايريد الحياة… إختار الموت بطيب خاطر… مثل هذا الانسان لا تستطيع كل جيوشنا أن تقاومه… قال هذا في الكونغرس بعد تفجير مقر المارينز.

مفتاح فهم الغرب إذن: أنه مادي وأنه يخاف الموت. فينبغي أن نبين له من خلال حركة الحوار نقطتين: أننا نحن لسنا ماديين، ولا نهاب الموت… أي عكسه

تماما.

هذه نقطة هامة جدا… لأن الغرب يريد أن يحولنا الى "ملاحق" اقتصادية. يريد العنب الجزائري لصناعة النبيذ في سوقه، وعلى هذا يريد الفلاح الجزائري عبدا منتجا للكروم، كي ينتج المصنع الفرنسي الانبذة من هذه الكروم، ويبيعها الى العالم.

يريد أن يحول الفلاح المصري الذي يزرع القطن المصري، وهو أفضل أنواع القطن في العالم، الى عبد ينتج له ما تستهلكه مصانع النسيج في لانكشاير ومانجستر. يريد تسخير نفط العرب وغير العرب لتغذية اقتصاده، ويرفض أن يتحول النفط الى وسيلة تنموية في البلدان المنتجة.

هذا إذن مفرق أساسي بيننا وبينهم. هذه الخامات والمنتجات نحن نريدها لتنمية بلادنا، وهو يريدها له، لكي يحولنا الى سوق مرتبطة بالسوق الغربي.

التناقض بيننا وبين الغرب كبير جدا، تناقض في الشخصية… تناقض فيما نريده ومالا نريده، وتناقض في الثوابت وتناقض على مدى التاريخ.

والاحتكاك اليوم بيننا وبين الغرب إعلاميا واستراتيجيا على أشده. فانا - بناء على هذا - غير متفائل بحركة الحوار. مع التأكيد على أهمية أن الباب يضل مفتوحا عندنا للحوار معهم، لا أن نعلّق آمالا كبيرة على هذه الحركة.

" من أجل أن نفهم الغرب ونحن نتحاور معه، هل تعتقد أن الغرب قد تخلّى عن الدين تماما؟

¨ هذه نقطة جديرة بالتوقف. إن الغرب في مخيلة المسلمين علماني لا يحفل بدين. وهذا خطأ كبير ناتج عن تجهيل إعلامي مارسه الغرب علينا على مدى عشرات بل مئات السنين. قال لنا إنه لا يحفل بالدين وترك الاديان وترك حتى

المسيحية، ولذلك يجب أن لا تكون للاسلام قيمة عند المسلمين… وأمثال هذا من الزيف الاعلامي.

الاصولية المسيحية الموجودة الآن في أوربا وأمريكا أثرها كبير جدا على القرار السياسي الامريكي والاوربي. ومن يدرس المدارس الاصولية المسيحية، ومؤسساتها الاسلامية في أوربا وأمريكا، وبنوكها وجامعاتها ومحطاتها التلفزيونية يجد العجب العجاب.

يوجد شخص اسمه جري فالول Falwell، وهو قسّ مسيحي عنده برنامج يبث على ٣٥٢ محطة تلفزيونية يوميا. يتحدث عن حق اسرائيل لافي البقاء فقط، بل في السيطرة، وهو قس كبير، وعنده كنائس ومحطات تلفزيونية وشبكات إذاعات. والذين يشاهدون هذا البرنامج في الولايات المتحدة فقط شهريا يبلغون ستة ملايين ونصف المليون مشاهد. والذين يتبرعون له سنويا واحد وعشرون مليون أمريكي مسيحي.

يقول جري فالول، وهو كما ذكرت أصولي مسيحي: إن أمريكا يجب أن لا تضمن فقط أمن إسرائيل، بل تضمن أيضا توسع اسرائيل.

ويقول: يجب أن تمتد اسرائيل كما هو في العهد القديم من الفرات الى النيل. وأن الانسان المسيحي المتدين كما يصلي في الكنيسة يجب أن يساعد اسرائيل.

وأنا أريد أن أنبّه قاريء مجلة "رسالة التقريب" أن يقرأ أطروحة دكتوراه أعدها إماراتي يعمل في وزارة الخارجية في الامارات وهو الدكتور يوسف الحسن موضوعها: "البعد الديني للسياسة الامريكية" وهي مطبوعة. ونشرها مركز دراسات الوحدة العربية.

ولو قرأت هذا الكتاب لعرفت أن الاصولية المسيحية متلازمة تارخيا مع

الاصولية اليهودية الصهيونية. وأن الصهيونية يتم الترويج لها حتى في كنائس الغرب. وهذا يرتبط باعتقادهم أن بناء الهيكل في القدس وهدم الاقصى يعجّل من عودة المسيح التي يؤمنون بها. ثم إن من أحرق المسجد الاقصى سنة ٦٩ لم يكن يهوديا، كان مسيحيا أصوليا من استراليا اسمه مايكل روهان عمل مؤتمرا صحفيا قال فيه: أنا أحرقت الاقصى، وأنا أمثل الاصولية المسيحية، ولم يعلق أحد عليه. معنى ذلك أن الاصولية المسيحية رديفة للصهيونية.

فالكلام الذي يروج له في عالمنا الاسلامي بأن الغرب لا يحفل بالدين، وأن القرار السياسي بعيد عن الدين، هو كلام غير صحيح. ولا أدل على ذلك من موقفهم من البوسنة والهرسك وكوزوفا. موقفهم واضح الانحياز ضد المسلمين. حظروا السلاح عن المسلمين وأباحوه للصرب. ولولا تدخل بعض الدول الاسلامية ومنها الجمهورية الاسلامية في ايران لأُبيد المسلمون. ينبغي إذن أن نتنبه لهذا البعد الديني للغرب، فهو لايزال قائما.

الاستراتيجيون الامريكان حين يجلسون حول طاولة واحدة ويخططون لسياسة الولايات المتحدة إزاء المسلمين مثلا، لا يعترفون بنا كشعوب لها دين ولها ثقافة ولها لغة ولها تاريخ، ولها حق في الحياة… ينظرون الى الكرة الارضية بأنها حزام من النفط وحزام من الخشب وحزام من المطاط وحزام من النحاس وحزام من القصدير.

إقرأ تاريخ الغرب في جنوب أمريكا… في جمهوريات الموز… وانظر كم عدد الانقلابات العسكرية التي دبرتها أمريكا في هذه الجمهوريات للسيطرة على محصول الموز. ففي سبيل الموز قمع الناس وفتحت أبواب السجون وأزهقت الارواح… في سبيل الموز.

هذا الموز الذي نستورده في العالم العربي، يأتينا وهو يحمل كتابة تقول إنه

من كاليفورنيا، بينما هو لم يزرع في كاليفورنيا، بل هو مزروع في تشيلي، أو غواتيمالا… وفيهما توجد شركة الفواكه الامريكية المسيطرة على فاكهة الموز. الموز في هذه الجمهوريات كالنفط لدينا. إنه محصول استراتيجي. فيؤخذ كل هذا المحصول الذي زرعه الفلاح الغواتيمالي، وينقل بالقطارات الى الموانيء، ومنه الى كاليفورنيا، ويلصقون عليه عبارة: انتاج كاليفورنيا، ويصدرونه الينا ويبيعونه بأغلى الاسعار. وهكذا كل المحاصيل الاخرى. حتى التمر يخططون للاستيلاء عليه. هؤلاء ينظرون الى أراضينا وكأنها بلا شعوب.

" يبدو أن بعض الاسباب في وجود هذه الصورة، وبعض الاسباب فيما يقوله الغرب عنّا يعود الى مشاكل قائمة حقيقية في العالم الاسلامي، فما رأيك في ذلك؟

¨ أنا أعتقد أن العالم الاسلامي يعاني من ثلاث مشاكل. المشكلة الاولى: الطغيان السياسي، والثانية: سوء توزيع الثروة، والثالثة: التحلل الاجتماعي، ولا أقصد الاخلاقي فحسب، بل أيضا المؤسسي.

أقصد بالطغيان السياسي في تصوري: استئثار القلة بالقرار السياسي، دون أي اعتبار للاكثرية. وهذا موجود عندنا في العالم الاسلامي. عائلة تملك وتحكم وتعدم وتمنح وتمنع. مجموعة ضباط قاموا باستلام الحكم، ولايزالون في الحكم ٢٥، ٣٠ سنة. يهرسون كل الحقوق هرسا، ويدوسون كل البشر دوسا، هذا استئثار بالقرار السياسي.

هذه القضية تنعكس على حقوق الناس، وعلى أمن الناس وعلى مستقبل الناس، وعلى احترام العالم الغربي للاسلام أو عدمه، ولذلك إذا أردنا كأمة أن ننهض بالاسلام ونصحح كثيرا من المفاهيم الخاطئة عن هذه الامة أن نعالج هذا الموضوع… موضوع الطغيان السياسي. وأن يكون عندنا بديل حضاري

لهذا الطغيان السياسي. يعتني برأي الاكثرية وبحقوق الاكثرية وبذات الاكثرية وبتطلعات الاكثرية… وفق نظام يحفظ كرامة الاكثرية.

