ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حقائق هامة في الحوار الاسلامي - الاسلامي \ السيد محمد حسين فضل اللّه

لماذا الوحدة الإسلامية؟

وكيف نتصورها بطريقةواقعية؟

وكيف نتحرك نحوها؟

وما هي المشاكل التي تواجهها؟

من أجل أن نستكمل عناصر الموضوع في العنوان الاول قد نلاحظ أن مسألة الوحدة الإسلامية هي مسألة الإسلام في خط الدعوة والحركة والواقع، لأن نجاح الدعوة يفرض خطة موحدة تؤكد التصور الواضح لعقيدته وشريعته ومنهجه وأساليبه وأهدافه بحيث يمكن للدعاة أن يقدموا للناس صورته في مقابل الصور الأخرى بالطريقة التي تؤصل المفاهيم وتمنح الثقة، وتركز الخط وتوازن الواقع.

ولابد في ذلك من التكامل بين المفكرين والمجتهدين في أعمالهم الثقافية والفقهية من أجل تقريب المضمون الإسلامي الى وجدان الإسلام وترتيب مفرداته لتركيز القاعدة الفكرية الواحدة، فلا يكون لدينا عدة إسلاميات، كما يحاول البعض من العلمانيين الحديث عنه، بل إسلام واحد لا تختلف عناوينه

في خطوط الفكر والواقع الا ببعض التفاصيل التي لا تمس الخط العام، لان الاختلافات الكبيرة قد تؤدي - كما أدت - الى الارتباك والفوضى في حركية التصور الإسلامي في الوجدان العام، لاسيما عندما تختلط مقاييس الخطوط العقيدية فيما هو الإيمان والكفر، فنجد إنسانا يكفر إنساناً آخر أو يضلله أو يتهمه بالانحراف من دون ضوابط موحدة في ذلك، مما يجعل لأي إنسان أن يمارس مسألة التكفير والتضليل بطريقة ضبابية فتتحول العلاقات الاسلامية من خلال فوضى التصورات - لاسيما لدى العامة من الناس - الى ما يشبه العلاقات بين الأديان المشددة، حتى أن المذهب الواحد قد يعيش في داخله مثل هذا الارتباك النفسي حتى لم يعد الناس يفرقون بين ماهو إسلام وما هو كفر.

ومن الطبيعي أن مثل هذا الواقع التصوري في الوجدان الإسلامي يقف حاجزاً بين الدعاة وبين الانفتاح على الآخرين في تقديم الصورة الواحدة للإسلام.

وهذه هي مشكلة المذهبية الكلامية أو الفقهية المتعددة وما يتفرع عنها من اختلاف في المفاهيم على مستوى اكتشاف المذهب الاقتصادي والاجتماعي والتربوي والسياسي من داخل الخطوط المتشابكة في داخل المضمون العقيدي والفقهي مما لا يستطيع الدعاة فيه أن يقدموا للإنسان المعاصر صورة واحدة عن المضمون الإسلامي للاتجاه الفكري في العناوين المعاصرة التي تواجه حياة الإنسان في قضاياه العامة في الواقع.

وربما تمتد المسألة الى الجانب الحركي الذي قد يتحول الى ما يشبه الاختلاف في المذاهب، عندما تتنازع الحركات الإسلامية المتعددة في نظام الحكم وفي أسلوب العمل، وفي مواجهة الصراع من حيث الرفق والعنف والتقاطع والتواصل في العلاقات الدولية، هذا بالإضافة الى تعقيدات المؤثرات

المذهبية التي تحولت في الوجدان الشعبي الى حالة حادة من العصبية الخانقة ضد المسلمين الآخرين من خلال بعض التراكمات التاريخية والتعقيدات النفسية في قضايا التاريخ المنعكسة على الواقع، الأمر الذي قد ينعكس سلباً على هذه الحركة أو تلك في داخلها أو على علاقتها بالحركة الإسلامية الأخرى بحيث قد تتمثل في الواقع إما بالمقاطعة أو المجاملة القائمة على التكاذب لتبقى القضية في دائرة فقدان الثقة بينها بحيث لا مجال - أمام ذلك - لأية عملية تنسيق أو تخطيط لعمل مشترك.

حتى أن تجربة العمل المشترك - في بعض الظروف - تتحول الى الاهتزاز الداخلي بفعل الخلفيات في سلوك هذا أو ذاك من القائمين على العمل انطلاقاً من النظرة الحذرة الى الموقف هنا وهناك.

