ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 القصص القرآني - القسم السابع \ السيد محمد باقر الحكيم

في الحلقات السابقة من هذه الدراسة تناول الأستاذ الباحث قصة موسى في ست حلقات. وفي هذه الحلقة يتناول قصة نوح ومعطياتها بمنهجية أخرى جديدة، فهي قصة لها دلالاتها العظيمة المتمثلة في أمة غوت فعاقبتها السنن الكونية، وقصة إنسان صبر وقاوم على طريق الحق فأنجاه الله ومن معه. وهي سنة كونية أخرى. والبحث يتناول هذه الدروس.

قصة نوح في القرآن

نوح - عليه السلام - هو النبي الثالث ممن ذكروا من الأنبياء في القرآن الكريم بعد آدم - عليه السلام - وجده الأكبر إدريس [١]، وهو أول الرسل من أولي العزم [٢]، وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد صلى الله عليه وعليهم وعلى آله أجمعين).

وقد جاءت قصته في التوراة مختلفة عما جاءت في القرآن الكريم، كما أنّه يوجد اختلاف بين نسخها المترجمة عن العبرية والسامرية واليونانية.

وقد ورد ذكر نوح في القرآن الكريم في ثلاثة وأربعين مورداً، كما أنّه وردت قصته بشيء من التفصيل في كل من سور (الأعراف، وهود، والمؤمنون، والشعراء، والصافات، والقمر، ونوح) مع إشارة للقصة في سور أخرى، وهي مختلفة في الطول والقصر، كما أنها مختلفة في اللفظ والهدف بحسب الغرض والسياق الذي جاءت فيه القصة، ولكن أكثرها تفصيلاً وشرحاً لقصته ما ورد منها في سورة هود.

وتتلخص قصة نوح في القرآن الكريم بالأمور التالية:

١ - قوم نوح

لقد أشار القرآن الكريم إلى الأبعاد العقائدية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية التي كان يتصف بها قوم نوح.

أ - فمن الناحية العقائدية كان قوم نوح قد عكفوا على عبادة غير الله واتخذوا لهم أصناماً يعبدونها، وقد أشار القرآن الكريم إلى بعض أسماء هذه الأصنام، وهي (ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسرا): ﴿وقالوا لاتذرنّ آلهتكم ولاتذرن وداً ولاسواعاً ولايغوث ويعوق ونسراً﴾ [٣].

وتذكر بعض الروايات بأن هذه الأسماء كانت لرجال صالحين، اتخذ الناس لهم تماثيل لمجيدهم وإحياء ذكراهم، ثم تحول الناس لعبادتهم بعد ذلك.

ب - ومن الناحية الأخلاقية اتصف قوم نوح بسوء الأخلاق من الجهل والعناد، والمكر الكبير، وازدارء الفقراء والضعفاء.

ج - ومن الناحية السياسية كان قوم نوح يتبعون سادتهم من أهل القدرة والقوة ممن كثر ماله وولده ﴿وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن وداً ولا سواعاً ولا يغوث ويعوق ونسراً﴾. وكان هؤلاء السادة (الملأ من قومه) يستضعفون الفقراء ويستكبرون في الأرض.

د - ومن الناحية الاجتماعية والسلوكية كانوا يرتكبون الآثام والخطايا ويمارسون أنواع الظلم والفساد والطغيان: ﴿مما خطيئاتهم أغرقوا فأدخلوا ناراً فلم يجدوا لهم من دون الله أنصاراً. وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً. رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً﴾ [٤].

﴿ولا تجعلوا مع الله إلهاً آخر إني لكم منه نذير مبين﴾ [٥]. ﴿والمؤتفكة أهوى﴾ [٦].

٢ - شخصية نوح - عليه السلام -

لم يتحدث القرآن الكريم عن الحياة الشخصية لنوح، أو بعض ما جرى له قبل رسالته ودعوته، كما تحدث عن إبراهيم وموسى وعيسى عليهما السلام. ولعل السبب في ذلك - والله أعلم - أنّه لا يوجد شيء فيها يثير الاهتمام بالنسبة إلى الأغراض القرآنية للقصة. أو أن القرآن كان منهجه التفصيل النسبي بالنسبة إلى الأنبياء اللاحقين لوجود أقوام يتبعونهم ولا زالوا على ديانتهم والانتماء الخاص لهم دون الأنبياء السابقين الذين لا يتصفون بهذه الصفة.