والنقطة الثانية سوء توزيع الثروة، هناك تفاوت في الدخول بين المسلمين رهيب جدا ومخيف. أمير من الامراء يعطي هدية عيد ميلاد ابنه شيكا بمبلغ ٥٠٠ مليون دولار. هدية عيد الميلاد لابنه البالغ من العمر ١٤ عاما!! ٥٠٠ مليون دولار. بينما يوجد في العالم الاسلامي من لايجد مضغة لبن يشربها، أو كسرة خبز يأكلها. هذا وضع مشين، ومخيف، وسيعاقبنا عليه اللّه سبحانه وتعالى. ولذلك لابد أن نفكر بمعيارية جديدة بمسطرة جديدة تعيد النظر في توزيع الثروة التي منحها اللّه إيانا ونحن نفرط بها ونلعب بها ونلهو بها.

هذا الفقر والشظف الذي تعيش فيه غالبية المسلمين سوف يسائلنا اللّه عليه.

أما الانحلال الاجتماعي فمرده الى الاستئثار السياسي وسوء توزيع الثروة، وهذان العاملان يؤديان الى أن الفرد لا يحسّ بالانتماء الى المؤسسة التي يفترض أن يكون منتميا اليها. لذلك تجد أن الاستاذ الجامعي لا يخلص في عمله، لانه لايجد حقوقه قد استوفيت. الطالب لا يتقن دراسته لانه لايجد أمامه مستقبلا يستثمر جهده الدراسي… العامل لا يتقن عمله… المهندس يغشّ في خلط نسب الاسمنت والتراب ومواد البناء… لانه حتى ولو أتقن عمله فانه لاينال حقوقه.

الطغيان السياسي وسوء توزيع الثروة يؤدي الى التحلل الاجتماعي. البنت إذا أرادت أن تتزوج تنظر الى الرجل الذي في جيبه مزيد من المال والثروة. هذه المسطرة… مسطرة المال هي السائدة… تقول: أريد بيتا فخيما، ومركبا وطيئا وأكلا رهيفا وملبسا ناعما. ولذلك تبحث عن صاحب الفلوس ولو كان لصّا. أتزوج من لص ولكنه ثري. هذا هو التحلل الاجتماعي الذي أقصده. اهتراء الثوابت وغيابها وعدم الانتماء للامة والدولة والمؤسسة والجامعة والمهنة.

الطبيب يغش في الدواء وفي التشخيص وفي العمليات لانه يريد المال… وهذا ناتج عن سوء توزيع الثروة، وسوء توزيع الثروة يحميه الطغيان السياسي.

ولذلك ما يقوله الغربيون عنا قد يكون بعضه صحيحا. حين يقولون إن حقوق الانسان مهدرة. . نعم… ونحن ننادي من منطلق اسلامي لا من منطلق غربي بتصحيح ذلك.

لعلّ أكبر مظاهر الخلل في بنية العالم الاسلامي انفصال ايران عن العالم العربي. يشهد التاريخ أن أعظم المراكز الحضارية الاسلامية تأسست على قاعدة من التفاعل بين الايرانيين والعرب، وأن أكبر ضربة مني بها العالم الاسلامي هي التجزئة التي حدثت أيام الدولتين العثمانية والصفوية بين ايران والعرب.

هذه التجزئة تعمّقت بعد سقوط الدولتين الاسلاميتين المذكورتين في عصر الاستعمار، وازدادت الحساسيات السياسية والمذهبية والقومية، وانعكست في ثقافة العرب والايرانيين. غير أن هناك كثيرا من المخلصين المعاصرين من الفريقين سعوا الى مدّ جسور بين الشعبين، ظهرت على شكل تنشيط اللغة العربية في ايران وتنشيط اللغة الفارسية في العالم العربي، وظهرت في شكل دراسات مشتركة وتزوار بين المفكرين والعلماء، وكتب مترجمة بين اللغتين، ولكن الاحساس بضرورة المزيد من الحوار المباشر بين الشعبين ظلّ يراود أذهان النخب العربية والايرانية، حتى تحقّق في خطوة أولى قام بها مركز دراسات الوحدة العربية بالتعاون مع جامعة قطر، فأقيمت ندوة العلاقات العربية - الايرانية - الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل، في أيلول سنة ١٩٩٥ بالدوحة.

ناقشت الندوة محاور عدة ترتبط بالعلاقات التاريخية والراهنة والمستقبلية بين ايران والعرب. وصدرت البحوث في كتاب مستقل.

من مجموعة هذه البحوث اخترنا ورقة الدكتور أحمد صدقي الدجاني التي عالجت قضية من القضايا التي تجمع العرب والايرانيين على صعيدها، وهي القضية الفلسطينية.

استهلال

إخواني وأخواتي

سلام الله عليكم ورحمته وبركاته

وأوجه تحية باللسان الفارسي "وقت شما بخير" مساءكم خير و"أز ديدار شما مسرورم" إنني سعيد برؤيتكم و"إن شاء الله حال شُما خوبه" إن شاء اللّه أنتم بخير، وهي تحية عطرة من واحد من أبناء فلسطين العرب لكل إخوته الإيرانيين.

أشير إلى أنه حتى بداية القرن العشرين الميلادي الذي شهد حدوث صدع في ثقافتنا في الدائرة الحضارية العربية الإسلامية، كان الخاصة من أقوامنا يتحدثون العربية والفارسية والتركية. وأنا أسمع مذ كنت طفلاً أن جدّ والدتي وجدي لأبي كانا يتقنان الفارسية. وقد لفت انتباهي حين تفتحت أن كتابي المخلاة والكشكول لـبهاء الدين العاملي شأن كتاب الكشكول للبحراني فيه مقاطع بالفارسية التي تستخدم في الكتابة الحرف نفسه المستخدم في كتابة العربية. وكم سعدت حين تعرفت على الأدب الفارسي مترجماً وقرأت أشعاراً للشيرازي والسعدي وجلال الدين الرومي وغيرهم. ولن أنسى تلك اللحظات الرائعة التي عشتها مؤخراً مع "أم البنين" نقرأ معاً قبل النوم مقتطفات من شعر مولانا جلال الدين من كتاب صدر حديثاً في أبو ظبي يورد الشعر بالفارسية ثم يقدم ترجمته العربية، فكنت أترنم مستمتعاً بحلاوة الوزن والقافية وأنا أتلو بالفارسية، ثم نستمتع بالمعاني الرفيعة وزوجتي تقرأها بالعربية. وإن لنا أن نتطلع إلى يوم قريب نرأب فيه الصدع الذي أصاب ثقافتنا.

إن من أهم الأفكار التي بلورتها هذه الندوة هي ضرورة تكثيف العمل لرأب الصدع الذي أصاب ثقافتنا وفصل بين الثقافتين الفارسية والعربية في حضارتنا العربية الإسلامية المعاصرة. وقد أقبل أجدادنا من قبل، منطلقين من قول رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"، على النهل من ثقافات فارس والهند والصين وأفريقيا، فقطفنا ثماراً طيبة من أعمال ابن المقفع وأمثاله وقرأنا فيما قرأنا من حكم الفرس ما جاء في كتاب جاويدان خرد - الحكمة الخالدة - جمعهم أمر العباد في أربع خصال، "العلم والحلم والعفاف والعدالة". وكم نحن تواقون اليوم - من خلال ما سمعناه في هذه الندوة - إلى تحقق التفاعل الثقافي بين إيران والوطن العربي وبقية أنحاء عالمنا الإسلامي ليقوى اسهامنا في تجدد عالمنا الحضاري…

نسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك جمعنا لنتدبر قوله تعالى في سورة النجم (أم لم يُنبأ بما في صحف موسى. وإبراهيم الذي وفّى. ألاّ تزر وازرة وزر أخرى. وأن ليس للإنسان إلا ما سعى. وأن سعيه سوف يُرى. ثم يجزاه الجزاء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى. وأنه هو أضحك وأبكى. وأنه هو أمات وأحيا) [٢]. كما نتدبر سورة العصر داعين الله أن يجعلنا من الذين (آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر) [٣].

تمهيد

تحتل قضية فلسطين منذ بروزها قبل أكثر من قرن مكاناً مهماً في العلاقات العربية - الإيرانية، بحكم ما مثلته الغزوة الصهيونية الاستعمارية لفلسطين في قلب "الوطن العربي والعالم الإسلامي" من تحد لشعوب الدائرة الحضارية الإسلامية كافة، ومنها شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية. وقد دخل هذا التحدّي مرحلة جديدة في أعقاب حرب عام ١٩٩١م مع انعقاد "مؤتمر سلام الشرق الأوسط" في مدريد يوم ٣٠ / ١٠ / ١٩٩١، وسعي الولايات المتحدة الأمركية إلى فرض نظام إقليمي على "الدائرة الإسلامية" باسم "نظام الشرق الأوسط"، تكون القيادة فيه للكيان الصهيوني الاسرائيلي.

سيتناول هذا البحث قضية فلسطين في العلاقات العربية - الايرانية في إطار ندوة "العلاقات العربية - الإيرانية، الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل"، محاولاً أن يعالج وفق مخطط الندوة "موقع قضية فلسطين ومدى مركزيتها لدى الأخوة العرب والإيرانيين، وموقعها بالنسبة إلى الأمن القومي لكل منهما، وآثار محاولات التسوية الراهنة للصراع العربي - الإسرائيلي في العلاقات العربية - الإيرانية".

