ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 حجية المفاهيم عند المذاهب الاسلامية \ ماجد سعيد

من الصحيح القول: إنّ لأُصول الفقه ميدانا واسعاً يمكن أن تلتقي فيه آراء العلماء والمحقّقين وأن تتلاقح، ومن الصحيح أيضاً أن يعتبر - هذا الميدان - من أفضل الميادين التي يمكن من خلالها أن تتوحّد نظراتهم وتستقطب الى حدّ كبير لخدمة العباد والبلاد، لكن الأصحّ هو أن نقول: إنّه ميدان مهمّ عند البحث فيه، لأنه يشكّل الأساس لأحكام الدين الاسلامي الحنيف في شؤون العبادات والمعاملات، ومن جهة اُخرى يشيد حجر الأساس للتقريب بين فقه المذاهب الاسلامية. وهذه البحث الاصولي المرتبط بالمفاهيم يكشف هذه الحقائق.

تمهيد

لاشكّ أنّ للفظة "المفهوم" وجوداً بارزاً في عالم الإنسان، إذ كثيراً مايسترسل الناس في أحاديثهم ومسامراتهم فيتخلّل من بين عبائرهم هذه اللفظة. كما وأنّ لها وجوداً في أذهان البشر، فتراهم يكتبون عن "المفاهيم"

ـ

١ - بحث أعِدّ في مركز الابحاث التابع للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية.

٢ - باحث في المركز المذكور.

والقيم تارةً، ويتحدّثون في خطبهم عن "مفهوم" الأشياء المألوفة وغير المألوفة تارةً أخرى، ويتخاطبون بالمفهوم من النظريات والدراسات الحديثة والقديمة تارةً ثالثة…. ومن هنا أصبحت لهذه اللفظة معان عديدة ينبغي الوقوف عليها والاشارة إليها ولو اختصاراً.

والحقيقة أنّ كلمة "المفهوم" تُطلق على ثلاثة معان بلحاظها العام:

١ - المعنى المدلول للفظ الذي يفهم منه، أي أنّه يساوي ويرادف كلمة "المدلول" سواء كان ذلك مدلولاً لمفرد أو لجملة، حقيقياً أو مجازياً، ظاهراً أو نصّاً، محكماً أو غير محكم.

٢ - كلّ معنىً يُفهم وإن لم يكن مدلولاً للفظ، أي ما يقابل المصداق في الواقع، وبهذا فهو يعمّ المعنى الأول.

٣ - وهو مايقابل المنطوق، وبهذا يكون أخصّ من الأوّلين. وهو المقصود بالبحث هنا. إذ لا يعنينا المعنيان الأوليان بقدر ما يعنينا الثالث، لكونه مصطلحاً تعارف عليه الأُصوليون، وبنوا عليه أساسهم في مباحثهم ودراساتهم في هذا المجال [١].

دلالة المنطوق

وقبل الخوض في دلالة المفهوم وتعريفه، لنعرج قليلاً على دلالة المنطوق نفسه، وما المقصود عند الاصوليّين منه، لتتّضح لنا الرؤية الكاملة لدلالة المفهوم ومقصوده عندهم.

فالمراد من دلالة المنطوق هنا هو دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم

ـ

١ - اُنظر اُصول الفقه لمحمد رضا المظفّر ١ / ١٠١.

مذكور في الكلام، سواء كانت دلالة اللفظ على الحكم الملفوظ به بنحو الحقيقة أو المجاز. فمثال الأول: قوله تعالى: (وأَحلَّ اللّهُ البيعَ وحَرَّمَ الربَا) [١]. حيث دلّ الكلام المركّب بمنطوقه على جواز البيع وتحريم الربا بنحو الحقيقة، ومثال الثاني قوله تعالى: (أو لا مستم النساءَ فَلَم تجدُوا ماءً فتيمّموا صعيداً طيباً) [٢] فدلّ على وجوب التيمّم عند عدم الماء ووجود الجنابة المعبَّر عنها باللمس مجازاً.

وهذا هو ما أراده الأصوليون من تعريف المنطوق بأنه حكم دلَّ عليه اللفظ في محل النطق [٣]. وهو المشهور.

وقد أشكل عليه الآمدي فقال: "أمّا المنطوق فقد قال بعضهم: هو ما فُهم من اللفظ في محلّ النطق، وليس بصحيح، فانّ الأحكام المضمرة في دلالة الاقتضاء مفهومة من اللفظ في محل النطق، ولايقال لشيء من ذلك منطوق اللفظ، فالواجب أن يقال: المنطوق ما فُهم من دلالة اللفظ قطعاً في محلّ النطق، وذلك كما في وجوب الزكاة المفهوم من قوله (صلى الله عليه وآله): "في الغنم السائمة زكاة" وكتحريم التأفيف للوالدين من قوله تعالى: (فَلا تَقُل لهما أُفّ) [٤] الى نظائرها" [٥].

وربّما أصحّ ماقيل في تعريفه: هو مايدلّ على اللفظ في حدّ ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملاً لذلك المعنى وقالباً له، فيسمّى المعنى منطوقاً تسميةً للمدلول باسم الدالّ [٦].

ـ

١ - البقرة / ٢٧٥.

٢ - النساء / ٤٣.

٣ - أُنظر علم اُصول الفقه في ثوبه الجديد لمحمد جواد مغنية / ١٤٢.

٤ - الاسراء / ٢٣.

٥ - الإحكام في اُصول الأحكام للآمدي الشافعي ٣ / ٦٣.

٦ - أُصول الفقه للمظفّر ١ / ١٠١.

وعليه; فيمكن القول بأنّ المنطوق يختصّ بالمدلول المطابقي وإن كان المعنى المنطوق بنحو المجاز قد استعمل بقرينة.

ولعلّ سؤالاً يبرز هنا وهو: هل يختصّ المنطوق بدلالة المطابقة، أو يعمّ دلالة التضمّن أو الالتزام؟

والجواب: أنّه تقدم في تعريفه بأنّه تخصيص الحكم بالذكر بحيث يفهم من لفظ الجملة مباشرةً وبلاقرينة مساعدة أو إشارة مقارنة له. ومعنى هذا أنّ المنطوق يختصّ بما دلّت عليه الجملة بالمطابقة لا بالتضمّن ولابالالتزام.

لكن من الجمهور من عمَّم دلالة التضمّن في اختصاص المنطوق به، أي أنّ دلالة المنطوق - ويعرف بدلالة اللفظ - تشمل نوعين من الدلالة: أحدهما: المطابقية، وهي دلالة اللفظ على تمام معناه، وثانيهما: الدلالة التضمنيّة، وهي دلالة اللفظ على جزء معناه، ذلك لأنّ الدلالتين أساسهما اللفظ، يؤخذ من عبارته معناه، لكن تارةً تمام معناه كدلالة لفظ "إنسان" على حيوان ناطق، ودلالة لفظ "بيت" على مجموعة من أبواب وشبابيك وجدران وسقف و…. و….، وتارةً جزء معناه كدلالة لفظ "إنسان" على حيوان فقط أو ناطق فقط، ودلالة لفظ "بيت" على جزء منه كالسقف مثلا [١].