وعلى هذا الأساس، فأننا لا نستطيع الوصول الى وحدة إسلامية حركية أو جبهة إسلامية في علاقة الحركات الإسلامية ببعضها البعض، أو حالة إسلامية في التعايش بينها، بما يمنع إسقاط إحدى الحركتين للأخرى في المستوى الإعلامي أو السياسي أو الاجتماعي.

وإذا اقتربنا من واقع السياسة الدولية في موقفها من قضايا العالم الإسلامي لاسيما القائمين على الاستكبار العالمي من قادة الدول الكبرى، فإننا نجد هناك عقدة تاريخية من الإسلام - لاسيما في الغرب - بحيث تعيش في منطقة اللاشعور في وجدان الانسان الغربي، كما نجد تصادماً بين المصالح الاستكبارية في الواقع الإسلامي وبين مصالح المسلمين بالدرجة التي يجد فيها الاستكبار العالمي نفسه معنيا بالسيطرة على كل مفاصل الاقتصاد والأمن والسياسة من أجل تأمين مصالحه الحيوية لتكون كل ثروات المسلمين رصيداً احتياطياً لثرواته فلا يبقى للمسلمين منها إلا القليل، كما تتحول المواقع

الاستراتيجية في البلاد الإسلامية الى هامش لحاجاته الأمنية والسياسية في صراعاته المتنوعة، ليكون العالم الإسلامي تابعاً له في كل قضاياه بحيث لا يملك أية فرصة للتحرك الذاتي.

وقد استطاع الاستكبار العالمي وحلفاؤه الاستفادة من واقع اللاوحدة بين المسلمين، ومن سلبيات التمزق الوجداني المذهبي أو النزاع المتجذر في العمق والتخلف الثقافي والسياسي والاجتماعي في التصور والحركة والعلاقات، فعمل على تحريك الخلافات المذهبية الى درجة التقاتل، وتعقيد العلاقات الحركية الى مستوى التقاطع، حتى لم يعد لدينا عالم إسلامي بالمعنى السياسي الذي يلتقي فيه المسلمون على قضاياهم الحيوية، وتطلعاتهم الثقافية، وأوضاعهم السياسية في كل علاقاتهم الواقعية ببعضهم، ولعل أصدق صورة للواقع هو ما قاله الشاعر العربي في تصويره للواقع التاريخي للمسلمين:

وتفرقوا شيعاً فكل قبيلة *** فيها أمير المؤمنين ومنبر

وهذا هو الذي أسقط الاندفاعة الإسلامية في الدعوة والحركة والواقع، فلم يعد للإسلام تأثير كبير في ثقافة العالم وسياسته واقتصاده وأمنه، لاسيما بعد أن استطاع الاستكبار العالمي السيطرة على أنظمة الحكم في البلاد الإسلامية، بحيث اندفع الحكام فيها الى محاصرة الثقافة والسياسة والاجتماع في حركة المسلمين العاملين على أساس إعادة الإسلام الى الواقع الإنساني كقاعدة للفكر والعاطفة والحياة، فلم يسمح للإسلاميين - في أغلب هذه البلدان - أن يتحركوا سياسيا بحرية، لان الإسلام لا دخل له بالسياسة.

وقد استطاعت هذه الأنظمة أن تسخر بعض العلماء والفقهاء والوعاظ والخطباء ليكونوا بمثابة الاحتياطي الإسلامي لمواجهة المتطرفين - كما يعبر عن الإسلاميين الواعين والحركيين - ليبرروا للحاكمين أعمالهم، أو ليطلقوا

الدعوة في التطبيع مع الأنظمة والاكتفاء بالنصيحة الخجولة، حتى أصبح الواقع الديني لاسيما في المواقع الرسمية أو شبه الرسمية، واقع وعاظ السلاطين الذين يقدمون لهم فتوى بالحرب عندما يريدون الحرب، وفتوى بالسلم عندما يريدون السلم، وهكذا في الحديث عن الرفق والعنف.

إن هذا كله قد يكون نتيجة للتمزقات الإسلامية المذهبية والاجتماعية والحركية التي أضعفت الواقع كله، ففقد المسلمون قوة الضغط واستقامة الطريق ووحدة الهدف.

وهذا هو الذي يجعلنا نصل الى الجواب الحاسم، أن الوحدة الإسلامية هي من اجل الإسلام; الفكر والدعوة والحركة والواقع ليكون الدين كله للّه.

