ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تساؤل

كان لابدّ أن يثير مشروع دار التقريب بين المذاهب الاسلامية تساؤلات بشأن دوافع أفراده وامكان نجاحه، وتفسير نصوص أدبياته. لانه انبثق في ظروف تفاقمت فيها الحساسيات والنزاعات والشبهات ورواسب عهود الصراع الطائفي والتباعد بين علماء المذاهب.

في هذا الحقل من ملف التقريب ننقل ثلاثة تساؤلات وصلت الى الدار عبر الرسائل وإجابة الدار عليها. وهي تعبّر بمجموعها عما كان يدور وربما لايزال يدور في ذهن المسلمين من تساؤل بشأن التقريب. بشأن عدم إمكان الاتفاق على الأصول [١]

"تسلمت من ساعي البريد العدد الأول من مجلة عنوانها من أسمى العناوين وأشرفها، ألا وهي - رسالة الاسلام - التي تبحث عما يمكن التقريب به بين طوائف

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١، ص ٣٢٠ وما بعدها، و ص ٤٢٩ وما بعدها.

المسلمين، والتي تمثل آراء وأفكار جماعة التقريب الموقرة، نسأله تعالى أن يسدد خطواتها، وينفع الأمة الإسلامية بها، ويكلل مساعيها الشريفة بالنجاح إنه سميع الدعاء.

وتلوح "بفاكرتي" أمور أحب أن أبديها لهذه الجماعة المحترمة لكي أنوّرها بأجوبتهم، وأزداد خبرة واطلاعا، وهي أن هذا الهدف الشريف الذي ترمي إليه هذه الجماعة صعب جدا نيله، ووعر إلى الغاية تحصيله، حيث إن الاختلاف الواقع بين طوائف المسلمين هو في الأصول أيضا لا في الفروع فقط، يرشدكم إلى ذلك أن الفرقة الإمامية الاثنا عشرية قائلون بأن اللّه ليس بجسم ولا جسماني، ويبلغنا أن جما غفيرا من سائر طوائف المسلمين قائلون بالتجسيم، ويثبتون للّه لوازم الجسم، والفرقة الامامية الاثنا عشرية قائلون بأن صفاته الكمالية عين ذاته وجودا، وغير ذاته مفهوما، ونسمع أن طائفة أخرى قائلون بتعدد القدماء التسعة: الذات وصفاته الكمالية الثمانية، وثامنها صفة البقاء، والفرقة الامامية الاثنا عشرية قائلون بعدالة الواجب تعالى، ويبلغنا أن طائفة أخرى من المسلمين قائلون بصدور الظلم منه تعالى شأنه، فيا إخواني: هل يمكن مع هذا التقريب؟ وكيف يمكن؟ ".

جواب دار التقريب

وجوابنا على ذلك أننا نشكر فضيلة الشيخ الموقر على ماقدم إلينا من ثناء وأمل ودعاء، ثم نقول لفضيلته:

إن هذه المسائل الثلاث التي تمَثَّل بها محتاجة الى بيان وتجلية، وعند وضوحها وتبين الأمر فيها على حقيقته، يظهر أن الخلاف فيها ليس خلافا أصليا يضر بالعقيدة الإسلامية أو يفسدها. بيان ذلك:

١ - أن المسألة الاولى وهي كون اللّه تعالى ليس جسما ولا جسمانيا أمر متفق عليه بين جميع الطوائف الإسلامية الحاضرة، ولا يختلف فيه مذهب عن مذهب، لا فرق في ذلك بين الإمامية وغيرهم، وكتبهم مثبتة له:

فمن ذلك ما جاء في الجوهرة وشرحها، وهي الكتاب الذي يدرس بالأزهر

الشريف، قال صاحب الجوهرة:

وأنه لما ينالُ العدمُ *** مخالف، برهان هذا القدم

وقال شارحه الشيخ عبد السلام: "أي مخالفة ذاته وصفاته لكل ما يقوم به العدم ويجوز عليه من الحوادث، سواء في ذلك الحوادث السابقة كالأعدام الأزلية واللاحقة كالنعم الأخروية، والمخالفة لما ذكر عبارة عن سلب الجرمية والعرضية، أو الكلية والجزئية، ولوازمهما عنه تعالى، وإنما وجب له ما ذكر لأن الحوادث إما أجسام، وإما جواهر، وإما أعراض، والأعراض إما أزمنة، وإما أمكنة، وإما جهات، وإما حدود ونهايات، ولا شيء منها بواجب الوجود لما ثبت لها من الحدوث واستحالة القدم عليها".

وقال الشيخ الأمير في حاشيته عليه "قوله - ولا شيء منها بواجب الوجود - أشار إلى قياس من الضرب الأول من الشكل الثاني تقريره: الباري تعالى واجب، ولا شيء من الجسم والجوهر والعرض بواجب - ينتج أن الباري تعالى ليس جسما ولا جوهرا ولا عرضا - أفاده العلامة المَلّوي" [١].

وقال صاحب الجوهرة في موضع آخر:

وكل نص أوهم التشبيها *** أوّلْه أو فوّض ورُم تنزيها

قال شارحه المذكور: [٢] "ولما قدم أنه سبحانه وتعالى وجبت مخالفته للحوادث عقلا وسمعا، وورد في القرآن والسنة ما يشعر بـإثبات الجهة والجسمية له تعالى، وكان مذهب أهل الحق من السلف والخلف تأويل تلك الظواهر لوجوب تنزيهه تعالى عما يدل عليه ذلك الظاهر اتفاقا من أهل الحق وغيرهم; أشار إلى ذلك مقدِّما طريق الخلف لأرجحيته، فقال (وكل نص) أي لفظ ناص ورد في كتاب أو سنة صحيحة (أوهم التشبيها) باعتبار ظاهر دلالته أي أوقع في الوهم صحة القول به، فمنه في الجهة "يخافون ربهم من فوقهم" وفي الجسمية "هل ينظرون إلا أن يأتيهم اللّه في

ـ

١ - ص ٦٥ من حاشية الأمير على شرح عبد السلام للجوهرة المطبوع بالمطبعة الأزهرية سنة ١٣٢٤هـ.

٢ - ص ٩٤ - ٩٥ من المرجع نفسه.

ظلل من الغمام" "وجاء ربك" وحديث الصحيحين "ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا" وفي الصورة "إن اللّه خلق آدم على صورته" وفي الجوارح "ويبقى وجه ربك" "يد اللّه فوق أيديهم" - (أوّله) وجوبا بأن تحمله على خلاف ظاهره والمراد أوله تفصيلا معيِّنا فيه المعنى الخاص، أُخذ من المقابل الآتي كما هو مختار الخلف من المتأخرين، فتؤوّل الفوقية بالتعالي في العظمة دون المكان، والإتيان بـإتيان رسول عذابه أو رحمته وثوابه، وكذا النزول، وحديث إن اللّه خلق آدم على صورته، ضميره يرجع إلى الأخ المصرح به في الطريق الأخرى التي رواها مسلم بلفظ "إذا قاتل أحدكم أخاه فليجتنب الوجه فإن اللّه خلق آدم على صورته" والمراد بالصورة الصفة، والوجه بالذات أو بالوجود، واليد بالقدرة، وأشار لتنويع الخلاف بقوله (أوفوض) عِلمَ المعنى المراد من ذلك النص تفصيلا إليه تعالى وأوله إجمالا كما هو طريق السلف (ورُمْ) أي اقصد، واعتقد مع تفويض عِلم ذلك المعنى (تنزيها) له تعالى عما لا يليق، فالسلف ينزهونه سبحانه عما يوهمه ذلك الظاهر من المعنى المحال، ويفوضون علم حقيقته على التفصيل إليه تعالى، مع اعتقاد أن هذه النصوص من عنده سبحانه، فظهر مما قررنا اتفاق السلف والخلف على تنزيه

ه تعالى عن المعنى المحال الذي دل عليه ذلك الظاهر وعلى تأويله وإخراجه عن ظاهره المحال وعلى الإيمان بأنه من عند اللّه، جاء به رسوله (صلى الله عليه وآله)، لكنهم اختلفوا في تعيين محمل له معنى صحيح وعدم تعيينه بناء على أن الوقف على قوله تعالى "والراسخون في العلم" أو على قوله "ما يعلم تأويله إلا اللّه".