ثم إنّ اللفظ إذا دلّ على المعنى بمنطوقه فتارةً يكون المنطوق واحداً، بمعنى أنّ اللفظ لم يستعمل إلا في معنىً واحد، وحينئذ لاخلاف بين العلماء في أنّ اللفظ يحمل على هذا المعنى عند الاطلاق مادام لم يوجد من القرائن مايمنع من حمله عليه، سواء كان المعنى شرعياً أو عرفياً أو لغوياً.

ـ

١ - انظر شرح اللمع ١ / ٤٢٦، وماشية العطّار ١ / ٣١٧، واُصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٢٨٥.

وتارة يكون المنطوق متعدّداً، بمعنى أنّ اللفظ قد استعمل في معان عدّة بعضها شرعي، وبعضها عرفي، وآخر لغوي وشاع استعماله فيها، وقد اختلف العلماء فيما يحمل عليه اللفظ على أقوال:

الأول: أن يحمل على المعنى الشرعي ثم العرفي ثم المعنى اللغوي. وبه قال العلامة البيضاوي [١] ووجهة قوله أنّ مقصود الشارع هو بيان الشرعيات دون العرفيات واللغويات، فيحمل اللفظ على مايقصده الشارع منه، ومثاله: قوله (صلى الله عليه وآله): "في الغنم السائمة زكاة" [٢] فيحمل على الزكاة الشرعية دون الزكاة اللغوية.

الثاني: أنّه لايحمل على أيّ واحد من هذه المعاني، بل يكون مجملاً، ويتوقّف حمله على أحدها بالخصوص حتى تقوم القرينة عليه. ووجهة هذا القول: أنّ اللفظ قد استعمل في كلٍّ منها ولا قرينة ترجّح أحدها بالخصوص، فحمله على أحدها إنّما هو ترجيح بلا مرجّح، وهو باطل. حكاه الآمدي [٣].

الثالث: أنّ اللفظ إذا وقع في الإثبات حمل على المعنى الشرعي، وأمّا إذا وقع في النفي أو النهي فإنّه يكون مجملاً. مثال الأول: قوله (صلى الله عليه وآله) لعائشة وقد دخل عليها نهاراً: "هل عندكم طعام؟ قالت: لا، فقال: إنّي اذاً أصوم" [٤]. ومثال الثاني: قوله أيضاً (صلى الله عليه وآله): "لا تصوموا يوم الفطر" [٥]. وبه قال الغزالي [٦].

ـ

١ - منهاج الوصول / ٣٣٥.

٢ - تهذيب تاريخ دمشق لابن عساكر ٤ / ١١٥.

٣ - الإحكام في أُصول الأحكام ٣ / ٦٤.

٤ - سنن أبي داود ٢ / ٣٢٩ ح ٢٤٥٥، سنن ابن ماجة ١ / ٥٤٣ ح ١٧٠١.

٥ - مسند أحمد بن حنبل ٣ / ٥٣.

٦ - المستصفى ٢ / ١٩٠.

ووجهته في هذا التفصيل أنّ اللفظ في جانب الإثبات قد وجد المقتضى لحمله على المعنى الشرعي وهو أنّ مقصود الشارع المقدس بيان الشرعيات دون اللغويات، ولذلك حمل لفظ "الصوم" في الحديث المتقدّم على الصوم الشرعي الذي هو الإمساك عن المفطرات. وأمّا في جانب النهي فإنّ المقتضي موجود إلا أنّ من حمل اللفظ على المعنى الشرعي قد وجد أيضاً وهو أنّ حمل اللفظ على المعنى الشرعي يقضي بأن يكون المنهي عنه صحيحاً; لأنّ النهي عن الشيء فرع تصوّر وقوعه، ولا يتصوّر وقوع المعنى الشرعي إلا صحيحاً، ومتى كان الشيء صحيحاً لم يصحّ النهي عنه، فكان النهي مانعاً من حمل اللفظ على المعنى الشرعي لوجود التنافي بين الصحة والنهي [١].

الرابع: أنّ اللفظ إذا وقع في الإثبات حمل على المعنى الشرعي كما قاله الغزالي، لكن إن وقع في جانب النهي حمل على المعنى اللغوي، لأنّ حمله على المعنى الشرعي باطل بتعليل الغزالي السابق. ومن هنا يجب أن يحمل حينئذ على المعنى اللغوي، لأنّ عدم حمل اللفظ عليه يجعل التكلّم به لغواً، وبذلك تكون القرينة المرجّحة لحمله على المعنى اللغوي موجود وهو صحّة التكلّم به. وبه قال الآمدي [٢].

قال الاستاذ محمد أبو النور زهير [٣]: ماقاله كلّ من الآمدي والغزالي من أنّ المانع من حمل اللفظ على المعنى الشرعي في النهي هو كون النهي يقتضي صحّة المنهي عنه، غير صحيح; لأنّه مبني على أنّ النهي يقتضي صحّة المنهي

ـ

١ - انظر المستصفى ٢ / ١٩٠ - ١٩١، واُصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٢٨٧.

٢ - الاحكام في اصول الأحكام ٣ / ٦٥.

٣ - محمد أبو النور زهير الاستاذ بكلية الشريعة ووكيل جامعة الأزهر.

عنه، وهو مرجوح لم يقل به الجمهور، بل إنّ الغزالي والآمدي لم يقولا به، فكيف يبني كلٌّ منهما قوله على شيء لم يقل به؟ ! [١].

دلالة المفهوم

وبعد أن تمَّ الكلام في بيان المنطوق وتعريفه اتّضح معنى المفهوم، وهو الذي يقابله كما تقدّم [٢]. فكما أنّ المنطوق - كما تقدّم - هو حكمٌ دلَّ عليه اللفظ في محل النطق، فالمفهوم الذي يقابله: هو حكمٌ دلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق، بل في محل السكوت.

ولا خلاف بين الأصولييّن المسلمين في تعريفه وإن اختلفت تعبيراتهم له، لكن منهم من اعتمد الدقّة في بيانه، ومنهم من حرص على البيان العام له من غير مداخلات فيه، وقد أخذ به علماء المسلمين كلّهم إلا الظاهرية [٣].

فعن ابن الحاجب المالكي في المنتهى قال: المفهوم مادلّ على اللفظ في غير محلّ النطق [٤]. وزاد القاضي في شرحه على مختصر المنتهى على هذا التعريف: بأن يكون حكماً لغير المذكور، وحالاً من أحواله [٥].

وعن الآمدي الشافعي قال: المفهوم مافُهم من اللفظ في غير محلّ النطق

ـ

١ - أُصول الفقه ٢ / ٢٨٨.

٢ - تقدّم في ص ٢ في النقطة الثالثة من معاني مفهوم عند العرف.

٣ - اُنظر الإحكام لابن حزم ٧ / ١٥٣ ومابعدها، والإحكام للآمدي ٢ / ٢١٠، والمستصفى للغزالي ٢ / ١٩٠، وتقريب الوصول الى علم الاصول للغرناطي: ٨٧، وشرح الكوكب المنير لأبي البقاء الفتوحي / ٤٤٨.