ولكن يمكن أن نستنتج من المحاورة التي جرت بين نوح - عليه السلام - والملأ من قومه أن نوحاً كان من طبقة الأشراف والملأ منهم. ولذلك كانوا يحتجون عليه بمعاشرة الأراذل من الناس ويطلبون منه أن يطردهم. كما أن هذا الانتماء لهذه الطبقة من الناس قد يفسر لنا العامل الاجتماعي - والله أعلم - في ضلال زوجته وابنه حيث كانوا يتأثرون بهذه العوامل الاجتماعية.

كما أنّه يمكن أن نستنتج أنّه كان على درجة عالية من الشجاعة والاقدام والصبر والتحمل لما توحيه ظروف المحاصرة والعزلة والتكذيب والتهديد له بالقتل، وهو مع كل ذلك يستمر في رسالته دون ملل أو كلل مع طول المدة، كما سوف نعرف ذلك.

لم يترك القرآن الحديث عن شخصية نوح - عليه السلام - ومواصفاته العامة، من خلال النقاط التالية:

١ - كان نوح أول أولي العزم الذين هم سادة الأنبياء وأصحاب الرسالات الإلهية العامة إلى البشر جميعاً، الذين أخذ الله تعالى منهم الميثاق الغليظ، ولذا فشريعته أول الشرائع الإلهية المشتملة على تنظيم الحياة الإنسانية. وقد ذكرنا إشارة القرآن الكريم إلى ذلك في الآية [١٣] من سورة الشورى، وكذلك في الآية [٧] من سورة الأحزاب.

٢ - كان نوح - عليه السلام - الأب الثاني للنسل الحاضر من بني الإنسان وإليه تنتهي أنساب الناس، لقوله تعالى: ﴿وجعلنا ذريته هم الباقين﴾ [٧].

٣ - إن نوحاً هو أبو الأنبياء المذكورين في القرآن، ماعدا آدم وإدريس عليهما السلام [٨]، قال تعالى: ﴿وتركنا عليه في الآخرين﴾ [٩].

٤ - كان نوح - عليه السلام - أول من كلم الناس بمنطق العقل وطريق الاحتجاج مضافاً إلى طريق الوحي بعد تعرض الجماعة البشرية للانحراف عن الفطرة. فهو الأصل الذي ينتهي إليه دين التوحيد في العالم بعد ظهور الوثنية، فله الفضل والمنة على جميع الموحدين إلى يوم القيامة، ولعل هذا هو سبب أن خصه الله تعالى به من السلام الذي لم يشاركه فيه أحد: ﴿سلام على نوح في العالمين﴾ [١٠].

وقد اصطفاه الله على العالمين وعده من المحسنين وسماه عبداً شكوراً وعبداً صالحاً وعده من عباده المؤمنين: وآخر ما نقل من دعائه قوله: ﴿رب اغفر لي ولوالدي ولمن دخل بيتي مؤمناً وللمؤمنين والمؤمنات ولا تزد الظالمين إلا تباراً﴾ [١١] [١٢].

كما أنّه كان أول من ذكره القرآن الكريم في ذكر اسم الله عند الابتداء بأمر عظيم: ﴿بسم الله مجراها ومرساها﴾.

كما أخبر القرآن الكريم أنّه لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، الأمر الذي يكشف عن طول المعاناة والصبر العظيم.

حياة نوح

يبدو أن حياة نوح - عليه السلام - من خلال ما عرضه القرآن الكريم في قصته تنقسم إلى ثلاث مراحل، وتبدو هذه المراحل الثلاث واضحة من المقطع الذي ذكر فيه قصته من سورة هود.