ومن ذلك ما كتبه سلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام في عقيدته المشهورة [١] التي كتبها للسلطان الأشرف، وقد جاء فيها قوله في وصف اللّه عزوجل: "ليس بجسم مصور، ولا جوهر محدود مقدر، ولا يشبه شيئاً، ولا يشبهه شيء، ولا تحيط به الجهات، ولا تكتنفه الأرضون ولا السموات، كان قبل أن كوّن المكان، ودبر الزمان، وهو الآن على ما عليه كان…. استوى على العرش المجيد على الوجه الذي

ـ

١ - طبقات الشافعية الكبرى. ص ٨٦ ج ٥ المطبوع بالمطبعة الحسنية المصرية سنة ١٣٢٤هـ.

قاله وبالمعنى الذي أراده، استواء منزها عن المماسة والاستقرار، والتمكن والحلول والانتقال، تعالى اللّه الكبير المتعال، عما يقول أهل الغي والضلال، بل لا يحمله العرش، بل العرض وحملته محمولون بلطف قدرته، مقهورون في قبضته".

وهذا الذي قاله عز الدين (رحمه الله) عن استواء اللّه تعالى على عرشه هو مايقول به ابن تيمية وابن القيم، وعلماء نجد في عصرنا الحاضر، وقد زخرت به كتبهم.

ومما جاء من ذلك قول ابن القيم في الرد على الجهمية:

"هؤلاء الجهمية ومَن وافقهم على التعطيل جحدوا ما وصف اللّه به نفسه، ووصفه به رسوله، من صفات كماله، ونعوت جلاله، وبنوا هذا التعطيل على أصل باطل أصّلوه من عند أنفسهم; فقالوا: هذه الصفات هي صفات الأجسام. فيلزم من إثباتها أن يكون اللّه جسما، هذا منشأ ضلال عقولهم، لم يفهموا من صفات اللّه إلا ما فهموه من خصائص صفات المخلوقين، فشبهوا اللّه في ابتداء آرائهم الفاسدة بخلقه، ثم عطلوه من صفات كماله، وشبهوه بالناقصات والجمادات والمعدومات; فشبهوا أولا وعطلوا ثانيا، وشبهوه ثالثاً بكل ناقص ومعدوم، فتركوا مادل عليه الكتاب والسنة من إثبات ما وصف اللّه به نفسه، ووصفه به رسوله على ما يليق بجلاله وعظمته، وهذا هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها، فإنهم أثبتوا للّه ما أثبته لنفسه وأثبته له رسوله (صلى الله عليه وآله) إثباتاً بلا تمثيل وتنزيهاً بلا تعطيل، فان الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات يحتذي حذوه، فكما أن هؤلاء المعطلة يثبتون للّه ذاتاً لا تشبه الذوات، فأهل السنة يقولون ذلك، ويثبتون ما وصف اللّه به نفسه ووصفه به رسوله من صفات كماله ونعوت جلاله، لا تشبه صفاته صفات خلقه; فإنهم آمنوا بكتاب اللّه وسنة رسوله (صلى الله عليه وآله) ولم

يتناقضوا، وأولئك المعطلة كفروا بما في الكتاب والسنة من ذلك وتناقضوا، فبطل قول المعطلين بالعقل والنقل وللّه الحمد والمنة، وإجماعِ أهل السنة من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المسلمين".

وقد نقلنا هذا النص عن ابن القيم من كتاب "فتح المجيد ص ٣٩٣" الذي ألفه العالم الجليل الشيخ عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ شرحا لكتاب "التوحيد" للإمام محمد بن عبد اللّه، وفي ذلك الكتاب يقول فضيلة الشيخ الشارح:

"ذكر الأئمة رحمهم اللّه تعالى فيما صنفوه في الرد على نفاة الصفات من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ونحوهم أقوالَ الصحابة والتابعين. فمن ذلك ما رواه الحافظ الذهبي في كتاب العلو وغيره بالأسانيد الصحيحة عن أم سلمة زوج النبي (صلى الله عليه وآله) أنها قالت في قوله تعالى: "الرحمن على العرش استوى" قالت "الاستواء مجهول، والكيف غير معقول، والاقرار به إيمان، والجحود به كفر"، رواه ابن المنذر واللالكائي وغيرهما بأسانيد صحاح. قال: وثبت عن سفيان بن عيينة رحمه اللّه تعالى أنه قال: لما سئل ربيعة بن أبي عبد الرحمن: كيف الاستواء؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن اللّه الرسالة، وعلى الرسول البلاغ، وعلينا التصديق. وقال ابن وهب: كنا عند مالك فدخل رجل فقال: يا أبا عبد اللّه "الرحمن على العرش استوى" كيف استوى؟ فأطرق مالك (رحمه الله) وأخذته الرُّحَضاء وقال: الرحمن على العرش استوى، كما وصف نفسه ولا يقال كيف و"كيف" عنه مرفوع، وأنت صاحب بدعة، أخرجوه. رواه البيهقي باسناد صحيح عن ابن وهب، ورواه عن يحيى بن يحيى أيضاً، ولفظه قال الاستواء غير مجهول; والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة. قال الذهبي: فانظر إليهم كيف

أثبتوا الاستواء للّه، وأخبروا أنه معلوم لا يحتاج لفظه إلى تفسير، ونفوا عنه الكيفية".

ومن هذا كله يتبين أن لا خلاف على الحقيقة، لأن الجميع متوافقون على نفي الجسمية عنه تعالى وتنزيهه عن مشابهة الحوادث، كما أنهم متوافقون على الإيمان بما جاء في كتابه الكريم من مثل قوله تعالى "الرحمن على العرش استوى" "إليه يصعد الكلم الطيب" "تعرج الملائكة والروح إليه" "يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه" "يخافون ربهم من فوقهم" وعلى الإيمان أيضا بما جاء من قوله "ليس كمثله شيء"، وكل مافي الأمر: أنهم اختلفوا في الفهم والوسيلة إلى التنزيه، وإذن فالقول بأن هذا خلاف في الأصل يترتب عليه بذاته إيمان أو كفر ليس صحيحا، واللّه المستعان.

أما المسألتان الباقيتان فهما ما ذكره الأستاذ بقوله:

١ - "والفرقة الإمامية الاثنا عشرية قائلون بأن صفاته الكمالية عين ذاته وجودا،

وغير ذاته مفهوما، ونسمع أن طائفة أخرى قائلون بتعدد القدماء التسعة: الذات وصفاته الكمالية الثمانية، وثامنها صفة البقاء".

٢ - "والفرقة الإمامية الاثنا عشرية قائلون بعدالة الواجب تعالى، ويبلغنا أن طائفة أخرى من المسلمين قائلون بصدور الظلم منه تعالى شأنه".

وعجيب جدا أن يهتم الأستاذ الجليل بهذه المباحث الكلامية، ويوليها هذا الشأن من العناية، وينظر إليها على أنها عقبة كؤود في سبيل اجتماع المسلمين وائتلاف قلوبهم، وهو يعلم كما يعلم الناس جميعا، أن أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) كانوا عنها معرضين، وبغيرها من العلم والعمل مشغولين، ولم يطعن أحد في كمال إيمانهم، ولا زعم زاعم بأنهم لقوا ربهم، وقد فرطوا فيما أمرهم أن يعتقدوه ويدينوا به، وأعجب من ذلك أنه يصف هذه المسائل بأنها "من الأصول لا من الفروع".