٤ - منتهى الأُصول والأمل: ١٤٧.

٥ - شرح القاضي على المختصر / ٣٠٦.

والمنطوق وإن كان مفهوماً من اللفظ، غير أنّه لمّا كان مفهوماً من دلالة اللفظ نطقاً خصّ اسم المنطوق وبقي ماعداه معرفاً بالمعنى العام المشترك تمييزاً بين الأمرين [١].

وعن صفي الدين الحنبلي في تعريفه للمفهوم قال: هو المستفاد من فحوى الألفاظ وإشاراتها [٢]. لكن عند أبي البقاء في شرحه: هو المعنى المستفاد من حيث السكوت اللازم للفظ [٣]. وفي المدخل الى مذهب أحمد: هو مادلّ عليه اللفظ لا في محلّ النطق [٤].

وعند الإمامية فيما أورده العلاّمة مغنية: المراد بالمفهوم هنا هو دلالة لفظ الجملة التركيبية على حكم غير مذكور في الكلام; لوجود الملازمة البيّنة الواضحة بين هذا الحكم المفهوم وبين الجملة الملفوظ بها بحيث يستدلّ بوجودها على وجوده عند الإطلاق وتجرّد الكلام من كلّ القرائن [٥].

ثم قال: وهذا هو المراد من تعريف المفهوم بأنّه حكمٌ دلَّ عليه اللفظ لا في محل النطق [٦]. وهو التعريف الذي ذكره الشيخ المظفّر في كتابه [٧].

سؤال يطرح نفسه: قد مرَّ أنّ المنطوق مختصّ بدلالة المطابقة، لكن حين الكلام بالمفهوم، فهل يختصّ هو أيضاً بالدلالة المطابقية أم لا؟

الجواب: أنّه ذكرنا عند الكلام في المنطوق ومقصودهم منه: أنّه مايدلّ عليه

ـ

١ - الإحكام في أصول الأحكام ٣ / ٦٣.

٢ - قواعد الأُصول / ٢٧.

٣ - شرح الكوكب المنير / ٢٣٨.

٤ - المدخل الى مذهب أحمد لابن بدران / ١٢٤.

٥ - علم اُصول الفقه / ١٤٣.

٦ - المصدر السابق.

٧ - أصول الفقه لمحمد رضا المظفّر ١ / ١٠٢.

اللفظ في حدّ ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق به حاملاً لذلك المعنى وقالباً له، وعندئذ يسمّى المعنى منطوقاً تسميةً للمدلول باسم الدالّ، ولذلك كان اختصاص المنطوق بالمدلول المطابقي فقط، وعليه فالمفهوم الذي يقابله هو مالم يكن اللفظ حاملاً له، دالاً عليه بالمطابقة، بل يدلّ عليه باعتباره لازماً لمفاد الجملة بنحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ، ولذلك كان اختصاص المفهوم بالمدلول الالتزامي.

يقول الدكتور عبد الهادي الفضلي: المفهوم هو المدلول الالتزامي للجملة، وشرحه: أنّه يراد من المدلول الالتزامي هنا المعنى الذي يدلّ عليه بالدلالة الالتزامية التي هي نوع من أنواع الدلالة الوضعية اللفظية، كقولنا: إذا نمت فقد انتقض وضوؤك" فإن المدلول الالتزامي لهذه الجملة هو: إذا لم تنم فلا ينتقض وضوؤك [١].

ومثاله أيضاً: قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّهِ إليك) [٢] إنّه يدلّ بالدلالة الالتزامية أنّه حينما تأمنه على الدينار والدرهم فإنّه يؤدّه إليك أيضاً.

وهذا أيضاً لانزاع فيه بين الأُصولييّن في كون المفهوم يختصّ بالمدلول الالتزامي.

فعن أبي البقاء الفتوحي الحنبلي قال في شرحه: دلالة المفهوم كلّها بالالتزام، بمعنى أنّ النفي في المسكوت لازم للثبوت في المنطوق ملازمة ظنيّة لا قطعيّة [٣].

وقال الأستاذ محمد أبو النور زهير الشافعي: دلالة المفهوم هي دلالة اللفظ

ـ

١ - مبادئ أُصول الفقه: ٤٩.

٢ - آل عمران / ٧٥.

٣ - شرح الكوكب المنير / ٢٥٠.

على المعنى لا في محلّ النطق بل في محلّ السكوت، وتعرف بالدلالة المعنوية كما تعرف بالدلالة الالتزامية، وهي دلالة اللفظ على لازم المعنى، كدلالة لفظ "إنسان" على الكتابة أو الضحك [١].

استفادة الحكم من المفهوم مطلقاً

لاشكّ أنّ الكلام إذا كان له مفهوم يدلّ عليه فهو ظاهر فيه، فيكون حجّةً من المتكلّم على السامع وبالعكس، كسائر الظواهر الأخرى. ومنه يظهر جهة استفادة الحكم من المفهوم مطلقاً، وهذا لاخلاف فيه، وإنّما الخلاف في مبنى استفادة هذا الحكم من المفهوم مطلقاً، أي أن الأُصوليّين اختلفوا في مآخذهم بحجيّة المفهوم على أقوال:

الأول: اللغة (اللفظ)، قال القرافي: هو المشهور، والنقل بذلك ثابت عن بعض أئمة اللغة [٢]، ونحوه الابياري [٣]، وبه قطع أبو المعالي الشافعي إمام الحرمين في البرهان وقال: فإنّ اللفظ لا يشعر بذاته دائماً، وإنّما دلالته. ولاشك أن العرب لم تضع اللفظ ليدلّ على شيء مسكوت عنه، لأنّه إنّما يشعر به بطريق الحقيقة أو بطريق المجاز [٤]. بل إنّ ابن الحاجب ادّعى القطع بصحّة قبول الآحاد في ذلك [٥].

الثاني: الشرع، والقائلون بذلك تمسّكوا بظواهر وأخبار وردت عن الصحابة في فهم آي وأخبار تقتضي إعمال المفهوم، كما فهم بعضهم ذلك من قوله (صلى الله عليه وآله):

ـ

١ - اُصول الفقه ٢ / ٢٨٨.

٢ - حكاه عنه حلولو في شرح التنقيح / ١٥٧.

٣ - ذكره المشّاط في الجواهر الثمينة / ١٧٩.

٤ - حكاه عنه أبو البقاء الفتوحي في شرح الكوكب / ٢٤٠.

٥ - الجواهر الثمينة / ١٧٩، الضياء اللامع ١ / ١٥٦.

"إنّما الماء من الماء" و"إنّما الربا في النسيئة" [١].

الثالث: العقل، وهو النظر الى فوائد التخصيص، وأنّه لا فائدة في مخالفة المسكوت عنه للمنطوق به [٢].

أقسام المفهوم

المفهوم ضربان: أحدهما مفهوم الموافقة، والآخر مفهوم المخالفة.

