ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 نشاطات عالمية

تبادلت "جماعة التقريب" مع علماء تركيا ومفكريهم رسالات هامة تتضمن أفكارا عن بعض المسائل الاسلامية، وفي مقدمتها مسألة التقريب، واهتمت بذلك الصحافة التركية بدورها، وقد كتب الينا حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الجليل الشيخ حمدي الاعظمي عميد كلية الشريعة ببغداد بعد رجوعه من رحلة الى تركيا كتابا جاء فيه:

"انتهزت فرصة وجودي في الاستانة، فأخبرت الاصدقاء هناك، وجلهم من أرباب الفكر وأهل الرأي، وفيهم العالم والمؤرخ والصحافي بما أقدمتم عليه، وسعيتم من أجله، فاستبشروا كثيرا بخير إنشاء دار التقريب وأظهروا ترحيبا كبيرا بالفكرة ودعوا لها، حتى أن الاستاذ أشرف أديب، وهو صاحب مجلة (ترك اسلام انسكلوبيدياسي) ومحرر جريدة (سبيل الرشاد) وهو من أفاضل رجال وأساطين النهضة الدينية هناك رجا أن أكتب في مجلته بحثا عن دار التقريب فنشرت مقالا مفصلا كان له على قصر في الباع، وعجز في الراع دوي استحسان كبير، واعجاب وتقدير لما تهدف اليه الدار المؤسسة على التقوى والخير والاتحاد إن شاء اللّه تعالى".

وقد اتصلت "دار التقريب" بأحد مراسليها في تركيا طالبة منه موافاتها بأصل المقال المشار اليه. ويسرنا أن نوافي القراء بهذا المقال تقديرا لكاتبه وللمجلة التي

ـ

١ - دعوة التقريب، تاريخ ووثاثق، وزارة الاوقاف المصرية، القاهرة، ١٤١٢هـ - ١٩٩١م، ص ٨٦ وما بعدها.

نشرته والبيئة التي اهتمت به:

"إذا كان هناك اختلاف في الفروع والمعاملات، وأحيانا في بعض المسائل الاصولية بين أصحاب رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أو التابعين، ، فما كانت أبدا هذه الخلافات بالتي توجب الخصومة والقطيعة بينهم، بل إنهم كانوا يراجعون كتاب اللّه والاحاديث النبوية، ويحكمونها فيما بينهم، ونرى خلافاتهم في أكثر الاحيان ترمي الى التيسير في الأحكام الشرعية.

وبعد توسع الفتح الاسلامي رأينا أعداء الاسلام يتدخلون فيما بين المسلمين ليحرضوا كل طائفة على غيرها ويستفيدوا من الاختلافات الفكرية بين المسلمين ويبذروا بذور النفاق والخصومة.

وبهذا ساقوا المسلمين الى الضلال، وجعلوهم فيما بينهم الد الخصوم، ومن جهة أخرى تدخلت بعض الاغراض السياسية وسارت على قاعدة (فرق تسد) والتفرقة بين المذاهب والفرق الاسلامية فأوجدت هوة كبيرة وسببت النفور والقطيعة، واشتدت المجادلات والمحاورات، ولم تقف عند حد علمي أو إقناعي بل تعدت ذلك الى الشتم والسب والتقاذف بالتهم، حتى انتهى الامر الى الاشتباك بالسيوف، وعلى أثر ذلك ضعف المسلمون، ومع أن معبودهم واحد وكتابهم واحد ورسولهم واحد وقبلتهم واحدة، تفرقوا وذهبت ريحهم، وكسرت شوكتهم، وضاعت قدرتهم، وبدل أن يدخلوا العالم تحت لواء التوحيد والهداية الاسلامية رجعوا القهقرى وخسروا نفوذهم وسلطانهم.

هذا الوضع المؤلم المفجع دفع بعض علماء المسلمين ومفكريهم الى التفكير في القضاء على هذه التفرقة، والتثبت بالعمل لعلاج هذه الحالة لكنهم وجدوا أن الخصوم جعلوا هذه الحفر بالفرقة بين المذاهب عميقة الى حد لا يسهل معه التغلب عليها، والوصل بين المسلمين.

