ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تحامل \ دار التقريب على لسان متحامل

هذا النصّ الذي ننقله هو واحد من ردود الفعل السلبية تجاه التقريب، ولا نحكم على دوافعه بل نترك الحكم للقارئ، وهو جزء من كتاب مطبوع في جزئين تحت عنوان: "مسألة التقريب بين أهل السنة والشيعة" للدكتور ناصر بن عبداللّه بن علي القفاري، ويقول كاتبه أن هذا الكتاب - في الاصل - رسالة "علمية" تقدم بها المؤلف لنيل درجة "الماجستير" واجيزت بتقدير "ممتاز".

نقلنا النص بدقة رغم مافيه من كلمات نابية لا تتناسب مع منهج المجلّة، وحذفنا هوامش الكاتب وأثبتنا محلها تعليقات بسيطة وتركنا أكثر كلامه بدون تعليق.

والكاتب يعقد فصلا تحت عنوان "المحاولات المعاصرة" يستعرض فيه محاولات التقريب في العصر الحديث ثم يركز على محاولة دار التقريب.

"… أبرز هذه المحاولات وأهمها وأكبرها والتي تستحق أن نعرض لها بشيء من التفصيل، وأن نخصها بالدراسة والتقويم هي "محاولة" جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في مصر.

هذه المحاولة دعا إليها شيخ رافضي [١] من قم "بإيران" ويدعى محمد تقي القمي -

ـ

١ - هذه كلمة سباب لا تتناسب مع بحث يدعي الموضوعية ويدعي أنه رسالة جامعية، نأسف لدرجها في ملجتنا حفاظا على النص الاصلي، علما بأن منهجنا في المجلة تجنب استعمال أية كلمة جارحة، بل حتى التي نشك أنها سيئة الوقع على الآخرين مثل كلمة "الوهابية"، لاحظ تكرر كلمة "الرفض" و"الرافضة" بشكل مقزز في النصّ.

في عام ١٣٦٤هـ تقريباً واستجابت لدعوته ثلة من علماء مصر، ومن زيدية اليمن، وقد اتخذ لها مقراً في القاهرة باسم "دار الإسلام" لخدمة أغراضها.

وقد حملت إلينا مجلة الأزهر "وثيقة هامة" لأحد كبار أعضاء جماعة التقريب وأحد المشاركين في نشأة "الجماعة" وهو الشيخ عبد اللطيف محمد السبكي عضو جماعة كبار العلماء، يصف لنا نشأة الجماعة وخط سيرها، والهدف الذي تسعى لتحقيقه.

يقول: (… جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية، نشط في تكوين هذه الجماعة شيخ شيعي… يقيم في مصر لعهد قريب أو بعيد وقد استجاب لدعوته ثلة كريمة من رجالات مصر، ولم يكن يسع مسلماً أن يتخلف عن تلبية الدعوة لتجديد وحدة المسلمين التي هتف بها القرآن أول ما هتف: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) [١] (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) [٢].

جذبتني هذه الدعوة، فشرفت بالعضوية المتواضعة بين أولئك الأمجاد، فماذا أجدت جماعتنا وقد مضى عليها أربع سنوات تقريباً؟ نشطت في صدر عهدها إلى تعاقب الاجتماعات، فمرة: للتعارف واختيار الرئيس والوكيل والسكرتير إلخ. ومرة ثانية: لاستقبال ضيف شرقي مسلم سيزور دارنا، دار التقريب، وثالثة: لسماع رسائل وردت من جهات إسلامية، ومن بينها رسالة من النجف - مركز الشيعة - يطلب مرسلوها كلمة تلقى هناك في الذكرى الموسمية للإمام الحسين بن علي رضي اللّه عنهما، ثم يقترح علينا في هذه الجلسة أن تطلب الجماعة إلى الأزهر تدريس الفقه الشيعي إلى جانب مذاهب أهل السنة، ويتوارى الاقتراح في سرعة لأنه قبل أوانه كما همس بذلك من همس.

وبعد ذلك توقفت الاجتماعات، وانحصرت الجهود في مجلة تصدرها دار التقريب هذه وتسميها "رسالة الاسلام".

وقد اعترف أحد شيوخ الروافض بأن إنشاء دار التقريب كان عن سابق اتفاق من

ـ

١ - آل عمران / ١٠٣.

٢ - الأنعام / ١٥٩.