مفهوم الموافقة: وهو مايكون مدلول اللفظ في محلّ السكوت موافقاً لمدلوله في محلّ النطق نفياً أو إثباتاً. أي إنّ حكم غير المذكور يوافق الحكم المذكور، بأن كان الحكم المذكور الوجوب - مثلاً - كان حكم غير المذكور - حكم المفهوم - الوجوب أيضاً، وهكذا. وقد يسمّى بلحن الخطاب وفحوى الخطاب كما عند المالكية [٣]، ودلالة النصّ عند الحنفية [٤]، ودلالة الاقتضاء والقياس الجلي [٥].

وهو حجّة، بلا خلاف عند جميع المذاهب، وبه أخذ علماء المسلمين، إلا الظاهرية فقد أنكرته [٦].

في شرح التنقيح للقرافي: لحن الخطاب هو دلالة الاقتضاء، وهو دلالة اللفظ

ـ

١ - حكاه حلولو في شرح التنقيح / ١٥٧.

٢ - المصدر السابق.

٣ - اُنظر أحكام الفصول للباجي / ٥٠٧، وشرح تنقيح الفصول / ٥٤.

٤ - انظر حاشية مختصر الحسامي / ٢٥.

٥ - انظر كتاب مالك لأبي زهرة / ٢٩٨.

٦ - الاحكام لابن حزم ٧ / ١٥٣ ومابعدها، الإحكام في اُصول الأحكام للآمدي ٢ / ٢١٠، حاشية العطّار ١ / ٣١٧، المستصفى للغزالي ٢ / ١٩٠، تقريب الوصول الى علم الاُصول للغرناطي / ٨٧، شرح تنقيح الفصول / ٥٣.

التزاماً على ما لايستقلّ الحكم إلا به وإن كان اللفظ لا يقتضيه وضعاً، نحو قوله تعالى: (فأوحينا الى موسى أن اضرب بعصاك البحر فانفلق) [١] تقديره: فضرب فانفلق، وقيل: هو فحوى الخطاب، والخلاف لفظي [٢].

ثم قال: تنبيه الخطاب هو مفهوم الموافقة عند القاضي عبد الوهاب - من المالكية - أو المخالفة عند غيره، وكلاهما فحوى الخطاب عند الباجي، فترادف تنبيه الخطاب وفحوى الخطاب ومفهوم الموافقة لمعنىً واحد، وهو إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى [٣].

وعن ابن عابدين الحنفي قال: اعلم أنّ المفهوم قسمان: مفهوم موافقة وهو دلالة اللفظ على ثبوت حكم المنطوق لمسكوت عنه بمجرد فهم اللغة، أي بلا توقّف على رأي أو اجتهاد، كدلالة: (لا تقل لهما أفٍّ) على التحريم والضرب و…. و…. [٤].

وفي حاشية مختصر الحسامي: ينقسم المفهوم عند الشافعية الى قسمين: الأول: مفهوم موافقة وهو أن يفهم من اللفظ حال المسكوت عنه على وفق المنطوق، وهذا ما سمّيناه: دلالة النصّ [٥].

وعن الآمدي الشافعي في كتابه: المفهوم مايسمّى مفهوم الموافقة ومايسمّى مفهوم المخالفة. أمّا مفهوم الموافقة فما يكون مدلول اللفظ في محلّ السكوت موافقاً لمدلوله في محل النطق، ويسمّى أيضاً فحوى الخطاب ولحن الخطاب، ومنه قوله تعالى: (ولتعرفنّهم في لحن القول) [٦] أي في معناه [٧].

ـ

١ - الشعراء / ٦٣.

٢ - شرح تنقيح الفصول / ٥٣.

٣ - المصدر السابق.

٤ - مجموعة رسائل ابن عابدين / ٤١.

٥ - حاشية مختصر الحسامي / ٢٥.

٦ - محمد / ص ٣٠.

٧ - الإحكام في اُصول الأحكام ٣ / ٦٣ و ٦٧.

وفي أدب القاضي: المفهوم ضربان: أحدهما مافهم صريح لفظه كقوله تعالى في تحريم المناكح: (حرّمت عليكم اُمّهاتكم وبناتكم) [١] الآية، والثاني مافهم بمخرج خطابه مثل قوله تعالى في تحريم الخمر والقمار: (إنّما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه) [٢] فدلّ وضع الخطاب على تحريمه [٣].

وعن ابن اللحام الحنبلي قال: المفهوم على قسمين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة، فأمّا مفهوم الموافقة فهو أن يكون المسكوت عنه موافقاً في الحكم للمنطوق وأولى منه، واختلف في دلالته، فقال القاضي - الحنبلي - والحنفية والمالكية وجماعة من المتكلّمين، واختاره ابن عقيل وذكره عن أصحابنا [٤].

وعن الشيخ المظفّر في كتابه قال: مفهوم الموافقة: ماكان الحكم في المفهوم موافقاً في السنخ للحكم الموجود في المنطوق، فإن كان الحكم المنطوق الوجوب كان في المفهوم الوجوب أيضاً، وهكذا، كدلالة الأولوية في مثل قوله تعالى: (ولا تقل لهما أُفٍّ) على النهي عن الضرب والشتم للأبوين، ونحو ذلك ممّا هو أشدّ إهانةً وايلاماً من التأفيف المحرَّم بحكم الآية [٥].

أنواع مفهوم الموافقة

ثم إنّ لهذا المفهوم ثلاثة أنواع ذكرها الأُصوليّون، واختلفوا في اعتبارها وهي:

ـ

١ - النساء / ٢٣.

٢ - المائدة / ٩٠.

٣ - أدب القاضي ١ / ٣٣٠.

٤ - القواعد والفوائد: ٢٨٦ قاعدة (٦٥).

٥ - أصول الفقه ١ / ١٠٣.

١ - التنبيه بالأقلّ على الأكثر، كدلالة قوله تعالى: (فمن يعمل مثقال ذرّة خيراً يره) [١] على حكم ماوراء الذرّة، وقوله تعالى: (ولا تقل لهما أُفٍّ) دلّ على حرمة الضرب والشتم ونحوهما لأنّهما أولى بالتحريم من التأفيف، لأنّ الإيذاء فيهما أشدّ من الإيذاء بالتأفيف، وقوله تعالى: (ومنهم من إن تأمنه بدينار لايؤدّه إليك) [٢] فإنّه نبّه على النهي عن الائتمان باكثر من دينار، ولا خلاف فيه.

٢ - التنبيه المساوي، وهو كون العلّة في المنطوق والمفهوم بمنزلة سواء، كدلالة قوله تعالى: (إنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً) [٣]. على حرمة إحراقها - مثلاً - أو إتلافها. وهو خلاف ابن الحاجب، حيث اعتبر المفهوم الموافق هو الأول فقط [٤].

٣ - التنبيه بالأكثر على الأقلّ، كدلالة قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك) على حكم ما تحت القنطار.

