ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 صدى الدار في الصحافة \ من حديث فضيلة الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر

مع مندوب جريدة (اطلاعات) الإيرانية [١]

… قال مندوب الجريدة: قلت لفضيلته: ماهي رسالة الأزهر في عهده الحالي؟

قال: إن أهم نقطة في برنامجي هي محاربة العصبية المذهبية ودراسة العلوم الدينية في جو من الصفاء والأخوة والبحث عن الحقيقة وعما ينفع الناس، واتباع الدليل من أي أفق ظهر. إن المسلمين إذا وصلوا إلى تحقيق ذلك أصبحوا قوة متماسكة متفرغة لما يرفع شأنها، متخففة من أثقال الماضي التي حملتهم إياها العصبية، وجعلتهم يبدون أمام العالم كأنهم أتباع أديان مختلفة بينما هم أتباع دين واحد يؤمنون بـإله واحد، ورسول واحد، وكتاب واحد.

فقلت لفضيلته: إن الدراسة عادة تجر إلى الاختلاف الفكري وقد رأينا كثرة المجتهدين في تاريخ العلوم الإسلامية، وكثرة الآراء حتى في المذهب الواحد، فكيف يمكن إذن أن يجتمع المسلمون على مذهب واحد، أو فكرة واحدة؟ .

فأجاب فضيلته: إن الخلاف في الرأي ضرورة اجتماعية، وشأن طبيعي لا يمكن دفعه، ولكن، هناك فرق بين الاختلاف الذي تمليه العصبية المذهبية، والجمود على فكرة معينة ولو ظهر أنها على خلاف الدليل والمنطق، هناك فرق بين هذا وبين الاختلاف الذي تمليه الحجة والبرهان، فالأول خلاف مذموم، ومن مساوئه أنه يقطع بين المسلمين، ويغرس العداوة والبغضاء في قلوبهم، أما الخلاف الثاني فهو خلاف

ـ

١ - دعوة التقريب تاريخ ووثائق، وزارة الاوقاف المصرية، القاهرة، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م، ص ٢١٩ وما بعدها.

الإنصاف والبحث وراء الحقيقة مع احترام كل فريق لرأي مخالفيه، ماداموا جميعاً محترمين للأصل الجامع بينهم وهو مصادر الإسلام الأولى، وقواعده الأصلية.

وقد كان الأئمة الأولون يختلفون علمياً ومع ذلك يحترم بعضهم بعضاً، ويعذر بعضهم بعضا، ويتشاورون ويتبادلون الآراء، ويرحل بعضهم إلى بعض، ويأخذ بعضهم من بعض.

وإذن فنحن لا نريد ولا ندعو بين الناس على مذهب واحد لا نريد أن يندمج مذهب الشيعة في مذهب السنة، ولا مذهب السنة في مذهب الشيعة، ولكن نريد أن يصل المسلمون في مختلف طوائفهم إلى لون واضح من ألوان التعاون القائم على المحبة، وعلى ترك العصبية، والترفع عن التنابز بالألقاب، والبعد عن سوء الظن فإن هذا من شأنه أن يطلق العنان للتفكير في حرية وهدوء والتماس للحقيقة دون خوف أو اضطراب أو بلبلة، وألا يحول بين السني وانتفاعه برأي أخيه الشيعي، ولا بين الشيعي وانتفاعه برأي أخيه السني مادام الجميع يصدرون عن أصل واحد.

إن المسلمين أمة واحدة لهم أصول تجمعهم، ومبادئ قد اتفقوا عليها منذ أول يوم في تاريخ الإسلام، ولهم أهداف مشتركة في العالم، تدور حول الدعوة إلى اللّه والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي حول إصلاح العقيدة، والسلوك العملي للناس أفراداً كانوا أو شعوبا أو أمما، فعليهم ألا ينسوا ذلك، وألاّ يسمحوا لصغائر المسائل، والخلافات الفرعية بأن تفرقهم عنه، وتمزق شملهم دونه.

قلنا لفضيلته: حقاً إن الإسلام أمة واحدة، ولكن ماهي العوامل التي تحفظ لهم هذه الوحدة؟

فأجاب فضيلته: إن أولى هذه العوامل هو ماذكرته لك من ترك العصبية والتماس الحق في تعاون وإنصاف.

