ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 أثر المعتزلة على الادب العربي \ فالح الربيعي

المعتزلة من الفرق الاسلامية الهامة التي كان لها أكبر الاثر على ثقافة المسلمين. لقد ظهرت هذه الفرقة لكسر الجمود الناتج من العكوف على النصوص، فأصبح للعقل دور هام في البحوث والدراسات الاسلامية، غير أن بعض أصحاب هذا الاتجاه غالى في استعمال العقل، فوقعوا في تفريط جعلهم يتراجعون أمام الفكر الاشعري. أثر الاعتزال كان واضحا في جميع مجالات المعرفة والفنون، ومنها مجال الادب الذي يتناوله هذا المقال.

لا ريب أنّ الاختلافات الفكرية والعقيدية التي ظهرت بين المسلمين وبرزت بشكل واضح ليست وليدة العصر الذي بدأت تتخذ فيه طابع المذاهب والفِرَق، أي أنّها لم تظهر دفعة واحدة، بل إنّ جذورها تمتد إلى فترة مبكّرة من التاريخ الاسلامي، وإذا شئنا الدقّة قلنا إنّ هذه الاختلافات بدأت بالظهور اعتباراً من وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) والتحاقه بالرفيق الأعلى، ففي حياته كان وجوده (صلى الله عليه وآله) ومبادرته إلى حلّ المشاكل التي قد تنجم بين المسلمين، ونزول الآيات القرآنية

وتسليم المسلمين بحكمها، كان يحول دون ظهور أيّ اختلاف فكري أو عقائدي بين المسلمين، بل لم يكن هناك أي داع أصلاً للاختلاف.

والحقيقة أنّ الاختلاف بدأ بالبروز بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله) مباشرة وبالتحديد حول مسألة الخلافة، أي تحديد من هو الأحق بأن يخلف رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في قيادة المسلمين، وإدارة شؤونهم، فظهرت على أثر ذلك أهم الفرق الاسلامية في القرن الهجري الأول وهي الخوارج، والشيعة، والمرجئة [١].

نشأة المعتزلة

بالاضافة إلى الاختلافات السياسية والعقيدية بشأن تعيين الأصلح لتولي منصب الخلافة، فإن هناك حادثة تاريخيّة شهيرة ذكرها أغلب المؤرّخين كنقطة انطلاق لظهور الاعتزال مذهبا مستقلا له مبادؤه وأسسه الخاصّة به:

"دخل واحدٌ على الحسن البصريّ، فقال: يا إمام الدين، لقد ظهرت في زماننا جماعةٌ يكفّرون أصحاب الكبائر، والكبيرةُ عندهم كفر يُخرَجُ به عن الملّة وهم وعيديّة الخوارج، وجماعة يُرجئون أصحاب الكبائر، والكبيرةُ عندهم لا تضرّ مع الإيمان، بل العملُ على مذهبهم ليس ركناً من الإيمان، ولا يضر مع الايمان معصيةٌ كما لا ينفع مع الكفر طاعة وهم مرجئة الأمة، فكيف تحكم لنا في ذلك اعتقاداً؟ فتفكّر الحسن في ذلك، وقبل أن يجيب قال واصل بن عطاء: أنا لا أقول إن صاحب الكبيرة مؤمنٌ مطلق، ولا كافرٌ مطلق; بل هو في منزلة بين المنزلتين، ثم قام واعتزلَ إلى اسطوانة من اسطوانات المسجد يقرّرُ ما أجابَ به على جماعة الحسن، فقال الحسن: اعتزلَ عنّا واصل، فسُمّي هو وأصحابه معتزلة" [٢].

ـ

١ - فجر الاسلام / ٢٥٢.

٢ - الملل والنحل ١ / ٤٨ ومابعدها.

وفيما يتعلّق بتحديد التاريخ الدقيق الذي ظهرت فيه حركة الاعتزال فإن الغالبية العظمى من المؤرّخين يكادون يتّفقون على أنها نشأت بمفهومها العلمي الدقيق اعتباراً من بداية القرن الثاني الهجري كما أشار إلى ذلك المقريزي [١] إذ أنه قرر أن المعتزلة ظهروا بعد المائة الأولى من الهجرة في زمن الحسن البصرىّ، وأكّد ذلك أيضاً "هاملتون" في دائرة المعارف الاسلامية، إذ قال: إنّ مدرسة المعتزلة بدأت ببصريين هما واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، وكانت فترة نشاطهما أثناء خلافة هشام وخلفائه الأمويين، أي من سنة ١٠٥ هـ إلى سنة ١٣١هـ.

وأما بالنسبة إلى المكان الذي انطلقت منه حركة الاعتزال فهو بلا شك (البصرة) نظراً إلى أن تلك الحادثة كان وقوعها في مدينة البصرة، كما أكّدت ذلك المصادر التي روتها، ونظراً إلى أن الحسن البصري، وواصلاً كان مركز نشاطهما البصرة.

وأما بالنسبة إلى سبب تسميتهم بالمعتزلة، فإنّ الرأي التقليدي الشائع في هذا المجال والذي ردّده أغلب المؤرخين هو أنهم معتزلة لأنهم اعتزلوا أصحاب الرأيين اللذين كانا سائدين بشأن حكم مرتكب الكبيرة فاعتزلوا أو استقلوا عنهم بقولهم بالمنزلة بين المنزلتين، أو لاعتزالهم أستاذهم الحسن البصري واستقلالهم عنه بالرأي. وهناك آراء أخرى وردت حول سبب تسميتهم.

أثر المعتزلة في الفكر الاسلامي بصورة عامّة

لايمكن لأحد أن ينكر أثر المعتزلة ودورهم الايجابي الفاعل في تحرير الفكر

ـ

١ - خطط المقريزي ٤ / ١٨٣.

الإسلامي من حالة الجمود على النصّ، واتباع الأساليب التقليدية في النقاش والحوار، والاكتفاء بالنصوص القرآنية والأحاديث وحدها في الردّ على معارضي الفكر الاسلامي من مشكّكين، وزنادقة، وملاحدة، وأصحاب الديانات والمعتقدات الأخرى الغريبة عن روح الدين الاسلامي ومبادئه، والذين كان المجتمع الاسلامي يعجّ بهم أثناء فترة الحكم العباسي نتيجة لاختلاط المجتمع الاسلامي بعناصر عديدة من الأمم والشعوب الأخرى التي حملت معها معتقداتها، ومبادئها، وأفكارها، ونشاط حركة الترجمة من تراث تلك الأمم والشعوب.

لم يكن التفكير النصوصي وحده كافياً بأساليبه التقليدية، وبنزعته الميّالة إلى التهرّب من الجدل والحوار، ومن الاستعانة بالأساليب العقلية والمنطقية، والفلسفيّة التي دخلت المجتمع الاسلامي من الثقافات والحضارات الأخرى، في هذه المواجهة…

جهاد المعتزلة في نشر العقيدة الإسلامية

وتروي لنا كتب التاريخ صوراً كثيرة عن جهاد المعتزلة في نشر العقيدة الإسلامية من خلال استخدام نفس السلاح الفلسفي والمنطقي الذي كان يتسلّح به أعداء الدين الإسلامي آنذاك من الزنادقة والملحدين. ويروى في هذا الصدد أن أبا الهذيل العلاف كان من أشدّ رجال المعتزلة صلابة عود وقوة حجة، وكان من أكثرهم دأباً للردّ على المعاندين، ومناظرة المخالفين، فقد روي عنه أنه ألّف ستين كتاباً يبطل فيها حججهم، ويفنّد أقاويلهم [١]، وأنه ألزم الحجّة يهودياً قدم

ـ

١ - المنية والأمل / ٢٥.