قال القاضي الباجي المالكي: القسم الثاني من معقول الخطاب، فحوى الخطاب - أي مفهوم الموافقة - وهو مايفهم من نفس الخطاب من قصد المتكلّمين بعرف اللغة، نحو قوله تعالى: (ولا تقل لهما أُفٍّ) فهذا يفهم منه من جهة اللغة: المنع من الضرب والشتم، ومنه قوله تعالى: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤدّه إليك) فنصّ على القنطار ونبّه على مادونه، ونصّ على الدينار ونبّه على مافوقه، وهذا الذي عليه جمهور المتكلّمين والفقهاء من أصحابنا، وبه قال القاضي أبو محمد [٥].

ـ

١ - الزلزلة / ٧.

٢ - آل عمران / ٧٥.

٣ - النساء / ١٠.

٤ - انظر اُصول الفقه لمحمد أبي النور ٢ / ٢٩١.

٥ - احكام الفصول / ٥٠٨.

وقال الإمام أبز زهرة: لحن الخطاب وهو مايسمّى دلالة النصّ أو دلالة الأولى أو مفهوم الموافقة أو القياس الجلي على حدّ تعبير بعض الفقهاء، هي إثبات حكم المنطوق به للمسكوت عنه بطريق أولى، وهي قسمان: أحدهما إثباته في الأكثر، إذ يثبت لأن الكثرة تزيد الحكم قوةً مثل: (ولا تقل لهما أُفّ) فإنّ ذلك يشمل الضرب، وثانيهما إثبات الحكم في الأقلّ مثل: (ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤدّه إليك) [١].

وفي الجواهر الثمينة: إنّ المفهوم إمّا مساو لحكم المنطوق أو أولى منه، وليس لهم مفهوم أدون [٢].

وعند الشهيد الثاني زين الدين بن علي العاملي: إنّ الحكم في المسكوت عنه أولى به في المنطوق، ومن ثمّ نردّه لو كان مساوياً [٣].

مفهوم المخالفة: وهو مايكون مدلول اللفظ في محل السكوت مخالفاً لمدلوله في محلّ النطق المذكور في السلب والإيجاب لانتفاء قيد من القيود المعتبرة في المنطوق، أي إنّ حكم هذا مخالف لحكم ذاك، ومثاله: قوله تعالى: (ومن قتله منكم متعمداً) [٤]. فإنّ تخصيص الحكم بالمتعمّد يدلّ على نفي الحكم عن غير المتعمّد. وقد يسمّى بدليل الخطاب، وهو الذي يطلق الفقهاء عليه اسم "المفهوم" في الأكثر [٥].

وهو حجّة عند مالك والشافعي وأحمد وأكثر الحنابلة [٦]، خلافاً لأبي حنيفة

ـ

١ - الإمام مالك، حياته وعصره / ٣٠٠.

٢ - الجواهر الثمينة لمحمد المشّاط / ١٤٣.

٣ - تمهيد القواعد / ١٠٨.

٤ - المائدة / ٩٥.

٥ - اُنظر تقريب الوصول الى علم الاصول للغرناطي / ٨٨.

٦ - روضة الناظر وجنّة المناظر / ١٣٩، الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ٢ / ٢١٤، تقريب الوصول الى علم الأُصول للغرناطي / ٨٨، إرشاد الفحول / ١٧٩، تمهيد الأسنوي / ٢٤٥.

وبعض الحنابلة [١].

ثم إنّ المفهوم المخالف ينقسم بلحاظ القيود المأخوذة في المنطوق الى أقسام، أنهاها بعضهم الى عشرة، لكن المشهور عند الأُصوليّين ستة:

١ - مفهوم الشرط: وهو ثبوت نقيض الحكم المنطوق المعلّق على شرط أو المقترن بشرط عند عدم وجود الشرط، مثل: "من تطهّر صحّت صلاته" فدلّ بالمفهوم المخالف على عدم صحّة صلاة من لم يتطهّر، ومثل قوله تعالى: (وإن كنّ اُولات حمل فأنفقوا عليهنّ حتى يضعن حملهنّ) [٢] فالنصّ يستفاد منه الإنفاق على المطلّقة المعتدة، فقيّد بما إذا كانت حاملاً، وبدلالة مفهوم المخالفة أنّها إذا لم تكن حاملاً فإنّه لا نفقة لها، وبذلك نأخذ بمفهوم الشرط، فلا تجب عنده نفقة لمعتدّة إلا إذا كان الطلاق رجعياً أو إذا كانت المعتدّة حاملاً، إلا الحنفية إذ لم يأخذوا بالمفهوم المخالف مطلقاً، وأوجبوا النفقة لكلّ معتدّة من طلاق، إلاّ إذا أسقطتها الزوجة بإبرائها له من حقّ المطالبة.

سؤال يطرح نفسه: إنّ في بعض الموارد يكون مفهوم الشرط لا معنى له، بنحو قولهم: "إن رزقت ولداً فاختنه" فإنّ دلالة مفهوم المخالفة أنّه لولم ترزق ولداً فلا تختنه! وهو قول لا معنى له ولا يمكن تصوّره بحال. وكما في قوله تعالى: (ولا تكرهوا فتياتكم على البغاء إن أردن تحصّناً) [٣] فبناء على القول بأنّ للشرط مفهوما لزم جواز الإكراه على الزنا عند عدم إرادة التحصّن، واللازم باطل كما هو واضح!

الجواب: إنّ الجملة الشرطية على نحوين:

ـ

١ - رسال ابن عابدين / ٤١، روضة الناظر وجنّة المناظم / ١٣٩، أُصول الفقه للبرديسي / ٣٥٦.

٢ - الطلاق / ٦.

٣ - النور / ٣٣.

أ - أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، أي أنّ المقدّم من الجملة هو نفس موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطاً بالشرط في المقدّم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه. وقد اتّفق الأصوليون على أنّه لا مفهوم لهذا النحو من الجمل الشرطية.

ب - أن لا تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم، حيث يكون الحكم في التالي منوطاً بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه. وهذا النحو هو موضع ادّعاء بعض جمهور الأُصوليّين بأن لها مفهوماً كالإمامية والشافعية وإمام الحرمين وأبي بكر الرازي وإليه ذهب البيضاوي [١]، ونفاه آخر كأبي حنيفة والمحكي عن مالك واختاره أبو بكر الباقلاني والغزالي من الشافعية [٢].

فاتّفاق الاُصوليّين على أنّه لا مفهوم للنحو الأول من الجملة الشرطية "لأنّ انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدّم إلاّ على نحو السالبة بانتفاء الموضوع، ولاحكم حينئذ بالانتفاء، بل هو انتفاء الحكم" [٣] وعليه فلا مفهوم للشرطية في المثالين الواردين في السؤال.

وبالجملة: إنّ دلالة الجملة الشرطية على المفهوم إنّما يتوقّف على أمرين:

الأول: دلالتها على الارتباط والملازمة بين المقدّم والتالي، على أنّ التالي معلّق على المقدّم وتابع له، فيكون المقدّم سبباً للتالي.

ـ

١ - اُنظر الإبهاج لابن سريج ١ / ٢٤٠، واُصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٣٠١، وعلم أُصول الفقه لمغنية / ١٤٦.

٢ - اُنظر الإحكام في أُصول الأحكام للآمدى ٣ / ٨٠ و ٩٦، وأُصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٣٠١.