شيوخ الشيعة وقال: (ليس له - أي القمي - ولا لغيره من الناس أن يقوم بمثل هذا العمل من وراء المراجع ومن غير موافقتهم). إذن هي خطة مبيتة…. [١]، والغريب - فيما يبدو - أن هذا الأمر غير واضح عند بعض أعضاء الجماعة حتى خفي عليهم الجهة التي تمول "دار التقريب" حتى قال أحد كبار أعضائها بعد مضي أربع سنوات على إنشاء الدار قال: (ورابني ويجب أن يرتاب معي كل عضو بريء أنها تنفق عن سخاء دون أن نعرف لها مورداً من المال، ودون أن يطلب منا دفع اشتراكات تنفق على دار أنيقة بالزمالك في القاهرة فيها أثاث فاخر، وفيها أدوات قيمة، وتنفق على مجلتها فتكافيء القائمين عليها، وتكافيء الكاتبين فيها وتتأنق في طبع أعدادها، وتغليف ما يطبع، إلى غير ذلك مما يحتاج إلى مورد فياض… فمن أين ذلك؟ ؟ !! وعلى حساب من يا ترى؟ !!) [٢].

أما قيام الشيعة بـإرسال داعية لها إلى مصر وهو القمي فلم تكن هذه الحادثة أول مرة بل كان هذا القمي ثالث ثلاثة تعاقبوا في المجيء إلى مصر. ورفعوا شعار التقارب والوحدة - في هذا القرن - كما أن هذا الصنيع من "الرافضة" [٣] قد سبق ما

ـ

١ - لماذا خطة مبيتة، حقا كان وراء المشروع مرجع اسلامي كبير هو الامام البروجردي، وهذه مفخرة أن يتبنى مرجع كهذا مشروع توحيد صفوف المسلمين، وازالة حالة التنافر الطائفي بينهم.

٢ - لماذا هذا التشكيك؟ حسابات الدار تُعدّ وثيقة هامة من وثائقها، وهي موجودة حتى الآن - كما علمنا - وتبرعات الاعضاء معروفة، وممن تبّرع الامام الشهيد حسن البنا، كما أن الشيخ القمي كان من عائلة موسرة نسبيا، وأنفق كل ما عنده، وما كان يحصل عليه من أخيار ايران ولبنان والعالم الاسلامي لانجاح مشروعه. أما مطبوعات الدار فكانت تدرّ أرباحا عليها، ولم تكن توزّع بالمجّان الا نادراً. ودار التقريب لم تكن أنيقة وذات أثاث فاخر، كما يشهد بذلك كل من رآها. انظر ما كتبه الدكتور بي آزار شيرازي في هذا العدد.

٣ - نأسف أن ننقل كل هذا التكرار لكلمة الرافضة التي اتهم بها من قبل الامام الشافعي (رضي الله عنه) فقال:

إن كان رفضا حب آل محمد *** فليشهد الثقلان أني رافضي

يشبهه في العصور الغابرة.

كما تبين لي أثناء زيارتي إلى مصر - من أجل جمع المادة العلمية للموضوع - أن هذا القمي لم يكن آخر رسول من الروافض - أيضاً - فقد قامت الرافضة - بعد رحيل القمي وتوقف نشاط دار التقريب - بـإرسال رسول آخر يدعي "طالب الرفاعي الحسيني" ويلقب نفسه بـ "إمام الشيعة في جمهورية مصر العربية" إلى مصر ولم يرفع هذا الرفاعي شعار التقريب الذي أثار ثائرة بعض علماء السنة بل حاول الدخول إلى قلوب المصريين بمدخل يتقن الروافض اللعب فيه وهو مدخل "آل البيت" فأنشأ داراً أسماها "دار أهل البيت" تقوم هذه الدار بنشر كتب الروافض، وإحياء مواسم الرافضة والتبشير بـ "الرفض" بأساليب مختلفة بين أهالي مصر.

أما المذاهب التي تسعى للتقريب بينها:

فقد أعلنت التقريب بين المذاهب في حين اقتصر نشاطها في التقريب بين دين [١] الشيعة الإمامية وبين مذهب أهل السنة.

أما لون هذا التقريب ومعناه:

فقد رفعت شعاراً ومفهوماً للتقريب ونفذت شيئاً آخر.

رفعت شعار التقريب بين أصحاب المذاهب مع احتفاظ كل بمذهبه، يقول الرافضي القمي مؤسس الدار: (إن دعوتنا أن يتحد أهل الإسلام على أصول الإسلام التي لا يكون المسلم مسلماً إلا بها، وأن ينظروا فيما وراء ذلك نظرة من لا يبتغي الفلج والغلب، ولكن يبتغي الحق والمعرفة الصحيحة فإذا استطاعوا أن يصلوا بالإنصاف والحجة البينة إلى الاتفاق في شيء مما اختلفوا فيه فذاك، وإلا فليحتفظ كل منهم بما يراه وليعذر الآخرين، ويحسن الظن بهم، فإن الخلاف على غير أصول الدين لا يضر بالإيمان، ولا يخرج المختلفين عن دائرة الإسلام).