فهذا شرط أول، وسيجر تحقيقه إلى تحقيق الشروط الأخرى، مثل استقبال الثقافة الإسلامية على أساس ثقافة واحدة، والانتفاع بما هنا وهناك دون نظر إلى كونه من هنا أو من هناك، فالكتب تنشر، والرسال تتبادل، والجامعات والمعاهد العلمية تتعارف، وتتبادل الطلاب والأساتذة…. وهكذا. ومثل العمل على التشاور

والتزاور ودراسة المشكلات في جو أخوي، ومثل العمل على تقوية الارتباط العاطفي بين المسلمين في مختلف الشعوب تحقيقاً لما مثل به رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من أن المؤمنين في توادهم وتراحمهم كالجسد الواحد إذا اشتكى عضو منه تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى. إن هذه العاطفة هي أهم الوشائج والروابط في بناء صرح الوحدة الإسلامية.

قلت لفضيلته: يعرف المسلمون أنكم من أقطاب جماعة التقريب فكيف تكونت هذه الجماعة وما الذي قمتم به نحو فكرتها، وما هي خطوتكم المقبلة في هذا الشأن؟

فأجاب فضيلته: تكونت هذه الجماعة منذ أكثر من عشرة أعوام في مدينة القاهرة، وكان الذي دعا إليها وجاهد في سبيل تكوينها أخي سماحة الأستاذ العلامة الشيخ محمد تقي القمي العالم الشيعي الإيراني الجليل، وقد استقبلت هذه الدعوة عند توجيهها بروحين مختلفين: روح المعارضين لها، الذين ينفرون من كل إصلاح، ويخافون الإقدام على أية فكرة لم يألفوها، ويتشككون في النوايا والمقاصد بغير حق، وهؤلاء منبثون في كل طائفة إسلامية، فكان من هؤلاء المعارضين من يقول إن هذه الجماعة تريد أن تجعل من السنيين شيعة، وكان منهم من يقول أنها تريد أن تجعل من الشيعيين سنة، وهكذا…. والروح الآخر هو روح المؤمنين الواثقين بدينهم البصيرين بقواعده وأصوله، الذين لا ينظرون إلى ظواهر الأمور فحسب، ولكن يتعمقون ويتدبرون ويعرفون تاريخ الأمة الإسلامية في حالي تقدمها وتأخرها، وفي أوقات قوتهاوأوقات ضعفها، ويدركون السر في ذلك حق الإدراك - وهؤلاء هم الصفوة من أهل العلم المؤمنين المجاهدين الصابرين، ومنهم تألفت جماعة التقريب وكان لي شرف الإسهام في هذه الفكرة منذ أول يوم، وتلقيت دعوتها من المغفور له أستاذنا الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الأزهر الأسبق، وعرفت أن المغفور لهما الشي

خ المراغي والشيخ مصطفى عبد الرازق شيخي الأزهر الأسبقين أيضاً كانا ينظران إليها بكثير من الأمل والارتياح والترحيب وقد التزمت أن أخص مجلتها "رسالة الإسلام" ببحوثي في تفسير القرآن الكريم التي نحوت بها نحواً جديداً في

عرض السير القرآنية وبيان أهدافها ومناهجها ومالها من أساليب في الوصول إلى أغراضها، وقد كان لهذا التفسير وقع عند إخواننا في مختلف الشعوب والطوائف الإسلامية، وكنت أتلقى، كما كانت المجلة تتلقى كثيراً من الرسائل التي راق أصحابها منهج البحث في هذا التفسير وما يمتاز به من دراسة هدفها الحق، وأسلوبها الوضوح، وأساسها الإنصاف، وما زالت هذه الفصول تنشر في أعداد "رسالة الإسلام" وأرجو أن أواليها في المستقبل ما استطعت إلى ذلك سبيلا إن شاء اللّه تعالى.

ولقد كنت طول حياتي مولعاً بدراسة الفقه الإسلامي دراسة حرة أساسها الدليل والحجة، وأن استخرج من كنوزه وذخائره ما ينفع الناس في عصرنا هذا، وما يلفت أنظارهم إلى عظمته وإلى يسره، وإلى رحمة اللّه به.

وقد استطعت أنا وكثير من إخواني في التقريب وفي الأزهر وفي الفتوى وفي لجان الأحوال الشخصية، وغير ذلك أن نرجح أقوالا وآراء من غير مذهب السنة مع أننا سنيون، ومن ذلك ما أخذ به قانون الأحوال الشخصية المصري في شؤون الطلاق الثلاث والطلاق المعلق وغير ذلك فإن هذا مستمد من مذهب الشيعة الإمامية والعمل الآن قائم عليه دون سواه.