٣ - أُصول الفقه للمظفّر ١ / ١٠٥.

الثاني: دلالتها على انحصار السببيّة في المقدّم، بمعنى أنّه لاسبب بديل له يترتب عليه التالي.

٢ - مفهوم الوصف: هو دلالة لفظ ما مقيّد بصفة على انتفاء الحكم عن غير الموصوف بتلك الصفة. فوجود الصفة المقيّدة للمنطوق يثبت الحكم بما جاء به لفظ المنطوق، فإذا تخلّف هذا الوصف يثبت نقيض الحكم. مثاله: قوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات) [١] فقد أفاد المنطوق بحلّية نكاح الإماء بأن تكون مؤمنات، وبمفهومه - على القول به - على حرمة نكاح الإماء غير المؤمنات.

لكن السؤال هنا: ما المقصود بالوصف هنا؟

إنّ المقصود بالوصوف هنا هو مايعمّ النعت وغيره، فيشمل الحال والتمييز والمضاف والظرف والجار والمجرور ونحوها ممّا يصلح أن يكون قيداً لموضوع التكليف.

ثم إنّ المراد بالوصف اذا اشتمل على شرطين.

الأول: أن يكون أخصّ من الموصوف، نحو: "في سائمة الغنم زكاة" و"أكرم رجلاً عالماً" فإنّ كلاً من "الغنم" و"الرجل" له أكثر من وصف، وذكر الوصف الواحد بالخصوص إنّما هو تضييق من مدلول الموصوف وتحديد في دائرته العامة.

فلو كان الوصف مساوياً للموصوف أو أعمّ مطلقاً فسيكون خارجاً عن محل الكلام هنا، حيث فيهما ينتفي الموصوف بانتفاء الوصف، ومن ثم لا يبقى للمفهوم مكان.

ـ

١ - النساء / ٢٥.

فمثال الأول: أكرم زيداً أخاك، ومثال الثاني: أرفق بزيد لأن له كبداً رطبة.

الثاني: أن يعتمد الوصف على موصوف، مثاله: قوله تعالى: (إطعام في يوم ذي مسغبة) [١] فلا يشمل ما إذا كان الوصف نفسه موضوعاً للحكم، إذ أنّه سيخرج عن مفهوم الوصف ويدخل في مفهوم اللقب، نحو قوله عزّوجلّ: (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) [٢].

هذا وزاد البيضاوي شرطاً ثالثاً في الوصف، هو: كون اتّصاله بالموصوف، فلا يصحّ الفصل بينهما في الزمن [٣].

ثم إنّ ممّا لاشك فيه ولاخلاف: أنّ الوصف يستعمل مع القرينة في الكثير من المعاني المتداولة عند الناس عامةً، من ذلك الذمّ والهجاء، نحو: "أعوذ باللّه من الشيطان الرجيم" أو المدح والثناء نحو: "بسم اللّه الرحمن الرحيم" وتتمثل القرينة هنا بعلم المخاطَب بحال الموصوف، أو التوكيد نحو: "لا تتخذوا إلهين اثنين" وغيرها من الاستعمالات التي لا عدّ لها ولا حصر مثل: "أمس مات رجل عالم" و"رأيت اليوم رجلاً قصيراً"…. فلا شكّ عند وجود القرائن الخاصة يدلّ التقييد بالوصف على المفهوم.

لكن اختلف الأُصوليون في حالة تجرّد القضية عن القرائن الخاصة، فإن مجرّد التقييد بالوصف هل يدلّ على المفهوم؟

وبعبارة اُخرى: في الجملة المقيّدة بالوصف بلا قرينة خاصة، هل ينتفي حكم الموصوف عند انتفاء الوصف، أو لا؟ وانّ هذا الانتفاء يفتقر الى دليل مستقلّ؟

ـ

١ - البلد / ١٤.

٢ - المائدة / ٣٨.

٣ - انظر اصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٤٧٤.

ذهب الى الأول الشافعي وأحمد ومالك والأشعري وإمام الحرمين أبو المعالي [١]، واختاره البيضاوي [٢].

وقال بالثاني جمهور الحنفية وبعض الشافعية كالغزالي وابن سريج والقاضي أبي بكر بن الطيب وجماهير المعتزلة واختاره الآمدي [٣]. وهو المشهور بين الأُصوليين من الإمامية، إذ "أنّ الوصف بما هو لا مفهوم له ولا يحتجّ به إلا بقرينة تدلّ عليه، لأن الوصف ظاهر كالشمس في أنّه قيد للموضوع لا للحكم، فقول الشارع مثلاً: المرأة المدخول بها أو الحائض أو اليائس حكمها كذا وكيت، وقوله: الرجل الغني أو الفقير يفعل ذا ويترك ذاك…. كل هذه الصفات وما إليها قيود لموضوعات الأحكام" [٤].

فإذا انتفى الوصف انتفى موضوع الحكم المختصّ بالموصوف تبعاً له، أمّا نفي نوع الحكم عن غير هذا الوصف فسوف يحتاج الى دليل، كما هو الشأن في مفهوم اللقب، كما سيأتي.

مثاله: رجل له ثلاثة أولاد: زيد وعمر وبكر، ثم قال: أكرموا زيداً، فإنّ وجوب هذا الإكرام المخصّص لزيد إنما ينتفي بموت زيد مثلاً، أمّا نفي الإكرام عن عمرو أو بكر فلا يستفاد من قوله: "أكرموا زيداً"، بل يستفاد من دليل آخر

ـ

١ - الأم ٢ / ٥، المحصول ١ / ٢١٦ و٢ / ٢٣٩، روضة الناظر وجُنّة المناظر / ١٤٤، التمهيد للاسنوي / ٢٤٥، شرح تنقيح الفصول / ٥٣ و٢٧٠، منتهى الأُصول والأمل / ١٤٩، حاشية العطّار ١ / ٣٢٦ و ٣٤١، منتهى السؤل والأمل / ١٤٧ و١٥٣، أُصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٢٩٦.

٢ - انظر منهاج الوصول / ٢٤١.

٣ - المحصول ١ / ٢١٦ و ٢ / ٢٤٠، حاشية العطار ١ / ٣٢٦ و٣٤١، منتهى الأُصول والأمل / ١٤٩، التمهيد للأسنوي / ٢٤٥، الإبهاج ١ / ٢٤٠، الإحكام للآمدي ٣ / ٨٠ و٩٦ ونقله عن القاضي.

٤ - علم أُصول الفقه في ثوبه الجديد لمغنية / ١٥٦ - ١٥٧.

مستقلّ، إذ لو دلّ على ذلك للزم أن يكون قول القائل: "محمد رسول اللّه" كفراً! ذلك لأنّه يدلّ على نفي رسالة غيره من الرسل، وهو كفر كما هو واضح.

ولقد استدلّ المثبتون لمفهوم الوصف بأدلّة عديدة، وقام النافون له بالردّ عليها ردّاً مسهباً في بعضها ومقتضباً في آخر، نتركه لمظانّه [١].