إلى البصرة فناظر طائفة من مشايخ المتكلّمين فيها فقطعهم وأفحمهم [١]، وشهد له صالح بن عبد القدوس الزنديق الثنوي المعروف بالبراعة. وقوّة الحجّة حينما ناظره وقطعه، فقال في حقّه:

أبا الهذيل جزاك اللّه من رجل *** فأنت حقاً لعمري مفصلٌ جَدِلُ [٢]

وهكذا كان الحال بالنسبة إلى زعماء المعتزلة الآخرين، مثل واصل بن عطاء، وثمامة بن أشرس، وبشر بن المعتمر، والجاحظ، والنظّام وغيرهم [٣].

خدمات المعتزلة للفكر الاسلامي

يمكننا أن نلخّص الخدمات التي قدّمها المعتزلة إلى الفكر والحضارة الاسلامية، والتأثيرات التي تركوها فيها بالنقاط التالية:

١ - أنّهم أسهموا بشكل فاعل في نقل التراث والثقافة اليونانية في جانبها الفلسفي والعقلي إلى الحضارة الاسلامية، وذلك من خلال اطلاعهم على تلك الثقافة، وتمثّلهم لمعطياتها العقلية والفلسفية [٤].

٢ - وكان لهم الفضل الأكبر في الجمع بين الدين والفسلفة، بينما كان معارضوهم يرون في النزعة الفلسفية نوعاً من الزندقة والإلحاد والخروج عن قواعد الدين.

ـ

١ - أمالي المرتضى ١ / ١٢٤.

٢ - المنية والأمل / ٢٧. المفصل: يفصل بين الحق والباطل بمنطقة وبيانه، جدب: متمكّن من الجدال.

٣ - راجع في هذا المجال المنية والأمل / ١٩، ٢١، ٢٥، ٢٦، ٢٧، وامالي السيد المرتضى ١ / ٩٧، ١٢٦.

٤ - راجع شوقي ضيف / البلاغة تطور وتاريخ / ٣٩، والبخلاء / ٢٤ - ٢٥.

٣ - وبفضل تسلّح المعتزلة بسلاح الفلسفة، والمنطق، وعلم الكلام، وأساليب الجدال والمناظرة فإنهم قد أدّوا دوراً كبيراً وبارزاً في الدفاع عن العقيدة الاسلامية إزاء المعتقدات والديانات الأخرى السماوية المحرّفة منها كالمسيحية واليهودية، والمشركة والإلحادية كالمجوسية، والثنوية، والمانويّة، وقد تمثّل هذا الدور إما في مناقشة وإبطال حجج أصحاب تلك المعتقدات والديانات أو في دعوة غير المسلمين الطالبين للحقيقة إلى الإيمان بالعقيدة الاسلامية.

٤ - وأخيراً، فقد أرسى المعتزلة دعائم حركة عقليّة واسعة كان لها أكبر الأثر في صياغة الحضارة الإسلامية، نظراً إلى أن مذهبهم كان يقوم في الأساس على احترام العقل وتمجيده، والتعويل عليه في استنباط واستنتاج الكثير من الأحكام الشرعية من جهة، وأساليب التفكير السليم من جهة أخرى.

يقول جولد تسيهر (Goldzher) في هذا الصدد: "نحن لا نستطيع نكران أنه كان لنشاط المعتزلة نتيجة نافعة، فقد ساعدوا في جعل العقل ذا قيمة حتى في مسألة الإيمان، وهذا هو الفضل الذي لا يجحد والذي له اعتباره وقيمته، والذي جعل لهم مكاناً في تاريخ الدين والثقافة الاسلامية" [١].

٥ - وعلى أثر اعتماد المعتزلة على العقل كمرجع أساس في استنباطاتهم، وتقريراتهم، ونتيجة لعدم جمودهم على النصوص، وتعبّدهم بها بشكل مبالغ فيه، فقد كان لهم دور كبير في إشاعة أجواء حريّة التفكير، والعقل، ونحن نلاحظ هذا الاتجاه بشكل واضح في عصر المأمون، وفي القرن الرابع الهجري.

ـ

١ - العقيدة في الشريعة والاسلام - جولد تسهير - ترجمة حسن عبد القادر وآخرين / ٢٩٠ - ٢٩١.

وقد بلغت هذه النهضة العقلية الجديدة التي أرسى المعتزلة دعائمها حداً من العمق والتأثير والاتّساع بحيث أنها تركت آثارها حتى على أهل الحديث أنفسهم [١]، وتجلّى هذا التأثير بشكل خاص لدى الأشاعرة رغم عدائهم للمعتزلة، وحربهم الفكرية ضدّهم، وانضمام الكثير من أهل الحديث إلى صفوفهم، فقد آمنوا مع المعتزلة بأنّ البرهان المؤسس على العناصر النقلية لا يعطينا أيّ يقين [٢]، وكانوا في بحوثهم الكلامية متأثرين بالمعتزلة إلى حدّ كبير [٣].

مبادئ مذهب الاعتزال وأصوله

بما أنّ المذهب المعتزلي القائم في الأساس على العقل، وعلم الكلام، والجدل، والفلسفة، قد ترك آثاره ولمساته الواضحة والعميقة على التراث الفكري للمعتزلة وخصوصاً الجانب الأدبي منه، نستعرض بشكل مختصر الأصول والمبادئ التي ارتكز عليها مذهب الاعتزال، وبيان الخصوصيات الفكرية التي امتاز بها المعتزلة عن أتباع الفرق والمذاهب الاسلامية الأخرى.

قام مذهب الاعتزال على خمسة أصول أساسية لابد أن تتوافر جميعها في الشخص لكي يكون معتزلياً دون زيادة أو نقصان [٤] وهي:

١ - التوحيد: ويعد هذا الأصل من أهم الأصول التي قام عليها هذا المذهب، وهم - أي المعتزلة - يعتبرون أنفسهم أشد الطوائف الاسلامية إيماناً بالتوحيد ودفاعاً عنه إزاء الديانات والمذاهب المشركة التي تعتقد بوجود أكثر من إله

ـ

١ - نفس المصدر / ١٠٧.

٢ - العقيدة والشريعة في الاسلام - ص ١١٣.

٣ - انظر: المعتزلة، زهدي جار الله / ٢٥٨ ومابعدها.

٤ - راجع الفصل لابن حزم ٢ / ١١٣.

واحد وذلك من خلال مناظراتهم، وكتبهم ورسائلهم المعمّقة والواسعة التي ألّفوها في هذا المجال للردّ على أصحاب تلك العقائد والديانات.

ونتيجة لتشددهم في أصل التوحيد فقد نفوا أن يكون للّه - تعالى - صفات غير ذاته [١]، لأنّ ذلك يقتضي القول - حسب رأيهم - بالتعدد، وعلى هذا الأساس فقد خالفوا العقيدة التقليدية للسلف والقائلة بقدَم القرآن، فقالوا بخلقه [٢]، كما أوّلوا الآيات القرآنية التي يفيد ظاهرها بأن اللّه - تعالى - يتجسّد في يوم القيامة [٣] ونفوا الرؤية نفي استحالة وحكموا بكفر من يقول بها [٤].