حين نتحدث عن علاقات عربية - إيرانية، تتداعى إلى الخاطر دائرة الوطن العربي ودائرة إيران المتجاورتين في "عالم إسلامي" ازدهر فيه عمران حضاري إسلامي منذ أربعة عشر قرناً، بعد أن حمل رسالة الإسلام وتمثل حضارات المنطقة. ويخطر على البال أن مصطلح "العالم الإسلامي" الذي تقع فيه الدائرتان مصطلح حديث استخدمه الكتّاب الغربيون منذ القرن الماضي للدلالة على "ديار المسلمين" الممتدة من المغرب الأقصى على المحيط الأطلسي غرباً إلى إقليم سينكيانغ في الصين شرقاً، ومن أواسط آسيا شمالاً إلى افريقيا المدارية جنوباً. وقد شاع استخدامه في الأوساط الإسلامية بعد صدور كتاب "حاضر العالم الإسلامي" في العشرينيات متضمناً تعليقات الأمير شكيب أرسلان على ما كتبه لوثروب ستودارد الأمريكي في كتابه "عالم الإسلام الجديد" الذي ترجمه عجاج نويهض. ويخطر على البال أيضاً أن مصطلحاً غربياً آخر أكثر حداثة هو "الشرق الأوسط" أصبح اليوم أكثر شيوعاً في الاستخدام بين الغربيين للدلالة على الجزء الأكبر من "ديار المسلمين". ويبدو من تطور مدلول هذا المصطلح الذي استخدم أول مرة عام ١٩٠٢ أنه تأسس على "الشأنين النفطي والفلسطيني"، على حد تعبير معين حداد في مقاله: "مفهوم الشر

ق الأوسط"، وأنه ارتبط بالفكر الاستراتيجي البريطاني، كما أوضح جلال معوّض في مقاله "الشرق الأوسط: الدلالات…. "، ومن ثم بالفكر الاستراتيجي الأمريكي، وقد شرح كاتب هذا البحث هذه المصطلحات في كتابيه عن المستقبل…. وفي مواجهة نظام الشرق الأوسط.

إن عامل الجوار الجغرافي هو أحد العوامل المهمة التي تحكم العلاقات العربية - الإيرانية وموقع قضية فلسطين في هذه العلاقات. وهذا ماحدا ببعض العرب المشتغلين بالعلوم السياسية أن يضعوا إيران ضمن مصطلح "دول الجوار المحيطة بالوطن العربي" لكن هناك عوامل أخرى تحكم هذه العلاقات العربية - الإيرانية عددت منها ورقة عمل هذه الندوة "روابط تاريخية وجيوستراتيجية ومصالح مشتركة وتحديات النهوض المعاصر"; وجماع هذه العوامل هو الانتماء إلى حضارة واحدة. وهذا ما يحدو آخرين من العرب المشتغلين بالعلوم السياسية إلى إبراز هذا الانتماء الحضاري، والحديث عن "دائرة الحضارة الإسلامية" التي يسمونها أيضاً "دائرة الحضارة العربية الإسلامية" لإبراز اللسان العربي الذي غلب التعبير به عنها لأن القرآن الكريم نزل به. وقد يجري اختصار المصطلح إلى "الدائرة الإسلامية"، وهو المصطلح الذي استخدمه جمال عبد الناصر في كتابه "فلسفة الثورة". ويحرص هؤلاء على تجنب استخدام مصطلح الشرق الأوسط للدلالة على هذه الدائرة، ومن الملفت أن المؤتمر القومي العربي الخامس اعتمد في بيانه مصطلح "الدائرة الحضارية" هذا، حين رصد "الاستقرار النسبي لعلاقات الدول العربية مع كل من إيران وترك

يا في إطار النظر إلى العرب في دائرتهم الحضارية الأوسع"، وحين أكد "ضرورة تطوير الجوانب الايجابية مع هذه الدائرة الحضارية التي تمثل في الوقت نفسه عمقاً استراتيجياً للأمة العربية بما يضمن المصالح المشتركة للطرفين ويصون الروابط الروحية والحضارية العميقة التي تربط بينها".

وفي ضوء حقيقة انتماء كل من الوطن العربي وإيران إلى دائرة الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها مسلمون ونصارى ومؤمنون آخرون، يتحدّد مفهومنا للعلاقات العربية - الإيرانية. فهي علاقات بين شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية على الصعيد الشعبي تضع نصب العين المشروع الحضاري لكل منهما بأهدافه جميعها، وهي أهداف متماثلة في جوهرها بحكم الانتماء الواحد الحضاري والظروف المتشابهة التي أحاطت أثناء بلورتها، تشمل تحرير الأرض من الاحتلال الأجنبي، ووحدة الأمة والوطن، والشورى والديمقراطية، والتنمية التي توفر الكفاية، والعدل الاجتماعي، والتجدد الحضاري. وهي أيضاً علاقات على الصعيد الرسمي بين الدولة الإيرانية والدول العربية، فرادى ومجتمعين، في إطار النظام العربي الذي تمثله جامعة الدول العربية، وفي إطار التجمعات الإقليمية العربية.

أولا: موقع قضية فلسطين لدى كل من العرب والإيرانيين

تحتل قضية فلسطين موقعاً خاصاً لدى كل من الاخوة العرب والإيرانيين. وقد تجلّت هذه الحقيقة في اهتمامهم الكبير بها منذ بروزها قبل أكثر من قرن في مراحلها المتتالية واحدة تلو الأخرى، وفي بلورتهم هدف تحرير فلسطين، هدفاً عظيماً يضعونه نصب أعينهم ويحلمون بتحقيقه ويسعون له. ويبدو ارتباط كل من الإخوة العرب والإيرانيين بقضية فلسطين قوياً تمتد جذوره في أعماق التاريخ من خلال الذاكرة التاريخية، وهو مستقر في الضمير الشعبي. وليس أدل على قوة هذا الارتباط وعمق جذوره من أن التحولات التي أحاطت بشعوب الأمتين العربية والإيرانية، وبقضية فلسطين على مدى أكثر من قرن، لم تؤثر في ثبات هدف تحرير فلسطين، وإن أثرت أحياناً في درجة الاهتمام بقضية فلسطين، نقصاناً أو زيادة.

حين نتأمل في أسباب احتلال قضية فلسطين هذا الموقع الخاص لدى كل من الإخوة العرب والإيرانيين نقف أمام سببين رئيسيين، يتصل الأول بفلسطين، بينما يتصل الآخر بقضيتها.

فلسطين في الضمير الشعبي لكل عربي وإيراني أرض باركها اللّه، فيها المسجد الاقصى الذي يقترن بالإسراء والمعراج عند المسلم، وفيها كنيسة القيامة التي يحجّ إليها النصراني، وفيها الحرم الإبراهيمي ومرابع الأنبياء الذين يؤمن بهم المسلم والنصراني واليهودي. وزيارتها من ثم حلم يسعى الواحد إلى تحقيقه. وهي في الذاكرة التاريخية للعربي والإيراني تقترن بأحداث منذ أقدم العصور تهز أوتار قلبه، حفظتها روايات قصص الأنبياء منذ الطوفان. كما تقترن بأحداث منذ ظهور الإسلام هي جزء من تاريخه الحي بما حفل به من انتصارات وهزائم وأمجاد ونكسات. وقد احتلت أحداث الغزو الفرنجي لبيت المقدس وما حولها ومقاومته بالجهاد، مكاناً خاصاً في هذه الذاكرة التاريخية تشير إليه سيرة الملك الظاهر الشعبية التي بقي عامة الناس في ديار الإسلام يرهفون السمع لرواتها جيلاً بعد جيل إلى وقت قريب. ويبرز في هذه السيرة من بين من يبرز "الفداوية" الذين تنقلوا بين إيران والوطن العربي وأسهموا بدور متميز في مقارعة الفرنجة المعتدين. كما يبرز فيها تبادل العطاء بين فلسطين وأقطار عربية أخرى، وبين إيران وبلاد ما وراء النهر، من خلال قصة الظاهر بيبرس نفسه. وفلسطين في الحياة اليومية ل

كل عربي وإيراني جزء من دائرته الحضارية التي تصون مصالحه ومعاشه. وكم من التجار تنقلوا بين أرجاء هذه الدائرة وهم يسلكون طريق الحرير منذ قديم الزمان وطرق التجارة الأخرى، وكم من الرحالة.

برزت قضية فلسطين في الربع الأخير من القرن التاسع عشر الميلادي، بفعل الغزوة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية لفلسطين، بينما كان الوطن العربي وإيران وأقطار أخرى من ديار الإسلام ودائرته الحضارية يواجهون تحدي الغزو الاستعماري الأوروبي في موجته الكبيرة الثانية. فإيران كانت قد تعرّضت لعدوان روسيا القيصرية في الشمال ولتحرشات بريطانيا في الجنوب. وقد فقدت فارس جورجيا وأرمينيا (ايروان ولنكران) بعد حربين في ثلاثة عقود في مطلع القرن التاسع عشر، وتم القضاء على الخانات الإسلامية وقمع الحضارة المحلية والشعور القومي بالإرهاب، كما يقول جمال حمدان في "استراتيجية الاستعمار والتحرير". وبدأت روسيا تتطلع إلى احتلال الخليج (الفارسي) الذي قال فيه بطرس الأكبر: "من يسيطر على الخليج (الفارسي) يسيطر على العالم". وطرقت روسيا إيران من ثلاث جهات واعتبرت السياسة الروسية الاستعمارية كل ما هو جنوب القوقاز مجالاً حيوياً ومنطقة نفوذ، ورأت في إيران "قناة السويس الروسية" وسعت إلى فتح ممر لها في الخليج (الفارسي). وكانت إيران أيضاً قد عانت الكثير من التدخل البريطاني في الخليج (الفارسي) الذي قاده منذ عام ١٧٦٣ مقيم سياسي بريطاني عام في ميناء بوشهر ك

ان بمثابة ملك الخليج (الفارسي المتوّج. وارتفعت حمّى هذا التدخل بعد غزو بونابرت مصر عام ١٧٩٨، واشتدت مع هذا الارتفاع مقاومة فارس للتدخل البريطاني. وقد تكرر اتهام المقيمين البريطانيين حكومة إيران بالسعي لإضعاف النفوذ البريطاني في مياه الخليج (الفارسي) وبقية الأقطار الإسلامية، ومن هؤلاء جونز الذي كتب بذلك إلى السفير رولنسون في طهران عام ١٨٦٠"….