إن الأصل القاطع في مسألة الصفات، الذي يتحقق به الإيمان، ولا يكلف اللّه أحدا من عباده بما وراءه; هو أن يوصف اللّه تعالى بما وصف به نفسه وبما وصفه به نبيه (صلى الله عليه وآله) نفيا وإثباتا، فنثبت له ما أثبته لنفسه، وننفي عنه مانفاه عن نفسه، من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وقد جاء بذلك كتاب اللّه جل شأنه واضحا غير معقد: (اللّه لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له مافي السموات وما في الأرض من ذا الذي يشفع عنده إلا بـإذنه، يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم) (قل هو اللّه أحد اللّه الصمد لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوا أحد) (وهو العليم الحكيم) (وهو العزيز الحكيم) (وهو على كل شيء قدير) (يعلم مافي السموات والأرض ويعلم ما تسرون وما تعلنون واللّه عليم بذات الصدور) (هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم. هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أينما كنتم واللّه بما تعملون بصير) (رضي اللّه عنهم ورضو

ا عنه) (وكلم اللّه موسى تكليما) (وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا) (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) (ورحمتي وسعت كل شيء) (ليس كمثله

شيء وهو السميع البصير) (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير) إلى غير ذلك من الآيات التي جاءت بـإثبات صفات للّه تعالى، وإسناد أفعال إليه، وآمن بها السلف الصالح كما جاءت دون إلحاد في أسمائه وصفاته، أو تلاعب وعبث بالخوض في كيفية ثبوتها، أو محاولة إدراك كنهها، وهل هي زائدة على ذاته تعالى، أو هي عين ذاته، لأن صفات اللّه كذاته، مما لا سبيل إلى معرفته معرفة كنه وحقيقة من طريق الفكر والعقل، فقد خلق اللّه العقول وأعطاها قوة، وجعل لها حدا تقف عنده، فإذا سلطت على ماهو خارج عن طورها، اضطربت وركبت متن عمياء، وخبطت خبط عشواء.

هذا الأصل كان سائدا في المؤمنين على عهد سلفنا الصالح، فكانوا عليه متوافقين، وعنده واقفين، فلماعُقدت مناظرات الكلام، ومجادلات أهل التفلسف، نبتت مباحث الذات والصفات، من أن الأخيرة عين الأولى أو غيرها، وأن الاسم عين المسمى أو غيره، وأن صفات اللّه قديمة كقدمه أو بقدمه، وأنه عليم بعلم، وقدير بقدرة، أو عليم بلا علم وقدير بلا قدرة، وأن من لوازم هذا أو ذاك تعدد القدماء أو التعدد غير لازم، وظاهرٌ أن هذا كله خوض فيما لا طائل تحته، ولم يكلفنا اللّه به، وأن المختلفين فيه لو حرروا محل النزاع لوجدوا أنهم متفقون وأن الأمر أيسر وأقرب من أن يتنازعوا فيه هذا التنازع، ويضطربوا في بيدائه هذا الاضطراب، وإليكم أيها القراء نسوق تحقيقا لابن القيم يوضح به منشأ هذا الاختلاف، فقد ذكر في كتابه "بدائع الفوائد" بعد أن أوضح الفرق بين الاسم والمسمى ما نصه: "وإذا ظهر الفرق بين الاسم والمسمى فبقى هنا التسمية وقد اغترّ بها من قال باتحاد الاسم والمسمى، والتسمية عبارة عن جعل المسمِّي ووضعه الاسمَ للمسمّى، كما أن التحلية عبارة عن فعل المحلي ووضعه الحليةَ على المحلِّى، فهنا ثلاث حقائق: أسم، ومسمَّى، وتسميه، كحلية، ومحلّى، وتحلية، وعلامة، ومعلم، وت

عليم، ولا سبيل إلى جعل اللفظين منها مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، فإذا جعل الاسم هو المسمى مترادفين على معنى واحد، لتباين حقائقها، فإذا جعل الاسم هو المسمى بطل واحد من هذه الحقائق الثلاث ولابد، فإن قيل ما شبهة من

قال باتحادهما؟ فالجواب: شبهته أشياء، منها أن اللّه تعالى هو وحده الخالق، وما سواه مخلوق، فلو كانت أسماؤه غيره لكانت مخلوقة، ويلزم ألا يكون له اسم في الأزل ولا صفة، لأن أسماءه صفات، وهذا أعظم ما قاد متكلمي الإثبات إلى القول باتحادهما، والجواب عن كشف هذه الشبهة: أن منشأ الغلط في هذا الباب من إطلاق ألفاظ مجملة محتملة لمعنيين حق وباطل، فلا ينفصل النزاع إلا بتفصيل تلك المعاني، وتنزيل ألفاظها عليها، ولا ريب أن اللّه تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال المشتقة أسماؤها منها، فلم يزل بصفاته وأسمائه، وهو إله واحد له الأسماء الحسنى، والصفات العلى، وصفاته وأسماؤه داخلة في مسمى اسمه، وإن كان لا يطلق على الصفة أنها إله يخلق ويرزق، فليست صفاته وأسماؤه غيره، وليست هي نفس الإله، وبلاء القوم من لفظه "الغير" فإنها يراد بها معنيان: أحدهما المغاير لتلك الذات المسماة باللّه، وكل ما غاير اللّه مغايرة محضة بهذا الاعتبار فلا يكون إلا مخلوقا، ويراد بها مغايرة الصفة للذات إذا جردت عنها، فإذا قيل علم اللّه وكلام اللّه غيره، بمعنى أنه غير الذات المجردة عن العلم والكلام ; كان المعنى صحيحا، ولكن الإطلاق باطل، فإذا أريد أن العلم والكل

ام مغاير لحقيقته المختصة التي امتاز بها عن غيره، كان باطلا لفظا ومعنى" [١].

ومن هذا يتبين أن خلاف القوم ليس بذي خطر بعد اتفاقهم على الإيمان بما وصف اللّه به نفسه، وعلى أنه ليس للّه صفات مغايرة له يطلق عليها أنها إله يخلق ويرزق، أو يتصور انفصالها عن الذات حتى يقال بقدمها أو حدوثها.

وقد بينا مرارا أن جميع المسلمين، بل جميع العقلاء متفقون على أن اللّه سبحانه وتعالى متصف بجميع صفات الكمال، منزه عن جميع صفات النقص، لكنهم مع اتفاقهم على ذلك اختلفوا في الكمال والنقص، فترى أحدهم يثبت للّه ما يظنه كمالا، وينفي الآخر عين ماأثبته هذا لظنه إياه نقصا. وفي ذلك يقول عز

ـ

١ - ص ١٠١، ١٠٢ من الجزء الأول من كتاب: لوائح الأنوار البهية للسفاريني طبع مجلة المنار سنة ١٣٢٣هـ، نقلا عن "بدائع الفوائد" لابن القيم.

الدين ابن عبد السلام في كتابه: "قواعد الأحكام" المعروف "بالقواعد الكبرى":

"اتفق المسلمون على أن اللّه موصوف بكل كمال، بريء من كل نقصان، لكنهم اختلفوا في بعض الأوصاف، فاعتقد بعضهم أنها كمال فأثبتها له، واعتقد آخرون أنهانقصان فنفوها عنه، ولذلك أمثلة:

أحدها: قول المعتزلة: إن الإنسان خالق لأفعاله، لأن اللّه لو خلقها ثم سبَّه عليها ولامه: لمَ فعلها، مع أنه لم يفعلها، وعذبه عليها مع أنه لم يوجدها، لكان ظالما له، والظلم نقصان، وكيف يصح أن يفعل شيئاً ثم يلوم غيره عليه، ويقوله له: كيف فعلته، ولم فعلته؟ وأهل السنة يقولون: إن اللّه خالق لأفعال الإنسان لأن الإنسان لو خلقها لما قدر الإله على خلقها، ونفي القدرة عيب ونقصان، وليس تعذيبُ الرب على ما خلقه بظلم بدليل تعذيبه للبهائم والمجانين والأطفال، لأنه يتصرف في ملكه كيف يشاء، والقول بالتحسين والتقبيح باطل، فرأوا أن يكون كماله في خلق أفعال العباد، ورأوا أن تعذيبهم على مالم يخلقوه جائز من أفعاله غير قبيح.