٢ - العدل: ويأتي هذا الأصل في الدرجة الثانية من الأهمية بعد التوحيد من حيث اهتمام المعتزلة به، وتوسّعهم فيه، وكتابتهم للدراسات والبحوث المستفيضة حوله، صحيح أنهم يتفقون في هذا الأصل مع سائر الفرق الإسلامية، إلا أنّ هناك مسائل وموضوعات كثيرة ومتشعّبة طرحوها حول أصل التوحيد كان لها أثر كبير في مجادلاتهم، ومناظراتهم.

ومن تلك المسائل والقضايا مسألة القدر، وهل أنّ الانسان مخيّر في أفعاله أم مجبر، فقالوا بأنّ الله - تعالى - ليس له في أكساب العباد ولا الحيوانات صنع ولا تقدير، لا بإيجاد ولا بنفي [٥]، وأن الإنسان يمتلك الاختيار وحريّة الإرادة في أفعاله، ذلك لأن القول بأن الانسان مجبر في أفعاله يستلزم - حسب رأيهم -

ـ

١ - راجع مقالات الاسلاميين ١ / ٢٤٤ ومابعدها.

٢ - الفرق بين الفرق / ٩٤، والملل والنحل ١ / ٤٢ - ٤٦.

٣ - انظر; الإبانة في أصول الديانة للأشعري / ١٤.

٤ - نهاية الإقدام في علم الكلام للشهرستاني / ٣٥٦، والفرق بين الفرق / ١٥٢.

٥ - الفرق بين الفرق / ٩٤.

نسبة الظلم إلى اللّه، فما كان - تعالى - ليحاسب ويعاقب العبد على فعل سيء أجبره على فعله [١].

٣ - الوعد والوعيد: وهذا الأصل متفرّع من الأصل الثاني (العدل)، وهم لا يختلفون في تفسير هذا الأصل عن سائر فرق المسلمين، سوى أنّهم ينفون الشفاعة على اعتبار أنّها تتنافى مع "الوعيد"، ولذلك فقد أوّلوا جميع الآيات التي ظاهرها إثبات الشفاعة، وتمسّكوا بالآيات التي تُفيد نفيها [٢].

وأما بالنسبة إلى مرتكب الكبيرة وحكمه الأخروي، فقد قرّروا أنّه مخلّد في النار استناداً إلى أصل الوعيد الإلهي، إلا أن عذابه أخف من عذاب المشرك أو الكافر نظراً إلى أنه يعتبر فاسقاً من وجهة نظرهم وليس بمشرك ولا كافر [٣].

٤ - المنزلة بين المنزلتين: هذا الأصل هو الذي ميّز المعتزلة عن غيرهم من الفرق، وهو الذي ارتبط بظهورهم ونشأتهم، إذ اتّخذوا من خلاله موقفاً وسطاً بين الخوارج والمرجئة، وبموجب هذا الاصل يكون صاحب الكبيرة فاسقاً، ولا يقال إنه مؤمن ولا منافق ولا مشرك ولا كافر، فهذا أشبه بأهل الدين…. [٤].

٥ - الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: هذا الحكم اتّفق على وجوبه جميع المسلمين، إلا أن المعتزلة افترقوا فيه عنهم في الارتفاع به من ناحية الوجوب إلى مرتبة أصول الدين، ويرون وجوب استعمال السيف في تطبيق هذه الفريضة بالإضافة إلى الوسائل الأخرى [٥].

ـ

١ - راجع الفصل لابن حزم ٣ / ٩٨.

٢ - راجع الفصل لابن حزم ٤ / ٦٣.

٣ - انظر: الملل والنحل ١ / ٤٥.

٤ - أمالي المرتضى ١ / ١١٥ - ١١٦.

٥ - راجع مقالات الاسلاميين ١ / ٣١١.

أثر المعتزلة في النثر العربي

أنجب المعتزلة الكثير من الكتّاب والأدباء والمصنّفين الذين أغنوا الأدب العربي من الناحيتين الكمّيّة والنوعية; فمن الناحية الكمية [١] أسهم المعتزلة في رفد الأدب العربي في عصوره المختلفة بالعديد من المؤلفات والمصنّفات في فروع المعرفة المختلفة، وفي مقدمتها الدراسات الكلامية، والبيانية، والبلاغية، والنقدية، ومن الناحية النوعية لا يخفى ما كان للاُدباء ومتكلّمي المعتزلة من دور ضخم في تطوير فنّ الكتابة والنثر، وإضفاء اتجاهات، وأساليب، وطوابع جديدة عليه، وفي هذا المجال تتبادر إلى الأذهان أسماء لامعة من رجال المعتزلة وأدبائهم مثل الجاحظ، وأبي حيان التوحيدي، والزمخشري، وابن أبي الحديد، بالإضافة إلى رجال المعتزلة الأوائل أمثال واصل بن عطاء، وعمرو بن عبيد، والنظّام والجبّائي، وبشر بن المعتمر، وأبي هذيل العلاف، وعلي الأسواري…. وغيرهم ممّن شهد لهم المؤرخون وعلماء الأدب واللغة ومعاصروهم بالفصاحة، والبلاغة، والتبحّر في علوم اللغة والأدب.

ولعلّ الخدمة الكبرى التي أسداها المعتزلة إلى الأدب العربي وخصوصاً في جانبه النثري تتمثّل في إضفاء العمق والتشعّب عليه من خلال ذلك المزج الرائع الذي قاموا به بين الأسلوب الكلامي والعقلي والفلسفي في تناول وطرح القضايا والموضوعات المختلفة، وبين النثر الأدبي بطابعه الفنّي، كمانرى هذا الاتجاه بوضوح لدى الجاحظ وأبي حيان التوحيدي. يقول الدكتور شوقي ضيف:

"أفاد المعتزلة من الفلسفة أن نظّمت عقولهم تنظيماً دقيقاً وأن جعلتهم

ـ

١ - راجع للاطلاع على المؤلفات الغزيرة التي كتبها المعتزلة; انظر: معجم الأدباء ١٦ / ١٠٦، ولسان الميزان ٤ / ٣٥٧، ومروج الذهب ٤ / ٢٢ - ٢٨.

يحسنون استنباط الآراء وخصائص الأشياء كما جعلتهم يقتدرون على إيراد الحجج والبراهين وتشعيب المعاني وتفريعها…. " [١].

وهناك شبه إجماع بين مؤرّخي الأدب على أن علم البيان والبلاغة إنما وضعت أسسه، ونما وترعرع في مدرسة المعتزلة الكلامية، والدليل على ذلك أن الغالبية العظمى من المبرّزين في هذين العلمين، وواضعي المؤلّفات والمصنّفات فيهما، ومشيّدي أسسهما هم من المعتزلة كالجاحظ في كتابه الذي شاد به أساس علم البلاغة (البيان والتبيين)، وقبله بشر بن المعتمر المعتزلي في صحيفته الشهيرة، وقد وصفت هذه الصحيفة بأنها خير ما أثر عن المعتزلة في البلاغة حتى أواخر القرن الثالث، وقد نقلها الجاحظ في كتاب البيان والتبيين [٢]، وصاحب الصناعتين [٣]، ومن البلاغيين المعتزلة العتّابي، والرمّاني، والزمخشري صاحب التفسير البلاغي والأدبي الشهير (الكشّاف)، وكتاب "أساس البلاغة"، والقاضي عبد الجبار المعتزلي الذي خصّص جزءًا كاملاً من كتابه "المغني في أبواب التوحيد والعدل" لبحث اعجاز وأسرار البلاغة القرآنية، وأبو حيان التوحيدي في كتابه "المقابسات"، و"الامتاع والمؤانسة" ورسالته في علم الكتابة.