وتقول مقدمة كتاب دعوة التقريب: (ليس من غايتنا أن يترك السنِّي مذهبه، أو الشيعي مذهبه، وإنما نريد أن يتحد الجميع حول الأصول المتفق عليها، ويعذر

ـ

١ - أمعن النظر في كلمة "دين"! كأن التشيع دين مقابل دين الاسلام! والعياذ باللّه.

بعضهم بعضاً فيما وراء ذلك، مما ليس شرطاً من شروط الإيمان ولا ركناً من أركان الإسلام، ولا إنكاراً لما هو معلوم من الدين بالضرورة).

هذا الشعار هو الذي رفعته دعوة التقريب ولكنها نفذت شيئاً آخر سوى ذلك.

فها هي تلك مجلة التقريب تنشر بحثاً طويلاً بعنوان "منهاج عملي للتقريب" لأحد كبار روافض إيران يطالب فيه أهل السنة بأن يرجعوا في دينهم إلى مصادر الشيعة الثمانية [١]، وبأن ينصب كرسي لتدريس فقه الروافض في مصر وآخر لتدريس عقائدهم، وأن يعترفوا ويؤمنوا بمسألة الإمامة عندهم [٢].

ولم يقتصر الأمر على مجرد الدعوة بل قام الروافض بتزيين آرائهم للشيخ شلتوت شيخ الأزهر في هذا الموضوع فلبى رغبتهم ونفذ بعض مطالبهم فتولى بنفسه محاولة تنفيذ هذه المهمة في إبّان مشيخته للأزهر فوضع مشروعاً يجعل للروافض - كما تقول مجلة رسالة الإسلام - نصيباً مقسوماً في الفقه وأصوله وتاريخه وفي مصطلح الحديث ورجاله وفي دراسة الكتب الأمهات وأصحابها الثقات في الأزهر. ولكن وقوف بعض شيوخ الأزهر حال دون تنفيذ المشروع [٣].

وبعد ذلك يخرج تقي القمي عن تقيته ويكشف عن هدفه وغرضه ويزيل الستار عن مهمة الدار الخفية فيدعو المسلمين صراحة دون تورية أو تقية إلى الأخذ بعقيدة

ـ

١ - يشير الى مقال الشيخ محمد صالح الحائري المازندراني، وقد نشرنا مقتطفات منه في العدد السابق. إنه يدعو أهل السنة والشيعة معا الى مراجعة كتب الحديث السنية والشيعية في فهم السنّة.

٢ - هذه مغالطة أخرى بشأن مقال الشيخ الحائري، لم يدع أهل السنة الى قبول الامامة عند الشيعة. بل إنه طرح مشروعا هاما للغاية يقرّب أو يصالح بين أهل السنّة والشيعة في مسألة الامامة، بحيث يرتفع الاختلاف التاريخي بينهما. وهو مشروع يستحق الدراسة والتعمّق والمناقشة لاهذا الهجوم العنيف.

٣ - هذا كذب وافتراء لفّقه شخص معلوم الحال في كتاب مدفوع الثمن ضمن الهجوم الاعلامي على مسيرة التقريب.

الشيعة وآرائها فيقول بعد أن يزعم أن أهل السنّة في مصر أخذوا ببعض آراء الشيعة الفقهية فيقول: (فماذا عليهم لو استقبلوا ما وراء الفقه كما استقبلوا الفقه وما الفرق بين الفروع العملية والفروع العلمية) [١].

ثم قامت الدار بالدعاية للتشيع عن طريق نشر الكتاب الشيعي وترويجه بين أهل السنّة وراحت تستكتب بعض ذوي الأطماع المادية، والنفوس الضعيفة لوضع مقدمات لكتب الشيعة التي أزمعوا نشرها بين أهل السنّة، فنشروا عدة كتب من كتب الروافض مثل:

١ - "المختصر النافع": لنجم الدين الحلي (ت٦٧٦هـ) وقد طبع هذا الكتاب مراراً في مصر.

٢ - "تذكرة الفقهاء": للحسن بن يوسف بن علي بن المطهر الحلي (ت ٧٢٦هـ).

٣ - "وسائل الشيعة ومستدركها": "الوسائل" لمحمد بن علي بن حسن الحر العاملي (ت ١١٠٤هـ)، و"المستدرك" لشيخهم حسين النوري الطبرسي صاحب كتاب "فصل الخطاب في تحريف كتاب رب الأرباب".

٤ - "الحج على المذاهب الخمسة": (أي الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي والجعفري).