"ومن الأمثلة أيضا: إيجاب المعتزلي على اللّه سبحانه وتعالى أن يثيب الطائعين كيلا يظلمهم والظلم نقصان، وقول الأشعري: ليس ذلك بنقص إذ لا يجب عليه حق، ولو وجب عليه حق لغيره; لكان في قيده والتقيد بالأغيار نقصان.

ومنها قول المعتزلة بأن اللّه يريد الطاعات وإن لم تقع، لأن إرادتها كمال، ويكره المعاصي وإن وقعت لأن إرادتها نقصان، وقول الأشعري: لو أراد مالا يقع لكان ذلك نقصا في إرادته لكلالها عن النفوذ فيما تعلقت به ولو كره المعاصي مع وقوعها، لكان ذلك كلالا في كراهيته، وذلك نقصان…. الخ" [١].

ويقول عز الدين في موضع آخر:

"إن اللّه كلف الخاصة أن يعرفوه بالأزلية والأبدية، والتفرد بالإلهية، وأنه حي، عالم، قادر، مريد، سميع، بصير، متكلم، صادق في أخباره، وكلف العامة أن يعتقدوا ذلك لعسر وقوفهم على أدلة معرفته، فاجتزى منهم باعتقاد ذلك وأما كونه عالما

ـ

١ - ص ١٩٠ من الجزء نفسه.

بعلم، قادرا بقدرة، فإنه مما يلتبس، وقد اختلف الناس فيه لالتباسه، وكذلك القول في قدم كلامه، وفي أن ما وصف به نفسه من الوجه واليدين والعينين صفات معنوية قائمة بذاته أو هي متأوَّلة بما يرجع إلى الصفات فيعبَّر بالوجه عن الذات، وباليدين عن القدرة، وبالعينين عن العلم، وكذلك اختلف الناس: أله جهة أم لا جهة له، بما يطول النزاع فيه، ويعسر الوقوف على أدلته، وقد تردد أصحاب الأشعري رحمهم اللّه في القدم والبقاء: أهما من صفات السلب أم من صفات الذات، وقد كثرت مقالات الأشعري حتى جمعها ابن فورك في مجلدين، وكل ذلك مما لا يمكن تصويب للمجتهدين فيه، بل الحق مع واحد منهم والباقون مخطئون خطأ معفوا عنه، لمشقة الخروج منه، والانفكاك عنه" [١].

ويقول في موضع ثالث:

"وقد رجع الأشعري (رحمه الله) عند موته عن تكفير أهل القبلة، لأن الجهل بالصفات ليس جهلا بالموصوفات، وقد اختُلف في عبارات، والمشار إليه واحد، وقد مَثَّل ما ذكره (رحمه الله) بمن كتب إلى عبيده يأمره بأشياء، وينهاهم عن أشياء، فاختلفوا في صفاته مع اتفاقهم على أنه سيدهم، فقال بعضهم: هو أكحل العينين، وقال آخرون: هو أزرق العينين، وقال بعضهم: هو أدعج العينين، وقال بعضهم: هو رَبْعة، وقال آخرون: هو طُوال، وكذلك اختلفوا في لونه أبيض أو أسود أو أسمر أو أحمر، فلا يجوز أن يقال: إن اختلافهم في صفته اختلاف في كونه سيدهم المستحق طاعتهم، فكذلك لا يكون اختلاف المسلمين في صفات الإله اختلافا في كونه خالقهم وسيدهم المستحق لطاعتهم وعبادتهم، وكذلك اختلف قوم في صفات أبيهم مع اتفاقهم على أنه أصلهم الذي خلقوا منه، ولا يكون اختلافهم في أوصافه اختلافا في كونه منشأهم الذي نشأوا عنه، وخلقوا منه" [٢].

ويقول الإمام محمد عبده في "رسالة التوحيد": "…. وأما الفكر في ذات الخالق

ـ

١ - ص ١٩٢ من الجزء الأول من القواعد الكبرى.

٢ - ١٩١ من الجزء المذكور.

فهو طلب للاكتناه من جهة، وهو ممتنع على العقل البشري لما علمت من انقطاع النسبة بين الوجودين، ولاستحالة التركيب في ذاته، وتطاول إلى مالا تبلغه القوة البشرية من جهة أخرى، فهو عبث ومهلكة: عبث لأنه سعي إلى مالا يدرك، ومَهلكة لأنه يؤدي إلى الخبط في الاعتقاد، لأنه تحديد لما لايجوز تحديده، وحصر لما لا يصح حصره.

ولا ريب أن هذا الحديث وما أتينا عليه من البيان، كما يأتي في الذات من حيث هي; يأتي فيها مع صفاتها، فالنهي واستحالة الوصول الى الاكتناه شاملان لها، فيكفينا من العلم بها أن نعلم أنه متصف بها، وأما ما وراء ذلك فهو مما يستأثر هو بعلمه ولا يمكن لعقولنا أن تصل إليه، ولهذا لم يأت الكتاب العزيز وما سبقه من الكتب، الا بتوجيه النظر الى المصنوع ليُنفذ منه الى معرفة وجود الصانع وصفاته الكمالية، أما كيفية الاتصاف، فليس من شأننا أن نبحث فيها.

فالذي يوجبه علينا الإيمان هو أن نعلم أنه إله موجود لا يشبه الكائنات، أزلي أبدي حي عالم مريد قادر، متفرد في وجوب وجوده، وفي كمال صفاته، وفي صنع خلقه، وأنه متكلم سميع بصير، وما يتبع ذلك من الصفات التي جاء الشرع باطلاق أسمائها عليه.

أما كون الصفات زائدة على الذات. وكون الكلام صفة غير ما اشتمل عليه العلم من معاني الكتب السماوية، وكون السمع والبصر غير العلم بالمسموعات والمبصرات، ونحو ذلك من الشؤون التي اختلف فيها النظار، وتفرقت فيها المذاهب، فمما لا يجوز الخوض فيه، إذ لا يمكن لعقول البشر أن تصل إليه، والاستدلال على شيء منه بالألفاظ الواردة ضعف في العقل، وتغرير بالشرع، لأن استعمال اللغة لا ينحصر في الحقيقة، ولئن انحصر فيها، فوضع اللغة لا تراعى فيه الوجودات بكنهها الحقيقي - وإنما تلك مذاهب فلسفة إن لم يصل فيها أمثلهم فلم يهتد فيها فريق إلى مقنع. فما علينا إلا الوقوف عندما تبلغه عقولنا، وأن نسأل اللّه أن يغفر لمن آمن به

وبما جاء به رسله، ممن تقدمنا من الخائضين" [١].

ويقول المحقق الدواني في شرح العقائد العضدية:

"اعلم أن مسألة زيادة الصفات وعدم زيادتها ليست من الأصول التي يتعلق بها تكفير أحد الطرفين. ولا أرى بأسا في اعتقاد أحد طرفي النفي والإثبات في هذه المسألة".