ومنذ خمسة وثلاثين عاما فكر بعض علماء أهل السنة ومجتهدي الشيعة في العراق في الاتحاد والاتفاق للقضاء على الاختلافات، وتوسلوا الى ذلك بالمواعظ والنشرات ولكن ذلك للاسف صادف وقت الحرب العالمية الاولى وفيها استشهد

بعضهم ما جر الى تعطيل العمل، أما في هذه المرة فقد تكونت في مصر جماعة من كبار علماء المذاهب السنة ومفكريهم ليقضوا على الخصومات والفرقة ونظروا الى ذلك الامر نظرة جدية على أساس قويم يبشر بنتائج عظيمة.

حين كنت بالعراق وصلني من العالم الكبير والمفكر الاسلامي العظيم حضرة صاحب الفضيلة الاستاذ الشيخ عبد المجيد سليم كتاب ينبئ أن هذه الجماعة ألفت في مصر وأذاعت على العالم الاسلامي بيانا ووزعت على المسلمين قانونها الاساسي ومن واجب كل مسلم أن يعضد هذه الجماعة ويؤيدها لتصل الى مقاصدها السامية.

وبعد أن ذكر الاستاذ أسماء أعضاء الجماعة ومذاهبهم الدينية التي تشمل الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة والامامية والزيدية، ذكر أن أهل العراق بصدد تكوين فرع لهذه الجماعة هناك وأن النشاط والهمة في ذلك مبذولان، ثم ختم مقاله بقوله:

"نرجو أن يتقبل العالم الاسلامي في كل الممالك أفكار هذه الجماعة تقبلا حسنا، وألا يدّخروا وسعا في نصرتها. إن السعي والعمل علينا والتوفيق والنصر من عند اللّه تعالى".

بين "الباكستان" و"جماعة التقريب" صلة وثيقة، فقد تقاربا حتى في الوجود والنشاة، فبينما كانت دولة الباكستان على أهبة الظهور في المحيط الدولي، كانت "جماعة التقريب" تتكون ثم تظهر في المحيط الاسلامي، وقد اشترك أهل الفكر والرأي في الهند قبل التقسيم في مشاورات التقريب عن طريق المراسلة، بل اشترك فيها بعض حضرات علمائها بحضور الجلسات الاولى، حين كان قانونها الأساسي يدرس، وبيانها الاول الى العالم الاسلامي يوضع، ولم تزل هذه الصلاة الوثيقة

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١، ص ٢٠٦ وما بعدها.

تزداد قوة وتأكدا بعد نشأة "الباكستان" تحت قيادة زعيمها الاول المرحوم السيد محمد علي جناح وتتبادل الرسائل والمشاورات بين التقريب وكبار أهلها، وعلى رأسهم الزعيم المبرور، حتى كانت الجلسة العامة التي عقدت بدار التقريب في الثامن والعشرين من شهر المحرم سنة ١٣٦٨هـ، وحضرها - بصفة خاصة رجال السفارة الباكستانية - فتقرر في هذه الجلسة تفويض حضرة صاحب السعادة محمد علي علوبه باشا رئيس الجماعة بمناسبة سفره الى الباكستان في عمل كل مايراه لصالح الجماعة وتوثيق الصلات بينها وبين أهل باكستان ولاسيما إنشاء فرع للجماعة هناك، وقد كان هذا القرار بالاجماع، واقترن بترحيب كبير من الاعضاء، ثم ورد الى الجماعة بعد ذلك كتاب من الباكستان بتوقيع حضرة السيد المحترم الاستاذ عبد المنعم العدوي يبشر فيه "بأنه قد تأسس فرع للجماعة في الباكستان، وانضم الى عضويتها كثير من الوجهاء والكبراء وأنهم ينتظرون بفارغ الصبر وصول حضرة صاحب السعادة محمد علي علوبه باشا رئيس الجماعة ليعرضوا على سعادته نتيجة ماتم في ذلك، ويستنيروا بآرائه القيمة في استكمال الامر على خير وجه".

ويسر "رسالة الاسلام" أن تنقل اليهم في أول أعدادها تحيات الجماعة وتهنئاتها وأن تحيي على وجه أخص سعادة الرئيس وهو بين ظهرانيهم، والله معكم ولن يَترَكُم أعمالكم.