أما العنوان الثاني، فيجدر بنا أن نفكر أن التاريخ الثقافي المعقد في الجدل التاريخي الذي كان ولا يزال دائرا بين علماء المسلمين في مذاهبهم المتعددة قد يكون ناتجا عن فقدان الروحية الحوارية التي تعتبر الحوار وسيلة من وسائل اكتشاف الحقيقة بالتعاون مع الآخر، وذلك بالاستماع الى وجهة نظره بفكر منفتح، بعد تقديم وجهة نظره له، فلا يكفي أن يصل الإنسان الى الحقيقة من خلال تجربته الذاتية، لان من الممكن أن يكتشف شيئا آخر في التجربة الثقافية المشتركة في ساحة الحوار، فلا بد له - أمام ذلك - من أن يتمثل إسلامه في مذهبيته ليعيش إخلاصه للّه في حركته الفكرية نحو الحق، وأن يختزن في وجدانه الديني أن الخط المذهبي يمثل وجهة نظر في فهم الإسلام في تجربته الثقافية، فلا يمنع ذلك من أن تتبدل وجهة نظره في الاتجاه الآخر، فذلك هو الذي يجعله أكثر قدرة لفهم حقيقة انتمائه الذي قد يكون ناشئا من واقع وراثي أوعاطفة خاصة أو تأثير اجتماعي تقليدي، مما قد يؤثر في التزامه الثقافي به… ويمكن أن يمتد ذلك الى الاختلافات الاجتهادية في داخل المذهب الواحد، فان مثل هذه الروح الموضوعية قد تتيح للإنسان الفرصة للاختيار الذاتي في التزاماته الكلامية أو التاريخية أو

الفقهية.

وهذا هو ما نستوحيه من قوله تعالى: (وإنا أو إياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين) [١].

فان إيحاءات هذه الآية في الطرح الإسلامي في الحوار مع الآخر - حتى لو كان كافرا - أن يعيش المتحاوران ذهنية الشك الموضوعي المتبادل في أسلوب الحوار، بحيث تحكم هذه الذهنية كل مفرداته، فلا يكون هناك أي حالة ذاتية بل هناك حقيقة ضائعة بين الطرفين يلتقي; الطرفان على السعي المشترك لاكتشافها، في هذا الانتماء أو ذاك أو في انتماء آخر، وقد نستوحيه في التأكيد على النقاط المشتركة - في البداية - كأسلوب من أساليب تحسين الظروف النفسية للحوار، وذلك هو قوله تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب الا بالتي هي أحسن الا الذين ظلموا منهم، وقولوا آمنا بالذي أنزل إلينا وأنزل إليكم وإلهنا وإلهكم واحد ونحن له مسلمون) [٢].

فإننا نلاحظ التركيز على مواقع اللقاء، وإغفال الجوانب التفصيلية في الخلافات حول ما أنزل إليهم مما أثار المسلمون فيه مسألة التحريف، أو في شخصية إلاله في تعدد الأقانيم لدى النصارى، أو في غير ذلك في صفات اللّه لدى اليهود، وهذا ما نستوحيه أيضا من قوله تعالى: (قل يا أهل الكتاب تعالوا الى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد الا اللّه ولا نشرك به شيئاً ولا يتخذ بعضنا بعضاً أربابا من دون اللّه…. ) [٣].

ـ

١ - سبأ / ٢٤.

٢ - العنكبوت / ٤٦.

٣ - آل عمران / ٦٤.

تتحدث الآية عن الكلمة السواء التي تعني الاعتراف بان أهل الكتاب موحدون حتى لو اختلفوا معنا في تفاصيل الذات الإلهية، وهكذا في رفض ربوبية الإنسان للإنسان التي هي فرع من التوحيد.

وربما نستوحي من هذه الآية أن الكلمة السواء هي العنوان الذي يمثل قاعدة اللقاء بالآخر والتعاون والتعايش معه، كبداية للعلاقة التي يمكن أن تنفتح على حوار طويل خاضع لروحية الإحساس بالقاعدة المشتركة بيننا وبينهم، ويمكن استيحاء ذلك من التأكيد على عنوان الجدال بالتي هي أحسن، في قول اللّه تعالى: (ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن…. ) [١].

إن ذلك كله يمثل المنهج الإسلامي في روحية الحوار التي تحدد مفردات الأسلوب وحركيته بحيث يكون إنسانيا ينفذ الى أعماق الإنسان وظروفه النفسية والثقافية، الأمر الذي يجعل حركة الحوار في الوجدان الداخل والحديث في الخارج حركة تصاعدية انتقائية تبحث عن الأحسن والأفضل في الكلمة والجو والأسلوب والمضمون لتخترق كل الحواجز النفسية التي يمكن أن تحول بين الإنسان وبين الفكرة، لان المسألة كل المسألة هي أن تعترف بالآخر وتحترم تفكيره، وتتعامل معه بالرفق، وأن لا تضطهد فكره بل تفسح له المجال لينفتح عليك في اللقاء بفكرك بهدوء واتزان.