ومن الإسهامات الأخرى للمعتزلة في إغناء الناحية الشكلية من الأدب العربي ابتكارهم لموضوعات أدبيّة جديدة كالأدب الساخر والمتهكّم، وطرح الموضوعات العلمية والفلسفية في كتاباتهم كالحديث عن الشيء ونقيضه، ووصف الحقائق والمفاهيم المعنوية.

ـ

١ - البلاغة تطور وتاريخ / ٣٥.

٢ - ١ / ٨٥ ومابعدها.

٣ - ص ١٣٤.

وقد عرف المعتزلة أيضاً بمقدرتهم الفذة على الجدل وخروجهم منتصرين منه في أغلب الحالات نتيجة لثقافتهم العقلية والمنطقية الواسعة، وتمرّسهم في قواعد وأساليب الجدل التي اقتبسوها من اليونانيين بالدرجة الأولى، بالإضافة إلى ماكان يتميز به زعماؤهم من ذكاء وحضور بديهة.

وفي باب الوصف كان المعتزلة من أمهر الأدباء والناثرين في تقديم أوصاف دقيقة مستوعبة لجميع تفاصيل الموضوعات، سواء كانت ماديّة محسوسة أم معنوية مجرّدة، كما رأينا ذلك لدى الجاحظ، والنظّام، وثمامة بن الأشرس، وأبي حيّان التوحيدي وغيرهم، وذكرنا أن الخصائص التي نجدها في وصفهم من دقّة وشمولية إنما هي أثر من آثار المذهب الاعتزالي الذي يدعو صاحبه إلى التأمّل والتدقيق وتقصّي الأشياء والظواهر المحيطة به.

والمعتزلة بسّطوا الموضوعات العلمية والفلسفية المعقّدة والشائكة، وقدّموها إلى عامّة الجمهور بأسلوب سهل مبسّط جذّاب يتميّز بالطابع الأدبي والفنّي في الطرح والتناول كما نلاحظ في مؤلّفات الجاحظ، وأبي حيّان التوحيدي، وذكرنا أن هذه الخصوصية (أي إخضاع الموضوعات العلمية للاسلوب الأدبي) تمثّل إحدى الخدمات الكبرى التي قدّمها المعتزلة إلى الأدب العربي بعد أن كان النثر مقصوراً على الموضوعات والأغراض التقليدية.

شعر المعتزلة

أُثر عن المعتزلة - كما هو الحال بالنسبة إلى الفرق والمدارس الإسلامية الأخرى - قدر لايستهان به من الأشعار في الموضوعات والأغراض المختلفة يقف في مقدمتها الدفاع عن عقيدة الاعتزال، ومدح زعمائها، وهجو خصومها

نقف عنده لنستقرئ ونتقصى آثار الاعتزال فيما خلّفه زعماؤه وأدباؤه وشعراؤه في المجال الأدبي، وفي الأدب العربي بصورة عامّة.

وكما بدت آثار الاعتزال واضحة على المؤلّفات النثرية للمعتزلة - وهو الجانب الذي برع فيه المعتزلة أكثر، فقد بدت واضحة أيضاً على ما أُثر عنهم من قصائد وأشعار روتها لنا المصادر التاريخية بشكل مبعثر ومتفرّق.

وفي مقدّمة هذه الآثار التي نلحظها في شعر المعتزلة - كما هو الحال بالنسبة إلى نثرهم - النزعة العقلية والفلسفية والمنطقية التي عُرفوا بها. صحيح أنّهم نظموا في نفس الأغراض والموضوعات التقليدية للشعر العربي إلا أن الاتجاه العقلي كان واضحاً في ثنايا أشعارهم، معبّراً عن نفسه في كثير من الأحيان في استخدام المصطلحات والتعابير والمعاني الفلسفيّة والكلامية أو استخدام التشبيهات والعلاقات الجدلية والمنطقية ونقلها إلى الموضوعات الوجدانية للشعر.

في الغزل: رُوي عن بعض زعماء المعتزلة وأدبائهم وشعرائهم كالنظّام، والقاضي الجرجاني، والصاحب بن عبّاد بعض الأشعار الغزلية بدا فيها الاتجاه الاعتزالي في التفكير واضحاً، وخصوصاً بالنسبة إلى النظّام الذي عرف كأحد أبرز زعماء المعتزلة الذين تعمّقوا في الدراسات الفلسفية والمنطقية والكلامية إلى حد بعيد حتى أثّر اتجاهه هذا على شعره أيضاً وسيأتي الحديث عنه.

والفخر: من الأغراض الهامّة التي تناولها شعراء المعتزلة وتجلّت فيها نزعتهم التجديديّة، ذلك لأن فخرهم - خلافاً للشعراء الآخرين - انصبَّ على مذهبهم ورجالهم معرضين عن الموضوعات التقليدية للفخر، كالافتخار بالأحساب والأنساب والجود وما إلى ذلك من موضوعات يتطرّق إليها شعراء

الفخر عادةً.

قال بشر بن المعتمر يمدح المعتزلة ويفخر بهم ويصفهم بأنّهم أهل الرئاسة في العلم، والمدافعون عن الدين:

إن كنتَ تعلمُ ما أقول *** وما تقول فأنتَ عالمْ

أو كنتَ تجهلُ ذا وذا *** ك فكن لأهلِ العلم لازم

أهلُ الرياسة من ينا *** زعهم رياستهم فظالمْ

سهرتْ عيونُهم وأنت *** من الذي قاسوه حالم

لا تطلبنَّ رياسةً *** بالجهلِ أنتَ لها مخاصِمْ

لـولا مقامُهـم رأيـتَ *** الدينَ مضطربَ الدعائم [١]

وبالاضافة إلى الأغراض والموضوعات السابقة، فقد روي عن المعتزلة شيء من الشعر في أغراض مختلفة، كان لمذهبهم القائم على تقديس العقل والعلم الأثر الأكبر في التوجّه إليها، ومنها مثلاً بيان فضل العلم ومنزلته السامية كقول الجاحظ:

يطيبُ العيش إن تلقى حكيماً *** غَداهُ العلمُ والظنُّ المصيبُ

فيكشف عنك حيرةَ كلِّ جهل *** وفضلُ العلم يعرفُه الأريبُ

سَقامُ الحرصِ ليسَ له شفاءٌ *** وداء الجهلِ ليس له طبيبُ [٢]

ومن ذلك أيضاً قول القاضي الجرجاني:

ما تَطَعَّمْت لذّةَ العيشِ حتى *** صرتُ للبيت والكتاب جليسا

ليس شيءٌأعزّ عندي من العلمِ *** فما أبتغي سواه أنيسا

ـ

١ - البيان والتبيين / ج ١ - ص ١٢٠ بالهامش، وانظر; المنية والأمل - ص ١٥٤.

٢ - تاريخ بغداد ١٢ / ١٢٥، وسرح العيون / ٢٥٨ - ٢٥٩.

إنما الذلُّ في مخالطةِ الناسِ *** فدعْهم وعِشْ عزيزاً رئيسا [١]

كبار أدباء المعتزلة

عمرو بن عبيد [٢] ٨٠ - ١٤٤هـ

هو أبو عثمان عمرو بن عبيد المتكلّم الزاهد المشهور، كان شيخ المعتزلة في عصره.

