ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 روح الصلاة في الاسلام \ الاستاذ الشيخ عفيف عبد الفتاح طبّارة

مراجعة: التحرير

اشتهر الاستاذ طبّارة بكتابه "روح الدين الاسلامي"، فقد وجد فيه القرّاء ما يوضّح لهم حقيقة أهداف الاسلام وتعاليمه السامية، ويميّز بين الاصول والفروع، وبين الروح والجسد، وبين اللب والقشور، فجاء ردا على أولئك الذين يقفون عند الظواهر فيتناقشون فيها ويتجادلون حولها، ويتخاصمون بشأنها، تاركين الروح واللب. وهو توجّه تقريبي بين المسلمين بكافة طوائفهم.

ثم صدر كتابه الثاني "اليهود في القرآن" ليحسس المسلمين جميعا بالخطر المحدق بهم، وبالتآمر التاريخي الذي يحيطهم، وبقوانين التاريخ التي تفصل بين المسلمين وأعدائهم، كل ذلك ليخلق روحا اسلامية موحدة بين جميع المسلمين تجاه ما يواجههم من تحديات وهو دون شك توجه يصبّ في هدف التقريب بالصميم.

ثم جاء كتابه الثالث "روح الصلاة في الاسلام" ليركز توجهه في الكتابين السابقين، وليوجه جميع المسلمين الوجهة الصحيحة في الوقوف بين يدي رب العالمين وفي التوجّه الى الكعبة والبيت العتيق.

ويظهر من عنوان الكتاب أن الكاتب يركز على المعنى العميق لعبادة الصلاة وحكمتها الروحية والنفسية والاجتماعية والصحية.

ـ

١ - اعتمدنا في هذه المراجعة على الطبعة الثالثة، دار العلم للملايين، بيروت، ١٣٩٢هـ - ١٩٧٢م.

يتناول في الباب الاول من الكتاب منزلة الصلاة في الاسلام بل في جميع الاديان السماوية ومفهومها، واقترانها بالفضائل. وفي الباب الثاني يتحدث عن المعاني الروحية في الصلاة وتفسير لطيف لسورة الفاتحة. وفي الباب الثالث يتناول شروط الصلاة والطهارة. وفي الباب الرابع يبين معاني أفعال الصلاة وأقوالها، وكيفية تعلم الصلاة. وركز الباب الخامس على الصلاة جماعة وعن رسالة المسجد في جمع المؤمنين. وخصص الباب السادس للصلوات المسنونة.

وفي جميع هذه الفصول سعى المؤلف لأن يقرّب بين آراء مذاهب أهل السنّة في شكل الصلاة، ويتجلى سعيه أكثر في التركيز على روح الصلاة ومحتواها النفسي والتربوي، وهو حديث ينفذ الى أعماق قلب كل مسلم أيا كان مذهبه.

ويتبلور التوجه التقريبي عند المؤلف أكثر في الباب السابع من الكتاب الذي خصصه للصلاة في المذهب الجعفري. وبدأه بدعوة الى التقارب بين السنة والشيعة فقال:

"الشيعة طائفة من طوائف المسلمين ومذهب من مذاهب الاسلام يتفقون مع مذهب أهل السنة في أصول الاسلام، ولا يختلفون معهم في أي ركن من اركان الإسلام، ولئن كان هناك خلاف فهو خلاف طفيف في بعض الفروع وهو شبيه بالخلاف بين المذاهب الأربعة وبين الفقهاء بعضهم مع بعض.

ولو أن أهل السنة تعرفوا على إخوانهم الإمامية من الشيعة، وتعرّف الشيعة على إخوانهم أهل السنة لتبين لهم جميعاً أن الخلاف بينهم ليس على أصول الإسلام، وأن كثيراً من الشبه التي راجت في العقول ليست إلا من صنع المفترين ومن صنع أعدائهم الذين أدخلوا في الإسلام ماليس منه، وشغلوهم بالجدل والخصام عن روح الإسلام حتى انهكوا قواهم، وفرقوا شملهم، فسهل عليهم بذلك الاستيلاء على أراضيهم واستغلال خيراتهم.

