ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مشاريع علمية

مشروع علمي جليل بين شلتوت والقمي [١]

من الحقائق المقررة التي تؤمن بها "جماعة التقريب بين المذاهب الاسلامية" وتعمل على تجليتها للناس، وتدعو إليها في كل مجال: أن جميع المذاهب الإسلامية تؤمن بالسنة النبوية المطهرة كمصدر مقدس من مصادر الشريعة، مثلها في ذلك كمثل القرآن الكريم، فليس لمسلم أن ينكر حجية السنة شيعياً كان أو سنياً، وليس في هؤلاء وهؤلاء من يقول: هذا الحديث صح وروده عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ومع ذلك لا أعمل به، ولست ملزماً شرعاً بهذا العمل، ولكن ربما قال قائل من هؤلاء أو هؤلاء: هذه الرواية لم تصح عندي فأنا لا أعمل بها، وإننا لنرى هذا بين علماء السنة أنفسهم في مختلف مذاهبهم، كما نراه بين علماء الشيعة في نطاق المذهب، ومع المذاهب الأخرى، فكم من أحاديث صحت عند فقيه، ولم تصح عند آخر، وكم من أحكام فقهية خلافية انبنى الخلاف فيها على موقف كل من قبول حديث معين أو عدم قبوله.

والواقع أنه لا غضاضة في ذلك مادام الإخلاص هو رائد الجميع، وما داموا كلهم مؤمنين بالسنة كأصل من أصول التشريع، وبأنه لا يجوز لمسلم أن يرفض ما صح عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله).

ويتلخص هذا المبدأ المسلم به عند الفريقين في أن الاختلاف ليس واقعاً في كبرى القياس، وإنما يقع أحياناً في صغراه، فإذا قلنا في قياس من الشكل الأول عند المناطقة: هذا الأمر قد ثبت عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وكل ما ثبت عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يجب العمل به ; كان معنا مقدمتان: الأولى منهما هي المعروفة عند المناطقة بالمقدمة

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١٣، ص ٢١٨، ومابعدها.

الصغرى، والثانية هي المقدمة الكبرى، فإذا سلمت المقدمتان صحت النتيجة، وهي: "هذا الأمر يجب العمل به".

فالمسلمون لا يختلفون في المقدمة الكبرى التي تقول: كل ما ثبت عن رسول اللّه يجب العمل به، بل كلهم يؤمن بها إيماناً لا يعتريه الشك، وكلهم يعتبر هذا الإيمان ركنا أصليا من أركان الإسلام، من شذ عنه خرج من ربقة الإيمان.

لكن الخلاف حين يوجد إنما هو في المقدمة الصغرى التي تقول: "هذا الأمر ثبت وروده" فيقول بعضهم: نعم ثبت فأقبله، ويقول بعضهم لم يثبت فأنا لا أقبله.

ولذلك اشتهر بين علماء المناظرة قولهم في بعض الأحيان: هذا الخلاف صغروي لا كبروي، أو خلاف في الصغرى دون الكبرى. هذه حقيقة.

٢ - وهناك حقيقة أخرى نؤمن بها، ونعمل على تجليتها، وندعو الناس إلى الإيمان بها.

تلك هي أن العدد الأكبر مما ورد عن رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) في شؤون العقيدة والشريعة والأخلاق، وسائر الجوانب التي جالت في ميادينها السنة المطهرة، قد اتفق عليه كلا الفريقين، فهو وارد من طريق صحيح يرتضيه كل لا يوجد خلاف إلا في العدد الأقل من أحاديث الأحكام أو الأخبار، وليس هذا العدد الأقل من حسن الحظ في الأصول الضرورية التي لا يكون المسلم مسلماً إلا بها، وإنما هو فيما لا يضر الاختلاف فيه، وفيما يسع المسلم باعتباره مسلما أن يترخص فيه دون أن ينازِع أو ينازَع.

على ضوء هاتين الحقيقتين المقررتين، رأت دار التقريب بين المذاهب الإسلامية، أن تقوم بمشروع علمي إسلامي جليل الشأن.