قال عنه الحسن البصريّ في جوابه لسائل سأله عن عمرو بن عبيد: "لقد سألتني عن رجل كأنّ الملائكة أدَّبته، وكأنّ الأنبياء ربَّته، إن قام بأمر قعد به، وإن قعد بأمر قام به [٣]، وإن أُمرَ بشيء كان ألزَم الناس له، وإن نهي عن شيء كان أترك الناس له، مارأيت ظاهراً أشبه بباطن، ولا باطناً أشبه بظاهر منه".

وذكر له الخطيب البغدادي شعراً في الوعظ، أنشده في حضرة أبي جعفر المنصور، منه:

يا أيّهذا الذي قد غرّه الأملُ *** ودونَ ما يأملُ التنغيصُ والأجل

ألا ترى إنما الدنيا وزينتها *** كمنزل الركب حلوا ثُمّت ارتحلوا

حتوفها رصدٌ، وعيشها نكدُ *** وصفوها كدرٌ، وملكها دولُ

ـ

١ - وفيات الأعيان ٢ / ٤٤٢.

٢ - انظر; في ترجمته تاريخ بغداد ١٢ / ١٦٦، مروج الذهب / ط بيروت ٣ / ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٤، ٣٠٨، أمالي المرتضى ١ / ١٦٤ - ١٧١، ١٧٣ - ١٧٨، طبقات المعتزلة / ٣٥، البداية والنهاية ١٠ / ٧٨، وقد اعتمدنا في ترجمته وذكر أخباره على وفيات الأعيان ٣ / ٤٦٠ - ٤٦٢، وتاريخ بغداد ١٢ / ١٦٦ ومابعدها، علما ان تاريخ بغداد ذكر أخباره بشكل مفصل.

٣ - يريد أنه كان ينهمك بجد في الأعمال التي يقوم بها ولا يترك شيئاً منها.

تظلُّ تفزعُ بالرَّوعاتِ ساكنها *** فما يسوغ له لين ولا جذل

واصل بن عطاء ٨٠ - ١٨١ هـ

وهو أبو حذيفة واصل بن عطاء المعتزلي المعروف بالغزّال، كان أحد الأئمة البلغاء المتكلّمين في علوم الكلام وغيره، وكان يلثغ بالراء فيجعلها غيناً.

اشتهر واصل بين أئمة المعتزلة بالخطابة والبراعة في الكلام وتصريف وجوهه، والبلاغة، والمقدرة الفائقة على الإتيان بالكلام ارتجالاً ودون توقّف، وممّا رفع من منزلته في الفصاحة والبلاغة والتمكن من الكلام، أنه قد بلغ مابلغه من شأن رفيع في بلاغة القول رغم أنه كان ألثغ; أي; يجعل الراء غيناً، فأخذ على نفسه أن لا يستعمل الراء مطلقاً في كلامه، يقول أبو العباس المبرّد عنه في هذا المجال:

"كان واصل بن عطاء أحد الأعاجيب، وذلك أنه كان ألثغ قبيح اللثغة في الراء، فكان يخلّص كلامه من الراء ولا يُفطن لذلك لاقتداره على الكلام وسهولة كلامه…. " [١].

قال الجاحظ: "كان (أي واصل) داعية مقالة ورئيس نحلة وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل، وأنه لابد له من مقارعة الأبطال، ومن الخطب الطوال، وإن البيان يحتاج إلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن، وإن حاجة المنطق الى الحلاوة والطلاوة كحاجته الى الجزالة والفخامة، وإن ذلك أكثر ما تستمال به القلوب وتثنى به الأعناق وتزيَّن به المعاني" [٢].

ـ

١ - الكامل للمبرد ٣ / ١٩٣.

٢ - البيان والتبيين ١ / ١٤.

والجاحظ يشير في كلامه هذا - بالإضافة إلى ماقررناه قبل أن نورد كلامه - إلى أحد العوامل الهامة التي حدت بالمتكلّمين الى العناية بالكلام، وإيراده على الوجهة الصحيحة وهو ضرورة الاهتمام بالجانب الشكلي والظاهري من الكلام بنفس مقدار العناية به من ناحية المحتوى والمضمون، ومن ضمن مظاهر العناية بهذه الناحية سلامة النطق، وإخراج الحروف من مخارجها الصحيحة، وتجنب عيوب التلفظ; وهو مذهب أولاه المتكلّمون - ومن بينهم المعتزلة - اهتماماً بالغاً [١].

بشر بن المعتمر الهلالي - ت ٢١٠هـ

وهو أبو سهل بشر بن المعتمر الهلالي رأس معتزلة بغداد [٢] وهو من أدبائهم وشعرائهم المعروفين، ينحدر فيما يبدو من الكوفة، ولكنّه استوطن بغداد [٣].

يكتسب بشر بن المعتمر أهمّيته في أدب المعتزلة من حيث كونه صاحب الصحيفة المشهورة التي وضع فيها القواعد الأساسية لعلم البلاغة العربية، وقد أثبت الجاحظ هذه الصحيفة كاملة في البيان والتبيين [٤]، مع تعليقات وشروح عليها وتحليلات لها، وكذلك نقل مقاطع منها صاحب الصناعتين [٥]، وكذلك من حيث كونه أحد شعراء المعتزلة المعروفين في القرن الثالث، بل لعله أكثرهم وأغزرهم وأنضجهم إنتاجاً، قال عنه الجاحظ: "لم أر أحداً أقوى على المخمّس [٦] والمزدوج ما أقوى عليه بشر" [٧]، وقال عنه ابن النديم في فهرسته:

ـ

١ - انظر; البلاغة تطور وتاريخ / شوقي ضف / ٣٣ - ٣٤.

٢ - مقالات الإسلاميين ٢ / ٤٠٢.

٣ - بروكلمان ٤ / ٢٥.

٤ - ١ / ٨٦ ومابعدها.

٥ - ص ١٣٤.

٦ - التخميس عند الشعراء أن يضاف ثلاثة أشطر إلى شطري البيت.

٧ - المنية والأمل / ٣٠.

"كان شاعراً يهتمّ على الأخص بأشعار المخمّس و"المسمَّط" [١] والمزدوج" [٢].

يقول بشر في مقدّمة صحيفته: "خُذْ من نفسكَ ساعة نشاطك وفراغَ بالِكَ وإجابَتها إياك [٣]، فإن قليلَ تلك الساعة أكرمُ جوهراً وأشرفُ حسباً [٤] وأحسن في الأسماع وأحلى في الصدور وأسلم من فاحش الخطأ وأجلبُ لكل عين، وغرُّة [٥] من لفظ شريف ومعنى بديع، واعلم أن ذلك أجدى عليك مما يُعطيك يومك الأطولُ بالكدّ والمطاولةِ والمجاهدة وبالتكلّفِ والمعاودةِ، ومهما أخطأكَ لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، وخفيفاً على اللسانِ سهلاً، وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه…. " [٦].

ويحذّر بشر في موضع آخر من صحيفته الخطيب والبليغ من أن يسلك سبيل التعقيد في ألفاظه، وأن يلائم بين المعاني والألفاظ فيختار للمعاني ما تستحقّه من الألفاظ وخصوصاً إذا كانت المعاني شريفة، فيقول:

"وإيّاك والتوعُّر [٧] فان التوعر يسلمك إلى التعقيد، والتعقيد هو الذي يستهلك

ـ

١ - المسمّط من القصائد: مايؤتى فيه بأشطار مقفّاة بقافية ثم يؤتى بعدها بشطر مقفّى بقافية مخالفة، ويستمر على هذا النهج مع التزام القافية المخالفة في القصيدة حتى تنتهي.

٢ - ص ١٦٢.