١ - الرسالة والدعوة

كان نوح - عليه السلام - يدعو قومه إلى توحيد الله سبحانه وعبادته ورفض عبادة غير الله تعالى من الشركاء، كما كان يدعوهم إلى تقوى الله تعالى وطاعته وإلى التوبة والإنابة إلى الله تعالى ليغفر لهم ذنوبهم.

كما أنّه كان يبلغ رسالات الله وينصح لهم وينذرهم عذاب الله وعقابه، ويبشرهم بالخير العميم في الدنيا، حيث يرسل الله السماء عليهم مدراراً ويمددهم بأموال وبنين ويجعل لهم جناتٍ لهم أنهاراً.

ويظهر من القرآن الكريم - كما يفهم من المقارنة بين شريعته وشرائع سائر أنبياء أولي العزم أو من سياق الوصايا العامة التي ذكرها القرآن الكريم للشرائع السابقة - أن نوحاً - عليه السلام - كان يأمرهم بالمعروف، كالعدل والمساواة وصدق الحديث والوفاء بالعهد، وينهاهم عن المنكر وعن ممارسة الفواحش واقترابها.

وقد توسل نوح - عليه السلام - في دعوته هذه بوسائل الخطاب بالحكمة والموعظة الحسنة والانذار من عذاب الله تعالى والاحتجاج الذي يعتمد على المنطق والأخلاق والتأكيد على التجرد من الهوى أو المصالح الدنيوية، فهو إنسان أرسله الله لإبلاغ رسالاته وليس ملكاً، كما أنّه لا يبتغي من وراء هذا العمل أجراً أو فائدة خاصة أو مقاماً دنيوياً، وإنما يريد بذلك خيرهم وصلاحهم.

وكان - عليه السلام - يتصف بالصبر وسعة الصدر والاستقامة في الدعوة ومواصلة إبلاغ الرسالة واستخدام الأساليب المختلفة العلنية والسرية: ﴿رب إني دعوت قومي ليلاً ونهاراً﴾ [١٣].

﴿ثم إني دعوتهم جهاراً ثم إني أعلنت لهم وأسررت لهم إسراراً﴾ [١٤].

وقد واجهه قومه بتكذيبه في دعوته واستخدموا في هذا التكذيب عدة وسائل تعبر عن مراحل من المواجهة بينه وبين قومه.

فأولاً: كانوا يثيرون في وجهه الشبهات والشكوك من خلال المجادلة بالباطل، فتارة يتهمونه بالكذب والافتراء لأن الرسول من الله لابد أن يكون ملكاً ويستغربون أن يكون رسول الله رجلاً مثلهم، وأخرى يتهمونه بالضلال والخروج على الجماعة ووحدتها، وثالثة بأنه يسعى وراء الجاه والمقام والحصول على الامتيازات، مع أنّه لا فضل له عليهم في الجاه والمال والولد.

وثانياً: المحاصرة الاجتماعية من خلال الاتهام بالتسافل الاجتماعي والعيش مع الأراذل والضعفاء والأوباش من الناس. ولا يمكنهم أن يؤمنوا برسالته لأن ذلك يؤدي بهم إلى أن ينزلوا إلى هذا المستوى الاجتماعي الداني.

وكان نوح - عليه السلام - يرد عليهم هذا الاتهام بأن هؤلاء مؤمنين ولا يمكن له أن يطردهم ويبتعد عنهم، والله أعلم بما في نفوسهم وهو يثيبهم على أعمالهم ونياتهم.

وثالثاً: التهديد بالعدوان واستخدام القوة ضده إذا لم يترك رسالته: ﴿قالوا لئن لم تنته يا نوح لتكونن من المرجومين، قال رب إن قومي كذبون فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجني ومن معي من المؤمنين﴾ [١٥]. ﴿فدعا ربه أني مغلوب فانتصر﴾ [١٦].

ويبدو من القرآن الكريم أن نتائج هذه المرحلة كانت:

أولاً: الإيمان بالرسالة من قبل عدد محدود من الطبقة السفلى من الناس، وكذلك أهله باستثناء زوجته وأحد أبنائه. وبقي سائر الناس على عنادهم وإصرارهم في تكذيبه: ﴿وما آمن معه إلا قليل﴾ [١٧].