٣ - مفهوم الغاية: اعتاد الأُصوليون في بحثهم عن الغاية أن يبحثوا من جهتين اثنتين:

الأولى: تتناول المنطوق دون المفهوم.

الثانية: في دلالة المنطوق على المفهوم، وهو موضوع بحثنا هنا، لكن لا بأس بالتعرّض للأول للفائدة.

وقبل الكلام في البحث ثمة سؤال يطرح نفسه قبل كل شيء: ما معنى الغاية؟

الجواب: إنّ لكلمة "الغاية" عدّة معان: منها: المسافة، تقول: "سافرت من البصرة الى بغداد" فيستفاد منه أن مسافة السفر تبتدئ من البصرة لغاية بغداد، ومنها: الفائدة كقوله تعالى: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين للّه) [٢] فيستفاد أنّ القتال إنّما اُبيح لفائدة وهي منع الفتنة في الدين، ومنها: الانتهاء مقابل الابتداء نحو قوله تعالى: (أتمّوا الصيام الى الليل) [٣]. وهو المعنى المراد بالبحث هنا.

ومن الأدوات الدالّة عليه: الى، حتى.

الجهة الأولى: تتناول دخول الغاية في المنطوق، أو في تعبير الأُصوليّين:

ـ

١ - انظر على سبيل المثال: أُصول الفقه للاستاذ محمد أبو النور ٢ / ٢٩٧ - ٣٠٠، وأُصول الفقه للشيخ الاستاذ محمد رضا المظفّر ١ / ١١٤ - ١١٥.

٢ - البقرة / ١٩٣.

٣ - البقرة / ١٨٧.

دخولها في حكم المغيّى، وخلاصته: أنّ التقييد بالغاية إذا تجرّد عن القرينة، هل يدلّ على أنّ حدّ الانتهاء الذي دخلت عليه الأداة هو جزء من المحدود المذكور وداخل فيه، أو يدلّ على خروجه منه، أو لا دلالة في القيد بالغاية أصلاً؟

وقد اختلفت أجوبة الأُصوليّين على ذلك، فمنهم من قال بوجود هذه الدلالة مطلقاً، سواء كان ما بعد الأداة من جنس ماقبلها أو لم يكن، مثال الأول: "أكلت السمكة حتى رأسها" ومثال الثاني: قوله تعالى: (وإن كان ذو عسرة فنظرة الى ميسرة) [١]، ومنهم من نفى هذه الدلالة مطلقاً من غير فرق بين كون الأداة "الى" أو "حتى"، وآخر من ذهب الى التفصيل بين كون الأداة "حتى" فيدخل في حكم المغيّى وبين كونها "الى" فلا يدخل فيه، ورابع من فصّل الجنس الواحد والجنسين.

لكنّ الظاهر من كلمات بعض الأُصوليّين وإليه ذهب الإمامية في أنّه "لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى ولا في عدمه، بل يتبع ذلك الموارد والقرائن الخاصة الحافّة بالكلام" [٢].

فإذا وجدت القرينة على الدخول أو الخروج يُعمل بها، فمثال الدخول قولك: "قرأت القرآن من أوله الى آخره" والقرينة هنا كما هو ظاهر سياق الكلام المتعارف، ومثال الخروج قوله تعالى: (ثم أتمّوا الصيام الى الليل) فالقرينة هو الإجماع في أنّ الصيام في النهار دون الليل.

السؤال هنا: لو تجرّد الكلام بنحو يستوي في الاحتمالات، مثل قولك: "نمت البارحة الى الصباح" فما العمل؟

الجواب: في هذه الحالة يجب التوقّف ; لأنّ التعيين هنا ترجيح بلا مرجّح.

ـ

١ - البقرة / ٢٨٠.

٢ - أُصول الفقه للمظفّر ١ / ١١٦.

الجهة الثانية: وهو موضوع البحث هنا في دلالة المنطوق على المفهوم، فهل يدلّ التقييد بالغاية في حالة تجرّدها عن القرينة على انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية ومن الغاية نفسها أيضاً إذا لم تكن داخلة في المغيّى أم لا؟ كما في قوله تعالى: (وامسحوا برؤوسكم وأرجلكم الى الكعبين) [١] فقد حدّدت الآية الشريفة حكم ماقبل الكعبين بأن أوجبت مسحه، ولكن لم تذكر صراحةً حكم مابعد الكعبين.

وقد اختلف الأُصوليون على قولين: فعلى فرض وجود هذه الدلالة ينتفي الحكم عمّا عدا المذكور بنصّ الشارع مفهوماً، وعلى فرض عدمها لا ينتفي الحكم، ولا يثبت إلا بدليل خاصّ يدلّ عليه.

والى القول الأول ذهب جمهور المسلمين من الأصوليّين، بل وقال به من لم يقل بمفهوم الوصف والشرط [٢]، إلا الحنفية ومعهم بعض الفقهاء فإنّهم لم يأخذوا به وذهبوا الى القول الثاني [٣].

٤ - مفهوم الحصر: "الحصر" لغةً يأتي على معان عديدة، منها: الضيق يقال: حصره فلان أي: ضيّق عليه وأحاط به، ومنها: الانقباض يقال: حصر الرجلُ إذا ضاق صدره وانقبض، ومنه قوله تعالى: (حَصِرَت صدُورُهم) [٤]. أي ضاقت وانقبضت، ومنها: الاحتباس قال تعالى: (وجعلنا جهنَّم للكافرين حصيراً) [٥] أي: حابساً [٦].

ـ

١ - المائدة / ٦.

٢ - اصول الفقه للإمام محمد أبو زهرة / ١٤٣، علم أصول الفقه لمغنية / ١٦٢.

٣ - انظر المصدرين السابقين.

٤ - النساء / ٩٠.

٥ - الاسراء / ٨.

٦ - انظر مفردات الراغب الإصفهاني / ١٢٠ مادة "حصر".

وعند الأُصوليين هو قصر الشيء واختصاصه بالمذكور، وإثبات نقيضه لسواه. وله أدوات وهيئات كثيرة، أهمّها:

أ - إلاّ، وتأتي لثلاث وجوه: تارة صفة بمعنى "غير"، وتارة استثنائية، وثالثة ملغاة عندما يسبقها نفي. فأمّا الوصفية فهي تقع وصفاً لما قبلها كسائر الأوصاف، ومن هنا فهي تدخل في مفهوم الوصف إذا قلنا: إنّ للوصف مفهوماً، وإلا فلا. وأمّا الاستثنائية فلاشك في دلالتها على المفهوم، وعليه الجمهور. وأمّا الحصر بعد النفي نحو: "لاصلاة إلا بطهور" فهي في الحقيقة أحد أنواع الاستثنائية.

وبالجملة، فإنّ "إلا" الاستثنائية تدلّ بالوضع اللغوي أو الظهور العرفي على أنّ حكم المستثنى مخالف لحكم المستثنى منه في الإيجاب والسلب.