كان يزور مصر أخيرا حضرة صاحب المعالي السيد فضل الرحمن وزير

المعارف في شقيقتنا الباكستان، وتمت بينه و وبين حضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم شيخ الجامع الأزهر زيارة في إدارة المعاهد الدينية، تبادلا فيها حديثاً طويلا عن أحوال المسلمين في مختلف نواحي العالم، وما

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٣، ص ٩٩ وما بعدها.

يجب من اتصال علمائهم ومفكريهم بعضهم ببعض، لتبادل الأفكار الصالحة، والثقافات النافعة، وطلب معالي الوزير من فضيلته أن يأمر بـإيجاد رابطة علمية بين كبار العلماء في الأزهر وكبار العلماء في الباكستان، فأجابه فضيلته مرحباً بذلك، وقال له: إنني أقبل هذه الفكرة بصفتين:

أحدهما بأني شيخ الجامع الأزهر الذي يعمل في مقدمة ما يعمل على ربط المسلمين في مختلف بلادهم برباط وثيق من التعاون والتآلف، فيتلقى أبناءهم، ويسهل لهم المقام في ربوع مصر، ويعلمهم دينهم وكتابهم ويزكيهم ليعودوا إلى بلادهم وأهليهم مثلا صالحة لعلوم الإسلام، وأخلاق الإسلام، وليكونوا رسل محبة وتآلف بين مصر وشعوبهم.

والأخرى بأني وكيل جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية التي تبذل أقصى همتها في جمع كلمة المسلمين، ونبذ ما بينهم من خلافات عوقتهم وفرَّقت بين شعوبهم وعطلت مواهبهم، ومكنت لخصومهم من رقابهم.

وسأرسل إلى حكومة الباكستان بالصفة الأولى مجموعة من القوانين والمطبوعات التي أصدرها الأزهر، لعل شقيقتنا الباكستان تفيد منها. وتتعرف اتجاهنا التفكيري، وتعمل على التعاون معنا في النهوض بالأمة الإسلامية من الناحية العلمية والتعليمية، فإن ذلك من التعاون على البر والتقوى الذي أمر اللّه به عباده المؤمنين، كما أنني سأرسل إلى حكومتكم أيضاً بالصفة الثانية مجموعة من مجلة "رسالة الاسلام" التي تصدرها جماعة التقريب، لتروا بنفسكم جهود هذه الجماعة، وتلمسوا عنايتها الفائقة ببث روح المعرفة الصحيحة والسماحة الإسلامية الخالصة بين قرائها من مختلف شعوب العالم الإسلامي وغيره.

وهنا كلف فضيلته مدير مكتبه الأستاذ الشيخ محمد محمد المدني - الذي هو في نفس الوقت - السكرتير العام المساعد لجماعة التقريب، ورئيس تحرير مجلتها "رسالة الاسلام" بأن يبادر بـإرسال المجموعتين إلى الحكومة الباكستانية.

وقد أعرب معالي الوزير الزائر عن شكره العظيم لفضيلة الأستاذ الأكبر، واغتباطه بهذا الروح الإسلامي العالمي، وبهذه السماحة التي سيفيد منها الإسلام والمسلمون أعظم الفائدة إن شاء اللّه.

كتب إلينا حضرة الفاضل الأستاذ محمد أحمد الجعار المدرس بكلية فاروق الأول الشرعية ببيروت يقول:

كنت حدثت فضيلتكم في تكوين لجنة فرعية لجماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية في سوريا ولبنان، وذكرت لكم أنني اتصلت بكثير من أفاضل علماء الشيعة وذوي الرأي فيهم، فرأيت منهم تحمساً لهذه الفكرة، وقد ضمنت كل ذلك تقريراً رفعته إلى مشيخة الأزهر، واقترحت فيه تكوين لجنتين: إحداهما في العراق، والأخرى في سوريا ولبنان، تتكون كل منهما من حضرات الأساتذة مبعوثي الأزهر وعلماء السنة في هذه البلاد، ومن علماء الشيعة وأعيانهم.

أما والحاجة ماسة في هذه البلاد - التي فيها هذه المذاهب المختلفة فعلا - إلى هذا التقريب، والأفكار مهيأة لقبوله، فإننا سنخطو الخطوات العملية في تكوين هذه اللجنة في سوريا ولبنان.