إن المشكلة التي تواجهنا في الحوار الإسلامي - الإسلامي سواء في ساحات المذاهب المتعددة أو الاجتهادات المتنوعة هي التعصب للرأي بالدرجة التي لا مجال فيها لأية إمكانيات اللقاء على أرض مشتركة، مما يرفض فيها أن تقدم له بعض التنازلات، فأما أن يقبل بالجميع أو يرفض الجميع.

ـ

١ - النحل / ١٢٥.

إننا نتصور أن الحوار الواقعي الذي يمكن أن يصل الى نتيجة إيجابية لمصلحة التقارب أو الوحدة هو الحوار الذي ينطلق على أساس أن تلتقي بالآخر في منتصف الطريق… في الكلمة السواء، لان ذلك هو الذي يبعدنا عن التعصب الحاقد الانفعالي الذي هو المرض الذي يجتاح كل الصحة النفسية والروحية والثقافية في ساحات الحياة.

ولعل ذلك هو ما نستوحيه من حديث اللّه سبحانه عن إسلامية النبي (صلى الله عليه وآله) مع الآخرين: (فبما رحمة من اللّه لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك) [١].

فهذه هي الروحية التي تحكم القلب، والأسلوب الذي يحكم اللسان في لين القلب الذي يتمثل في الاحتضان الشعوري للآخر، ولين اللسان الذي يتمثل بالكلمة الطيبة الحلوة التي توحي بالمحبة والرحمة والحنان.

إن المشكلة أن الكثيرين من المسلمين - بما فيهم المثقفون والعلماء - لا يقرأون القرآن في المنهج والأسلوب والعلاقات. وهذا هو الذي يجعل القلب في سواد دائم وتشنج متواصل في مواجهة حالة الخلاف المذهبي والاجتهادي مع الآخر، بالدرجة التي قد تصل المنطق اليهودي الذي تحدث عن المقارنة بين المشركين والمسلمين في حديث اللّه عن ذلك في قوله تعالى: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا) [٢].

أننا نعتقد ان علينا أن نخطط - على المدى البعيد - لبرنامج ثقافي تربوي يعمل على أساس إنتاج الذهنية الإسلامية التي يتحسس فيها المسلم إسلامه قبل أن يتحسس فيها مذهبه، لتكون الروحية الإسلامية هي التي تحدد له روحية

ـ

١ - آل عمران / ١٥٩.

٢ - النساء / ٥١.

المذهب، كما يعمل على أساس تركيز الذهنية الموضوعية العقلانية البعيدة عن العاطفية والانفعال.

وهذا هو الذي يمكن لنا أن نصل من خلاله الى بعض النتائج الإيجابية في هذا المجال. هذا من جهة.

ومن جهة أخرى فان من الممكن العمل على أساس التجربة الإسلامية الوحدوية في الساحة السياسية، فهناك قضايا إسلامية في الساحة السنية كقضية فلسطين، وهناك قضايا سياسية في الساحة الشيعية كقضية إيران، وهناك قضايا مشتركة بينهما، وعلينا أن لا نمذهب هذه القضية أو تلك لنفصل الوجدان الشعبي عن هذه القضية الإسلامية أو تلك، وهذا مالاحظناه لدى بعض التقليديين من السنة والشيعة الذين نرى بعضهم يتعقد من القضية الفلسطينية باعتبارها قضية سنية، ونرى البعض الآخر يتعقد من القضية الإيرانية باعتبارها قضية شيعية، بحيث فقد هؤلاء وهؤلاء الوعي السياسي الذي يعرف من خلاله أن المسألة هنا وهناك هي مصلحة الاستكبار الغربي والشرقي والصهيوني وليست مسألة مذهب معين، الأمر الذي يحرك النتائج السلبية في حياة المسلمين كلهم في إسقاط مصالحهم الحيوية، وقضاياهم المصيرية.

علينا أن نرتفع الى مستوى الوعي السياسي الذي يدرس خلفيات التحديات الاستكبارية للواقع الإسلامي كله للسيطرة عليه مستغلا في أساليبه المخابراتية، هذا التعقيد المذهبي ليحيد الشيعة عن القضايا الإسلامية في الدائرة السنية، أو يحيد السنة عن القضايا الإسلامية في الدائرة الشيعية بوحي التخلف السياسي والثقافي.