ثانياً: انقطاع الصلة والتعايش بين نوح - عليه السلام - وقومه من خلال تطور المواجهة بالتهديد وباستخدام القوة وصمود واستمرار نوح - عليه السلام - على موقفه وعدم التراجع عنه: ﴿واتل عليهم نبأ نوح إذ قال لقومه يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت فاجمعوا أمركم وشركائكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون﴾ [١٨].

ويمكن أن نفهم كلا هذين الأمرين من هاتين الآيتين أيضاً: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فعلي إجرامي وأنا بريء مما تجرمون وأوحي إلى نوح أنّه لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن فلا تبتئس بما كانوا يفعلون﴾ [١٩].

٢ - اليأس وصنع الفلك [٢٠]

وقد يئس نوح - عليه السلام - من هداية قومه وإيمانهم بعد أن أخبره الله تعالى، وكان قد تبين العناد والإصرار على التكذيب في قومه، فنادى ربه بذلك ثم حصل له

اليأس من هدايتهم بعدم إيمانهم بعد أن أخبره الله تعالى بذلك، كما أشارت إلى ذلك الآية السابقة، وقد كان قومه يطالبونه بما كان يعدهم من إنزال العذاب وهو يوكل ذلك إلى الله تعالى، وفي الوقت نفسه يواصل دعوته لهم. وبعد إخبار الله تعالى له بذلك، نجد نوحاً - عليه السلام - يعبر عن هذا اليأس في عدة مواقف.

أ - إعلان القطيعة والبراءة من قومه، كما أشارت إلى ذلك الآيات الكريمة السابقة.

ب - الدعاء والطلب من الله تعالى بإنزال العذاب عليهم تنفيذاً للسنة الإلهية التي كانت تفرض نزول العذاب بالأقوام الذين يكذبون رسلهم مع تهديدهم باستخدام القوة ضدهم، إما بقتلهم أو إخراجهم من ديارهم أو تعذيبهم بالسجن وغيره. وقد كان نوح ينذر قومه بنزول هذا العذاب: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح والأحزاب من بعدهم وهمت كل أمة برسولهم ليأخذوه وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق فأخذتهم فكيف كان عقاب وكذلك حقت كلمة ربك على الذين كفروا أنهم أصحاب النار﴾ [٢١]. ﴿وقال نوح رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً. إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ [٢٢].

ج - الاستعداد لنزول العذاب من خلال صنع الفلك والسفينة.

صنع الفلك

ثم إن الله تعالى لما أمر نوحاً بأن يصنع الفلك تهيئاً وتحسباً لحدوث الطوفان ونزول العذاب، ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا أنهم مغرقون﴾ [٢٣].

قام نوح بصنع الفلك، ويبدو أن المنطقة التي كان يعيش فيها نوح وقومه كانت «فلاة» لا يوجد فيها بحر ولا نهر، ولذا لم يكن لهذا العمل تفسير لدى قوم نوح - عليه السلام - فكان يثير لديهم الاستغراب والتعجب والسخرية: ﴿وكلمّا مرّ عليه ملأ من قومه سخروا منه﴾ [٢٤]. فهل كان ذلك منهم من دون أن يخبرهم نوح بنزول العذاب والطوفان، أم أنهم كانوا يوغلون بالتكذيب والسخرية حتّى بعد إخباره لهم بمجيء الطوفان.

لا يوجد تصريح في القرآن الكريم، وإن كنت أستقرب أن يكون ذلك بعد إخبار نوح لهم بذلك، كما هو مقتضى الحال، وما يفهم من بعض الآيات أن نوحاً كان قد أخبرهم بنزول العذاب: ﴿فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين قال إنّما يأتيكم به الله إن شاء الله وما أنتم بمعجزين﴾

ويشير إلى ذلك ما كان يذكره نوح لهم في مقابل سخريتهم: ﴿قال إن تسخروا منا فإنا نسخر منكم كما تسخرون فسوف تعلمون من يأتيه عذاب يخزيه ويحل عليه عذاب مقيم﴾ [٢٥].