ب - إنّما، وهي أقوى في الدلالة من "إلاّ" على اختصاص الشيء وحصره، فإذا استعملت في حصر الحكم في موضوع ما دلّت بالملازمة على انتفائه عن غير ذلك الموضوع، وعليه جمهور النحاة والفقهاء، إلا الحنفية فقالوا: إنّه إثبات فقط ولا يدلّ على الحصر، فمعنى "إنّما زيد قائم" مساو لـ "إن زيداً قائم" [١].

ج - بل، وتُستعمل في وجوه ثلاثة:

الأول: للدلالة على أنّ المضروب عنه وقع على نحو الغلط، مثل قولك: "جاء زيد بل عمرو"، ولا دلالة لها حينئذ على الحصر.

الثاني: للدلالة على تأكيد المضروب عنه وتقريره، نحو قولك: "زيد عالم بل شاعر" ولا دلالة لها أيضاً على الحصر.

الثالث: للدلالة على الردع وإبطال ما ثبت قبلاً مثل قوله تعالى: (أم يقولون به

ـ

١ - انظر علم أصول الفقه لمغنية / ١٦٣، وأُصول الفقه لمحمد الخضري بك / ١٢٨.

جِنَّة بل جاءهم بالحقّ) [١] وهي تدلّ على الحصر حينئذ فيكون لها مفهوماً.

د - الحصر باللام الاستغراقية، فقد قيل: إنّ الحصر بها تماماً كالحصر بـ "إنّما" فلا فرق بينهما إطلاقاً، كما تقول: "إنّما الأعمال بالنيات" تقول: "الأعمال بالنيات" [٢].

هـ - وهناك هيئات غير الأدوات تدلّ أيضاً على الحصر، مثل: تقدّم المفعول نحو قوله تعالى: (إياك نعبد وإياك نستعين) [٣].

٥ - مفهوم العدد: وقد اختلف الأُصوليون في مفهوم العدد، فإذا خصّص الحكم بعدد معيّن وقيّد به، مثل قوله تعالى: (فاجلدوهم ثمانين جلدةً) [٤]، فهل يدلّ اللفظ على نفي الحكم عن غير هذا العدد المقيّد به أو لا يدلّ على ذلك؟ على ثلاثة أقوال:

الأول: بالإيجاب بأن تخصيص الحكم بعدد معيّن يدلّ على نفيه عن غيره من الأعداد مطلقاً، وإليه ذهب الشافعي كما نسب إليه [٥].

الثاني: بالنفي مطلقاً، واختاره البيضاوي وإمام الحرمين وأبو بكر الباقلاني [٦].

الثالث: وذهب المحقّقون الى أنّه ليس بحجة مطلقاً إلا بدليل منفصل، فإنّ تخصيص الحكم بعدد معيّن لا يدلّ باعتبار ذاته - بقطع النظر عن القرائن الخارجية - على حكم في العدد الزائد عن العدد الذي قيِّد به الحكم، وكذا الناقص، ولكنّه قد يدلّ بواسطة القرائن الخارجية عليه.

ـ

١ - المؤمنون / ٧٠.

٢ - انظر علم اصول الفقه لمغنية / ١٦٣.

٣ - الفاتحة / ٥.

٤ - النور / ٤.

٥ - نقله عنه في المنخول / ٢٠٩.

٦ - انظر اصول الفقه لمحمد أبو النور ٢ / ٢٠٤.

وبعبارة اُخرى: أنّ العدد باعتبار ذاته لا يدلّ على حكم في الزائد ولا في الناقص، وإنّما الدلالة جاءت من القرائن الخارجية، فمثال وجود القرينة على جواز الزيادة على العدد المقيّد للحكم قول الشارع: "اغسل الإناء من سؤر الخنزير سبع مّرات" فالغاية من التكرار هنا إزالة القذارة والخبث، وزيادة الغسل تحقّق هذا الغرض وتؤكد عليه.

ومثال عدم جواز الزيادة عليه قوله تعالى: (فَاجلدوهم ثمانين جلدةً) لأنّ الزيادة هنا تصبح ظلماً وعدواناً.

ومثال جواز النقصان قول الشارع: "أكثر الحيض عشرة أيام". ومثال عدم جواز النقصان قوله (صلى الله عليه وآله): "إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثاً" [١].

وإليه ذهب الإمامية وبعض الشافعية والحنفية [٢]، وهو اختيار الرازي [٣].

٦ - مفهوم اللقب: ليس المراد من اللقب خصوص ما اصطلح عليه النحويون بأنّه ما أشعر بمدح أو ذمّ ولم يصدر بـ "أب" أو "أُم"، وإنّما المراد به أعمّ من ذلك، وهو كلّ مايدلّ على الذات، سواء كان علماً أو كنية أو لقباً، مشتقّاً كان أم جامداً.

وقد اختلف الأُصوليون في تعليق الحكم بما يدلّ على الذات، هل يدلّ ذلك على نفي الحكم عن غير هذه الذات، أو لايدلّ على ذلك وإنّما يدلّ على ثبوت الحكم للذات فقط؟

ـ

١ - سنن الدار قطني ١ / ٢١ و٢ / ٥٠٣.

٢ - تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: ١١٤ قاعدة [٢٧]، الإحكام في اُصول الأحكام للآمدي ٣ / ٨٨، المستصفى للغزالي ٢ / ١٩١ و١٩٥، نهاية السؤل للبيضاوي ٢ / ٢٢١، أُصول الفقه للمظفّر ١ / ١١٩.

٣ - حكاه محمد أبو النور زهير في أُصول الفقه ٢ / ٣٠٦.

فمثلاً إذا قيل: "زيد عالم"، فهل يدلّ ذلك على نفي العلم عن غير زيد - كبكر وعمرو - أو لا يدلّ على ثبوته لزيد فقط؟

اختلف الأُصوليون في ذلك على قولين:

الأول: وذهب إليه من الشافعية أبو بكر الدقاق والصيرفي، ومن المالكية ابن خويز منداد [١]، وأصحاب الإمام أحمد بن حنبل [٢]، فقالوا بمفهوم اللقب وحجيّته، لأنّ التخصيص لابدّ له من فائدة وإلا كان لغواً.

والثاني: وهو ما أجمع جمهور المسلمين من الأُصوليّين الإماميّين وأكثر الشافعية والمالكية وبعض الحنابلة [٣] على عدم حجّيته ; لأنّه لو دلّ على نفي الحكم عن غير الذات المذكور للزم أن يكون قول القائل: "محمد رسول اللّه" دالاً على نفي رسالة غيره من الرسل، وهو كفر.

ـ

١ - تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: ١١٧ قاعدة [٢٩]، الإحكام في أُصول الأحكام للآمدي ٣ / ٩٠، تقريب الوصول الى علم الأُصول للفرناطي / ٨٩، علم أُصول الفقه لمغنية / ١٦٤، أُصول الفقه لمحمد أبو النور ٣ / ٢٩٣.

٢ - انظر الإحكام للآمدي ٣ / ٩٠.

٣ - تمهيد القواعد للشهيد الثاني العاملي: ١١٧ قاعدة [٢٩]، الإمام مالك لأبي زهرة / ٢٢٤، أُصول الفقه لمحمد الخضري بك / ١٢٧.



[ Web design by Abadis ]