كان الوطن العربي قد تعرض هو الآخر للغزو الاستعماري الفرنسي لمصر عام ١٧٩٨، ونجح في صد حملة بونابرت. لكنه لم يلبث أن واجه موجة استعمارية كبيرة منذ عام ١٨٣٠ استهدفت فرنسا فيها الجزائر، واستهدفت بريطانيا فيها عدن وسواحل الجزيرة العربية والخليج (الفارسي). وما أسرع أن واجه وهو يتابع مقاومته الموجة الاستعمارية الثانية منذ عام ١٨٨١ التي بدأت بغزو فرنسا تونس، ثم احتلال بريطانيا مصر.

لم يكن صعباً على الإخوة العرب والإيرانيين منذ بروز قضية فلسطين وبدء الغزوة الصهيونية الاستعمارية الاستيطانية لبيت المقدس وما حولها، أن يربطوا بين المخططات الاستعمارية في فلسطين وما خططه الاستعمار لموطن كل واحد منهم في مختلف أنحاء "الدائرة الاسلامية". وقد أدركت خاصتهم، من خلال إمعان النظر وإعمال الفكر ما أدركته عامتهم بحسّها الفطري وبما وعته ذاكرتها التاريخية، أن هذا الكيان الصهيوني الذي تعمل القوى الاستعمارية الأوروبية على تثبيته في فلسطين إنما هو في حقيقته قاعدة استعمارية أوربية أمامية في قلب العالم الإسلامي يستخدمها الغزاة الأوروبيون في إحكام سيطرتهم على مختلف أقطار العالم الإسلامي في آسيا وافريقيا. كما أدركت الخاصة والعامة معاً ما يعنيه استهداف المقدسات الإسلامية والنصرانية من قصد أوروبي للمساس بالإسلام والحضارة الاسلامية وتحطيم معنويات المنتمين إليها. وهكذا بدت قضية فلسطين منذ بروزها للإخوة العرب والإيرانيين قضية كل واحد منهم، لها بعدها الروحي عند المسلم، فهي قضية إسلامية، وعند النصراني المنتمي إلى الحضارة الإسلامية التي شارك في بنائها، ولها أبعادها الجغرافية والسياسية والاقتصادية والثقافية بفعل ما تتضمنه

الغزوة الصهيونية لفلسطين من تخريب وتهديد على هذه الصعد كافة.

لقد تأكدت هذه الحقيقة وترسخت، من خلال مسار قضية فلسطين على مدى قرن، والمراحل التي مرت بها الغزوة الصهيونية، متسلّلة (١٨٨٢ - ١٩١٧)، ومتغلغلة (١٩١٧ - ١٩٤٨)، وغازية (١٩٤٨ - ١٩٦٧)، ومتوسعة (١٩٦٧ - ١٩٨٢)، وساعية لقيادة المنطقة وكيلاً عن قوى الهيمنة الدولية (١٩٨٢ - ). والتسميات الأربع الأولى لجمال حمدان الذي انتهى من دراسته لإقامة إسرائيل في كتابه إستراتيجية الاستعمار والتحرير إلى ثماني نتائج يحددها الجغرافي السياسي. فإسرائيل كدولة ظاهرة استعمارية صرف، واستعمارها طائفي بحت، وهو عنصري مطلق، وقطعة من الاستعمار الأوروبي عبر البحار، واستعمار استيطاني في الدرجة الأولى، وعلى الرغم من ذلك يجسم الاستعمار المتعدد الأغراض (استيطاني استراتيجي اقتصادي)، وهو استعمار توسعي أساساً شعاره الصهيوني "من النيل إلى الفرات أرضك يا إسرائيل"، وأخيراً هو استعمار بالأصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي.

يكفي للتدليل على تأكد حقيقة موقع قضية فلسطين الخاص لدى الإخوة العرب والإيرانيين، أن نستحضر مسارها، ونقف أمام علامات فارقة فيه بالنسبة إلى الوطن العربي وإيران. فمؤتمر الصلح عام ١٩١٩ في أعقاب الحرب الأولى (١٩١٤ - ١٩١٨) الذي ثبّت الاستعمار الأوروبي في جل الوطن العربي بعد أن فصل بين أجزائه بحدود سياسية وقسمه إلى مناطق نفوذ بين بريطانيا وفرنسا، وحتى ايطاليا، هو الذي رفض مطالب إيران، وهو الذي مكن انكلترا من فلسطين باسم الانتداب لتعمل على تنفيذ تصريح بلفور الصادر في ٢ / ١١ / ١٩١٧ بإقامة دولة يهودية في فلسطين. وقد واجهت انكلترا هذه إيران بمعاهدة استهدفت وضعها تحت السيطرة البريطانية التامة، كما يقول دونالد لبر في كتابه "إيران: ماضيها وحاضرها"، ومع أن الشاه والحكومة أظهرا استعدادهما لقبولها، إلا أن التحرك الشعبي قاومها ومنع إجازتها.

من هذه العلامات الفارقة، كان انعقاد المؤتمر الإسلامي العام في بيت المقدس بين ٧ و ١٧ / ١٢ / ١٩٣١. فقد جاء انعقاده في وقت كانت شعوب الأمة العربية والشعوب الإيرانية مشغولة بالنضال القطري من أجل الاستقلال وطرد المستعمر بعد أن فرضت التجزئة على الوطن العربي وفصل بين أجزاء العالم الإسلامي. وبدا واضحاً من أعمال المؤتمر وتداعيات انعقاده والإعلام الذي أحاط به، ما لقضية فلسطين من موقع خاص لدى جميع شعوب الدائرة الإسلامية. وتضمنت قراراته قراراً بشأن الأماكن المقدسة والبراق بخمسة بنود عالجت قضية فلسطين ودعت إلى مواجهة الخطر الصهيوني، تماماً كما تضمنت قراراً باستنكار كل أنواع الاستعمار في أي قطر في إطار أحد أهداف المؤتمر، وهو "البحث في نشر أساليب التعاون الإسلامي". والملفت ما ناله هذا المؤتمر من تجاوب شعبي، على الرغم من دأب القوى الاستعمارية الأوروبية ومن وقع في شباكها من "الانغماسيين"، على النفخ في مشاعر التعصب القطري والضرب على وتر الاستعلاء القومي لتخريب الانتماء القومي الأصيل. وقد أشار شكيب أرسلان في تعليقاته على "حاضر العالم الإسلامي" إلى هذه المحاولات لإذكاء "العصبية المقيتة" بين أقوام بغية محاربة الجامعة الإسلامية وانجر

ار فئة للقيام بها بين الفرس "كما عند غيرهم من الأمم الإسلامية"، ثم قال: "ولكنها لاتزال ضعيفة بالقياس إلى السواد الأعظم الذي عُمدته الإسلام، بل قد زال من بينهم أكثر النفرة التي كانت عندهم لأهل السنة، بما هو نتيجة انحطاط القوة السياسية الإسلامية بأجمعها وشعور العجم بالحاجة إلى التضامن مع سائر المسلمين". وتحدث أرسلان عن رؤيته لارتباط الإخوة الفرس بقضايا المسلمين بصورة عامة، وقضية فلسطين بصورة خاصة، في فترة مابين الحربين أثناء مرحلة التغلغل في الغزوة الصهيونية، فقال: "إن الدولة الفارسية لاتزال دولة إسلامية وحامية للتشيّع في الإسلام. ولقد لحظ كل من ساح في بلاد العجم حتى من الأوروبيين أن الأمة الفارسية تشعر بشعور العالم الإسلامي جميعه، فتهتم لتركيا ولبلاد العرب ولمصر وللمغرب وكل بلاد الإسلام اهتماماً أكيداً. ويكرثها ما يكرث المسلمين ويسرها ما يسرّهم…. ". ثم ضرب مثلاً بما حدث في المؤتمر الإسلامي العام قائلاً: "وفي أواخر السنة الماضية عندما انعقد المؤتمر الإسلامي شهده جماعة من أعيان الشيعة، كالسيد الطباطبائي، والسيد حسين آل كاشف الغطاء، وجماعة من علماء الشيعة في العراق…. وقد صلّى أعضاء المؤتمر الممثلون لجميع العالم

الإسلامي مرتين بـإمامة المجتهد الكبير السيد حسين آل كاشف الغطاء مما أبهج المسلمين جميعاً، وصرح رياض بك الصلح - مفخرة شباب سوريا - بأنه اليوم قد انبثق فجر الوحدة الإسلامية". ويكشف هذا الحديث الذي يعود إلى عام ١٩٣٢، فضلاً عن مكان قضية فلسطين لدى الإخوة العرب والإيرانيين، عن دورها في إخضاع تناقضات ثانوية بين الإخوة المسلمين، سنة وشيعة، وبين الإخوة المنتمين إلى الحضارة الإسلامية، أقواماً ومللاً، لصالح مواجهة التناقض الرئيسي بينهم جميعاً وبين الاستعمار الأوروبي وحليفته الحركة الصهيونية، وقد سمى المؤتمر الإسلامي العام صلاح الدين الطباطبائي من إيران أميناً عاماً له.