واستمرت هذه الحرب النفسية الطويلة طيلة المدة التي كان يصنع فيها نوح - عليهم السلام - الفرد المحاصر قليل العدة والعدد - السفينة العظيمة التي يريد أن يعدها لهذه المهمة.

ولعل هذه الفترة كانت من أصعب الأوقات التي مرّ بها الرسول - عليه السلام -، حيث كانت فترة المقاطعة الشاملة وفترة الحرب النفسية الظالمة وفترة الانتظار والترقب لنزول العذاب وتحقق الوعد الإلهي. وقد كان الله تعالى يرعى نوحاً بعينه التي لا تنام ويسدده بالوحي ويعلمه كيف يصنع السفينة في مراحلها المتعددة ويثبته في عمله وموقفه.

ووضع له تعالى علامة لمجيء الأمر بالعذاب وهي «فوران التنور في بيت أهله»: ﴿فأوحينا إليه أن أصنع الفلك بأعيننا ووحينا فإذا فار التنور فاسلك فيها من كل زوجين اثنين﴾ [٢٦].

٣ - الطوفان وآثاره ونتائجه

وعندما فار التنور أمر الله تعالى نوحاً - عليه السلام - أن يحمل في الفلك أهله إلا من استثنى منهم، وممن سبق القول من الله تعالى في إهلاكهم كزوجته، وجميع المؤمنين ممن آمن معه، وهم قليل، وكذلك من كل الحيوانات من كل زوجين اثنين ذكراً وأنثى. فلما حملهم نوح - عليه السلام - في السفينة وركبوا فيها فتح الله سبحانه أبواب السماء بماء منهمر وفجر الأرض عيونا، فالتقى الماء من السماء والأرض على أمر قد قدر، وأصبحت السفينة تجري بهم في موج كالجبال ولم يكن هناك شيء من الجبال أو المرتفعات مما يعصم الإنسان عن أرم الله بالغرق. فأخذ الناس الطوفان وهم ظالمون.

ثم إن نوحاً وجد ابنه قد انعزل عنه ولم يركب في السفينة، فناداه: يا بني أركب معنا ولا تكن مع الكافرين، قال ابنه: سآوي إلى جبل يعصمني من الماء قال له نوح: لا عاصم اليوم من أمر الله إلا من رحم الله منهم، وهم أولئك الذين ركبوا السفينة، ثم حال الموج بينه وبني ابنه، فكان ولده من المغرقين.

قضاء الأمر ونزوله ومن معه إلى الأرض

فلما عم الطوفان وأغرق الناس (كما يظهر من سورة الصافات / آية ٧٧) أمر الله الأرض أن تبلع ماءها والسماء أن تقلع وغيض الماء واستوت السفينة على جبل الجودي وقيل بعداً للقوم الظالمين، وأوحي إلى نوح - عليه السلام - أن أهبط إلى الأرض بسلام منا وبركات عليك وعلى أمم ممن معك فلا يأخذهم بعد هذا طوفان عام، ومنهم أمم سيمتعهم الله بأمتعة الحياة ثم يمسم عذاب أليم، فخرج هو ومن معه ونزلوا الأرض يعبدون الله بالتوحيد والإسلام، وتوارثت ذريته - عليه السلام - الأرض وجعل الله ذريته هم الباقين (سورتا هود والصافات).

قصة ابن نوح الغريق

ولم يكن نوح - عليهم السلام - يعلم من ابنه إبطان الكفر كما كان يعلم ذلك من امرأته، فكان غرقه مفاجأة له، وحزن لذلك، ولو كان علم ذلك لم يفاجأ ولم يحزنه أمره وهو القائل في دعائه: ﴿رب لا تذر على الأرض من الكافرين دياراً إنك إن تذرهم يضلوا عبادك ولا يلدوا إلا فاجراً كفاراً﴾ [٢٧]، وهو القائل: ﴿فافتح بيني وبينهم فتحاً ونجني ومن معي من المؤمنين﴾ [٢٨]، وقد سمع قوله تعالى فيما أوحي إليه: ﴿ولا تخاطبني في الذين ظلموا إنهم مغرقون﴾ [٢٩].