وإذا كنا نؤكد على القضايا السياسية فإننا نرى امتداد الخط السياسي في المسائل الاقتصادية والأمنية لانها تمثل النتائج الحيوية في المسألة السياسية التي يحكمها الاقتصاد والأمن في العالم الثالث كله.

لقد عاش العالم الإسلامي تجربة إيجابية في أكثر من مسألة سياسية تتصل بأكثر من قضية إسلامية، في الجانب الشعوري أو في الموقف السياسي. ولابد لنا من أن ندرس مثل هذه الوحدة السياسية الشعورية والعلمية، فقد نجد فيها لونا من ألوان التجربة التي تخطط لأكثر من قضية حاضرة ومستقبلية.

وربما كانت الوحدة السياسية وسيلة للاقتراب من الوحدة الثقافية والروحية.

أما العنوان الثالث: فقد نلتقي به في بعض التجارب الواقعية التي أثبت نجاحها جزئياً في بعض المؤسسات الوحدوية الإسلامية، مثل "جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية" في مصر، و"مجمع التقريب" في إيران، و"تجمع العلماء المسلمين" في لبنان، وأمثال هذه التجمعات التي يلتقي فيها العلماء من السنة والشيعة لقاء ثقافيا فكريا كوسيلة للوحدة في المستقبل.

وهكذا نجد التجربة إيجابية في التعاون بين السودان وإيران أو بين بعض الحركات الإسلامية المتعددة المذاهب، في لبنان وفلسطين والسودان وغيرها، أو في التلاقي الفكري بين الشخصيات الإسلامية القيادية، أو في المؤتمرات الوحدوية التي تعقد على أساس القاعدة الإسلامية في لقاءات العلماء والمفكرين الإسلاميين.

إن مثل هذه النماذج التي تتمثل في أكثر من بلد إسلامي، وفي أكثر من موقع سياسي قد تصلح كنموذج للمستقبل الكبير الإسلامي الوحدوي، باعتبار أن نجاح الوحدة أو التقارب في بعض المواقع قد يحمل الواقعية لنجاحات أخرى في مواقع متعددة.

ولابد لنا من دراسة مثل هذا التجارب الوحدوية في عناصر القوة والضعف فيها، لنستزيد من الإيجابيات ونتفادى السلبيات في المستقبل.

أما العنوان الرابع: قد يكون من الضروري أن يعي المسلمون جيداً أن الوحدة الإسلامية حتى على مستوى التقريب بين المذاهب الإسلامية من الممنوعات الاستكبارية التي يعمل المستكبرون على الوقوف أمامها بشدة - ثقافياً وسياسياً واجتماعيا - مما يجعل من قضية الوحدة الإسلامية قضية في مستوى قضايا التحرر من الاستكبار العالمي في خططه الشريرة في العالم الإسلامي، في مقدمتها منع صنع القوة بين المسلمين، لان ذلك سوف يعطل الكثير من مصالحهم الحيوية في هذا العالم.

ومن ناحية أخرى; فان قوى التخلف المضادة في داخل الأمة قد تقف حائلا أمام الوحدويين العاملين في خط الوحدة الإسلامية وذلك بالتأكيد على الهوامش الصغيرة والتفاصيل الجزئية من أجل إقامة الحواجز النفسية والثقافية بين المسلمين على قاعدة التصعب في دوائر التفكير والتفسيق والتضليل.

ويبقى للوحدويين أن يؤكدوا للخائفين على انتماءاتهم المذهبية أو مواقعهم الاجتهادية، أن الوحدة لا تعني - في حركيتها في الواقع - دعوة الإنسان ليترك مذهبه تلقائيا، بل إنها تعني أن يلتقي المسلمون على الخطوط العقيدية والشرعية للإسلام، وليتحاوروا فيها; يختلفون فيه من التفاصيل هنا وهناك، على أساس إرجاع الأمر الى اللّه ورسوله بما يتنازعون فيه على ما جاء في قوله تعالى: (فان تنازعتم في شيء فردوه الى اللّه والرسول) [١].

إن الوحدة الإسلامية هي قاعدة القوة للمسلمين وهي منطلق التقدم والحرية والإبداع في العالم الإسلامي كله من أجل أن يكون قوة عالمية كبرى تساهم في صنع مستقبل العالم بأسره: (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين اللّه لكم آياته لعلكم تهتدون) [٢].

(إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون) [٣].

والحمد للّه رب العالمين وهو حسبنا ونعم الوكيلـ

١ - النساء / ٥٩.

٢ - آل عمران / ١٠٣.

٣ - الانبياء / ٩٢.



[ Web design by Abadis ]