إن المسلمين اليوم في ضعف لأنهم متفرقون في أوطان شتى يُعادي بعضهم بعضاً، وسبب هذه التفرقة والعداء أنهم يجهلون بعضهم، والمثل يقول: من جهل شيئاً عاداه، فعامة أهل المذاهب يعتقدون - في الغالب - أنهم هم وحدهم الذين

تحققت فيهم حقيقة الإسلام، وأن غيرهم من المنتمين لمذاهب إسلامية أخرى على باطل، وأن صلاتهم ليست مقبولة، وهذا اعتقاد نشأ من تأثير العزلة الطويلة التي فرضها أعداء الإسلام على أرض الإسلام فجعل كل طائفة تجهل حقيقة إسلام أختها وتصدّق ما يقال فيها من أباطيل.

ولكن لِمَ هذا الاختلاف بين السنة والشيعة؟ وأي عذر لهم في هذا التباعد وقرآنهم الذي يقدسونه جميعاً وملزمون باتباع وصاياه يقول لهم: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم) [١] (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) [٢] (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) [٣].

دار التقريب بين المذاهب الإسلامية

ومما يثلج الصدر أنه قامت في القاهرة منذ أكثر من عشرين عاماً دعوة للتقريب بين المذاهب الاسلامية: السنة والشيعة، وكان شعارها: (إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون)، وقد أثمرت هذه الدعوة ثماراً حسنة وقد رأينا ثمارها في الأزهر الشريف حيث قرّر دراسة فقه المذاهب الإسلامية سنيها وشيعيها دراسة تعتمد على الدليل والبرهان وتخلو من التعصب، كما أنه عند تكوين مجمع البحوث الإسلامية في القاهرة، حرص القيمون عليه أن يكون أعضاؤه ممثلين لمختلف المذاهب الإسلامية.

كما رأينا بوادر ذلك التقارب في فتوى شيخ الجامع الازهر فضيلة الاستاذ محمود شلتوت حيث نشر فتوى جواز التعبد على المذاهب الاسلامية الثابتة الأصول المعروفة المصادر ومنها: مذهب الشيعة الامامية.

رأي بعض علماء السنة والشيعة

هذا وقد صدرت تصريحات من علماء السنة والشيعة المحدثين في الدعوة الى

ـ

١ - الحجرات / ١٠.

٢ - آل عمران / ١٠٣.

٣ - الانعام / ١٥٩.

التقارب وتضييق مجال الخلاف، يقول فضيلة الأستاذ محمد محمد المدني من علماء السنة ومن أعضاء (دار التقريب بين المذاهب) في غاية هذا التقارب:

(ليس من غايتنا أن يترك السني مذهبه أو الشيعي مذهبه، وإنما نريد أن يتحد الجميع حول الأصول المتفق عليها، ويعذر بعضهم بعضاً فيما وراء ذلك مما ليس شرطاً من شروط الإيمان ولا ركناً من أركان الإسلام، ولا إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة).

ويقول فضيلة الاستاذ محمد أبو زهرة من كبار علماء الأزهر في كتابه: (الامام الصادق): (اختلف بعد الصحابة والتابعين الإمام زيد بن علي والإمام الباقر، والإمام جعفر الصادق والأئمة أبو حنيفة ومالك والأوزاعي والليث ابن سعد ثم بعدهم الشافعي فقد اختلف مع أصحاب مالك وأصحاب أبي حنيفة ولم يكن ذلك خصومة في دين، ولا اختلافاً في يقين، بل كان من ظواهر الإيمان الصادق والإدراك الحقيقي لمعاني الإسلام، ولم تتباين وجهات النظر فيما هو من أصول الدين، بل كان التباين في فروعه التي تختلف فيها الأنظار لعدم وجود نص قاطع فيها كما تختلف الأنظار في تفسير القوانين الآن إذا لم يكن نص القانون قاطعاً أو لم يكن هناك نص…. وإنه لإخلاص الفقهاء في اختلافهم كانوا يقولون: (رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب).