والآن أجد من واجبي أن أدخل في كلية الشريعة من كليات الجامع الأزهر ماكنت أتوق إليه طول حياتي من دراسة الفقه على نحو خالص من العصبية المذهبية، لا هدف إليه إلا الوصول إلى الحكم السليم في كل شأن من شؤون المسلمين، ولا سيما العملية منها، فقد آن لهذا الفقه الأكبر الدقيق العميق أن يلبس ثوبه الملائم له، وأن يعرض على الناس عرضاً مناسباً للعصر وأن يشعر كل مسلم بأنه حقاً فقه الحياة، وقوام المسلمين، وأنه يتقلب في مجال نظامه وتنسيقه وترتيبه مستمدا من ذلك الفقه القوى.

ويومئذ يقف الأزهر موقفه العظيم من المسلمين في مختلف طوائفهم وشعوبهم ومذاهبهم، موقف المنصف الذي يقول الحق، ويهدي إلى الحق ويبعث النور وهاجاً في العالمين كما ألف المسلمون منه في كثير من مراحل تاريخه العظيم.

وأخيراً سألنا فضيلة الأستاذ الأكبر: ماهو مستقبل الدين الإسلامي بعد هذا التقدم العلمي الذي بهر العالم؟

فأجاب فضيلته: إن الإسلام يثبت ويقوى دائماً كلما قوى العلم وازدهر، إن الإسلام هوالدين الذي وجه الناس إلى التفكير وإلى السير في الأرض وإلى معرفة خواص المخلوقات والانتفاع بما سخر اللّه فيها للإنسان، ذلك لأنه يعلم أن هذا هو السبيل الوحيد لمعرفة اللّه والإيمان بعظمة اللّه فكل من الدين الإسلامي والعلم يتبادلان المعونة والتأييد، فالدين الإسلامي يحث على العلم ويؤيده، والعلم يكشف من عظمة هذا الكون ما يؤيد عقيدة المؤمنين في عظمة خالقه وكمال مبدعه، وصدق اللّه العظيم إذ يقول: "ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد".

وما كثرة أوامر القرآن بحث الإنسان على النظر في ملكوت السموات والأرض، ودراسة السنن الكونية إلا لكونها وسيلة لمعرفة اللّه، وتثبيت الإيمان به في قلوب المؤمنين.

فالعلم وسيلة لحفظ الإيمان، وصيانته من الضعف والتزلزل، ولذلك أراني دائما فرحا بكل تقدم، وأنا على ثقة بأن العلم يخدم الإيمان ونصيحتي إلى إخواني وأبنائي المسلمين ألا يبهرهم البريق الظاهر دون النظر في الحقائق، وألا تلهيهم المادة عن الروح، فإن الإنسان مخلوق لابد له من كل منهما، ولا يصلح أمره إلا عليهما جميعاً.

وأسأل اللّه تعالى أن يهب المسلمين من لدنه رحمة ويهيء لهم من أمرهم رشدا، إنه سميع الدعاء، لطيف لما يشاء.

دعت مجلة "المصور" المصرية، الى التقريب بين المذاهب الاسلامية دعوة

ـ

١ - دعوة التقريب تاريخ ووثائق، وزارة الاوقاف المصرية، القاهرة، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م، ص ٢٢٧ وما بعدها.

حارة في ثلاثة أعداد منها بدأت بالعدد ٢١٠٠، اذ كتب الكاتب المعروف الأستاذ أحمد بهاء الدين أحد رئيسي تحريرها مقالا ضافيا عرض فيه لآثار تعدد المذاهب الاسلامية في مختلف بلاد المسلمين، وما يقع بين الطوائف من خلافات ومشكلات تؤدي الى التقاطع والتخاصم، والى الاشتغال بما لا جدوى فيه من المجادلات.

استعرض الكاتب تاريخ الخلاف بين المسلمين، وتحدث باختصار عن الشيعة والزيدية واختلافهما عن أهل السنة ثم قال:

وكالعادة في كل زمان ومكان، نجد أن كثيرا من المصالح "الدنيوية" طبقية أو اقطاعية أو عشائرية، تتحصن وراء هذه الخلافات وتعمل على تعميقها، لكي تبقى هذه المصالح لاصحابها، حتى أصبح هناك فريقان: جمهور هو الاغلبية، وهو أبناء هذه الطوائف الطيبون، وقلة يحترفون الاتجار بالطائفية ويحترفون استغلال المشاعر الطائفية، تحقيقا لمصالحهم الخاصة….

وبعد…. فانني لا أعرف بالضبط الى من أتوجه بالخطاب في هذا المقال.