وعلق عليه العلامة الأمير بقوله: "قلت: ولو اختير الوقف لكان أنسب وأسلم من افتراء الكذب على اللّه تعالى، وماذا على الشخص إذا لقى ربه جازما بأنه على كل شيء قدير، مقتصرا عليه، مفوضا علم ما وراء ذلك إليه؟ لكن اشتهر عند الناس كلام الجماعة على حد قول الشاعر:

وهل أنا إلا من غزية إن غوت *** غويت وإن ترشد غزية أرشد" [٢]

هذه خلاصة القول في أمر الصفات، وخلاف العلماء فيها، والأصل الذي يرجع إليه المختلفون، وليست مسألة انتفاء الظلم عنه تعالى بالتي تحتاج إلى مسلك غير هذا المسلك، فقد جاءت النصوص بذلك واضحة لا لبس فيها: (إن اللّه لا يظلم الناس شيئا) (إن اللّه لا يظلم مثقال ذرة) (ولا يظلم ربك أحدا) (وما اللّه يريد ظلما للعالمين) (ما ظلمناهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) (فما كان اللّه ليظلمهم) (ولا يظلمون فتيلا) (ولا يظلمون نقيرا).

فهذه الآيات الواضحات تنفي عن اللّه سبحانه وتعالى أن يريد الظلم أو يظلم أحدا من العالمين، ولكن أهل الجدل اختلفوا في مسائل شغلوا بها أنفسهم، ونبز بعضهم بعضا بلوازمها، فمنهم من قال بجواز تعذيب الطائع، وإثابة العاصي، ومنهم من قال بامتناع ذلك، والأولون يعللون قولهم بأن اللّه مالك الملك، وخالق الخلق، والعبيد لا يستحقون عنده شيئاً فلا يكون منعهم ظلما، والآخرون يقولون: إن إثابة المحسن

ـ

١ - ص ٥١، ٥٢ من رسالة التوحيد.

٢ - ص ٨٠ من حاشية الأمير على شرح عبد السلام على الجوهرة، وهو الكتاب الذي يدرس لطلاب القسم الثانوي بالأزهر.

وعقاب المسيء، أمر حسن في ذاته موافق للحكمة فهو واجب عليه تعالى، فيمنعون الخروج على ذلك فعلا، لأنه ظلم وقد نفى اللّه الظلم عن نفسه وإن أجازوه عقلا، لأن اللّه لا يتمدح بنفيه إلا إذا جاز عليه.

فالجميع متفقون على تنزيه اللّه تعالى عن الظلم، بعضهم عقلا وشرعا، وبعضهم شرعا وفعلا، وإنما اختلفوا في الظلم نفسه: هل هو التصرف في ملك الغير، أو هو مخالفة ما تقتضيه الحكمة ولو من المالك في ملكه، ولن يستطيع أحد أن ينكر أن تصرف اللّه تعالى في الخلق والناس بالايجاد والإعدام، والإسعاد والإشقاء، وغير ذلك تصرف في ملكه، لا يخالف في ذلك معتزلي أشعريا، ولا إمامي سنيا، كما لا يستطيع أحد أن ينكر أن جميع أفعال اللّه، صادرة عن حكم، مجانبة للهو والعبث، وإذن فالذي حمل على التقاذف والتهاتر، ليس هو اختلاف القوم فيما ينبغي للّه من صفات الكمال، ولكن رغبة النبز واللمز عن طريق الإلزام، ولذلك ينفر سمعي، وينبو ذوقي، إذا سمعت قائلا يقول: إن جماعة من المسلمين قائلون بصدور الظلم منه تعالى، فإن ذلك مبناه على التلاعب بالألفاظ في ميدان الحجاج والجدال للتشنيع على الخصوم، يفسر أحدهم الظلم بتفسير، ويحكم على فعل من الافعال بأنه ظلم، ويقول لصاحبه أنت تنسب هذا العمل للّه فأنت إذا تنسب إليه الظلم، ولو كان منصفا لعلم أن صاحبه لا يقول بذلك، وينظر إلى الفعل نفسه نظرة أخرى فلا يراه ظلما، وإنما يراه عدلا، ولذلك ينسبه إلى اللّه، ولو رآه ظلما كما رآه صا

حبه لما نسبه إلى اللّه، وحاشا أن يجرؤ مؤمن على نسبة الظلم إلى اللّه، تعالى اللّه عما يقول الظالمون علوا كبيرا.

وفي هذا المقام يقول الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده فيما نقله عنه الأستاذ الشيخ رشيد:

"وللعابثين بالكتاب وبعقائد الناس كلام في الآية - يريد قوله تعالى: (إن اللّه لا يظلم مثال ذرة) - أقاموه على أساس مذاهبهم، فمن ذلك قول المعتزلة: انه يجوز الظلم على اللّه تعالى عقلا، لأنه لو لم يكن جائزا لما تمدح بنفيه، ورد عليهم الآخرون بأنه تعالى نفي عنه نفسه السِّنَة والنوم، وأنتم متفقون معنا على استحالة ذلك عليه، فردوا عليهم بأن نفي الظلم كلام في أفعاله، ونفي النوم كلام في صفاته، وفرق

بينهما. وهذا كله من الجدل الباطل والهذيان، وإدخال الفلسفة في الدين بغير عقل ولا بيان. ومثله قول بعض المنتمين إلى السنة بجواز تخلف الوعيد ولا يعد ذلك ظلما، لأن الظلم لا يتصور منه تعالى، وبلغ بهم الجهل من تأييد هذا الرأي إلى تجويز الكذب على اللّه تعالى، وجعلوا هذا نصرا للسنة، والذي قذف بهؤلاء في هذه المهاوي هو الجدل والمراء لتأييد المذاهب التي تقلدوها، والتزام كل فريق تفنيدَ الآخر وإظهارَ خطئه لا طلب الحق أينما ظهر، ولهم مثل هذه الجهالات، الكثيرُ البعيدُ عن كتاب اللّه ودينه، كقول المعتزلة إن بعض الأشياء حسن لذاته وبعضها قبيح لذاته، ويجب على اللّه تعالى أن يفعل الأصلح من الأمرين الجائزين، وكقول بعض من لم يفهم مسألة أفعال العباد بما يدل على جواز العبث على اللّه تعالى، وكل هذا جهل. والذي يفهم من الآية أن هناك حقيقة ثابتة في نفسها وهي الظلم وأن هذا لا يقع من اللّه تعالى، لأنه من النقص الذي يتنزه عنه، وهو ذو الكمال المطلق والفضل العظيم" [١].

أما بعد: فإنا ما أطلنا الكلام في هذا الموضوع، ولا أثبتنا فيه ما أثبتنا من النصوص والنقول، لنؤيد رأيا على رأي، أو لننصر فريقاعلى فريق، وإنما فعلنا ذلك لنبين للناس أن هذه المسائل وأشباهها ليست من أصول الدين التي يحكم فيها بالكفر في جانب، والإيمان في جانب، وإنما هي معارف نظرية، ومسائل كلامية، ومن الخير للمسلمين - ولاسيما في هذا العصر الذي اشتغل الناس فيه بما ينفعهم من العلم والعمل في كل أمة - أن يتخففوا منها، بل يتخلوا عنها، ويوسعوا مداركهم وعقولهم عن الارتطام في خلافات بسببها، وليعلموا أن اللّه ليس بسائلهم يوم يعرضون عليه عن الجزء الذي لا يتجزأ، ولا عن الخلا والملا والجوهر والعرض، وهل يبقى العرض زمانين أولا يبقى، وهل القدرة مع الفعل أو قبله، وهل الصفات زائدة على الذات أو ليست زائدة، وهل الاسم عين المسمى أو غيره. فإن كان سائلا عن ذلك أحدا من خلقه، ومستخبرا إياه

ـ

١ - الجزء الخامس من تفسير المنار ص ١٠٥.