٥ - "تفسير مجمع البيان": للطبرسي (ت ٥٤٨هـ).

٦ - "حديث الثقلين": محمد قوام الدين القمي - معاصر - .

ومن الملاحظ أنهم اهتموا بنشر كتب الفقه بالذات وبدأوا بالفروع قبل الأصول مع أن الفرقة الكبرى هي في مسائل الأصول والعقيدة [٢] أما قضايا الفقه فهم وإن كان

ـ

١ - انظر "محور العقيدة" في ملف دار التقريب المنشور على صفحات العدد السابق من مجلة "رسالة التقريب" فانك ترى إجماع أهل السنّة والشيعة على الضروري من أصول الدين، وانظر أيضا جواب الشيخ شلتوت على سؤال السيد ابو الوفا في هذا العدد.

٢ - مسائل العقيدة ليست تقليدية بل هي عقلية اجتهادية والمتكلمون سنة وشيعة اختلفوا في فروعها، أما الضروري منها فقد بينه القرآن والاتفاق عليها يكاديكون كاملا بين أهل السنةوالشيعة.

لهم في كل باب من أبواب الفقه شواذ غريبة إلا أن معظم مسائل أبواب الفقه يشتركون فيها مع أهل السنّة لأنه لا فقه لهم إلا ما أخذوه عن طريق أهل السنة [١] وبالتشابه الفقهي يصطادون بعض المغفلين.

ومجلة الدارالمسماة "رسالة الإسلام" تتولى الدعاية للتشيع والدفاع عن عقائد الشيعة، والتعريف والدعاية بكتب الشيعة ونشراتها والثناء والمديح لرجالات الروافض، وتأبين موتاهم، وتسطير أخبارهم ونشر مقالاتهم وكلماتهم١. كما تتولى الدار إقامة "الحفلات" وإصدار النشرات وكتابة المقالات في مناسبات أئمة الروافض الاثنى عشر.

ثم استطاع الروافض في ظل دعوة التقريب أن يخدعوا [٣] شلتوت شيخ الأزهر بالقول بأن مذهب الشيعة لا يفترق عن مذهب أهل السنّة ويطلبوا منه أن يصدر فتوى في شأن جواز التعبد بالمذهب الجعفري. فاستجاب لهم وأصدر فتواه في سنة ١٣٦٨هـ بجواز التعبد بالمذهب الجعفري.

فطار الروافض بهذا فرحاً، واعتبروا هذه الفتوى هي القطف الشهي والثمرة الكبرى… لدعوة التقريب لأنها تعطيهم كما يتصورون "الشرعية" في التبشير بالرفض في ديار السنّة [٤].

ـ

١ - هذا كلام بعيد عن أوليات العلم وبديهياته، ولا ندري كيف يمكن أن يذكر هذا الكلام في رسالة جامعية، أليس فيه إهانة للجامعة التي نوقشت فيها الرسالة؟ ! فقه الشيعة تبلور في زمن الامام جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام)، ومعروف أن أئمة فقه أهل السنّة يفخرون بأنهم تلقوا عن هذا الامام.

٢ - مراجعة سريعة لمجلة رسالة الاسلام تكفي لاثبات كذب هذا الادعاء. فالمجلة حملت مقالات لرجال الشيعة يدعون فيها الى نبذ الخلاف والاتفاق على المشتركات، وحملت أيضا أضعاف هذه المقالات لرجال أهل السنة يتجهون فيها الاتجاه نفسه.

٣ - كبرت كلمة تخرج من فم هذا الرجل تجاه أعظم شخصيات الأزهر وأعظم علماء مصر.

٤ - لم تكن الفتوى تدعو السنّي لان يكون شيعيا، أبدا. بل إنها دعت الى عدم الاقتصار على فقه الائمة الاربعة، لعدم وجود دليل ذلك، بل الانفتاح على الآراء الفقهية الاخرى مثل آراء الشيعة في الفقه. وأي ضير أن يأخذ المسلم بالرأي الفقهي الشيعي إذا عرف أن هذا الرأي أقرب الى روح الشريعة من غيره؟ !

كل هذه "الأهداف" تنفذ باسم التقريب بين المسلمين فصار مفهوم التقريب في قانون الجماعة الحقيقي هو نشر التشيع والرفض في ديار السنّة [١]. فلهذا خابت آمال المخلصين المشتركين بهذه الجماعة من أهل السنّة. بعد ما كانت موضع أمل لهم فمنهم من ترك الجماعة بصمت ومنهم من أعلن عن ذلك.