ثم يتابع قوله: (وإننا إذا علمنا أن ما نختلف فيه الآن هو اختلاف مذاهب لا افتراق فيه صار الخلاف بين الجعفرية وغيرهم كالاختلاف بين الحنفية والشافعية، ويفرض كل صاحب مذهب أن رأيه صواب يحتمل الخطأ ورأي غيره خطأ يحتمل الصواب وبذلك تتسع الصدور لقبول الآراء المخالفة، ويتسع أفق التفكير الفقهي وتندمج النفوس وتزول النفرة، ويحل محلها أنس الوحدة الجامعة ويتحقق قوله تعالى: (وإن هذه أمتكم أمة واحدة).

وانه إن حلت المذهبية محل الطائفية أصبح لكل إنسان أن يعتنق من الآراء الفكرية ما يشاء فيكون للجعفري أن يختار من الحنفي وللشافعي أن يختار من الجعفري).

ويقول فضيلة الأستاذ محمد الحسين آل كاشف الغطاء من علماء الشيعة: (إن أعظم فرق جوهري بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين: السنة والشيعة هو قضية الإمامة، حيث وقفت الفرقتان منها على طرفي الخط، فالشيعة ترى أن الإمامة أصل من أصول الدين وهي رديفة التوحيد والنبوة وأنها منوطة بالنص من اللّه ورسوله، وليس للأمة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوة، بخلاف إخواننا من أهل السنة فهم متفقون على عدم كونها من أصول الدين ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الإمام على الرعية بالإجماع ونحوه، وبين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أصوله ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إن من لا يقول بالإمامة غير مسلم؟ (كلا ومعاذ اللّه) أو تجد علماء السنة تقول إن القائل بالإمامة خارج عن الإسلام - لا وكلا - إذن فالقول بالإمامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الإسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله ووجوب أخوته وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته الى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.

نعم ونريد أن نكون أشد صراحة من ذلك ولا نبقي ما لعله يعتلج أو يختلج في نفس القراء الكرام فنقول: لعل قائلا يقول: إن سبب العداء بين الطائفتين أن الشيعة ترى جواز المس من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، وقد يتجاوز البعض الى السب والقدح مما يسيء الفريق الآخر طبعا، ويهيج عواطفهم فيشتد العداء والخصومة بينهم.

والجواب أن هذا لو تبصرنا قليلا ورجعنا الى حكم العقل بل والشرع أيضاً لم نجده مقتضياً للعداء أيضا.

أما (أولاً) فليس هذا من رأي جميع الشيعة وإنما هو رأي فردي من بعضهم، وربما لا يوافق عليه الأكثر، كيف وفي أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك، فلا يصح معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرفين منهم.

و (ثانياً) إن هذا على فرضه لا يكون موجباً للكفر والخروج عن الإسلام…. بل أقصى ما هنالك ان يكون معصية، وما أكثر العصاة في الطائفتين، ومعصية المسلم

لا تستوجب قطع رابطة أخوة إسلامية معه قطعاً.

و (ثالثاً) قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً، ولا يوجب فسقاً إذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد وإن كان خطأ، فإن من المتفق عليه عند الجميع في باب الاجتهاد: أن للمخطئ أجراً وللمصيب أجرين، وقد صحح علماء السنة الحروب التي وقعت بين الصحابة في الصدر الأول كحرب الجمل وصفين وغيرهما، بأن الزبير وطلحة ومعاوية اجتهدوا وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم ولكن لا يقدح ذلك في عدالتهم وعظيم مكانتهم، وإذا كان الاجتهاد يبرر ولا يستنكر قتل آلاف النفوس من المسلمين وإراقة دمائهم فبالأولى أن يبرّر ولا يستنكر معه - أي مع الاجتهاد - تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.