خبره، فليسعنا ما يسع أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وابن عباس وابن عوف وابن مسعود وغيرهم من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وخير لنا أن نحشر معهم بذلك جاهلين، من أن نحشر مع النظام أو الجاحظ أو القفال أو الرازي أو الأشعري أو النسفي أو غيرهم ولو كانوا أئمة في العلم والتقى، وسبحان من لا تدركه العقول، ولا تحيط به الأوهام والظنون.

رسالة أخرى من الشيخ الرشتي

كتب الينا حضرة صاحب الفضيلة العالم الجليل الحاج شيخ عبد الحسين رشتي معلقا على ما نشرناه في العددين الثالث والرابع من السنة الأولى يقول ماخلاصته: إنه قرأ ما كتبناه جوابا عن المسائل الثلاث التي كانت في طي سؤاله عن كيفية التقريب بين طوائف يكون الخلاف في أصولهم، فلم يجد فيه شيئاً عن بيان طريق الائتلاف والتقريب، وكان المهم بيانه، كما أن السؤال كان عنه.

ثم أتى بمقدمة لبيان أن الخلاف بين فرق المسلمين إنما هو خلاف في الأصول. ذكر فيها أمرين: الأول - أنا لو نظرنا إلى معنى الإسلام وحقيقته علمنا أنه إما عبارة عن الاقرار باللسان والعمل بالجوارح والحركات - إقرار وعمل - وإما عبارة عن التصديق بالقلب والإقرار باللسان والعمل بالأركان - علم وإقرار وعمل - كما يظهر من الأحاديث المروية عن النبي (صلى الله عليه وآله) في بيان معنى الإسلام والإيمان، وكل فرق الإسلام مشترك في هذا الأمر.

الثاني: أنا لو نظرنا إلى فرق الإسلام وطوائفه علمنا بوجود خلافات وآراء أساسية، بها تمتاز كل فرقة عن فرقة وطائفة عن طائفة، وهذا الخلاف متى وجد وكيف ظهر ليس هنا محل بيانه، والخلافات الموجودة بين المسلمين لا تخلو عن أحد ثلاثة.

الأول: في الأصول.

الثاني: في الفروع.

الثالث: الناشيء عن أقلام مستأجرة ونزعات قومية جاهلية، ومن بعض الكتبة

المباهتين لفرق الاسلام وطوائفه إيقاداً للفتنة وتفريقا بين المسلمين وابتغاء لعرض الدنيا، وربما كان من الأجانب الذين يهمهم أن تبتل عوامل الائتلاف وأسباب المودة يكتبون من تلقاء أنفسهم أشياء ثم ينسبونها إلى أصول طائفة أو فروع طائفة حتى تتكون بينهم العداوة والبغضاء ليسودوا عليهم في ديارهم وأوطانهم خذلهم اللّه.

ثم قال: وهذا الخلاف في الحقيقة يرجع إلى الخلاف في الاولين، ولا يمكن لأحد ولا جمعية إصلاحه لأسباب لا تخفى على البصير.

وأما الخلاف الذي في الفروع فلا ضرر منه ولا ضير، لأنه ناشيء عن طرق الاستنباط من الأدلة المقررة في أصول الفقه، وهو يكون بين أفراد كل طائفة من ذوي رأيها.

ويظهر من جماعة التقريب أنها لا تريد المساس بالفقه الاسلامي، ولا إدماج مذاهبه بعضها في بعض كما هو الحق، وليس لأحد القول به، بل لا يمكن ولن يمكن الذهاب إليه، لأن باب الفهم والاستنباط من الأدلة المقررة في محله مفتوح لكل مجتهد من كل فرقة وطائفة.

فبقى الخلاف في الأول - الخلاف في الأصول - وبه امتازت كل فرقة عن الأخرى، وكل طائفة عن أختها. وإن الخبر المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله): ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، يشير إلى الخلاف في الأصول.

فبان أن الخلاف والاختلاف الواقع بين المسلمين من جهة تفرقتهم في الأصول لا غير، فيجب على رجالات الإصلاح التفكر في الإصلاح بينهم من هذه الناحية.

ثم أعاد ذكر المسائل التي أجبنا عنها وعلق على ذلك بقوله:

هل في هذه الأسئلة نسبة أهل السنة بأجمعهم إلى القول بالتجسيم، أو القول بزيادة الصفات على الذات، أو القول بأن الظلم سائغ عنه، حتى يستدل فضيلته بأقوال بعض العلماء في نفيها [١] بل قلنا بالايجاب الجزئي بوجود القائلين لها، كما هو الواقع ولا يمكن لأحد إنكاره، والسلب الجزئي لا ينافي الإيجاب الجزئي.

ـ

١ - كان في وسعنا إثبات القائل به من كتب علماء العصر.

وهل فيها نسبة أحدى الفرق إلى الكفر، والزندقة أو الازراء بأحدى الفرق أو بأن الخلاف يترتب عليه الإيمان أو الكفر، سبحانك هذا بهتان عظيم.

هب أنا سلمنا كل ما كان في صوت التقريب من الجواب، وهل به يتم التقريب بين الطوائف التي يكون الخلاف في أصولهم؟ وهل الفوز بهذا الغرض الأسمى يحصل بسرد هذه الألفاظ الفصيحة والأقوال البليغة؟ وهل الائتلاف بين الفرق يحصل بأمثال هذه المقالات والخطب؟ كلا.

ثم قال: وأما إعجابه من عدنا هذه المسائل من الأصول فقد ظهر في الأمر الأول أن أمثال هذه المسائل تعد من الأصول، واستدل على ذلك بعبارة ساقها للعلامة التفتازاني في شرحه على متن العقائد النسفية جاء فيها: "إعلم أن الأحكام الشرعية منها ما يتعلق بكيفية العمل وتسمى فرعية وعملية، ومنها ما يتعلق بالاعتقاد وتسمى أصلية واعتقادية، والعلم المتعلق بالأولى يسمى علم الشرائع والأحكام، لما أنها لا تستفاد إلا من جهة الشرع، ولا يسبق الفهم عند إطلاق الأحكام إلا إليها، وبالثانية علم التوحيد والصفات لما أن ذلك أشهر مباحثه، وأشرف مقاصده"الخ.

جواب دار التقريب

نرجو أن يتنبه الأستاذ الجليل إلى ما يأتي:

١ - كلمة "الأصول" في كلامه وفي كلامنا، ليست بمعنى واحد، فنحن نريد بها قواعد الدين الأساسية التي يترتب عليها الكفر والإيمان، كما هو واضح مما كتبناه - ونحيله في ذلك على صوت التقريب في العددين الثالث والرابع تحت عنوان: "بيان لابد منه" و"في العراق" فإنه يظهر لنا أن الأستاذ لم يعن بقراءته كما ينبغي - أما فضيلته فيريد بها المباحث الكلامية أيا كانت سواء أكانت أساسية في الإيمان والكفر أم لا.

٢ - نحن لم نردّ على "الإيجاب الجزئي" بسلب جزئي، فقد قلنا: "إن المسألة الأولى، وهي كون اللّه تعالى ليس جسما ولا جسمانيا أمر متفق عليه بين جميع الطوائف الإسلامية الحاضرة" فان سلم الاستاذ هذا، لم تكن هذه المسألة من

الخلافات التي يعدها عقبة في سبيل التقريب، وإلا فليفصح عمن يعنيهم من طوائف المسلمين الحاضرة التي تدين بالتجسيم، أما في المسألتين الاخريين فقد وجهنا رأي كل فريق، وأخرجنا المسألة عن أن تكون من الاصول بالمعنى الذي أوضحناه مرارا.