٣ - أي: بادر إلى اغتنام ساعات النشاط وفراغ البال وتجاوب النفس معك في كلامك.

٤ - حسبُ الشيء: قدره وعدده، وما يعدّه المرء من مناقبه أو شرف آبائه.

٥ - الغرّة: الكريم من كلّ شيء.

٦ - يقول: إن مايخرج منك من كلام أثناء فراغ البال وإقبال النفس أنفع وأكثر فائدة لك من الكلام الذي تخرجه وأنت غير مستعد ومهيأ له، لأن الكلام الأول سيكون سهلاً بريئاً من التكلف كالحالة التي خرج فيها وهي حالة النشاط وفراغ البال.

٧ - التوعّر في الكلام التحيرّ وإيقاع الغير في الحيرة.

معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراد معنى كريماً فليلتمس له لفظاً كريماً فإن حق المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجنهما…. ".

ومن شعر بشرقوله:

الناس دأباً في طِلاب الغنى *** وكلُّهم من شأنه الختر [١]

كأذؤب تنهشها أذؤُبٌ *** لها عواء ولها زفرُ [٢]

تراهمُ فوضى وأيدي سبا *** كلُّ له في نفثهِ سحرُ [٣]

تباركَ الله وسبحانه *** بين يديه النفعُ والضرُّ

من خلقه في رزقهِ كلهم *** الذيخُ والثيتل والغفر [٤]

كلثوم بن عمرو العتّابي ت ٢٢٠هـ

هو كُلثوم بن عمرو، من ولد عمرو بن كلثوم التغلبي الشاعر المعروف الذي قتل عمرو بن هند، ويكنّى أبا عمرو من أهل قنسرين.

كان من لسنة المعتزلة، كما كان شاعراً أديباً مجيداً مقتدراً على الشعر، عذب الكلام، وكاتباً جيد الرسائل حاذقاً.

ـ

١ - الدؤب، والدأب: العادة، الشأن، الجد، التعب، الختر: الغدر.

٢ - أذؤب جمع ذئب، زفر يزفر زفراً النار: سمع صوتُ توقدها، ويقصد هنا الصوت الذي يصدره الذئب عندما يريد أن ينقضّ على فريسته.

٣ - النفث: النفخ، ويشير في عبارة (أيدي سبا) إلى سكان مأرب في اليمن الذين تفرّقوا وتشتتوا بعد انهدام سدهم فضرب بهم المثل فقيل: تفرق القوم أيدي سبا أو أيادي سبا.

٤ - الحيوان ٦ / ٢٨٤ ومابعدها.

ومن بديع ماروى له أيضاً قوله في مدح النبي (صلى الله عليه وآله):

ماذا عسى قائلٌ يثني عليك وقد *** ناجاك في الوحي تقديسٌ وتطهير

فَتَّ المدائح إلا أنّ ألسننا *** مستنطقات بما تخفي الضمائير [١]

إبراهيم بن سيّار النظّام ت ٢٣١ هـ

هو إبراهيم بن سيّار بن هانئ البصري، أبو اسحاق النظّام، من أئمة المعتزلة، اشتهر بالنظّام، واختلف في سبب إطلاق هذا اللقب عليه، فأشياعه يقولون إنها من إجادته لنظم الكلام، وخصومه يعللون ذلك بأنه كان ينظم الخرز في سوق البصرة [٢].

كان أحد أكبر رجالات المعتزلة، والمسهمين في تأسيس مذهب الاعتزال، ودمج الفلسفة اليونانية بالفكر الاسلامي، فقد تبحّر في علوم الفلسفة، واطلع على آراء الفلاسفة من طبيعيين وإلهيين [٣].

ذكر له المؤرّخون وكتّاب التراجم أنه قد ألّف كتباً كثيرة في الفلسفة والاعتزال [٤]، إلاّ أن أياً من تلك الكتب لم يصل إلينا كما هو الحال بالنسبة إلى سائر

ـ

١ - فتّ في ساعده أي أضعفه، ويقال فتّ في عضده أي كسر قوته وفرق عنه أعوانه، يريد أن النبي (صلى الله عليه وآله) أعجز وأضعف كل المدائح فلا تستطيع وصفه. والضمائير: الضمائر.

٢ - الأعلام للزركلي ١ / ٣٦، الخزر الواحدة خرزة ماينظم في السلط من الجزع والودع.

٣ - الزركلي / ٣٦.

٤ - انظر; الزركلي ١ / ٣٦، والمنية والأمل / ١٤٢ - ١٥٣، والانتصار / ٤٧ ومابعدها.

مؤلّفات ومصنفات المعتزلة التي طالت أغلبها يد الضياع.

ولعلّ الذي يلفت أنظارنا في مارُوي عن النظّام من أشعار، وقطع أدبية تبدو الآثار البارزة والشديدة للعلوم العقلية والفلسفية والمنطقية عليها، وقد روى لنا الخطيب البغدادي والمرتضى في أماليه طائفة مما أثر عن النظّام من أشعار وأقوال ونوادر يتجلّى لنا فيها المنحى الفلسفي والكلامي بشكل واضح، وخصوصاً في الجانب التشبيهي والوصفي، حيث أشار البغدادي إلى أن شعره دقيق المعاني سار فيه على طريقة المتكلّمين [١]، وذكر الدكتور شوقي ضيف: أنّه كان لا يبارى في المناظرة وفي إيراد الحجج وتفريع المعاني وتوليدها [٢].

وذكر الخطيب البغدادي نماذج من أشعاره التي يتجلّى فيها ذلك الاسلوب، منها قوله في الغزل ووصف المحبوب:

وشادن ينطقُ بالطرف *** يقصر عنه منتهى الوصف

رقَّ فلو بزَّت سرابيله *** علقهُ الجو من اللطفِ

يجرحه اللحظ بتكرارهِ *** ويشتكي الايماءَ بالطرفِ

أفديه من مغرى بما ساءني *** كأنه يعلم ما أخفي [٣]

وروى المرتضى في أماليه طائفة من أشعار النّظام سار فيها على منوال الأبيات السابقة، كقوله:

توهّمه طرفي فآلم خدَّهُ *** فصار مكانَ الوهم من نظري إثرُ

وصافحهُ قلبي فآلم كفَّهُ *** فمن صفحِ قلبي في أناملهِ عقرُ

ـ

١ - تاريخ بغداد ٦ / ٩٧.

٢ - شوقي البلاغة / ٣٤.

٣ - المصدر السابق / ٩٧ - ٩٨.

ومرّ بقلبي خاطراً فجرحتُه *** ولم أرَ جسماً قطُّ يجرحُه الفِكرُ

يمرُّ فمن لين وحسن تعطُّف *** يُقالُ به سكر وليس به سكر [١]

أبو الهذيل العلاف ١٣١ - ٢٣٥ هـ

أبو الهذيل محمد بن الهذيل بن عبد الله بن مكحول العبدي المعروف بالعلاّف المتكلّم، كان شيخ البصريين في الاعتزال، ومن أكبر علمائهم، وصاحب مقالات في مذهبهم ومجالس ومناظرات [٢].