فوجد نوح - عليه السلام - وحزن وتساءل فنادى ربه من وجده قائلاً: رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق، وعدتني بانجاء أهلي وأنت أحكم الحاكمين ولا تجور في حكمك ولا تجهل في قضائك، فما الذي جرى على ابني؟ فأخذته العناية الإلهية وحالت بينه وبين أن يصرح بالسؤال في نجاة ابنه - وهو سؤال لما ليس له به علم - وأوحى الله إليه: يا نوح إنه ليس من أهلك إنه عمل غير صالح، فإياك أن تواجهني فيه بسؤال النجاة فيكون سؤالاً فيما ليس لك به علم إني أعظك أن تكون من الجاهلين.

فانكشف الأمر لنوح - عليه السلام - والتجأ إلى ربه تعالى قائلاً: ﴿رب إني أعوذ بك أن أسألك ما ليس لي به علم﴾ أسألك أن تشملني بعنايتك وتستر علي بمغفرتك، وتعطف علي برحمتك، ولو لا ذلك لكنت من الخاسرين [٣٠].

ملاحظات عامة حول القصة

١ - إن الهدف الأساس من قصة نوح التي تتميز عن بقية القصص القرآنية كما يبدو من القرآن هو مجموع أمرين:

الأول: أن يضرب الله مثلاً لهلاك قوم رسول من أولي العزم كذبوا نبيهم وهموا به، حيث كانت قضية نوح أول حادثة في التاريخ الإنساني تعرض فيها قوم نبي من الأنبياء إلى الهلاك كما كان الرسول الوحيد من اولي العزم الذي جرى في قومه هذا الهلاك.

وقد كان الهلاك فيها عاماً شاملاً حتّى أنّه وصل إلى الأقربين من نوح - عليه السلام - .

وهذه القضية من القضايا التي يؤمن بها أهل كل الرسالات السماوية وجميع الأقوام والملل المعروفة في التاريخ البشري. كما يدل على ذلك تراث هذه الأمم، ولذلك فهي مثل صادق ينتفع به كل الناس.

الثاني: إن هذه القصة تعبر عن المثل الأعلى للصبر والشجاعة بسبب طول المدة المقرونة باليأس والوحدة، إذ لا نعرف في أي واحد ممن ذكر الله قصته من الأنبياء أنّه مكث في قومه هذه المدة الطويلة يدعوهم إلى الله ويكذبونه ولا يجد بينهم ناصراً له منهم إلا القليل المستضعف، ويستمر في عمله والقيام بوظيفته مع اليأس من هدايتهم وصلاحهم.

٢ - لقد كان من نتائج الطوفان وآثاره تثبيت خط التوحيد لله تعالى في التاريخ البشري من خلال البقية الباقية لذرية نوح المؤمنين مع بقاء هذه الحادثة قائمة في الذاكرة التاريخية للبشرية، وكذلك لم يشهد التاريخ البشري حادثة أخرى مماثلة لهذه الحادثة بعد ذلك بل كان العذاب ينزل في هذه الجماعة الخاصة أو تلك، وإن العذاب كان ينزل بسبب الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية التي تتعرض لها هذه الجماعات.

٣ - إن رواية القصة في التوراة جاءت متفاوتة مع ما ذكر منها في القرآن الكريم، كما أشرنا آنفاً. ويمكن أن نلاحظ الاختلاف بين القرآن والتوراة في النقاط المهمة التالية:

أ - وجود تفاصيل في النص القرآني - على عمومه وإجماله - ذات مغزى مهم لم تذكر في الرواية التوراتية الموجودة، مثل استثناء امرأة نوح (٣١) من النجاة وغرق ولده، بل صرحت التوراة بدخول امرأته في الفلك ونجاتها، ولم تذكر ابن نوح الغريق.

وكذلك يصرح القرآن بنجاة المؤمنين بنوح على قلتهم، مع أن التوراة تقتصر على خصوص نوح وأهله.