فهذا د. محمد البهي - مثلاً - يستبشر بنشأة الجماعة ويشيد بها ويضع يده فى يدها - كما ذكرت ذلك مجلة التقريب، ولكنه بعد ذلك يخيب أمله ويسجل رأيه في ذلك بقوله: (وفي القاهرة قامت - حركة تقريب بين المذاهب الإسلامية لتقريب ما بين السنّة والشيعة. وبدلا من أن تركز نشاطها على الدعوة إلى ما دعا إليه القرآن إذا وصل الخلاف في الرأي إلى نزاع كما جاء في قوله: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا اللّه وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى اللّه والرسول إن كنتم تؤمنون باللّه واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا) [٢]. ركزت نشاطها إلى إحياء ما للشيعة: من فقه… وأُصول… وتفسير… ونشر المقالات التي تدعو دعوة عامة إلى عدم التفرقة بين المسلمين).

وهذا الشيخ السبكي ينفض يده عن هذه الجماعة بعد أربع سنوات من نشأتها وذلك بعد ما تبين له حقيقة أهدافها - كما مر - .

ـ

١ - لم يكن هدف الدار هذا أبدا، ولا يستطيع الكاتب أن يقدم وثيقة واحدة تدل على أن الدار سعت لتشييع أهل السنّة. بل كلما سعت اليه هو أن تقول للسنّة أن التشيّع يقوم أيضا على أساس القرآن والسنّة، من هنا فان المشتركات بين أهل السنّة والشيعة أكثر من أن تحصى، ومن هنا أيضا فان التباعد بين أهل الفريقين ليس له أساس علمي، بل هو وليد الجهل ووليد دسائس الاعداء. وهي دعوة حياتية ضرورية لوحدة الصف الاسلامي.

٢ - النساء / ٥٩.

وهذا الشيخ محمد عرفة عضو كبار العلماء والشيخ طه محمد الساكت وغيرهما يتركون الجماعة بعدما استبانت لهم أغراضها.

ويتتابع الأعضاء المخلصون في التخلي عن جماعة أرادت أن تنشر الرفض في ديار المسلمين باسم الوحدة والتقريب حتى وصف الشيخ محب الدين الخطيب [١] ما آل إليه أمر دار التقريب وجماعة التقريب بقوله: (انفض المسلمون جميعاً من حول دار التخريب التي كانت تسمى دار التقريب ومضى عليها زمن طويل والرياح تصفر في غرفها الخالية تنعى من استأجرها [٢]. ثم يذكر أنه لم يبق متعلقاً بعضويتها إلا فئة من المنتفعين ماديّاً من وراء انتمائهم إلى هذه الدار وأن العلماء المخلصين من أهل السنّة انكشف لهم المستور من حقيقة دين الرافضة ودعوة التقريب التي يريدها الروافض فانفضوا عن هذه الدار وعن الألاعيب التي كان يراد إشراكهم في تمثيلها) ثم يقول الخطيب: (فلم يبق موضع عجب إلا استمرار النشر الخادع في تلك المجلة ولعل القائمين يضعون لها حدّا).

ولكن هذه المجلة "رسالة الإسلام" التي يشير الخطيب إلى استمرار صدورها مالبثت أن توقفت بصدور آخر عدد في ١٧ رمضان ١٣٩٢هـ وهو العدد (٦٠).

وقد زرت الدار أثناء تحضيري لهذه الرسالة - ١٣٩٩هـ - فوجدتها مهجورة من أعضائها ومن زوارها، ولا أثر فيها لأي نشاط، وقد لبثت أتردد على مكتبتها أياماً فلا أرى أحداً يؤمها.

ـ

١ - محب الدين الخطيب نموذج من أعداء التقريب، هذا الرجل بدأ نشاطه ماسونيا، ثم انتقل الى العروبة يدافع عن القومية العربية بمعناها العلماني، ثم انتقل بقدرة قادر الى سلفي معاد للشيعة ومعاد لكل دعوة تقريبية، الا يحمل هذا العداء نفسه دلالات كثيرة ذات علاقة بتاريخ هذا الرجل؟ ! ٢ - لا أظن الخطيب ومؤلف الكتاب يجهلون عوامل هبوط نشاط الدار في سنواتها الاخيرة… الجميع يعرفون إنه عامل سياسي يرتبط بعلاقات ايران ومصر آنذاك.

ومع أن الدار حاولت أن تبتعد تماما عن المؤثرات السياسية، لكن هذه المؤثرات أصابتها بسهامها، كما تصيب اليوم كل تواصل ثقافي وعلمي وفكري بين بلدان العالم الاسلامي.