يروى عنه في بلاغته وتصرّفه في فنون القول، أنه اجتمع عند يحيى بن خالد البرمكي جماعة من أرباب الكلام، فسألهم عن حقيقة العشق، فتكلّم كل واحد بشيء، وكان أبو الهذيل في جملتهم، فقال: "إيها الوزير! العشق يختم على النواظر، ويطبع على الأفئدة، مرتعه في الأجسام، ومشرعُه في الأكبادِ، وصاحبهُ متصرّفُ الظنون، متفنّن الأوهام، لا يصفو له مرجُوٌّ، ولا يسلم له موعودٌ، تسرع إليه النوائب، وهو جرعة من نقيعِ الموت، ونقعةٌ من حياضِ الثكلِ، غير أنه من أريحيّة تكون في الطبع، وطلاوة توجد في الشمائل [٣]، وصاحبه جوادٌ لا يصغي الى داعية المنع، ولا يصيخُ لنازعِ العذل…. " [٤].

ـ

١ - أمالي المرتضى ١ / ١٣٣.

٢ - الوفيات ٤ / ٢٦٥.

٣ - الطلاوة: الحسن والبهجة، والشمائل مفردها: شميلة: الطبع.

٤ - الوفيات ٢ / ٢٦٦، اعتمدنا في ترجمة أبي الهذيل الوفيات ٤ / ٢٦٥ - ٢٦٧، وجاءت ترجمته أيضاً في تاريخ بغداد ٣ / ٣٦٦، ومروج الذهب ٣ / ٣٧١، وأمالي المترضى ١ / ١٢٤ ومابعدها.

القاضي أحمد بن أبي دؤاد الإيادي [١] - ١٦٠ - ٢٤٠هـ

هو أبو عبد الله أحمد بن أبي دؤاد الإيادي القاضي، كان معروفاً بالمروءة والعصبية وله مع المعتصم في ذلك أخبار مأثورة [٢].

كان لابن أبي دؤاد أخبار ومواقف كثيرة مع الشعراء والأدباء، مما يدلّ على أنه كان متذوقّاً للأدب، نقّاداً للشعر، مقدّراً ومكرماً لأهله، ولذلك فقد مدحه الكثير من شعراء عصره، قال علي الرازي: رأيت أبا تمّام الطائي عند ابن أبي دؤاد ومعه رجل ينشد عنه قصيدة منها:

لقد أنستْ مساوئ كلِّ دهر *** محاسنُ أحمدَ بن أبي دؤاد

وما سافرتُ في الآفاق إلا *** ومن جَدْواكَ راحلتي وزادي

الجاحظ (١٥٩ - ٢٥٥هـ)

هو أبو عثمان عمرو بن بحر الملقّب بـ "الجاحظ" و"الحَدْقيّ" لجحوظ عينيه وبروز حَدقتيه، وهو كما يعلم الجميع من أساطين الأدب العربي ورأس المدرسة النثرية في العصر العباسي، وأحد أشهر متكلّمي المعتزلة، إذ كان له مذهب خاص في الاعتزال عُرف بـ "الجاحظيّة". وهي فرع من المعتزلة، وقد صنّف الجاحظ في هذا المذهب كتاباً خاصّاً أيّده بالبراهين، وعضده بالأدلّة

ـ

١ - المصدر: وفيات الأعيان ١ / ٨١ - ٩١.

٢ - المصدر السابق / ٨١.

والاحتجاجات لمذهبه [١].

وكان له أثر عظيم كأديب وعالم من علماء الكلام وإليه ينتسب الجاحظيّة، وهم فرقة من المعتزلة اتّبعت تعاليمه [٢].

خصائص الجاحظ في نثره: نرى في ما خلّفه الجاحظ من آثار ومؤلّفات تجسّداً واضحاً ونموذجياً لجميع النزعات والاتجاهات الاعتزالية في التفكير مع نضج أكثر، وغزارة وتوسّعاً أكبر، فهو يشكّل النموذج الأمثل والأكمل للباحث الأدبي لكي يدرس ويتقصّى آثار الاعتزال في الأدب العربي.

عرضه الحقائق والظواهر العلمية باُسلوب أدبي: وهي خصوصيّة أخرى من خصائص المعتزلة عموماً والجاحظ خصوصاً; فالعلم والأدب قرينان في كلّ ما كتب الجاحظ; تلقى الحقيقة العلمية في الكتاب الأدبي، والطرفة الأدبية في الكتاب العلمي، ونحن نلمس التعبير الأدبي حتى في كتب العلم، ويطالعنا المنهجُ العلميّ في عرض الفكرة ومعالجتها، وهو دائماً يذهب من المقدّمات إلى النتائج، ومن الخاصّ إلى العام، متّبعاً طريق الجدل المنطقيّ، متناولاً كلّ أمر من جميع نواحيه حتى يستوفي حقّه، شأنه في ذلك شأن العلماء، وهم يسجّلون الحقائق والظواهر في مختبراتهم ويثبتون كلّ شاردة وواردة عنها.

ورغم صعوبة وجفاف الموضوعات العلمية والفلسفيّة التي تطرّق إليها الجاحظ في كتاباته إلا أنّه رفض أن يكتب للخاصة من المفكّرين والعلماء والمثقّفين، وأصرّ على جعل الفكر ملكاً لعامة الناس، فكتب بلغة بسيطة مجرّدة في معظم الأحيان من المصطلحات العلميّة الخاصّة.

ولعلّ ذلك هو السبب في اعتماده على بساطة اللفظ والتعبير، وبعدهما عن

ـ

١ - راجع مروج الذهب ٣ / ٢٣٧.

٢ - تاريخ العرب / فيليب حتى / ٤٥٣.

الغريب والحوشيّ، وعلى وضوح الدلالة، ودقّة الصلة بين اللفظ والمعنى.

الصاحب بن عبّاد (٣٢٦ - ٣٨٥هـ) [١]

الصاحب أبو القاسم إسماعيل بن عباد وزير فخر الدولة بالري، وكان واحد زمانه علماً وفضلاً وتدبيراً وجودة رأي وكرماً، عالماً بأنواع العلوم، عارفاً بالكتابة وموادّها، ورسائله مشهورة مدوّنة، وجمع من الكتب مالم يجمعه غيره، حتى أنّه كان يحتاج في نقلها إلى أربعمائة جمل على ماقيل…. وانتقل الصاحب بعد ذلك إلى إصبهان…. وكان قد أحسن إلى القاضي عبد الجبار بن أحمد المعتزلي وقدّمه وولاّه قضاء الري وأعمالها [٢].

أخذ الأدب عن أبي الحسين أحمد بن فارس اللغوي صاحب كتاب "المجمل" في اللغة، وأخذ عن أبي الفضل ابن العميد وغيرهما [٣].

وقال أبو المنصور الثعالبي في كتابه "اليتيمة": "ليست تحضرني عبارة أرضاها للإفصاح عن علو محله في العلم والأدب…. " [٤].

وهو أوّل من لُقّب بالصاحب من الوزراء لأنه كان يصحب أبا الفضل ابن العميد، فقيل له: صاحب ابن العميد، ثم أطلق عليه هذا اللقب لمّا تولّى الوزارة، وبقي علماً عليه [٥]، وللصاحب ديوان شعر هام يجمع فيه بين التشيع والاعتزال. .

ـ

١ - ترجمته في معجم الأدباء ٦ / ٢٢٥.

٢ - الكامل لأبن الأثير ٧ / ١٦٩ - ١٧٠ (وفي الحاشية أخبار كثيرة عنه).

٣ - اليتيمة / ٢٨٨.

٤ - المصدر السابق / ٢٨٨.

٥ - وفيات الأعيان / ٢٢٩.

أبو حيّان التوحيدي (بعد سنة ٤٠٠هـ)

هو علي بن محمد بن العباس، كنيته أبو حيّان، وغلب عليه لقب التوحيدي لأنّ أباه كان يبيع نوعاً من التمر يطلق عليه اسم "التوحيد"، أو لأنه كان من المعتزلة الذين كانوا يسمّون أنفسهم بأهل العدل والتوحيد كما يرى ذلك ابن حجر العسقلاني [١].