ب - وجود تفاصيل في التوراة عن القصة ليس لها مغزى وهدف، مثل خصوصيات السفينة من طولها وعرضها وطبقاتها وارتفاعها ومدة الطوفان وارتفاع الماء وكيفية نقصان الماء ومحاولات نوح لاستكشاف جفاف الأرض بإرسال الغراب والحمامة ومجيئها في المرة الثانية بغصن الزيتون. ونزول نوح والحيوانات والدواب وانتشاره في الأرض للتكاثر والتوالد. وكذلك بنائه لأماكن الذبح والعبادة، والقرار الإلهي بتمكين نوح من الحيوانات الأرضية والطيور والحيوانات المائية، وأن الله وضع ميثاقاً بينه وبين نوح وذريته وعلامة تذكرهم بالميثاق وهو قوس قزح، إلى غير ذلك من التفاصيل التي لا مغزى لها ولأهدف، كما أن بعضها بعيد وغريب لا يقبله المنطق السليم.

ج - ذكرت التوراة بعض التفاصيل التي لا تليق بالأنبياء وقداستهم، مثل ما فعله أحد أبناء نوح بأبيه بعد أن كان قد سكر نوح بشرب الخمر حيث تعرى داخل خبائه، فنظر إليه ولده عارياً وأخبر إخوته بذلك فقاموا بستر عورته.

وعندما استيقظ من سكرته لعن ولده كنعان الذي نظر إلى عورته ودعا عليه أن يكون عبداً لاخوته.

د - وجود تفاصيل تخالف ظاهر القرآن أو صريحة مثل ذكر التوراة لنجاة أبناء نوح، وذكر القرآن لغرق بعض أبنائه. وكذلك ذكر القرآن أن المدة التي لبث فيها نوح مع قومه قبل الطوفان (حسب ظاهر الآية ١٤ / العنكبوت) هي تسعمائة وخمسون عاماً، والتوراة تذكر مدة عمر نوح كلها هي تسعمائة وخمسون عاماً (٣٢).

وقد تأثر بعض الصحابة والتابعين بهذه المعلومات التي وردت في التوراة، فأخذوها عن أهل الكتاب وتناقلوها بينهم وقد يكون بعض هذه المعلومات التي لا تخالف القرآن والتفاصيل صحيحاً ولكن لا يمكن الاعتماد عليه.

وبذلك يمكن أن نفهم سمو الهدف القرآني وارتباط نصه بالوحي الإلهي ومصداقية قوله تعالى في آخر قصة نوح من سورة هود، وهو أكثر مواردها تفصيلاً: ﴿تلك من أنباء الغيب ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا فاصبر أن العاقبة للمتقين﴾ (٣٣).

٤ - ورد في الروايات العديدة التي روى أكثرها العياشي في تفسيره، عن أهل البيت عليهم السلام أن حياة نوح والطوفان والتنور كان في الكوفة ومسجدها الأعظم. وأن الجودي الذي استقرت عليه السفينة هو جبل قرب الكوفة ولعله الغري. وأن الجبل الذي آوى إليه ابن نوح هو جبل «النجف» الذي كان جبلاً عظيماً، ثم تقطع بأمر الله قطعاً قطعاً حتّى امتد إلى بلاد الشام وصار بعضه رملاً، وهو المعروف الآن «بالطارات» (٣٤)، وهذا التفسير التاريخي للحادثة مما اختص به تراث أهل البيت - عليهم السلام - دون غيرهم. ولعل الأبحاث التاريخية والأثرية تكشف هذه الحقيقة في المستقبل.

١ - بناء على أن آدم من الأنبياء كما تشير إليه بعض النصوص، وإلا فهو النبي الثاني.

٢ - فقد ورد في أحاديث أهل البيت وأحاديث الجمهور ما يؤكد ذلك، وقد استدل لذلك بمجموعة من الآيات منها قوله تعالى ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى…. ﴾ الشورى: ١٣.

٣ - نوح: ٢٣

٤ - نوح: ٢٥ - ٢٨.

٥ - الذاريات: ٥١.