والغرض من كل هذا أننا مهما تعمقنا في البحث ومشينا على ضوء الأدلة: عقلية أو شرعية، وتجردنا من الهوى والهوس والعصبيات فلا نجد أي سبب مبرر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين، مهما اتسعت شقة الخلاف بينهم في كثير من المسائل…. " [١] انتهى ما نقلناه من كتاب: روح الصلاة…

هذه الوقفة الطويلة من الكاتب عند موضوع التقريب لم يكن يتطلبها الحديث عن الصلاة في المذهب الجعفري، ولكنه أراد أن يصرّح بما في قلبه من شوق الى تجاوز الحساسيات الطائفية والى وحدة المسلمين بكافة مذاهبهم.

ثم هو في ثنايا الحديث عن أحكام الصلاة عند الشيعة الامامية يبين أن أكثر الاحكام متشابهة بين الشيعة والسنّة، وعندما يصل الى الفوارق يحاول أن يلتمس لها دليلا من أقوال أئمة السنة إن وجدت. على سبيل المثال مسألة إرسال اليدين في الصلاة وعدم التكتف عند الشيعة يقول فيها: "روي عن الامام مالك إرسال اليدين - كما يفعل الامامية - وصار اليه أكثر أصحابه" [٢].

وفي "حيّ على خير العمل" التي يقولها الشيعة في الأذان والاقامة بعد حيّ على الفلاح يقول: نقل عن سيد الساجدين علي بن الحسين وابن عمر أنهما كانا يقولان في أذانيهما بعد حي على الفلاح: (حي على خير العمل)، راجع السيرة الحلبية وكتاب

ـ

١ - ص ٢٥١ - ٢٥٦.

٢ - ص ٢٨٠، الهامش - ١.

المحلى لابن حزم" [١].

كما أنه يذكر أحيانا رأي الامامية ويرجحه على آراء المذاهب الأخرى، وهذه دلالة على تجاوز الرجل للاطر المذهبية، وتوجهه الى الأخذ بالدليل الاقوى من أي مذهب كان. يقول - مثلا - في صيغة التسبيح لدى السجود حيث يقول أتباع المذاهب الأربعة: سبحان ربي الاعلى، ويقول الامامية: سبحان ربي الاعلى وبحمده: "إن صيغة التسبيح عند الامامية تزيد بلفظة (وبحمده) عن صيغة التسبيح عند المذاهب الاربعة الا الشافعية قالوا: يحصل أصل السُّنة بأي صيغة من صيغ التسبيح، والقرآن يؤيد ماذهب اليه الامامية، فقد قال في صفات المؤمنين: (خروا سجدا وسبحوا بحمد ربهم) فقد أضاف القرآن الحمد الى التسبيح في هيئة السجود" [٢].

ويعقد الباب الثامن والاخير على الجهاد في الاسلام. وفيه يقول:

"ذكرنا في مستهل هذا الكتاب أن الاسلام قرن الصلاة بالجهاد لأنهما يكمل بعضهما بعضاً، ولأن الجهاد فرض كما أن الصلاة فرض أيضاً.

ولما كان الكثير من المسلمين يجهلون أهمية الجهاد لهذا أردت أن أكتب فصلا عن الجهاد وخصوصاً في هذه الفترة العصيبة التي تمر بها البلاد العربية في صراعها مع الصهيونية الغاشمة والاستعمار الطامع في أراضيها، لعلي أوقظ الهمم النائمة، وأثير القوى المعنوية الكامنة، وأذكر المؤمنين بحقائق دينهم، واللّه سبحانه يقول: (وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين).

وإني أقول مخلصاً على ضوء الأحداث الحاضرة والهزيمة التي مني بها العرب بأن فلسطين لا تسترد إلا إذا رجع المسلمون الى تعاليم دينهم التي فيها وحدتهم وعزهم وسؤددهم، والتاريخ أصدق دليل على ذلك، فما اعتز العرب ولا فتحوا الفتوحات العظيمة التي أدهشت الباحثين والمؤرخين إلا بسبب إيمانهم وتمسكهم بتعاليم الاسلام [٣].

ـ

١ - ص ٢٧٤، الهامش - ١.

٢ - ص ٢٧٧، الهامش - ١.

٣ - ص ٢٩١ - ٢٩٢.



[ Web design by Abadis ]