ولما شعر الروافض بفشلها ويئسوا من نجاحها أنشأوا داراً أخرى لنشر "عقيدة الرافضة" بين أهل السنّة في مصر ولا تزال إلى هذا الوقت تمارس نشاطها بمختلف الأساليب وهي "جمعية أهل البيت".

التقويم

١ - إن استجابة طائفة من كبار علماء مصر أمثال عبد المجيد سليم وغيره لدعوة التقريب بين المسلمين هي استجابة طبيعية لأن اللّه سبحانه يقول: (واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا) وما كانت دعوة التقريب قد أبانت عن حقيقتها وأهدافها بل رفعت شعارات إسلامية تتستر بها على ماتهدف إليه فلا يتوجه اللوم إلى هؤلاء في نظري.

٢ - جماعة التقريب استهدفت أهل السنّة، وساهمت في نشر الكتاب الشيعي بين أهل السنّة، ولم تقم بنشر الكتاب السنّي في دار الشيعة [١]، وحاولت تدريس مذهب الشيعة في الأزهر، ولم تحاول تدريس مذهب أهل السنّة في حوزات الشيعة العلمية في النجف أو قم أو عامل أو غيرها من مراكزهم [٢].

ـ

١ - هذه فرية كبيرة. إن الدار حين عملت على نشر الكتاب الشيعي بين أهل السنة فانما أرادت أن تبين لاهل السنة بأن الشيعة في أصولهم وفروعهم وتفسيرهم متفقون الى حدّ كبير مع أهل السنّة. ولايمكن إثبات هذه الحقيقة الا بنشر هذه المصادر كي يقف عليها المسلم السنّي مباشرة. أما كتب أهل السنّة في الفقه والحديث والتفسير فهي مرجع لا يمكن أن يتخلّى عنه أي عالم ديني في الحوزات العلمية الشيعية بل إن منهج رائد التقريب المعاصر الامام البروجردي في الفقه كان يوجب الرجوع الى صحاح أهل السنّة في دراسة مباني المسائل الفقهية.

أما كتب أهل السنة في التفسير مثل الكشاف والتفسير الكبير فهي مطبوعة في ايران مرارا.

٢ - مذهب أهل السنة في الفقه مما يرجع اليه كل الدراسين في الحوزات العلمية الشيعية، أما الدراسات الجامعية الايرانية ففيها دروس خاصة في فقه المذاهب السنية الاربعة يدرّسها علماء أهل السنّة أنفسهم للطلبة.

ولا شك أن هذا لا يؤدي الغرض من التقريب، لأنه من طرف واحد ولا بد من اشتراك أطراف النزاع في موضوع التقريب، ثم هو يدل على نيّة مبيّتة، وهدف مرسوم وراء دعوة التقريبوهو نشر الرفض بين المسلمين، وإلا فلم يخص أهل السنّة وبلاد السنّة بذلك مع أن الروافض هم الذين يتحملون كبر الفرقة، ذلك أن أهل السنّة خاصتهم وعامتهم في مشارق الأرض ومغاربها يجلون علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) وأهل بيت الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه وعليهم أجمعين إجلالا لا مزيد عليه ويحبونهم حبا يرضاه اللّه ورسوله وأهل البيت ولكن الشيعة هم الذين ينالون من صحابة رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ولاسيما صديق الأمة، وفاروقها [١].

فأحرى بدعوى التقريب أن تقام في ديارهم وأجدر بأن تتوجه الجهود المقرّبة إليهم فأهل السنّة لا يحتاجون إلى تقريب [٢].

٣ - أليس من الأصول أن يقوم هؤلاء العلماء من السنّة (من أعضاء الجماعة) بدراسة مذهب الشيعة من خلال كتبها الأصيلة ليتعرفوا على مدى إمكانية التقريب، وعلى أي وجه يكون التقريب (إذا أمكن) بدل أن يكونوا ضحية تقية الشيعة وخداعهم [٣].

ـ

١ - إثارة الاختلاف بين المسلمين تحت غطاء الدفاع عن الخلفاء وأئمة الدين بدأت منذ العصر الاموي أو قبله، ورفع المفرقون شعار الدفاع عن عثمان تارة وعن الشيخين تارة أخرى، بل هناك من رفع راية الدفاع عن آل البيت من أجل مطامع خاصة كما فعل القرامطة والغلاة. وتواصلت هذه العملية في العصر العباسي وبعده في عصر الدولة الصفوية والعثمانية، وحتى يومنا هذا. وكان وراء هذا الاختلاف مَنْ يهمهم التفريق بين صفوف المسلمين، وكان يغذّيه الجاهلون والمتعصّبون الطائفيون من أهل السنّة والشيعة.