ولكي تكون أعمالنا متسقة مع أعمال الجماعة في القاهرة، تكون لجنتنا تابعة لها وفرعاً من فروعها، نرجو أن تتخذوا ما ترونه من السبل المحققة لذلك، وأن تتفضلوا بـإرسال قانون الجماعة ونشراتها، وما ترون أنه مفيد لنا في هذا الشأن.

وإننا نسأل اللّه جل وعلا، أن يهيء للمسلمين من أمرهم رشدا، وأن يوفقنا وإياكم إلى خدمة ملتنا الحنيفية السمحة، خدمة تكتب في أعمالنا، وترجح بها يوم القيامة صفحات برنا، إنه سميع مجيب.

اهتمت "دار التقريب" في هذا العام بتقوية القسم اليمني الزيدي فيها، لتوفر للباحثين في فقه الزيدية وسائر علومهم، ما يحتاجون إليه من مراجع تفيدهم،

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٣، ص ١٠٧.

٢ - رسالة الاسلام، المجلد ٦، ص ٤٣٧.

وتقرب إليهم غاياتهم، فإن في المذهب الزيدي علماً عظيما، وفقها جيدا، ومن حق المسلمين أن يتيسر لهم سبل دراسته، والإفادة منه.

وقد كان من حسن المصادفة أن زارها في هذا الشهر حضرة صاحب السمو الأمير البدر ولي عهد المملكة المتوكلية اليمنية، ولمس هذا الاتجاه، وأبدى سروره العظيم به، مما نرجو أن يكون له إن شاء اللّه أثر طيب، ومما يذكر أن اليمن ممثلة في جماعة التقريب منذ تأسيسها.

أ - اتصلت المؤسسة العلمية العالمية "اليونسكو" التابعة لهيئة الأمم المتحدة بدار التقريب سائلة: هل يمكنها أن يعتمد على معاونة الدار في مدها بما تحتاج إليه من المعلومات المتصلة بالطوائف الاسلامية في الشرق والغرب، سواء أكانت معلومات إحصائية أو فكرية مذهبية.

وقد أجابت "دار التقريب" بأنها ترحب بكل طلب للمعاونة في هذا الشأن تتقدم به أية هيئة، واثقة بأنها تؤدي بذلك طرفا من واجبها العلمي والإسلامي، وتعمل على تجلية الحقائق في كل محيط ما وسعها العمل، كمركز إسلامي عالمي توافرت له أسباب العلم بأحوال الطوائف المتعددة في مختلف الشعوب الاسلامية.

ب - كما اتصلت بعض الجامعات العلمية خارج مصر بالدار في طلب معلومات في مسائل معينة مما تهتم به "جماعة التقريب" ويكون لها رأي موضوعي فيه.

ولاشك أن "دار التقريب" إذ تتجه إليها الهيئات العلمية على هذا النحو، تشعر شعوراً كاملا بما ينبغي أن تحمله من الأعباء في سبيل الثقافة الإسلامية وكل ما يعرف بالمسلمين، وأنها ستقابل هذه الأعباء التي تطرد زيادتها حينا بعد حين بالترحيب وتمام الاستعداد. وبالله التوفيق.

ـ

١ - رسالة الاسلام، المجلد ٦، ص ٤٣٧. في الحادي والعشرين من شهر صفر سنة ١٣٧١هـ، استقبل حضرة صاحب الدولة الدكتور محمد مصدق رئيس حكومة إيران الذي كان يزور القاهرة حضرة صاحب السعادة محمد علي علوبة باشا رئيس جماعة التقريب، وحضرة صاحب الفضيلة الأستاذ الأكبر الشيخ عبد المجيد سليم نائب رئيس الجماعة المذكورة، ودار بين ثلاثتهم حديث ودي كان يقوم بالترجمة بينهم في أثنائه حضرة الأستاذ كاظم آزرمي. وقد بدأ سعادة الرئيس فشرح لدولته أغراض جماعة التقريب، وما ترجوه من سعيها المتواصل لجمع كلمة المسلمين في سائر شعوبهم وتوجيههم وجهة عملية مثمرة للقضاء على أسباب ضعفهم وتخلفهم، وخوض الميدان العالمي في حاضرهم ومستقبلهم بأسلحة من التضامن والتآلف، ونسيان الأحقاد التاريخية التي قطعتهم في الأرض أمما، وأطمعت فيهم أعداءهم، ثم تحدث فضيلة الأستاذ الأكبر فذكر أن الاسلام هو دين الوحدة والتآلف كما هو دين التوحيد، وأنه ليس بين أصوله التي تعد شرطا في صحة الإيمان به ماهو موضع خلاف بين أهله، وأن الخلاف إنما هو في دائرة الفروع، وهو موجود بين أرباب المذهب الواحد كما هو موجود بين أرباب المذاهب المختلفة، ولهذا لايعرف المنصفون من المسلمين أسباباً تصلح ل