من العلامات الفارقة الأخرى، الاستجابة لتحدي نكبة فلسطين عام ١٩٤٨ وإقامة إسرائيل دولة للكيان الصهيوني، وقد بدت واضحة قوية في كل من الوطن العربي وإيران. ونذكر كيف خرجت المظاهرات في طهران سنة ١٩٤٨ تندد باغتصاب فلسطين، تماماً كما حدث في العواصم العربية، وكيف قاد آية الله الكاشاني الحركة الشعبية التي طالبت بالتصدي للصهيونية. ثم كيف عبّرت الاستجابة للتحدي عن نفسها في حركة تأميم النفط التي ساند فيها الكاشاني مصدقاً، تماماً كما عبرت عن نفسها في قيام ثورة ٢٣ تموز / يوليو ١٩٥٢ في مصر وتدفق الثورة العربية. وقد شهدت إيران، شأن الدول العربية ودولاً إسلامية أخرى، حملات شعبية إبان حرب فلسطين لجمع الأموال وإرسال المتطوعين.

جرى اختبار الموقع الخاص لقضية فلسطين في إيران عام ١٩٦٠ حين اعترف الشاه بـ "اسرائيل" وسمح لها بتمثيل سياسي وتجاري. فقد عم الغضب قطاعات واسعة من الأمة الإيرانية على نظام الشاه، واعتبر كثيرون تعاونه مع اسرائيل "بمثابة طعنة موجهة إلى كبريائهم واعتزازهم بدينهم، إلى حصنهم ووعائهم"، على حد تعبير فهمي هويدي في كتابه "إيران من الداخل". وحين تحرك النضال الفلسطيني بقيام منظمة التحرير الفلسطيني عام ١٩٦٤، وبدأت حلقة جديدة من الثورة الفلطسينية، رأينا تجاوباً قوياً بين الشباب الإيراني مع هذه الثورة، وقد ازداد هذا التجاوب بعد حرب عام ١٩٦٧ واحتلال اسرائيل القدس الشرقية. ومثل هذا الاختبار جرى في مصر العربية عام ١٩٧٧ حين زار رئيسها الكنيست في القدس المحتلة، ثم أبرم معاهدة عام ١٩٧٩ معها برعاية أمريكا التي شهدت على اتفاقية كامب ديفيد عام ١٩٧٨. وكانت نتائج الاختبارين واحدة في جوهرها، وإن اختلفت في التفاصيل، تماماً كما كانت ردود الفعل في إيران والوطن العربي على اعتراف إحدى دول دائرتنا الحضارية بالكيان الصهيوني.

لقد كان دخول الغزوة الصهيونية مرحلة التوسع عام ١٩٦٧ عاملاً حاسماً في تعميق ارتباط غالبية الإخوة الإيرانيين والعرب بقضية فلسطين، وعاملاً حاسماً في الوقت نفسه في قيام قلة منهم بالتسليم للغرب بقيادة الولايات المتحدة والقبول بالأمر الواقع، والتخلي من ثم عن قضية فلسطين. ويلفت النظر أن عمق الارتباط بقضية فلسطين لدى هذه الغالبية تغذى من البعد الروحي للقضية ومن بعدها القومي على السواء، فزاد وضوحها عند العرب باعتبارها قضية عربية إسلامية، وعند الإيرانيين باعتبارها قضية إيرانية إسلامية، وربما إذا أردنا مزيداً من الدقة: قضية "إسلامية إيرانية". والرأي الغالب بين الدارسين أن نتائج حرب عام ١٩٦٧، ثم الإقدام على الصلح مع "اسرائيل"، كانا من أهم العوامل التي أدت إلى ظهور حركة الإحياء الإسلامي في أقطار العالم الإسلامي. هذه الحركة التي تضع تحرير فلسطين والمقدسات فيها من الاحتلال الصهيوني في صلب أهدافها.

واضح أن مسار الصراع ضد التحالف الصهيوني الاستعماري في منطقتنا، جعل الارتباط بقضية فلسطين ينتقل من مجرد العاطفة إلى الوعي العقلي لدى عامة الناس، العرب والإيرانيين. وهذا ما يفسر قدرتهم على الصمود أمام حرب نفسية همها فصلهم عن قضية فلسطين، وبعض أسلحتها الموجهة شديد النفاذ، وخصوصاً تلك التي تستغل التناقضات بين الإخوة والتحولات في المواقف إلى درجة تجاوز الخطوط الحمراء. وقد أثبتت أحداث الثمانينات أن الارتباط بقضية فلسطين لدى الإخوة الإيرانيين صمد في أشد الظروف صعوبة، سواء أثناء الحرب بين العراق وإيران أو حين تحول موقف القيادة الفلسطينية تجاه إيران. وحين تعرض الشعب العربي في مصر لهذه الحرب النفسية بغية فصله عن قضية فلسطين في الفترة نفسها أثبت هو الآخر عمق ارتباطه بقضية فلسطين، والأمر نفسه يصدق على شعوب عربية أخرى.

إن هذا الوعي العقلي لقضية فلسطين جعل الإخوة العرب والإيرانيين يدركون طبيعة صراعهم ضد الصهيونية. وقد عبرت كتابات الثورة الإسلامية في إيران عن رؤية الغالبية لهذا الصراع، تماماً كما عبرت كتابات التيارين العربي والإسلامي في الوطن العربي. فهو صراع مصيري، وهم يواجهون فيه دول الغرب الاستعمارية والصهيونية العالمية، وهدف هذا التحالف الاستعماري الصهيوني ليس احتلال فلسطين فحسب; وإنما إحكام السيطرة على الوطن العربي وبقية دول العالم الإسلامي. ونجد تفصيلاً لهذه الرؤية في كتاب رفعت السيد أحمد "الحركات الإسلامية في مصر وإيران".

ثانيا: موقع "إسرائيل" بالنسبة إلى الأمن القومي

لكل من إيران والوطن العربي

يتحدد موقع "اسرائيل" بالنسبة إلى الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي تبعاً لحقيقة كونها "دولة استعمار استيطاني بالأصالة والوكالة لحساب الصهيونية العالمية والاستعمار العالمي" على حد تعبير جمال حمدان. فإيران والوطن العربي يقعان ضمن الدائرة الإسلامية وينتميان إلى الحضارة الإسلامية. وإسرائيل اغتصبت فلسطين التي تقع في موقع مهم من الدائرة الإسلامية، وهي بعد أن تكونت تجمعاً استعمارياً استيطانياً تعمل لنفسها ولقوى الهيمنة الغربية، للتحكم في المنطقة.

لقد حدث في مطلع عام ١٩٩٥ خبر "صدور تهديدات إسرائيلية بضرب مفاعلات إيران النووية". وفي الفترة نفسها، نقلت هذه الوكالات تصريحات لرئيس الوزراء الإسرائيلي تهدد مصر والدول العربية وتتحدث عن حرب. وجاءت هذه التهديدات لدى زيارة وزير الدفاع الأمريكي "بيري" إلى المنطقة. وكانت "إسرائيل" قد دأبت في النصف الثاني من عام ١٩٩٤ على اتهام إيران بمساندة الإرهاب، واتهام دول وقوى عربية بأنها إرهابية، مرددة اتهامات أمريكية لهذه الدول والقوى. وإذا ما استحضرنا ما قامت به "إسرائيل" من ضرب للمفاعل النووي العراقي في حزيران / يونيو ١٩٨١ تنفيذاً لهدف أمريكي إسرائيلي، ندرك مدى جدية هذه التهديدات الإسرائيلية، حين تأتي تنفيذاً لسياسة أمريكية، ويتضح لنا الخطر الذي تمثله إسرائيل للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي.

ومن الملفت أنه على الرغم من وضوح هذا الخطر لكل من الإخوة الإيرانيين والعرب على أمنهم، فإننا نجد أن إسرائيل نجحت في إقامة "اتصالات" ببعض دول المنطقة، سرية في غالب الأحيان، وإن بدأت تتجه إلى العلنيّة بعد انعقاد مؤتمر مدريد في ٣٠ / ١٠ / ١٩٩١. وقد جاءت هذه الاتصالات دوماً في ظل تفجر خلافات بين الدول الشقيقة في الوطن العربي والعالم الإسلامي على السواء. واستهدفت النفخ في الصراعات الناشبة من جهة، بغية إضعاف أطرافها واستنزاف طاقاتهم، والتغلغل في المنطقة من جهة أخرى، بغية الوصول إلى دور قيادي فيها. وواضح أن هذا الأمر أيضاً يتضمن في نهاية المطاف خطراً إسرائيلياً على الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي. وهو يكشف في الوقت نفسه عن "تعقّد" مسألة الأمن القومي في ظل أوضاع المنطقة السائدة والخريطة السياسية لدولها التي كان للدول الاستعمارية دور بارز في رسم الحدود بينها.