٣ - أغراض التقريب ووسائل تحقيقها موضحة ببيان الجماعة وقانونها الاساسي وما نشرناه مرارا في هذا الشأن على صفحات هذه المجلة، ولا ينبغي أن يتهاون أحد بقيمة الكتابة والإقناع والدعوة، بين الوسائل التي تتوسل بها جماعة التقريب، فإن الامر أمر إقناع ومحاجة وبيان، لا أمر إخضاع بقوة أو نحوها، وإذا تربى في الأمة الإسلامية جيل مؤمن بما نقول، وبما نبدئ فيه ونعيد، كان القرب يومئذ - لا التقريب - حقيقة واقعة، وللأستاذ منا، بعد هذا، خالص التحية. تقاطرت على دار التقريب أسئلة من المملكة العربية السعودية من أهل العلم وغيرهم تطلب مزيدا من الايضاح عن مهمة الجماعة، وهل تتناول ادماج المذاهب الاسلامية بعضها في بعض؟

فأجابتهم الدار بنفس ما كتبته الى الملك عبد العزيز آل سعود وهذا نصه بعد الديباجة.

إن قانون جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية وبيانها يوضحان البواعث التي دعت الى تكوين هذه الجماعة، والآمال التي يرجى أن تتحقق على يديها للمسلمين جميعا إن شاء اللّه، ومع هذا نحب أن نبين في كتابنا هذا الى جلالتكم بعض الحقائق التي يفيد بيانها في تحديد غايتنا وأهدافنا.

ـ

١ - دعوة التقريب، تاريخ ووثائق، القاهرة، ١٤١٢هـ / ١٩٩١م، ص ٨٤ ومابعدها.

١ - إن "جماعة التقريب" لا تريد المساس بالفقه الاسلامي، ولا إدماج مذاهبه بعضها في بعض، بل هي على النقيض من ذلك، ترى في هذا الاختلاف الفقهي مفخرة للمسلمين، لانه دليل على خصوبة في التفكير، وسعة في الافق، واستيفاء وحسن تقدير للمصالح التي ما أنزل اللّه شريعته الا لكفالتها وصونها، وكل ما تبذله الجماعة من جهود في سبيل الفقه الاسلامي إنما هو في دائرة خدمته وتنميته وتسليط نوره الوهاج على شؤون الحياة الاسلامية كلها، وبحث المشكلات التي جدت وتجد ولم يتضح للناس حكم اللّه فيها.

٢ - ولن تمد الجماعة يدها الا لارباب المذاهب الاسلامية التي تعتقد العقائد الصحيحة التي يجب الايمان بها.

٣ - وهي ترى أن بعض المنتسبين الى المذاهب الاسلامية يجعلون لبعض المعارف والآراء التي لا صلة لها بالعقائد الصحيحة أهمية طاغية تدفعهم الى التخاصم والتقاطع والتنابز بالالقاب، ونسيان ماجمع اللّه عليه القلوب، وألف به بين المسلمين وترى أن أعداء الاسلام والطامعين في استعمار بلاده وإذلال أهله، يتخذون من هذه الخلافات أبوابا يلجون منها الى مقاصدهم الباغية، ويعملون كل مافي استطاعتهم على إذكاء نيرانها ليضربوا بعض المسلمين ببعض ثم يضربوهم جميعا.

٤ - وتؤمن إيمانا عميقا بأن من أهم الواجبات الدينية على كل ذي علم ورأي في شعوب المسلمين على اختلاف طوائفهم ومذاهبهم الاسلامية، العمل على تبصير المسلمين بدينهم، وقطع أسباب الخلاف والتفرقة بينهم ببيان ماهو عقيدة يجب الايمان بها، وماهو معارف لا يضر الخلاف فيها، وإن من بين هذه المعارف مايظن أنه من العقائد وهو ليس منها.

٥ - فالغرض من تأليف "جماعة التقريب" بين المذاهب الاسلامية هو: أن تكون مركزا إسلاميا لهذه الفكرة، تتركز فيه جهود جميع المقتنعين بها في أنحاء العالم شرقية وغربية، وتتجاوب لديه أصواتهم وأبحاثهم وآراؤهم في رفق وحسن تقبل، فيتهيأ لها جو من البحث العلمي الخالص على ضوء القواعد الاسلامية الصحيحة،

وحينئذ تنجلي أمام المسلمين أسباب الاختلاف فيما وراء العقائد الدينية والاحكام التشريعية فيعالجونها، ويصلون في المسائل والنظريات الخلافية نفسها الى الرأي الصحيح الذي يهدي اليه المنطق والدليل، فاذا بقي بعد ذلك مالم تجتمع عليه القلوب أو تقطع به البراهين، كان أمره بعد ذلك هينا لا ينبغي أن يفضي الى التقاطع والتناكر والتقاذف، وإنما هو الخلاف في الفقه والفروع يعذر العلماء فيه بعضهم بعضا ويتبادلون الاحترام والمودة والتعاون كما هو شأن المؤمنين. بعث السيد ابو الوفا رسالة يستفسر فيها عن بعض مواد فتوى الشيخ شلتوت، ثم طرح في الرسالة سؤالا آخر لايرتبط بالفتوى ولم يجب عليه الشيخ، ونحن نذكر ما يرتبط بالفتوى من أسئلة وجواب الشيخ عنها.

حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر مولانا الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر الشريف أطال اللّه بقاءه.

بعد إهداء السلام وأداء واجبات الاحترام أعرض لفضيلتكم بأن استلمت صورة فتوى صدرت بتوقيعكم في شأن جواز التعبد بمذهب الشيعة الإمامية، ذيل رسالة نشرها الأستاذ الشيخ محمد تقي القمي السكرتير العام لدار التقريب.

ففي أصل مسألة التقريب وعقيدتي بلزومها يناسب أن أتمثل بقول ابن الفارض (رحمه الله):

شربنا على ذكر الحبيب مدامة *** سكرنا بها من قبل أن يخلق الكرم

وقالوا شربت الإثم كلا وإنما *** شربت التي تركي لها عندي الإثم

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١٢، ص ٣٩٦ وما بعدها.

فإني تلقيت هذه الفكرة منذ نعومة أظفاري من الأسرة الشافعية التي نشأت فيها، وتربيت بتربيتها الإصلاحية، وبناء على تلك التربية صاهرت مع أسرة إمامية قائلة بلزوم رفع الاختلاف بين الفرق الإسلامية، ورزقنا اللّه من هذه المصاهرة عدة أولاد كلهم على سيرة الأبوين، نسير ونسعى في تلك الطريقة المثلى، والآن نؤمن ونعتقد كلنا بأن فكرة التقريب هي الطريقة الوحيدة لإيجاد الوحدة والوئام بين هذه الفرق المتبددة، لكنني واجهت في نصوص الفتوى، وما يحوم حولها نوع غموض ألجأني أن أسأل وأستقصي من سماحة أستاذنا الأكبر تبيين مواده، راجيا أن لا تحمل تلك الأسئلة على بعض تعريضات ذكرت في تعليقات بالطبعة الأخيرة من كتاب "العواصم من القواصم" في حق بعض المنتمين إلى الأزهر المختلفين إلى دار التقريب، بل أرجو أن تلقى كسؤال عامي مقلد من المفتي عن معنى ما أفتى به، وعن مسائل أخرى تحوم حول الفتوى استرشادا، وهاهي مواد الغموض إن تفضلتم بتبيينها فقد رفعتم الحرج عني ولكم الأجر.