٦ - النجم: ٥٣.

٧ - الصافات: ٧٧.

٨ - الميزان: ١٠ - ٢٥١.

٩ - الصافات: ٧٨.

١٠ - الصافات: ٧٩.

١١ - نوح: ٢٨.

١٢ - الميزان: ١٠ - ٢٥٢ بتصرف قليل.

١٣ - نوح: ٥.

١٤ - نوح: ٨ - ٩.

١٥ - الشعراء: ١١٦ - ١١٨.

١٦ - القمر: ١٠.

١٧ - هود: ٤٠.

١٨ - يونس: ٧١.

١٩ - هود: ٣٥ - ٣٦.

٢٠ - اليأس من الهداية لا يصح إلا بأخبار الله تعالى وكذلك قطع الصلة والبلاغ، ولذلك عاتب الله سبحانه نبيه يونس وابتلاه بالحوت، لأنه ذهب مغاضباً كما يعبر القرآن الكريم، ولهذا السبب - على ما يبدو من القرآن الكريم - لم ينزل العذاب على قوم يونس مع أنهم كانوا قد كذبوه في رسالته كما يشير القرآن الكريم إلى ذلك في سورة يونس، وأما نوح - عليه السلام - فقد أخبره الله بذلك.

٢١ - غافر: ٥ - ٦.

٢٢ - نوح: ٢٦ - ٢٧.

٢٣ - هود: ٣٧.

٢٤ - هود: ٣٨.

٢٥ - هود: ٣٨ - ٣٩.

٢٦ - المؤمنون: ٢٧.

٢٧ - نوح: ٢٦ - ٢٧.

٢٨ - الشعراء: ١١٨.

٢٩ - هود: ٣٧.

٣٠ - يوجد هنا بحثان تناولهما المفسرون، حول حادثة ابن نوح:

الأول: إن ابن نوح هل كان ولده حقيقة - كما هو ظاهر الآية… أو إنه ابن زوجته من رجل آخر فهو ربيبه كما تشير إلى ذلك بعض القراءات المروية (ابنها) وبعض الروايات. أو انه ابن فراشه وأن زوجته قد خانته بذلك كما وصفها القرآن الكريم بالخيانة في سورة التحريم. والصحيح هو ما ذكرناه تمسكاً بظاهر الآية الكريمة وأصالة القرآن في مقابل الروايات.

الثاني: إن نوحاً هل سأل ربه نجاة ولده في قوله: ﴿إن ابني من أهلي وان وعدك الحق﴾ مع أنّه كان كافراً، وقد دعا ربه أن لا يذر على الأرض من الكافرين دياراً؟ أو انه لم يكن يعرف كفر ولده لأنه كان منافقا؟ ، أو أنّه ظن بأن الله تعالى سوف يهديه في آخر لحظة بسبب الوعد الإلهي له بالنجاة؟ أو أن نوحاً لم يسأل ربه ذلك وإنما سأل تفسير هذه الحادثة التي فوجئ بها، حيث كان يظن نجاة ولده بسبب الوعد الإلهي؟ !! إلى غير ذلك من الأسئلة التي تثار حول هذا الموضوع وترتبط بالعصمة الإلهية.

وقد تناول هذا الموضوع العلامة الطباطبائي وغيره بالبحث. راجع الميزان ١٠ / ٢٣٢ - ٣٣٨.

٣١ - يصرح القرآن الكريم بهذا المغزى عندما يضرب امرأة نوح وامرأة لوط مثلا للذين كفروا في سورة التحريم، ومنه يمكن أن نفهم المغزى من هلاك ابن نوح حيث لا توجد لأحد عند الله قرابة، وأن الكرامة عند الله تعالى هي للإيمان والعمل الصالح.

٣٢ - تصرح الروايات عن أهل البيت أن عمر نوح كان ألفين وخمسمائة عام.

٣٣ - هود: ٤٩.

٣٤ - راجع البحار ١١ - ٣٢١ و ٣٣١ - ٣٣٩ - عن العلل وتفسير العياشي وغيرهما.



[ Web design by Abadis ]