هل أتوجه به الى نائب رئيس الوزراء ووزير الاوقاف المهندس احمد الشرباصي، أو الى الشيخ حسن مأمون شيخ الجامع الأزهر، أو الى الاستاذ أحمد حسن الباقوري مدير جامعة الازهر…. أو اليهم جميعا والى كل القادة الدينيين المستنيرين، في كل البلاد العربية، من شتى المذاهب الاسلامية؟

لابد من مجهود شجاع يبذل للتقريب بين المذاهب الاسلامية، تمهيدا لتوحيدها على المدى الطويل.

فالخلافات الاساسية بينها يمكن بالتأكيد حلها بالتفسير المستنير السليم للدين.

أما الخلافات الفرعية، فلم يعد مقبولا أن يختلف المسلمون حول أحكام مثل: "هل يسير المشيعون في الجنازة خلف جثمان الميت أم أمامه، وهل الوضوء بترتيب معين أم بغير ترتيب… وهل… وهل……

ومثل هذا الجهد يحتاج أولا أن تأتي أكثر من مبادرة من أكثر من جهة. ويحتاج ثانيا الى أن يتم بحثه في جو هادئ بعيد عن ضجة الدعاية واستغلال السياسة. ويحتاج ثالثا الى زمن وصبر طويلين.

تعليق على مقال المصور

وقد بعث الشيخ محمد محمد المدني رئيس تحرير مجلة رسالة الاسلام الى الاستاذ بهاء الدين اثر قراءته لهذا المقال برسالة جاء فيها:

… ولا شك أن الموضوع الذي طرقتموه موضوع خطير في حياة الأمة الاسلامية عامة، والشعوب العربية خاصة، فانه لم يعد هناك مجال لبقاء التناحر القائم على العصبيات المذهبية المنتسبة الى الدين في ظاهرها، والتي يبرأ الدين منها، وينهى اللّه ورسوله عنها، والتي هي في الحقيقة ميراث ثقيل ورثته الامة الاسلامية عن عهود اشتجرت فيها بعض الخلافات النظرية، والمعارف الكلامية، في قضايا ليست من أصول الدين، ولا مما هو ركن في إيمان المؤمنين.

وكان من آثار ذلك أن تخلفت الأمة الاسلامية عن الركب العالمي الحضاري وقد كانت من قبل في مقدمته، وأن تمكن أعداؤها والطامعون في خيراتها من مرافقها وأحكامها وسلطانها، وجعلوا يوجهونها في غفلة أهلها كما يشاءون، شعبا شعبا، وطائفة طائفة، مستعينين بهؤلاء على هؤلاء ضاربين بعضهم ببعض، مما حق عليهم سنة اللّه في المتفرقين المتنازعين، وهي المصير الى الضعف والذل والاستعمار والاستعباد.

والذي أريد أن أقوله لسيادتكم هو أن هناك جماعة من أهل العلم والفكر، ومن مختلف أبناء المذاهب الاسلامية قاموا بما يجب عليهم أن يقوموا به من تبصير الامة الاسلامية والعربية في مختلف الشعوب والطوائف، بعواقب هذا التفرق الخطير، ووجوب التخلص من مآسيه الصادرة عن العصبيات الجامحة، والعداوات الطائشة التي لا مبرر لها.

الفت هذه الجماعة منذ قرابة عشرين عاما في القاهرة باسم "جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية".

وجمعت صفوة من قادة العلم والدين، كان في مقدمتهم المغفور لهم: الاستاذ الأكبر الشيخ المراغي، والأستاذ الأكبر الشيخ مصطفى عبد الرازق، والأستاذ الأكبر الشيخ عبدالمجيد سليم، والأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت، وكلهم قد تولى

منصب مشيخة الأزهر، وكان معروفا بالعلم والتقوى والقيادة الفكرية، وهم في مقدمة من يمثلون مذاهب السنة الاربعة المعروفة.

كما كان في مقدمتهم المغفور لهم: الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الشيعي العراقي، والشيخ عبد الحسين شرف الدين الموسوي الشيعي اللبناني، وكلاهما عالم غزير العلم، إمام مقدم في وطنه، له جهاده وتوجيهه وأعماله العظيمة.

كما كان منهم السيد محمد حسين أقا بروجردي زعيم الشيعة الامامية بايران، وكان مركزه الديني في مدينة "قم" الشهيرة بعلمائها وتلاميذها كشهرة النجف في العراق، والازهر في مصر.