إن جوهر عقدة "الأمن القومي" لكل من إيران والوطن العربي هو وجود خطر خارجي بالغ يهددهما معاً وكل الدائرة الحضارية الإسلامية التي تضمهما، ويبرز هذا الخطر أكثر ما يبرز على الخليج (الفارسي) الذي يقع بينهما، وتمثل "إسرائيل" فيه رأس الحربة بين قوى الهيمنة الخارجية. ثم إن هناك تناقضات بين إيران وبعض جاراتها الشقيقات العربيات بسبب الحدود واختلاف السياسات; الأمر الذي جعل نشوب الحرب العراقية - الإيرانية ممكنة الحدوث عام ١٩٨٠ والاستمرار ثماني سنوات، وجعل العلاقات متوترة بين إيران وبعض بلدان الخليج (الفارسي) العربية الأخرى. وقد برزت هذه التناقضات أيضاً بين بعض البلدان العربية واشتدت بفعل غلبة النظرة القطرية. وهكذا أصبح من الضروري عند الحديث عن الأمن القومي العربي "تحديد المقصود، وتوضيح علاقته بالأمن القطري، وبالأمن الإقليمي وأمن المجموعات الإقليمية، واستحضار مصادر التهديد وكيفية التعامل معها والسياسات الأمنية التي يمكن رسمها وصياغتها بغية دعم الأمن والحفاظ عليه". وقد تساءل عدد من الباحثين، ومنهم عبد المنعم المشاط: "هل يمكن في الظروف الراهنة الحديث عن أمن قومي عربي، أم أن هناك تحولاً كاملاً ونهائياً نحو الأمن القطري بكل م

ا يعنيه من خيارات قطرية قد تتناقض مع الأمن الجماعي" [٤]. ولاحظ بيان المؤتمر القومي العربي الخامس الصادر في أيار / مايو ١٩٩٤ "أن إزالة المرجعية القومية للأمن القومي العربي أدت إلى أن يصبح الأمن القطري منفلتاً من دائرة الأمن القومي وساعياً وراء الارتباط بمراكز أجنبية". ولعل من أشد الصعوبات في تحديد فهم بعض الدول للأمن، قطرياً كان أو قومياً، هي على حد قول وزير دفاع عربي سابق: "وجود خلط كبير عند قياداتها بين أمن الدولة وأمنهم الشخصي".

كان من أخطر ما أدت إليه التناقضات "القطرية" المحكومة بنظرة "الدولة القطر" وحدودها السياسية، أن ظهرت آراء تجعل تهديد إسرائيل للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي ليس هو التهديد الوحيد. ووصل الأمر إلى الحديث عن تهديد دولة شقيقة لأمن أخرى ووضعه أحياناً قبل التهديد الإسرائيلي. وأصبح من المألوف في بعض البحوث ذكر "إسرائيل" مع إيران ودولة عربية أو أكثر باعتبارها مصدر تهديد لأمن دولة عربية أخرى، بل بدأنا نرى نذر السكوت عن طروحات خارجية تتحدث عن التقاء المصالح الأمنية لأحد أقطار منطقتنا مع المصالح الأمنية لإسرائيل، وتدعو من ثم إلى التعاون على هذا الصعيد. لكن لم يلبث أن شهد وطننا العربي تراجع هذه الطروحات بعد أن تكشفت عملية التسوية الأمريكية التي بدأت في أعقاب زلزال الخليج (الفارسي) على حقيقتها بفضل قيام الفكر العربي - الإسلامي بدوره، وتجلي حقائق كثيرة على أرض الواقع.

قلنا: إن التهديد الإسرائيلي للأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي نابع من العلاقة الاستراتيجية التي تربط الكيان الصهيوني بالولايات المتحدة الأمريكية، وبسياسة الولايات المتحدة تجاه العالم الإسلامي بصورة عامة والخليج (الفارسي) بصورة خاصة. وقد تحدث وليام كوانت عن هذه السياسة قائلاً: "دعونا نذكر أنفسنا بالمصالح الأمريكية في الشرق الأوسط وماذا تكون فعلاً في عصر مابعد الحرب الباردة؟ لايزال لدينا مجموعتان من المصالح السياسية والاقتصادية المحددة التي تشدنا إلى هذا الجزء من العالم، وهي ببساطة: النفط وإسرائيل. فالولايات المتحدة أكبر مستورد للنفط في العالم، وباعتبارها القوة العظمى لا يسعها عدم المبالاة بنفط الخليج (الفارسي). والالتزام الأمريكي لإسرائيل وإن لم تكن جذوره ممتدة إلى مصالح اقتصادية أو سياسية ملموسة، فهو على الأقل مصلحة آمرة كمصالحنا في الخليج (الفارسي)، لاعتبارات سياسية أمريكية محلية في الأساس. ونتساءل عما إذا كانت إحدى المصلحتين تعزز الأخرى. الجواب بوضوح: لا. ومن هنا تتضح أهمية السلام في الشرق الأوسط" [٥].

ويلفت النظر في حديث كوانت عن إسرائيل أنه يتبنّى الرأي القائل بأن إسرائيل لا تمثل مصلحة سياسية أو اقتصادية ملموسة للولايات المتحدة وأن أسباب الالتزام بها يعود إلى السياسة الأمريكية الداخلية. وقد اتسعت دائرة القائلين في الولايات المتحدة بتناقص أهمية إسرائيل في الاستراتيجية الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، بينما كانت في الذروة إبان الثمانينيات طول عهد الرئيس ريغان انسجاماً مع سياسته في مواجهة الاتحاد السوفياتي، مما أوصل إلى إبرام التحالف الاستراتيجي الأمريكي - الإسرائيلي الذي شرحه يوسف الحسن في كتابه "اندماج: دراسة في العلاقات الخاصة بين أمريكا وإسرائيل في ضوء اتفاقيات التعاون الاستراتيجي بينهما". وأياً كان الحال، فإن السياسة الأمريكية لم تلبث أن عادت إلى العهود لإسرائيل بمهام معينة في المنطقة!. وقد حدد لِس أسپن، وزير الدفاع الأمريكي السابق، في خطابه يوم ١٦ / ٦ / ١٩٩٣ أمام لجنة الشؤون العامة الأمريكية - الاسرائيلية (ايپاك) في واشنطن، ستة أهداف اتفق عليها مع رئيس الوزراء الاسرائيلي رابين في إطار ما أسماه: "تعديل تفكيرنا الاستراتيجي في ضوء التغيرات التي طرأت على العالم". وهذه الأهداف جميعها تهدد الأمن القومي لك

ل من إيران والوطن العربي في الصميم، وهي "التيقن من أن مؤسسات الأمن القومي في الولايات المتحدة وإسرائيل تعمل في الاتجاه نفسه، وتحديد نوع المخاطر التي تواجهها إسرائيل اليوم ومواجهتها، والحفاظ على المساعدات الأمنية الأمريكية لإسرائيل ومعاونتها، والحفاظ على تفوقها التقني العسكري، والحفاظ على الاتصالات الوثيقة بين العسكريين، والاستخدام الأمثل لقاعدة الصناعة العسكرية في البلدين، والحفاظ على حضور عسكري أمريكي قوي في المنطقة، والعمل مع إسرائيل على منع انتشار الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية".

نزداد فهماً لهذه الأهداف المشتركة حين نستحضر السياسة الأمريكية للسيطرة على نفط الخليج (الفارسي). وقد أوضح ميشيل جوبير في حديثه عن هذه السياسة "إن السيطرة على النفط - كميات وأسعاراً - لاتزال هي الهاجس الوحيد الدائم المتسلط على الولايات المتحدة. وكل ما عدا ذلك ليس سوى توابع وملحقات"، وطالب بالتركيز على الأمر الأكثر أهمية، وهو "الوصاية الأمريكية الموجودة في كل زمان ومكان لأسباب اقتصادية واستراتيجية". ويزداد فهمنا، من ثم، للهدف الأخير الخاص بمنع انتشار الأسلحة النووية، والمقصود به اليوم إيران ودول عربية عدة. ويتداعى إلى الخاطر كيف تبجح آرييل شارون، وزير الحرب الاسرائيلي السابق في مطلع عام ١٩٨٢، في أعقاب إبرام الاتفاق الاستراتيجي بين اسرائيل والولايات المتحدة بأن إسرائيل ستتحرك في خمس دوائر، أوسعها بين باكستان شرقاً والمغرب غرباً، وداخلها دائرة تشمل إيران وتركيا، وداخلها دائرة تشمل دول نفط عربية، وداخلها دائرة تشمل دول الجوار العربي لفلسطين، ثم دائرة فلسطين.