لتفريق بين أهل هذا الدين الواحد، وأن يناصب بعضهم بعضا العداء، ونحن على ثقة من أنه كلما تعمق النظر في المسائل الخلافية تبين أن الخلاف فيها ليس جوهريا، أو أنه على الأقل لا ينبغي أن يكون مثار ضجة تفضي إلى التقاطع والتنابز.

وقد رحب دولة الدكتور مصدق بفكرة التقريب، وحياها في شخصي رئيسها ووكيلها متمنياً لها النجاح والتوفيق، وذكر لهما أن الشعب الإيراني خاصته وعامته مهتم بهذه الفكرة، متتبع لكل ما ينشر في مجلتها "رسالة الإسلام" من بحوث إسلامية جيدة يقوم بتحريرها كبار العلماء والمفكرين من مختلف المذاهب الاسلامية، وأثنى على فضيلة سكرتيرها العام الأستاذ الشيخ القمي - وكان

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٤، ص ١٠٨ - ١٠٩.

سماحته يومئذ بـإيران - وقال إنه يعرفه رجلا مجاهدا مخلصاً للّه يمثل الشيعة الإمامية خير تمثيل، ويقوم بدور الاتصال بين علمائها وعلماء أهل السنة على أحسن وجه.

ثم قال دولته: إن الأمة الاسلامية في حاجة إلى من يبصرها بدينا وعقائدها على وجه صحيح، ويبعث فيها الشعور بالعزة، وينتزع منها أوهام الماضي، وما ألقى فيها أعداؤها من بذور الفتنة والجهل، وإذا كان المخلصون قد استبشروا خيراً بالنهضة التي نهضتها الأمة الاسلامية في تحطيم أغلال الاستعمار، فإن لهم أن يستبشروا أيضا بهذه النهضة العلمية الدينية التي ينهض بها علماؤهم لتحطيم أغلال الجهل وأسباب الفتنة والقطيعة لنعود كما كنا أمة واحدة متفاهمة متعاونة، فتكون لنا العزة الصادقة بالعلم والقوة والدين. علمنا أنه قد تمت مقابلة هامة بين حضرة صاحب الجلالة الملك سعود ابن عبد العزيز ملك المملكة العربية السعودية، وقطب كبير من أقطاب التقريب، وقد تمت هذه المقابلة الهامة في طهران، حيث كان جلالته يزور إيران، وكانت الشخصية الكبيرة هناك.

ولاشك أنه يسر المسلمين جميعا أن يعلموا أن هذه المقابلة الخاصة كانت خطوة موفقة نحو التقريب، ففيها شرحت فكرته وأهدافه، والأسس التي يمكن بها توطيد دعائم الأخوة الإسلامية بجعل كل مسلم يحترم رأي أخيه في إنصاف وسماحة. وكان اهتمام جلالته بفكرة التقريب حديث الصحف في ذاك الحين.

ـ

١ - زيارة الملك سعود الى ايران جاءت لانهاء الخلاف الذي حدث بين البلدين بعد إعدام السيد ابو طالب اليزدي والشخصية التي يشير اليها الخبر، هو الشيخ محمد تقي القمي. منشور في المجلد ٨ ص ١٠٥ ومابعدها.