وكان أول من دعا الى هذه الفكرة، والى تأليف هذه الجماعة عالم من علماء الشيعة الامامية بايران - مازال قائما الى الآن في مصر يحمل لواءها - هو سماحة الاستاذ محمد تقي القمي، أطال اللّه حياته.

وقد اعتنق هذه الفكرة مئات الالوف في مختلف البلاد الاسلامية فانتسبوا الى جماعتها، واتصلوا بدارها في القاهرة، ومجلتها "رسالة الاسلام" التي تصدر بانتظام منذ خمسة عشر عاما، وتعالج دعوة التقريب على مستوى عال، وفي إنصاف وهدوء وبعد عن التحمس أو التعصب.

ولقد أسست هذه الجماعة مقرا لها بمدينة القاهرة يعرف بدار التقريب بين المذاهب الاسلامية وكانت هذه الدار هي المركز الرئيسي للجماعة، وبها مكتبتها التي تحوي كتب المذاهب الاسلامية، ويرجع اليها المشتغلون بالفقه الاسلامي الذي يمثلها، قارئين أو مستعيرين، وهي تمد الهيئات العلمية بكثير من كتبها.

وهي قائمة بطبع الكتب العلمية في مختلف المذاهب الاسلامية بنفسها وبمعونة وزارة الاوقاف، وقد كان لفضيلة الاستاذ الكبير الشيخ أحمد حسن الباقوري مدير جامعة الازهر، فضل كبير في إخراج كتاب من كتبها هو كتاب "المختصر النافع في فقه الشيعة الامامية" يوم كان وزيرا للاوقاف المصرية، وقد أدى هذا الكتاب خدمة كبرى لأهل العلم في مصر ومختلف بلاد العالم الاسلامي، وأصبح مرجعا للباحثين وأساتذة الجامعات وطلابها، كما قامت بطبع موسوعة كبرى من موسوعات تفسير

القرآن الكريم، وهي الكتاب المعروف بمجمع البيان لعلوم القرآن الذي ألفه إمام من أئمة الشيعة الجعفرية الامامية، هو الامام الطبرسي، ونهج فيه نهجا تحقيقيا محايدا، والذي أشار بطبعه هو فضيلة الاستاذ الاكبر الشيخ عبدالمجيد سليم شيخ الازهر يوم ذاك، والذي كتب مقدمته العلمية القوية، هو المغفور له شيخ الجامع الازهر السابق الشيخ محمود شلتوت.

الى غير ذلك من الكتب والرسائل والبحوث.

وتجمع (دار التقريب) بين سجلاتها ومحفوظاتها كثيرا من الرسائل العلمية التي دارت بين أقطابها من أئمة الشيعة والسنة مما أدى فعلا الى أن خفت حدة الخلاف بين المسلمين، وأصبح الشيعة في العراق، وايران، وسوريا، ولبنان، وغيرها يشعرون بأنهم أخوة في الاسلام والعلم لزملائهم من السنة، وكذلك كان الامر بالنسبة الى علماء الزيدية الذين لهم من يمثلهم في جماعة التقريب، ولجماعة التقريب في بلادهم وبين علمائهم مقام محمود.

وكان من أثر هذا التقارب أن الأزهر قرر دراسة المذهب الشيعي الامامي والزيدي في أكبر كلية من كلياته وهي كلية الشريعة، وأن قانون إصلاح الازهر الجديد أقره على ذلك، ومازالت كلية الشريعة تطبق مناهجه، كما أن جامعة ايران أدخلت دراسة فقه السنة في كلية المعقول والمنقول بها… وذلك استجابة لسعي جماعة التقريب….

ثم لخص الشيخ المدني (رحمه الله) منهج الجماعة.

ندوة حول مقال المصور

- وفي العدد التالي (٢١٠١) تابعت مجلة "المصور" دعوتها، فنشرت تحقيقا تحت عنوان "ندوة في الازهر حول التقريب بين المذاهب الاسلامية" جاء فيه:

في الدوائر الدينية والثقافية تناولت الاحاديث والتعليقات ما كتبه أحمد بهاء الدين في العدد الماضي من "المصور" حول توحيد المذاهب الاسلامية المختلفة… كانت الدوائر الأزهرية هي أكثر الدوائر جدلا ونقاشا وتعليقا، ولكن الاتفاق كان بالاجماع

حول الدور الذي يلعبه الاستعمار في إضرام الخلافات المذهبية لكي يجد أسبابا بعيدة الجذور للتفريق حتى يتسنى له أن يضرب الامة بعضها ببعض، ويؤلب فريقا من قادة هذه المذاهب ضد الفريق الآخر، وهؤلاء القادة يسيرون خلفه سواء عن جهل أو عن علم، والمستعمر وراء كل هذا ينتظر في زهو مجيء كل رجال المذاهب راكعين يشكون اليه جور بعضهم على بعض، فينتصر مرة لهذا وأخرى لذاك.