لقد اشتد التهديد الاسرائيلي لأمن إيران والوطن العربي مع مجاهرة السياسة الأمريكية بعزمها على مضايقة "الدول الرافضة" في منطقتنا لعملية التسوية التي تقودها وللمخطط الذي باشرت تنفيذه لإقامة نظام شرق أوسطي. ورأينا هذه المجاهرة في ما كتبه مستشار الأمن القومي الأمريكي انتوني ليك في فورين أفيرو في ربيع ١٩٩٤ بعنوان "مواجهة الدول الرافضة" (Confronting Backlash States) ووصف فيه بعض هذه الدول بأنها "خارجة على القانون، لم تختر أن تبقى خارج العائلة فحسب بل هاجمت أيضاً قيمها الأساسية" [٦]. والوصف يكشف عن مدى الحرص الأمريكي على فرض النظام العالمي الذي تريده، ومدى حنقها على من يصمد في مقاومته له. وقد وضع إيران في قائمة هذه الدول التي يجب على الولايات المتحدة أن تواجهها. وهكذا ما أسرع ما رأينا شن حملات إعلامية منتظمة أمريكية - إسرائيلية على إيران بلغت ذروتها مؤخراً في مطلع عام ١٩٩٥، حين أعلن مسؤول في البيت الأبيض يوم ٥ / ١ / ١٩٩٥ أن الولايات المتحدة "قلقة للغاية" من تصميم إيران على امتلاك السلاح النووي على الرغم من توقيعها معاهدة الحد من انتشارها، واعتبر أن نجاح طهران في الحصول على السلاح النووي "يشكل تهديداً لمصالحنا الحيوية". ولم

يخف متحدث باسم وزارة الدفاع الأمريكية أن هذه المسألة ستكون محل بحث بين وزير الدفاع والمسؤولين الإسرائيليين أثناء زيارته المنطقة، لكنها "لن تكون المحور الرئيسي للمحادثات".

واضح اليوم أن "إسرائيل" صعّدت من حملتها الإعلامية على إيران إلى درجة أن تساءل بعض الباحثين: هل ثمة مقاربة إسرائيلية جديدة إزاء إيران؟ وقد أجاب هوشنك أمير أحمدي عن هذا السؤال في بحثه "إيران والتهديد الإسلامي: المقاربة الاسرائيلية الجديدة" [٧] ملاحظاً أن إسرائيل دأبت على اتهام إيران بأنها وراء التفجير الذي حديث في بوينس أيرس في الصيف الماضي، وأن هناك دعوة إسرائيلية لمطاردة الإيرانيين والهجوم على إيران تحكمه اعتبارات استراتيجية وتكتيكية. وأوضح "أن اسرائيل قلقة من مساندة إيران للحركات الرافضة للتسوية، وهي تربط بين هذه المساندة والموقف الإيراني الرافض للتسوية، لتحصل على مساندة الولايات المتحدة وبعض الأنظمة العربية. وهكذا راح الإسرائيليون مؤخراً يتحدثون عن خطر إيراني بدلاً من الحديث عن خطر إسلامي".

إن الأمن القومي لكل من إيران والوطن العربي هو في نطاق أمن "العالم الإسلامي" الذي دأبت قوى الهيمنة الدولية على النظر إليه باعتباره دائرة واحدة ينبغي تفكيكها وتفجير العلاقات بين بعض أقطارها. وقد رأينا كيف قامت الصهيونية الفكرية بدور خاص في اختلاق فكرة "الخطر الإسلامي" بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وتعميمها في الغرب. وهكذا كتب برنارد لويس مقاله "جذور الغضب الإسلامي" عام ١٩٩٠، ثم مقاله عن "شرق أوسط جديد" نعى فيه القومية العربية عام ١٩٩٢. كما رأينا كيف قام قادة إسرائيل بتعميم فكرة "الخطر الإسلامي" من خلال زيارتهم الرسمية إلى دول كثيرة في أعقاب حرب الخليج (الفارسي).

لقد أدركت القيادات التاريخية في كل من إيران والوطن العربي موقع اسرائيل بالنسبة إلى أمن العالم الإسلامي بصورة عامة، والأمن القومي العربي والأمن الإيراني بصورة خاصة. وهكذا رأينا ثورة ٢٣ تموز / يوليو تتحدث عن خطر إسرائيل على الدائرة الإسلامية، ورأينا الثورة الإسلامية في إيران تتحدث عن هذا الخطر، "فليس هدف الدول الاستعمارية الكبرى من خلق إسرائيل هو احتلال فلسطين فحسب، وإنما سيكون لكل الدول العربية نفس مصير فلسطين إذا أعطيت لإسرائيل الفرصة"، على حد ما جاء في بيان الامام حول دعم قضية فلسطين [٨]. وقد نبّهت تصريحات رسمية إيرانية وعربية مراراً إلى "أن إسرائيل تحاول استغلال الانقسامات الحاصلة في العالم العربي لتحقيق أهدافها بالهيمنة"، كما جاء في البيان الذي صدر مؤخراً عن الرئاسة الإيرانية بمناسبة زيارة وزير الخارجية السوري يوم ٧ / ١ / ١٩٩٥. وتشهد منطقتنا في هذه الفترة مايشبه الإجماع على استشعار خطر "التسلح النووي الإسرائيلي"، وعلى ضرورة تعبئة قدرات دول المنطقة الدبلوماسية لإجبار إسرائيل على تدمير أسلحتها النووية. ومن الملفت التقاء مصر وإيران على هذا الأمر على الرغم من اختلافهما في أمور أخرى، مما يؤكد تنامي الادراك بموقع إس

رائيل من الأمن القومي لكل منهما، وما تمثله من تهديد لأمن العالم الإسلامي كله.

ثالثاً: آثار محاولات التسوية الراهنة للصراع العربي -

الإسرائيلي في العلاقات العربية - الإيرانية

تتم محاولات التسوية الراهنة للصراع العربي - الإسرائيلي وفق مخطط أمريكي صهيوني لإقامة "نظام الشرق الأوسط" في دائرتنا الحضارية الإسلامية. وما يتضمنه هذا المخطط الذي يحمل في طياته تأثيرات سلبية في العلاقات العربية - الإيرانية. ولكي نحيط بهذه التأثيرات السلبية ينبغي أن نستحضر مخطط النظام، وقد صدرت كتابات جادة حوله في وطننا العربي، من بينها واحد أصدره مركز دراسات الوحدة العربية، ونقف عند أمور بعينها فيه فصلت شرحها في كتابيّ في مواجهة نظام الشرق الأوسط" ولا للحل العنصري في فلسطين.

أول هذه الأمور: أن هذا النظام موجه إلى الدائرة الإسلامية مكاناً بهدف تثبيت الكيان الصهيوني فيها والتحكم من ثم في أمورها. وهو وثيق الصلة بالمخطط الأمريكي لإقامة "النظام العالمي الجديد" الذي رفع شعاره جورج بوش إبان أزمة الخليج (الفارسي)، وبما يتضمنه هذا النظام من جوانب تتصل باعتبارات السوق. وقد أكد ساتو الياباني، مدير عام الأبحاث في مؤسسة دولية للسلام في طوكيو، في حديثه إلى جريدة الحياة يوم ٣١ / ٥ / ١٩٩٤ بعد أن زار المنطقة: "وجوب التعاون بين دول المنطقة لأنك إذا نظرت إلى تاريخها تجد أن الحدود الحالية لا معنى لها، وأن العلاقات الاقتصادية بين دولها ايجابية في كل الأحوال".

ثاني هذه الأمور: أن هذا النظام بعد أن يعمد إلى تصفية قضية فلسطين من دون إحقاق الحقوق الوطنية الثابتة غير القابلة للتصرف للشعب العربي الفلسطيني، ينصّب من "إسرائيل" قائدة للمنطقة، تتحكم في سياسات دولها من خلال التدخل في ستة موضوعات، هي أنظمة الحكم والاقتصاد والبيئة والتسلح وتوزيع الثروات والسكان.

ثالث هذه الأمور: أن هذا النظام يأخذ في حسبانه الأطراف الدولية، التي سيكون لها نشاطات في المنطقة. وهذا ما دعا مخطط عملية التسوية إلى أن يجعلها في مسارين: مسار المباحثات الثنائية بين إسرائيل وأطراف عربية، ومسار المفاوضات المتعددة الأطراف التي يشارك فيها أكثر من ثلاثين دولة وتناقش في لجان الموضوعات الستة.

لقد جاء انعقاد مؤتمر قمة الدار البيضاء الاقتصادي آخر شهر تشرين أول / اكتوبر ١٩٩٤ في إطار المساعي لإقامة نظام الشرق الأوسط. وكان من الملاحظ فيه أن الدعوة لم توجه إلى إيران والعراق وليبيا وهي من الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة "رافضة"، كما لم تحضر المؤتمر سوريا، ولم يحضره لبنان. وحين سئل شمعون بيريس عن إمكانية قيام شرق أوسط جديد في غياب هؤلاء، أجاب: بـ "أنه لايمكن ذلك"، لكنه شدد على أن إسرائيل تؤيد السياسة الامريكية تجاه "الدول الرافضة". ويلفت النظر أن ساتو الياباني أوضح في تصريحه سالف الذكر "أن الغرب واليابان ينظران باهتمام إلى فرص السلام في المنطقة، لكن ما يخافونه هو أن تتزايد مشكلة إيران، في ظل التباين في وجهات النظر حول طريقة احتواء هذه الدولة وسياستها الراهنة". وهذا الحديث يكشف عن مرامي الغرب والدول التابعة له من هذا النظام، كما يكشف عن كيفية تأثير تنفيذ المخطط في العلاقات العربية - الإيرانية. وقد أدركت سوريا مبكراً الهدف من المفاوضات متعددة الأطراف، فقاطعتها مع لبنان. والدعوة إلى مقاطعتها متزايدة في أوساط المفكرين العرب الاستراتيجيين، ومنهم أمين هويدي الذي دعا في مقال في الاهرام يوم ٣١ / ١ / ١٩٩٥ إلى "مقاط

عة اللجان متعددة الأطراف التي تحاول إسرائيل من خلالها "نشل" عوامل القدرة، من مياه وقوة بشرية ورأس مال وسوق كبيرة وطاقة، من جيب العرب".