بعث فضيلة الدكتور محمد البهي الأستاذ الزائر من الأزهر في جامعة مونتريال بكندا - وهو عالم باحث من المتحررين المؤمنين بفكرة التقريب - بكتاب إلى "دار التقريب" يتضمن حديثاً مفصلا عن صدى دعوة التقريب في الأوساط العلمية الجامعية بكندا، "وأنها أدخلت في منهاج الحركات الإسلامية الحديثة ذات النشاط الإيجابي في بناء الجماعة الإسلامية المعاصرة" وأن الباحثين هناك يبحثون كذلك في بعض حلقات التقريب حين كان السيد جمال الدين يبث فكرة الوحدة بين المسلمين ويهاجم التعصب والمتعصبين.

وقد ختم فضيلة الدكتور كتابه بقوله: "إن رسالة جماعة التقريب اليوم أوضح من ذي قبل، ومكانها أوسع مما مضى، والغرب يريد أن يعرف كثيراً عنها، وقد كتب إليكم مدير المعهد الإسلامي منذ مدة - كما أخبرني - راجياً إرسال نشرات الدار ومنهاج الجمعية، وقد أودعت المكتبة صورة من المنهاج وسأعمل على أن أمد الباحثين في هذه الشؤون بما يمكن لهم من النظر الواسع، ويحدد لهم فكرة التقريب تحديداً واسعا، كما يوضح إمكانياتها العملية والمصادر التي تعتمد عليها في فهم مذهب الشيعة الإمامية والزيدية الذين هم أحد الطرفين في التقريب مع تصحيح ما يراه بعض المشتغلين بالدراسات الإسلامية هناك من أن فكرة التقريب من الوجهة النظرية ممكنة، أما من الوجهة العملية فعسيرة، ولعل ذلك كله ينشر في كتاب باللغة الإنجليزية إن شاء اللّه".

وقد وصل إلى "دار التقريب" كتاب آخر من فضيلته رداً على الرسالة التي بعثت إليه متضمنة بعض المعلومات التي طلبها في كتابه السابق، وقد تحدث فضيلته في هذا الكتاب عن بعض الجوانب العلمية التي اتصل بها البحث في هذا الموضوع بالجامعة وأن موضوع التقريب قد أخذ حظه من المحاضرات التي طبعت بعد إلقائها وأصبحت في متناول أيدي المهمتين بها، ثم تقدم بهذا الاقتراح:

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٨، ص ١٠٥ ومابعدها وص ٢٢٠ ومابعدها، وص ٢٢٠ ومابعدها.

"لما كانت جماعة التقريب، هي أول جماعة في تاريخ المسلمين منذ افتراقهم إلى شيعة وسنة أخذت تعالج من الوجهة العلمية والتاريخية، الفجوة المذهبية بين المسلمين عامة; فإني أرى أن تضم إلى هذه الغاية الهامة غاية أخرى جامعية، وهي إخراج دائرة معارف إسلامية مختصرة باللغة الإنجليزية تقوم على تصحيح الأخطاء الكثيرة في دائرة المعارف التي أخرجها بعض القساوسة واليهود المتعصبين باسم العلم والبحث، عن الإسلام والمعارف الإسلامية، وأصبحت في بعض النواحي مصدراً مضللا لكثير من المثقفين المسلمين في جميع أنحاءالعالم، ولغير المسلمين في العالم الغربي والشرقي، فإنه طالما تستقل دائرة المعارف هذه بتزويد العالم كله بالمعرفة الإسلامية فسيظل انحراف الفهم في العالم كله قائماً وخطراً على الإسلام والمسلمين".

ونحن نشكر للدكتور البهي - باسم دار التقريب - نشاطه المحمود في خدمة الدين والعلم والتأليف بين المسلمين، ونعتقد أن "دار التقريب" ستعطى هذا الاقتراح حقه من الدرس والاهتمام. كتب الينا فضيلة العلامة الجليل الشيخ مرتضى آل يس، من كبار علماء النجف، وشيوخها الأجلاء، كتاباً مسهباً بمناسبة ما قررته حكومة الهند من تحريم الخمور في بلادها، واقترح أن يتبادل الرأي في ذلك بين جماعة كبار العلماء في الأزهر وكبار المجتهدين في النجف وغيرهم من علماء الأقطار الإسلامية، تمهيداً للقيام بحملة جهاد ديني إسلامي على الخمر وشتى الموبقات التي ترتكب في الأمة، وتسكت عنها الحكومات الإسلامية.