٢ - بل إن السنة والشيعة معا يحتاجون الى التقريب، ولا أدل على ذلك من الدافع الذي ساق الشيخ القمي الى مشروع التقريب وهو حادث مقتل السيد ابو طالب اليزدي (انظر المذكرات التي ينقلها الدكتور بي آزار الشيرازي في هذا العدد).

٣ - والدار نشرت هذه الكتب الاصيلة ليتعرفوا على إمكانية التقريب، بدل أن ينساقوا وراء تشكيكات الماسونيين والمشبوهين والمفرقين بين صفوف الامة. أما وصف فئة كبيرة من المسلمين بما فيهم من الفقهاء والعلماء والمفكرين وقادة الدين بالخداع فهذا إثم كبير.

٤ - في كل دعوة للتقارب لابد من البدء بالأصول قبل الفروع ومن الغفلة أن يبدأ بدراسة الخلافات الفقهية بين السنّة والشيعة. والشيعة تشذ عن الأمة بكتبها في الحديث ورجالها، وأصولها، في مدلول القرآن ومفهوم السنّة، وفي حجية الإجماع فأين الأصل الواحد الذي تناقش على ضوئه الخلافات الفقهية.

٥ - فتوى شتلوت التي تعتبرها جماعة التقريب ثمرة التقريب وقطفه الشهي هل كانت مبنية على دراسة لمذهب الشيعة أم مبنية على تصديق شلتوت لدعاوي القمي وغيره بأنه لا خلاف بين السنّة والشيعة. الذي أرجحه بناء على ما سمعته من بعض معاصري شلتوت ومجالسيه هو الثاني ومما يؤكد جهل الشيخ شتلوت بالشيعة أنه يرى أن السبيل الوحيد إلى إعادة الصف الإسلامي إلى وحدته وقوته أن لا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباً من دون اللّه، وأن نطرح وراء ظهورنا تلكم التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية من كتاب وسنّة صحيحة، وأن نفهمها كما فهمها المعاصرون للتنزيل وأن نجعل أهواءنا تبعاً لديننا ولا نجعل ديننا تبعاً لأهوائنا، وأن نحارب احتكار فرد أو أفراد تعاليم الدين فما كان الإسلام دين أسرار وأحاج لا يعرفها إلا طائفة خاصة تطلع عليها من تشاء وتمنعها عمن تشاء فما انتقل الرسول (صلى الله عليه وآله) إلى الرفيق الأعلى حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة، وطلب من أصحابه وأتباعه أن يبلغوا ما علموه…

فشلتوت بهذا القول كأنه يحكم على الشيعة التي أفتى - جهلاً منه - بجواز التعبد على مذهبها يحكم عليها بأنها لم تسلك سبيل التقريب. لأن الشيعة على خلاف تام لهذه الأركان التي وضعها للتقريب [١]. فاتخاذهم للأئمة أرباباً من دون اللّه منتشر

ـ

١ - مصادر شلتوت في الفتوى هي الكتب التي نشرتها دار التقريب، وهي أمهات مصادر الشيعة في الحديث والفقه والتفسير.

عندهم [١] وفي كتبهم، وهم أهل التأويلات البعيدة للنصوص الشرعية، ويرون أنه من الكيد للإسلام أن نفهم هذه النصوص كما فهمها المعاصرون للتنزيل من الصحابة، وهم بمزاعمهم في أئمتهم ودعاويهم في مجتهديهم يمثلون في الإسلام ذلك الاحتكار للدين الذي يعنيه شلتوت وهم يقولون بأن في دين اللّه أسراراً وأحاجي لا يعلمها إلا طائفة خاصة بزعمهم هم أهل البيت لأن الرسول (صلى الله عليه وآله) كتم قسماً من الشريعة وأودعه إياهم وهم وحدهم عندهم الجفر، والجامعة، ومصحف فاطمة، وعلم ما كان، وما يكون … إلخ، ولمجتهديهم اتصال بالمنتظر الذي انتهت إليه هذه العلوم بزعمهم … إلخ. كما شرحنا ذلك بالشواهد والأرقام. فكأن شلتوت بهذا القول ينقض فتواه بنفسه.

ومن المفارقات أن أحد شيوخ الشيعة الذين ينادون بالوحدة الإسلامية سئل عن جواز التعبد بالمذاهب الأربعة فأفتى بالمنع من ذلك.

٦ - وعلى الرغم من قيام الشيعة بتأسيس دار التقريب ومجلتها وجماعتها واستجابة بعض علماء الأزهر لفكرتهم لم نر لهذه الدعوة أي أثر بين علماء الشيعة في العراق وإيران وغيرهما فلا يزال القوم مصرين على ما في كتبهم من ذلك الطعن الجارح والتصوير الكاذب لما كان بين الصحابة من خلاف، ولاتزال مطابع الروافض تقذف سنويا بعشرات الكتب التي تحمل اللعن والتكفير والتخليد بالنار لخير القرون.