واضح أن لعملية التسوية الجارية عند "مصمميها" واضعي مخطط النظام شرق الأوسطي أهدافاً استعمارية تستهدف، في ما تستهدف، تخريب العلاقات العربية - الإيرانية، لتمكن إسرائيل من النفاذ إلى المنطقة، وقوى الهيمنة الغربية بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية من إحكام سيطرتها عليها. وقد حذرت صحيفة طهران تايمز بمناسبة انعقاد مؤتمر القمة الاقتصادية للدول العربية من فتح أسواقها لإسرائيل، معتبرة أن الدور الإسرائيلي في الأسواق العربية سيخدم إسرائيل وحدها.

واضح أيضاً أن لعلمية التسوية مضاعفاتها وتداعياتها التي لم يكن بعضها في حسبان "مصمميها". وقد توقع حدوثها الفكر النابع من المنطقة. والملفت أن المخططات الخارجية تتضمن دوماً ثغرات تؤدي إلى حدوث تناقضات عند تنفيذها، وليس هذا غريباً، وواضعوها هم من خارج المنطقة، لا يفهمونها حق الفهم ويريدون بها شراً، فيمكرون ويمكر الله واللّه خير الماكرين. وما أكثر ما اعترف أولئك المخططون بهذه الحقيقة بعد فوات الأوان. ومثال على ذلك، وصف انتوني ليك، في مقاله في فورين افيرز، الاستراتيجيا الأمريكية تجاه إيران والعراق مرتين خلال السبعينيات، بأنها كانت مدمرة.

وقد كرّر ذلك الوصف مارتن انديك في مجلس الشيوخ في شباط / فبراير ١٩٩٤. ومعلوم كم عانت دائرتنا جراء هذه الاستراتيجيا المدمر وانسياق البعض منا إلى الوقوع في شباك تفجير التناقضات بيننا. وحين نستحضر تداعيات عملية التسوية ومضاعفاتها، نجد من بينها تصاعد الإرهاب الرسمي الإسرائيلي وازدياد الأطماع التوسعية التي تتطلع في هذه المرحلة إلى "الهيمنة الاقتصادية" لما أسماه بعض مفكرينا العرب بـ "إسرائيل العظمى" في المخيلة الصهيونية، تماماً كما نجد تصاعد المقاومة وصلابة عودها وارتقاء عملياتها النوعية، بفعل روح الإيمان الفياضة التي اتسمت بها وتجسدت في جنوب لبنان وفلسطين. ونجد تعثّر عملية التسوية على كل المسارات، سواء تلك التي استطاعت قوى الهيمنة الدولية فرض "اتفاقات مملاة" على أطراف عربية فيها، أو التي لم تستطع.

لقد توقع بعضهم في الغرب هذا التعثر مبكراً، ومنهم ميشيل جوبير الذي قال في دراسته سالفة الذكر: "ربما تتوافر الفرص لتسوية عرجاء بين الإسرائيليين والفلسطينيين، تحرم المزايدات في الدول العربية من ميدانها المفضل، لكن يمكن للمرء أن يراهن بأنه إذا ما قام هذا الهدوء المقلقل، فإن المنازعات بين العرب ستستأنف بقوة أكثر فأكثر، مما يبرر ويسهل في آن واحد الوجود الأمريكي". وما يصدق على العرب في ما بينهم يصدق على العلاقات العربية - الإيرانية بين بعض الدول العربية وإيران، حين يحدث الانسياق إلى تضخيم التناقضات الثانوية وتناسي التناقض الرئيسي مع العدو الخارجي الذي يتربص بها جيمعاً….

لقد أدى زلزال الخليج (الفارسي) في مطلع عام ١٩٩١ إلى أن يتكثف الوجود الأجنبي في المنطقة بفعل تضخيم التناقضات الثانوية; وواضح أن قوى الهيمنة الدولية تتبع استغلال عملية التسوية الجارية للحفاظ على وجودها المكثف فيه، بغية نهب ما يمكن نهبه من ثروات المنطقة النفطية، ويعمد هذا النهب إلى وسائل عدة، منها بخس أسعار النفط الخام، ومنها أيضاً استنزاف ثروات الأقطار المصدرة للنفط بشراء السلاح. وواضح أيضاً أن قوى الهيمنة الدولية تستغل عملية التسوية الجارية، فضلاً عن إفساد العلاقات العربية - الإيرانية، في الاستفراد بالدول التي تقاوم هيمنتها في الدائرة الإسلامية دولة بعد أخرى. وهانحن نراها تعمد إلى فرض اللقاء مع إسرائيل على الأطراف التي وقعت "اتفاقيات سلام"، كما حدث يوم ٢ / ٢ / ١٩٩٥، وتحاول ايجاد مؤسسة من هذا اللقاء، كما صرح وزير الخارجية الأمريكي، تواجه الدول التي ترفض التوقيع. وقد رأينا كيف حرصت بعض هذه الأطراف على أن تعلن عن عدم قبولها بذلك، وأن تعمل على وضع اللقاء في حجم صغير وتحاول التمسك بالنظام القومي.

لعل من أهم الظواهر التي نراها اليوم في سماء "دائرتنا الإسلامية" هي ظاهرة الاستجابة لتحدي عملية التسوية التي تحاول قوى الهيمنة فرضها علينا، ونهوض الفكر في منطقتنا بدوره في إطار هذه الاستجابة. وقد كان من أهم ما طرحه هذا الفكر ضرورة العمل لإقامة نظام إقليمي نابع من الدائرة الإسلامية جمعاء. وكان جمال حمدان قد تحدث في كتابه "استراتيجية الاستعمار والتحرير" عن "مثلث القوة" الإقليمي الذي يضم في نطاق هذه الدائرة تركيا وإيران ومصر. وقد تبنّى محمد السيد سليم هذا المصطلح في بحثه في شؤون الأوسط [٩]. ونجد في إيران حديثاً عن "شرق أوسط ثقافي ثوري جديد يرتكز على الانتماء للإسلام ويضم الشعوب الإسلامية من آسيا الوسطى إلى شمال افريقيا في إطار مفهوم ثوري يقترب من المفهوم الإيراني للعلاقات الدولية" كما يقول إبراهيم عرفات. وكان كاتب هذه السطور قد عالج موضوع "التضامن الإسلامي وإمكانية قيام نظام إقليمي في العالم الإسلامي" لندوة العالم الإسلامي والمستقبل التي عقدت في القاهرة (١٠ / ١٩٩١)، ونشره في كتابه "عن المستقبل برؤية مؤمنة مسلمة"، ثم طرح الموضوع في مطلع عام ١٩٩٢ في مقال "نظام إقليمي في منطقتنا" الذي ضمنه كتابه "عمران لا طغيان". وهو ي

جد أن أفضل ما يختم به هذا البحث هو ماجاء في ذلك المقال، ولذا فإنه يستأذن في إرفاقه بنصه [١٠].

ـ

١ - مجمعي، دارس تأريخ، معني بالدراسات المستقبلية عن فلسطين.

٢ - النجم / ٣٦ - ٤٤.

٣ - العصر / ٣.

٤ - عبد المنعم المشاط، "الأمن القومي العربي: لا تزال هناك فرصة" شؤون الأوسط، العدد ٣٦ (كانون الأول / ديسمبر ١٩٩٤).

٥ - ميشيل جوبير (وآخرون)، ماذا بعد عاصفة الخليج: رؤية عالمية لمستقبل الشرق الأوسط، تقديم إبراهيم نافع (القاهرة: مركز الاهرام للترجمة والنشر، ١٩٩٢).

٦ - no. ٢ (March - (Confronting Backlash States,) Foreign Affairs, vol. ٧٣. ١٩٩٤ April Anthony Lake,

٧ - هوشنك أمير أحمدي، إيران والتهديد الاسلامي: المقاربة الاسرائيلية الجديدة، شؤون الأوسط، العدد ٣٤ (تشرين الأول / اكتوبر ١٩٩٤).

٨ - في مواجهة الصهيونية، ترجمة خضر نور الدين ورفعت سيد أحمد.

٩ - محمد السيد سليم، "التفاعل في "مثلث القوة" إطار فكري ومؤسساتي" شؤون الأوسط، العدد ٣٣ (أيلول / سبتمبر ١٩٩٤)، وهو في الأصل ورقة قدّمت إلى: ندوة "نحو حوار ثلاثي متكافئ بين العرب وإيران وتركيا"، التي عقدت في بيروت بتاريخ ١٤ - ١٥ تموز / يوليو ١٩٩٤.

١٠ - أضاف الاستاذ الباحث ملحقا بشأن "نظام اقليمي في منطقتنا" حذفناه للاختصار، وفيه يقترح على أمانة جامعة الدول العربية وأمانة منظمة المؤتمر الاسلامي تشكيل "لجنة تفكر" تضم نخبة من مفكرينا في الدائرتين العربية والاسلامية لتصوغ كل منهما ورقة عمل بشأن النظام الاقليمي في منطقتنا لبلورة أفكار وتصور، وتناقشه المؤسسات المعنية فيها وصولا الى إقراره.



[ Web design by Abadis ]