أما أصله فقد ذكروا أنه شيرازي، أو نيسابوري، وقيل هو عربيّ من واسط [٢].

تتلمذ أبو حيّان في بغداد على السيرافي، ثم على أبي سليمان بن طاهر المنطقي السجستاني [٣].

ويقول عنه آدم متز في كتابه "الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري": "ربّما كان أعظم كتّاب النثر العربي على الإطلاق" [٤].

وكان على صلة بنقلة الفلسفة اليونانية إلى العربية في القرن الرابع، كما كان وثيق الصلة بمؤلّفات المناطقة والفلاسفة، فكثيراً ما نقل عنهم، وذكر أسماءهم في المقابسات والإمتاع والمؤانسة.

وكان أبو حيّان من المتبحّرين أيضاً في اللغة والنحو كما تدلّنا على ذلك كتبه [٥]، وقد كان أبو سعيد السيرافي من ضمن العلماء الذين درس عليهم أبو حيّان وتأثّر بهم إلى حد كبير [٦]، كما درس على علي بن عيسى الرمّاني ويونس،

ـ

١ - انظر; لسان الميزان ٦ / ٣٦٠.

٢ - انظر; معجم الأدباء ١٥ / ٥، ومقدمة المقابسات / ٨، وأمراء البيان ٢ / ٤٩٢.

٣ - بروكلمان ٤ / ٣٣٦.

٤ - ١ / ٣٩٣.

٥ - انظر; البصائر والذخائر ٣ / ١٢٠.

٦ - الإمتاع المؤانسة ١٢ / ٥، والمصدر السابق ٨ / ١٥٢.

وقرأ ما كتبه نحاة عصره، وعرف آراءهم حتى أن السيوطي عدّه من النحاة وترجم له.

يكتسب أبو حيان أهميّته ومنزلته في الأدب العربي وخصوصاً في القرن الرابع الهجريّ من كونه قد تميّز عن كتّاب هذا العصر بعدم الاحتفاء بالمحسنات، والتزويقات، والبهارج اللفظية على حساب المعنى خلافاً للنزعة الغالبة على كتّاب هذا العصر مثل ابن العميد، وبديع الزمان، والخوارزمي، وابن عبّاد، هذا بالإضافة الى أن أبا حيّان قد تميّز عنهم بالموضوعات التي تطرّق إليها في نثره، فبينما كانت الغالبية العظمى من كتّاب عصره صابّة اهتمامها على موضوعات مثل الرسائل الديوانية، والإخوانية، والمقامات، والعهود، ركّز هو اهتمامه على موضوعات جادّة كالفلسفة، ورواية الأخبار، وتسجيل أحداث عصره بدقّة متناهية، كما أشار إلى ذلك المستشرق "آدم متز" في كتاب "الحضارة الاسلامية في القرن الرابع الهجري"، مشيراً إلى تميّز أبي حيّان في الأسلوب.

الزمخشري ٤٦٧ - ٥٣٨هـ

هو أبو القاسم محمود بن عمر بن محمد جار الله، ولد في "زمخشر" من إقليم "خوارزم" الفارسي في شهر رجب سنة "٤٦٧هـ"، أي بعد القرن الرابع الهجري، حيث كان مذهب الاعتزال مايزال يمتلك بعض النفوذ في إيران.

درس العلوم اللغوية والدينية، وأخذ الأدب عن أبي الحسن علي بن المظفّر النيسابوري، وأبي مضر محمد بن جرير الضبيّ الإصبهاني، وقضى شطراً

كبيراً من حياته في الترحال، فأقام في بغداد مدّة، وجاور بمكة طويلاً [١]، وبها أملى تفسيره الكشّاف.

كان الزمخشري كاتباً، وشاعراً، ومفسّراً للقرآن الكريم، وله ديوان شعر غير مطبوع.

بالإضافة إلى "الكشّاف" فان للزمخشري كتباً معروفة من أهمّها كتاب "المفصّل" في النحو، وقد عُني به من جاؤوا بعده وشرحوه مراراً، ومعجمه المعروف "أساس البلاغة"، و"المفصّل في اللغة"، وكتاب "أطواق الذهب" ضمّنه نثراً مسجّعاً أنيقاً على غرار المقامات.

ابن أبي الحديد المعتزليّ (٥٨٦ - ٦٥٦ هـ)

هو عزّ الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد بن محمد بن الحسين بن أبي الحديد المدائني، ولد في المدائن أول ذي الحجّة سنة "٥٨٦هـ" ونشأ بها، وتلقى عن شيوخها ودرس المذاهب الكلامية ثم مال إلى مذهب الاعتزال فيها، حيث كان الاعتزال والتشيّع هما السائدان فيها.

سافر في مطلع شبابه إلى بغداد حيث استزاد من العلم فيها، واختلط بالعلماء من أصحاب المذاهب، وعلى حدّ قول صاحب كتاب "نسمة السحر" أصبح فيها معتزلياً جاحظياً، بعد أن كان شيعياً غالياً.

وفي بغداد نال الحظوة لدى الخلفاء العباسيين والوزير ابن العلقمي وخصوصاً المستنصر الذي حكم من (٦٢٣ - ٦٤٠هـ) فعيّن كاتباً في دار التشريفات ثم في الديوان، وأخيراً فوّضَ إليه أمر خزائن الكتب في بغداد.

ـ

١ - ولهذا لقب بـ (جار اللّه).

كان ابن أبي الحديد متضلّعاً في الفقه والأصول وله في ذلك مؤلّفات معروفة، وكان متكلّماً، جدليّاً، نظاراً على طريقة أهل الاعتزال، وله مع الأشعري والغزالي والرازي كتب ومواقف.

وبالإضافة إلى تبحّر ابن أبي الحديد في الكلام والفقه والأصول، فقد عُرف عنه، وشهدت له مؤلّفاته بأنه كان أديباً، شاعراً، ناقداً، خبيراً بمحاسن الكلام ومساوئه، وكتابه "الفلك الدائر على المثل السائر" يشهد له بقدرته الفائقة على نقد الشعر وفنون البيان، وكان عالماً لغوياً، ومؤرخاً عليماً بأخبار العرب، مطلعاً على لغتها، وآثارها الأدبية كالأشعار، والأمثال، والنوادر، وحافظاً ومستوعباً لعلوم زمانه.

وكان كاتباً تشهد له مؤلّفاته بإشراقة الديباجة، والتفنن في النثر، والحسن في الترسُّل.

ويذكر عنه من أرّخ له أنّه كان شاعراً مجيداً، وذكر ابن شاكر، أن له ديوان شعر كان معروفاً ومشهوراً، وهكذا قال صاحب "نسمة السحر في ذكر من تشيّع وشعر". ومن أشهر كتبه المطبوعة:

١ - شرح نهج البلاغة في عشرين مجلّداً، ويعتبر أهم وأشهر كتبه على الإطلاق.

٢ - القصائد السبع العلويّات، وهي قصائد موضوعاتها: فتح خيبر، فتح مكة، مدح الرسول (قصيدتان)، مقتل الحسين، موت الخليفة العباسي الناصر لدين اللّه (٦٢٢هـ)، ذكر ابن الفوطي أن أبا الحديد نظمها في صباه وهو بالمدائن سنة ٦١١هـ.



[ Web design by Abadis ]