والأصول في الاسلام، لاتكاد تختلف عليها المذاهب الاسلامية، وهي: السنة، والشيعة الامامية، والشيعة الزيدية. والاثنا عشرية، فكلهم يؤمنون باللّه ربا، وبمحمد نبيا، وبالقرآن كتابا، وبالكعبة قبلة، وتبقى بعد ذلك بقية الفرق الاخرى، والمذاهب التي ذكرناها قد قامت بينها عدة محاولات للتقريب على فترات متباعدة، كان آخرها ما قامت به جماعة من علماء الدين أطلقت على نفسها اسم "جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية" وأتخذت لها مقرا في القاهرة منذ عشرين عاما، والجماعة تؤمن بالتقريب بين المذاهب، ولكنها تعتبر التوحيد شيئا محال التحقيق، وكان ولايزال هدفها الأول هو العمل على جمع كلمة أصحاب المذاهب الاسلامية الذين باعدت بينهم آراء لا تمس العقائد التي يجب الايمان بها، والسعي الى إزالة ما يكون من نزاع بين طائفتين من المسلمين والتوفيق بينهما وقد كان من بين المسهمين في هذه الجماعة أكثر من شيخ من شيوخ الأزهر السابقين، وعلى رأسهم المرحوم الشيخ عبد المجيد سليم.

ومن أجل هذا الهدف النبيل جلس السيد نائب رئيس الوزراء ووزير الاوقاف المهندس أحمد عبده الشرباصي، ومدير جامعة الازهر الشيخ أحمد حسن الباقوري. يناقشان ما جاء في مقال "المصور" وكان في نفس الجلسة.

السيد محمد توفيق عويضة سكرتير المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية.

الشيخ عبد اللّه المشد مدير إدارة الوعظ والارشاد بالأزهر.

الشيخ يوسف حسن عمر الاستاذ بكلية الدراسات العربية بالازهر.

الشيخ أحمد كامل الخضري المراقب العام للتعليم الاعدادي بالازهر.

السيد عبد المنعم رمضان الامين العام بجامعة الازهر.

السيد أحمد الشرقاوي مدير ادارة إحياء التراث والنشر ومدرس بجامعة الازهر.

المستشرق الانجليزي المسلم عبد الرشيد الانصاري.

السيد محيي الدين الالوائي "هندي" ومدرس اللغة الانجليزية في الازهر.

واعتذر الشيخ الباقوري عن القراءة لأن نظارة القراءة ليست معه، وعهد بالقراءة الى السيد أحمد الشرقاوي الذي بدأ يقرأ المقال [١]، وبدأت التعليقات:

المقال: وكثير جدا من مشاكل هذه الأقطار الشقيقة، ومن مشاكلها السياسية والاجتماعية بالذات، يرجع في جذوره الى خلافات دينية لم يعد لها مبرر، لا من دين ولا من مصلحة، خلافات بات مؤكدا أنها تعرقل مسيرة هذه الاقطار في اتجاه التمدن والرقي ونفض غبار التخلف.

المهندس احمد عبده الشرباصي: المؤلم أن الطبقة المثقفة في هذه الطوائف هي التي تؤكد هذا التباعد وتبالغ فيه لكي تكسب من ورائه مكاسب غالبا ما تكون مادية أو أدبية، وأي خطوة للتقارب سيضطر من يبدؤها الى التحدث مع المثقفين منهم، وهنا الكارثة.

الشيخ الباقوري: الواقع أن الاسلام لا يطلب التوحيد بين المذاهب، ولكنه يمقت أن يكون بين المذاهب خلاف يصل الى حد العداوة. وما دامت المذاهب قد وجدت نتيجة أمرين وهما نصوص محتملة وعقول مختلفة، اذن فالتوحيد غير محتمل الوقوع بالمرة. ولا شك أن بعض أصحاب المذاهب المختلفة قد خدموا الاسلام خدمات جليلة، كمولاي محمد علي مؤسس أحمدية لاهور.