جاءنا هذا الكتاب من فضيلته في أواخر شهر رجب، ، وفيه يقول:

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٢، ص ٣٢٩ وما بعدها.

"إن لي أملا أيقظه في نفسي هذا العمل الصالح، الذي قامت به حكومة الهند، حين حرمت الخمر على القسم الموبوء بها من بلادها، ومردُّ هذا الأمل إلى حسن ظني بجماعة كبار العلماء في الأزهر الشريف، الذين نصبوا أنفسهم لمناصرة هذا الدين كلما وجدوا إليها سبيلا، فهأنذا أدفع إلى حضراتهم باقتراحي عن طريق جماعة التقريب، عسى أن يأخذ حظه من عنايتهم وتفكيرهم، فيضعوه موضع العمل والتطبيق، في وقت غير بعيد إن شاء اللّه تعالى".

ولما كان من أهم ما تعمل له جماعة التقريب، أن تقوم بالسعي المثمر في كل أمر يعود على المسلمين في شتى البلاد بالخير والصلاح، وأن تُسِفر بين علماء الأقطار الإسلامية من كافة المذاهب، فتنقل إلى كل ما عند الآخرين; وتجمع قلوبهم ومساعيهم على مافيه صلاح أمتهم. فقد اتصلت دار التقريب على الفور، بحضرتي صاحبي الفضيلة العالمين الجليلين الشيخ عبد المجيد سليم والشيخ محمود شلتوت، من أعضاء جماعة كبار العلماء، وتحدثت إليهما في هذا الشأن، فرحبا باقتراح العلامة المرتضى، وشكراه على حسن ظنه، وكريم ثقته في علماء الأزهر، وبَشَّرانا بأن الجماعة قد اعتزمت القيام - على وجه حاسم - بواجب الجهاد الديني في محاربة المنكرات، ودرء المفاسد الخلقية، وما يوجه إلى الدين من مطاعن، منشؤها الجهالات أو العداوات، وأنها ستجتمع لذلك في وقت قريب، ولا شك أنها ستلتقي مع فكرة الأستاذ الجليل، وتعمل من جانبها على تحقيق ما ترمي إليه من خير للمسلمين.

ولم تلبث الجماعة بعد ذلك، أن عقدت جلسة تاريخية هامة بالإدارة العامة للجامع الأزهر، شارك فيها كبار رجال الإدارة في الأزهر الشريف، واستعرض المجتمعون في تلك الجلسة حالة الدين والخلق، وما آل اليه أمرهما في نفوس الناس وواجب الأزهر في ذلك، وانتهت إلى قرارات تمهيدية، يراد بها تقرير أنجع الوسائل التي يتوسل بها إلى إصلاح حال الأمة من نواحيها المختلفة المتصلة بالدين والخلق، على أن تتكرر الجلسات في أوقات متقاربة للنظر في ذلك، وأصدرت في نفس

الجلسة قراراً عاجلا برفع كتاب خاص إلى حضرة صاحب الجلالة ملك مصر، وتوجيه كتاب آخر إلى حضرة صاحب المقام الرفيع مصطفى النحاس باشا رئيس حكومتها، وقد رفع الكتاب الأول إلى حضرة صاحب الجلالة، وقدم الكتاب الثاني إلى رفعة الرئيس، وأذيع بعد ذلك من دار الإذاعة اللاسلكية للحكومة المصرية مرتين في يوم الأحد الخامس والعشرين من شعبان سنة ١٣٦٩هـ.

وإن هذا لمن أكبر الدلائل على التقاء أفكار المسلمين، وتقارب قلوبهم وإحساسهم بما فيه الخير لأمتهم، فهذا صوت عالم كريم من النجف، يلتقي مع أصوات علماء كرام من مصر، وقد جاءتنا الأخبار بمثل هذا أيضا عن علماء سوريا، ولاشك أن هذه نهضة مباركة نرجو أن تشمل سائر بلاد المسلمين، وأن يكون لها ما بعدها من خير الأمة الإسلامية وصلاحها إن شاء اللّه تعالى.



[ Web design by Abadis ]