١ - ما المقصود من عبارة: "أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحاً والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة" في المادة الأولى من الفتيا؟ هل من المذاهب المدونة في الكتب المروية عن الأئمة الأربعة المعروفة أم أعم منها؟ وفي الصورة الأخيرة ما المدار في صحة النقل وصلاحية رواة سائر المذاهب عندنا؟

٢ - هل المنظور من جملة "كسائر مذاهب السنة" في المادة الثانية من الفتوى أن تعد الطريقة الاثنى عشرية من طرق التسنن بناء على أن لفظ السائر مأخوذ من السؤر بمعنى الباقي واستعماله في معنى الجميع غير صحيح كما ذكره ابن الأثير وسائر أئمة اللغة؟ وهل إفتاء جواز التعبد بمذهب الإمامية يشمل مقلدي سائر المذاهب أم مخصوص بأتباع هذا المذهب أنفسهم، كما يستنبط من تفكيك تلك المادة من الأولى؟

وفي ختم المقال أكرر السلام، وأجدد الاحترام مترصدا صدور الجواب؟

العبد أبو الوفا المعتمدي الكريستاني

سلام اللّه عليكم ورحمته، وعلى جميع إخواننا في اللّه، وعلى كل من جاهد في سبيل اللّه بعلمه أو قلمه أو صالح سعيه.

أما بعد: فقد تلقيت كتاب السيد الأخ، واغتبطت أيما اغتباط بما تضمنه من روح المودة والثقة، والرغبة في معرفة الحق واتباعه، كما اغتبطت بما أبداه من معاضدة لفكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية، وأنها فكرة خالط الإيمان بها قلبه منذ نشأته، وسار على مقتضاها في مختلف ظروف حياته، إن هذا ليدل على سعة أفقك أيها الأخ الكريم ونور بصيرتك، فما كان اللّه ليأمر بالألفة ثم يرضى عن الفرقة، وما كان اللّه ليقرر في كتابه العزيز تلك الحقيقة الثابتة، حيث يقول: (إنما المؤمنون إخوة) ثم يرضى عن أولئك الذين يريدون أن يقطعوا ماأمر اللّه به أن يوصل، ويسعون بالفساد في الأرض، ويثيرون الشكوك والأوهام حول العاملين المخلصين في دائرة كتاب اللّه وسنة رسوله والسلف الصالح من المؤمنين.

ولقد رغبتم إلي في الإجابة عن بعض أسئلة بمناسبة فتواى التي أصدرتها بجواز التعبد بمذهب الإمامية، وها أنذا أحقق رغبتكم فأجيبكم - مستعيناً باللّه - عما سألتم:

السؤال الأول: ما المقصود من عبارة: "أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة" في المادة الأولى من الفتيا؟ هل هي المذاهب المدونة في الكتب المروية عن الأئمة الأربعة المعروفة، أم أعم منها؟ وفي الصورة الأخيرة: ما المدار في صحة النقل وصلاحية رواة سائر المذاهب عندنا؟

الجواب: [١] المراد من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة كل مذهب ينطبق عليه ذلك، وسياق الفتوى واضح في ذلك، حيث قلنا ردا على من ظن وجوب تقليد أحد المذاهب الأربعة المعروفة: "إن لكل مسلم الحق في أن يقلد بادئ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلا صحيحا والمدونة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلد مذهبا من هذه المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب

كان - ولا حرج عليه في شيء من ذلك" فلم نرد، ولا العبارة تفيد اقتصار هذا الحكم على المروي عن الأئمة الأربعة المعروفين.

[٢] وإنما قلنا: "المدونة أحكامها في كتبها الخاصة" لأننا كثيرا ما رأينا بعض الكتب المذهبية تنقل عن مذاهب المخالفين نقولا غير صحيحة، أو غير محررة بدقة، وذلك يرجع أحيانا إلى عدم معرفة الناقل بحقيقة المذهب وما عليه المعول فيه، وأحيانا إلى الرغبة في تشويه المذهب سياقا مع العصبية، لذلك كان الاحتياط واجبا عند إرادة معرفة مذهب ما، ولا شك أن كتبه الخاصة هي التي تحقق هذه الغاية.

[٣] والمدار في صحة النقل والثقة بالمدون في أي مذهب، هو بالنسبة للأقدمين ما جروا عليه من تحقيق النسبة والفحص عن الراوي وأسلوب التلقي، ونحو ذلك، أما بالنسبة إلينا - معاشر المحدثين من العلماء - فهو زيادة على ذلك تصفح الكتب المختلفة المؤلفة في عصور متفاوتة على نحو يوجب الجزم بعدم وقوع تصحيف أو تحريف أو كذب فيما تنقله هذه الكتب، ولنضرب لذلك مثلا من كتب السنة التي بين أيدينا الصحاح وغيرها، فنحن نقرأ المطبوع أو المنسوخ منها، وقد نجد في بعضه تحريفا أو سقطا أو زيادة، وسرعان ما يدرك أهل العلم والبحث ذلك بمراجعة النسخ وتحقيق النصوص، ثم يأتي بعد ذلك دور التمحيص وتحقيق الرواية وفي كل مذهب كتب مخطوطة ومطبوعة تأخذ مثل هذه السبيل في تحقيق طبعاتها ونسخها ونصوصها، ثم في تحقيق رواياتها وشأن رواتها.

من هذا كله توجد الثقة بالمذهب المنقول، وتصرف الحقيقة فيه.

السؤال الثاني: هل المنظور من جملة: "كسائر مذاهب السنة" في المادة الثانية من الفتوى أن تعد الطريقة الاثنى عشرية من طرق التسنن بناء على أن لفظ السائر مأخوذ من السؤر بمعنى الباقي واستعماله في معنى الجميع غير صحيح كما ذكره ابن الأثير، وسائر أئمة اللغة؟ وهل إفتاء جواز التعبد بمذهب الإمامية يشمل مقلدي سائر المذاهب أم مخصوص بأتباع هذا المذهب أنفسهم، كما يستنبط من تفكيك تلك المادة من المادة الأولى؟

الجواب: [١] أن كلمة "سائر" تستعمل في كلام العلماء تارة بمعنى "جميع" وتارة

بمعنى "باقي" وقد يكتسب اللفظ اللغوي معنى أوسع من معناه على نوع من التسامح في كتب الاصطلاح، والعبرة بالقرينة الموضحة للمراد. والكلام في الفتوى واضح في أن المراد التسوية بين مذهب الشيعة الإمامية الاثنى عشرية وجميع مذاهب أهل السنة المنقولة نقلا صحيحا.

٢ - على أن تقسيم المذاهب إلى "شيعة" و"سنة" إنما هو اصطلاح في التسمية، وإلا فكل المسلمين أهل السنة لأنهم جميعاً يوجبون الأخذ بالسنة، والشيعة كذلك من غير شك، إذ أن الشيعي لا يقول: قد يثبت حديث ما عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) وأرفض العمل به من حيث هو حديث ثابت عن رسول اللّه، ولكنه يقول كما يقول جميع المسلمين: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وإنما يقع الخلاف أحيانا في ثبوت الحديث عند فريق وعدم ثبوته عند فريق آخر، وتوضيحاً لذلك نذكر ما ذكره أخونا العلامة المرحوم الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الشيعي الإمامي العراقي في بعض ما كتب: إن عندنا قضية صغرى، وقضية كبرى، تؤلفان قياساً واحداً شكله هكذا: "هذا ثبت عن رسول اللّه، وكل ما ثبت عن رسول اللّه يجب العمل به شرعا، فالخلاف بين المسلمين ليس في الكبرى، بل كلهم مجمعون عليها إجماعاً لا يتطرق إليه شك، وإنما هو في الصغرى".

٣ - وواضح من الفتوى أيضا أن جواز التعبد بمذهب الإمامية يشمل مقلدي سائر المذاهب أن ينتقل إلى غيره - أي مذهب كان - ولا حرج عليه في شيء من ذلك" وقلنا في خاتمة الفتوى: "فما كان دين اللّه وما كانت شريعته بتابعة لمذهب أو مقصورة على مذهب، فالكل مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى، ويجوز لمن ليس أهلا للنظر والاجتهاد تقليدهم، والعمل بمايقررونه في فقههم….

والسلام عليكم ورحمة اللّه وبركاته

أخوكم

محمود شلتوت



[ Web design by Abadis ]