الشيخ عبد اللّه المشد: الذي أبحث عنه وأريد أن أجد له سببا معقولا هو كثرة الكتابة في هذه الايام عن الاسلام في صحف الغرب بالذات؟

المهندس أحمد عبده الشرباصي: شيء طبيعي جدا أن تهتم الصحف الغربية بالاسلام بعد أن انحسر الاستعمار عن جزء كبير من أفريقيا، وقد قرأت في مجلة أفريقية لكاتب أجنبي يقول: إن عدد المسلمين في أفريقيا عام ١٩٣١ لايزيد على أربعين مليونا، وقد أصبح عام ١٩٦٤ - ١٤٤ مليونا، رغم أن الاستعمار كان في هذه السنوات يجثم بكل قواه على أفريقيا، فماذا يحدث الآن بعد أن انحسر الاستعمار عن

ـ

١ - لم ننقل مقال "المصور" مكتفين بما تُلي في هذه الجلسة (التحرير).

أجزاء كثيرة من أفريقيا؟

المقال: السنا نجد بابا الكنيسة الكاثوليكية يبدأ جهدا مستنيرا في التقريب بين الكنائس؟ ألسنا نرى الكنيسة الارثوذكسية توشك أن تعقد مؤتمرا لنفس الهدف التقدمي، هدف التوحيد بينهما.

أحمد الشرقاوي: شاهدت في الهند مؤتمرا ضخما عام ١٩٦٢، كانت مهمته التقريب بين أتباع جميع الكنائس، وقد امتلأت نيودلهي يومها بالقساوسة والرهبان من جميع أنحاء العالم لفترة طويلة، وقد ضاقت بهم فنادق العاصمة، وحبذا لو عقدنا في القاهرة مثل هذا المؤتمر مرة أو مرات حتى يكون التقريب على أسس واعية منهجية.

الشيخ الباقوري: الحقيقة أن فكرة التقريب بدأت في مصر، وعندما بدأت الصحف الغربية تكتب عن "جماعة التقريب" بين المذاهب الاسلامية… تحركت الكنائس لتتقارب في أوروبا، وذهب رئيس أساقفة "كانتبري" فزار الفاتيكان.

المهندس أحمد عبده الشرباصي: أنا أذكر بعض الهنود المسلمين من أبناء مذهب الاثني عشرية التقوا بي في اوغندا عام ١٩٥٤، وقالوا لي أنهم جاءوا الى مصر أياما، وطلبوا علماء من الازهر لكي يعلموهم الاسلام في أفريقيا، ولكن المسؤولين في ذلك العهد رفضوا، وقالوا لي بالحرف الواحد: اننا سنحاكم مصر أمام اللّه يوم القيامة لأنها الدولة الوحيدة التي تستطيع أن تعلمنا؟ ؟ وجاء معي نفر منهم الى مصر، وبحثت مع المسؤولين في الأزهر يومها عن عالمين يجيدان الانجليزية، وذهبا مع إخواننا الهنود الذين جاءوا من قلب أفريقيا، ولكن السلطات الاستعمارية وقتها منعتهما من الدخول فعادا.

الشيخ عبد اللّه المشد: الكثير من أبناء المذاهب المختلفة توقفت معلوماتهم عن الاسلام عند حد معين، وذلك يرجع الى كثير من الاسباب، في مقدمتها جهلهم اللغة العربية، وعدم وجود الوعاظ المرشدين لهم، واقتصار معلوماتهم على الحد الذي لقنوه من أهلهم فقط.

المقال: واذا كان مذهب الخوارج - بمدارسه المختلفة - قد نشأ في تربة الخلافة بين علي ومعاوية، فقد نشأ مذهب الشيعة - بمدارسه المختلفة -

ايضا…. من مقتل علي بن أبي طالب.

ومرة أخرى، وبغير دخول في التفاصيل نجد أن الذين "تشيعوا" لعلي ابن أبي طالب، وكانوا وقتها أغلبية المسلمين، والذين منهم تكوّن "الشيعة" قد اتخذوا هذا الموقف لأسباب سياسية في الدرجة الاولى.

الشيخ الباقوري: إن كثيرا من الخلافات المذهبية في الاسلام كانت في أساسها خلافات سياسية، ثم نسيت لأسباب وبقيت النتائج تتضاعف وتتجدد وتتلمس الاسباب لبقائها، ومن هنا كان لابد من تعميق هذه الخلافات بجعلها عقائدية، لأن الأسباب السياسية يمكن أن تصبح غير نافذة المفعول في إذكاء الخلاف بعد زوال أوانها، فمثلا الاختلاف الذي كان في الماضي حول شخصيات سياسية معينة في تاريخنا، يصبح شيئاً مضحكا، لو وجدت من يتضاربون من أجله الآن.