وقد بعث أحد القراء المؤمنين بفكرة التقريب برسالة إلى شلتوت بعد إصداره لفتواه يذكر له ما ينشر في بلاد الشيعة من كتب لا تتفق ودعوة التقريب ويدعوهم لأن يجدوا لذلك حلا، فأجابه شتلوت:

(يمكنكم أن ترجعوا إلى مجلة "رسالة الاسلام" لتروا فيها مايشفي الغلة ويطمئن القلوب إن شاء اللّه تعالى). وهو جواب يشبه فتواه في الشذوذ والغرابة.

ـ

١ - كبرت كلمة تخرج من فمه. هذا تكفير للمسلمين. وقد اعتدنا أن نسمع ذلك من وعاظ السلاطين، ولكن لم نتوقع أن نراه في "رسالة جامعية"؟ !

٧ - جاء في القانون الأساسي لجماعة التقريب في المادة الثانية ما يلي "أغراض الجماعة هي".

العمل على جمع كلمة أرباب المذاهب الإسلامية "الطوائف الإسلامية" الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الإيمان بها.

وفي هذا القانون الذي قامت عليه الجماعة عدة أخطاء - في نظري - :

أولا: أنها فسرت المذاهب الإسلامية، بالطوائف الإسلامية ولاشك أن مصطلح "الطوائف" إنما يطلق على مثل المعتزلة والخوارج والشيعة، فهل دار التقريب تعتبر المذاهب الأربعة طوائف فتكون قد قامت على قانون يفرق بين المسلمين ولا يقربهم. فلا شك أن هذا التفسير يخرج المذاهب الأربعة; لأنها ليست بطوائف. لكن دار التقريب أشاعت هذا المفهوم الخاطيء وهو اعتبار المذاهب طوائف، كما قالت المذاهب أو الطوائف الستة - تعني المذاهب الأربعة، وطائفة الزيدية والشيعة - وفي هذا مغالطة تكمن في اعتبار تعدد المذاهب الفقهية لدى أهل السنّة هو من قبيل تعدد الفرق والطوائف والحق أن يقال مذهب أهل السنّة ومذهب الشيعة.

ثانياً: ثم هل مذاهب أهل السنة المتوارثة عن أئمة الهدى المعروفين رحمهم اللّه هل تحتاج إلى من يقرب بينها مثلها في ذلك - على حسب صنيع دارالتقريب - مثل مذهب الشيعة مع غيره.

لا شك أن في هذه التسوية خطأ، والسعي في التقريب بين المذاهب الأربعة سعي في تحصيل الحاصل بالنظر إلى أن أئمة تلك المذاهب أسرة واحدة في خدمة الدين، والرجوع إلى الكتاب والسنّة، والاحتجاج بالإجماع والقياس حتى نضج الفقه الإسلامي على أيديهم.

ثالثاً: وقول "قانون الجماعة" أنه أوقع التباعد بين هذه الطوائف آراء لا تمس العقائد: مخالف للواقع إذ كيف يقال هذا والرافضة تكفر [١] من أنكر إمامة أئمتهم الاثنى

ـ

١ - تكفير المسلمين لم نسمعه الا من وعاظ السلاطين، وعلماء المسلمين مجمعون على انعقاد رباط الاخوّة الاسلامية بين كل الناطقين بالشهادتين.

عشر، ومعنى هذا أن أهل السنّة في اعتقاد الرافضة مخالفون لهم في أصل الاعتقاد، ثم هل مواقف الشيعة من كتاب اللّه وسنّة رسوله (صلى الله عليه وآله) والإجماع والصحابة، إلخ هل هذه قضايا لا تمس العقائد؟

فهذا القول - وهو أنه لا خلاف بين السنّة والشيعة في آراء لا تمس العقائد إنما - كما يرى الشيخ رشيد رضا - يضر أهل السنّة فقط لأن ذلك معناه أن أهل السنّة موافقون للشيعة في شذوذهم الذي يهدم الدين والعقيدة ولا يعتبرون ذلك الشذوذ ماسا بالعقيدة.

ونكتفي بهذا القدر من التقويم. ومن أراد المزيد ففي "مجلة الفتح"، و"مجلة الأزهر"، وكتاب "الخطوط العريضة" للشيخ محب الدين الخطيب، وما كتبه الشيخ محمود الملاح، ما يفيد المستزيد.



[ Web design by Abadis ]