الشيخ يوسف عمر: لكن أئمة هذه المذاهب في محاولاتهم هذه أساءوا الى المذاهب الأخرى لكي يميزوا أنفسهم وبالغوا في هذه الاساءة.

الشيخ عبد اللّه المشد: لقد بالغوا الى حد الانحراف.

الشيخ الباقوري: لقد كانت مبالغتهم في التقليل من شأن المذاهب الأخرى بمثابة عملية دفاع عن النفس. كما أن التيارات السياسية والاستعمارية على مدى العصور كانت تلعب الدور الاول والاخير في احتضان هؤلاء الأئمة.

المقال: كلها أسباب ولدت لتواجه ظروفا بعينها، وهي ظروف تعددت وتشعبت واختلفت بحكم انتشار الاسلام في اقطار متباعدة، وبيئات شتى، وبحكم تغير الحياة وتجددها، وما تطرحه هذه الحياة من أسئلة جديدة كانت إجابات المسلمين عنها تختلف من موقف الى موقف، ومن قطر الى قطر.

الشيخ الباقوري: ولادة المذاهب التي تواجه الظروف يبدو أنها مستمرة. كما يقول الاخ بهاء، وستظل مستمرة. وقد شاهدت في بعض البلاد الاسلامية التي زرتها، والتي تحررت عقب الحرب الثانية، شاهدت بين شبابها من يقول:

"انني شيوعي لأنني مسلم" وذلك لأن المسيحية في نظرهم اقترنت بالاستعمار الذي كانوا يناهضونه، ومثل هذا الفهم الخطير لا يعلم أحد الى ماذا سيتحول بعد مائة سنة مثلا، مالم تحدث حملة تقارب وتفاهم وتبصير وتوعية.

الشيخ عبد اللّه المشد: ولكن على أكتاف من ستقوم هذه الدعوة؟ إن التقارب الذي كان والذي قام في الماضي حامت حوله بعض الاقاويل.

الشيخ الباقوري: إن كل فكرة إنسانية تجد الشخصيات التي تشجعها… ولكن مثل هذه الأعمال الجليلة لا تسلم أبدا من الاحتجاج عليها، وإذا كنا قد اختلفنا حول فكرة جليلة كهذه، فكيف نريد الا يختلف المسلمون يوم أن كانت دولتهم تحكم معظم أجزاء العالم في مسائل إسلامية أساسية وفرعية.

الشيخ كامل الخضري: لا جدال في أن الخلاف لا يستفيد منه دائما سوى المستعمر، واذن فلماذا تحرص الطوائف الاسلامية على خلافاتها العقائدية، وعبر مئات السنين لم يجدها هذا الخلاف نفعا؟

الشيخ الباقوري: اسمع الرد عن سؤالك - عندما حج المنصور قال لمالك ابن انس: قد عزمت أن آمر بكتبك هذه التي صنفتها فتنسخ، ثم أبعث في كل مصر من أمصار المسلمين منها نسخة، وآمرهم بأن يعملوا بما فيها ولا يتعدوه الى غيره، فقال: يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فان الناس قد سبقت اليهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق اليهم، واتوا به من اختلاف الناس، فدع الناس وما اختار أهل كل بلد منهم لأنفسهم"، فهذا الامام مالك يرفض أن يفرض مذهبه على الناس بالقوة، لأنه أدرك أن كتابه الذي جمعه ليس هو كل شيء في الشريعة، فلغيره نظرة كنظرته، وبحث كبحثه، وجمع كجمعه، وقد يكون عند غيره من العلم مالم يضع يده عليه.

الشيخ يوسف: إذن فكيف السبيل الى التقارب، وهذه الخلافات موجودة وقائمة لاسبيل الى نكرانها؟

الشيخ الباقوري: في رأيي أن التقارب الواجب هو أن يتفهم كل فريق مذهب الآخر، وهذا ما حدث من الرسول لاصحابه عندما قال لهم: "من كان يؤمن باللّه ورسوله واليوم الاخر فلا يصلين العصر الا في بني قريظة" فانطلقوا، فلما ادركهم العصر في الطريق صلى بعضهم، وأصر البعض الآخر على ألا يصلوا إلا في بني قريظة، واختلفوا، فلما عادوا الى الرسول (صلى الله عليه وسلم) واحتكموا اليه قال لكل فريق منهما: أصبت. هذا هو التقريب الذي نرجوه.



[ Web design by Abadis ]