ذلك هو جمع الأحاديث التي اتفق عليها الفريقان في مختلف أبواب الإيمان والعمل والأخبار والأخلاق، وغير ذلك من أبواب السنة المطهرة:

تجمع الأحاديث المتفق عليها في كل باب، ويبين مع كل حديث مصدره من كتب السنة ومن كتب الشيعة، ودرجته عند كل من الفريقين.

ويمكن إصدار ما يتم من ذلك على سبيل التدرج جزأ بعد جزء حتى يكمل

المشروع بـإذن اللّه، ويومئذ يجد فيه المسلمون مرجعا متفقا عليه، صالحا للاحتجاج به، والاحتكام إليه.

لقد بذلت في دراسة هذا المشروع جهود كثيرة من رجال التقريب في مصر وغيرها استغرقت وقتا طويلا، وعملت تجارب في مختلف الأبواب والموضوعات، أسفرت عن نتائج تؤذن باستقامة الفكرة، وتبشر بنجاحها.

ومن ثم اجتمع في هذا الشهر بمدينة القاهرة قطبان من أقطاب التقريب، هما السيدان الجليلان: الأستاذ الأكبر الشيخ محمود شلتوت شيخ الجامع الأزهر، والعلامة الحجة الأستاذ محمد تقي القمي السكرتير العام لجماعة التقريب، واستعرضا الفكرة، وما قام حولها من بحوث وتجارب، وما أسفرت عنه من نتائج، وما يمكن أن تسلك من الطرق في سبيل تحقيقها، فاتفقا والحمد للّه على أن المشروع جدير بالتحقيق، وعلى أن تقوم دار التقريب بخطوات تنفيذه العملية على بركة اللّه تعالى، وأن يقوم بذلك رجال من علماء التقريب في مختلف البلاد الإسلامية، بحيث تقسم أبواب السنة، ويختص كل جماعة من العلماء بقسم، ثم يراجع ما يتم من ذلك أولا بأول في دار التقريب بالقاهرة، ويبدأ في إخراجه مطبوعا منسقا مقربا إن شاء اللّه.

إننا نبشر أصدقاء التقريب، وهم المسلمون الواعون في كل بلد إسلامي، وفي كل طائفة ومذهب، بهذا المشروع العملي النافع، الذي نعتقد بحق أنه الأول من نوعه في تاريخ الإسلام، وفي تاريخ علم الحديث، ونسأل اللّه أن يعيننا على تحقيقه، إنه نعم الموفق والمعين.

من قرارات المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية التابع لوزارة الأوقاف بالجمهورية العربية المتحدة: إقامة مسابقة لطلاب الجامعات والمعاهد العليا

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١٣، ص ٢١٨ ومابعدها.

والبعوث الإسلامية في عدة موضوعات دينية واجتماعية وتاريخية، ترصد لها مكافآت يحصل عليها الفائزون في هذه الموضوعات المختلفة.

ومما يلفت النظر في هذه المسابقة أن من بين الموضوعات التي طرحت للبحث والتسابق: دراسة أئمة المذاهب الأربعة السنية المعروفة، ودراسة الإمام جعفر الصادق (عليه السلام).

إن هذا لهو اتجاه حميد نحييه ونشكر الموجهين إليه، فمن حق الناس أن يعرفوا جعفر الصادق كما يعرفوا أبا حنيفة ومالكا والشافعي وابن حنبل، ومن حق العلم ألا يتقيد بعصبية مذهبية حين يتجه إلى دراسة أعلام الإسلام.

وسننظر: كم من الباحثين الناشئين في الجامعات والمعاهد العليا وأعضاء البعوث الإسلامية، يتقدم لدراسة الإمام جعفر، وماهي البحوث التي ستفوز بالقبول وبالجوائز في هذا الموضوع، ويومئذ نزيد الفائزين تشجيعاً وتكريما بجوائز إضافية مادية وأدبية إن شاء اللّه تعالى.

من أعز الآمال لدى المسلمين أن تدرس سيرة الرسول الكريم (صلى الله عليه وآله) دراسة تعتمد التحقيق التاريخي، والفحص العلمي، والتخريج للحوادث التي وقعت مع التتبع لصغار الحوادث بالدرس والكشف، وعدم الاقتصار على كبارها، فقد يكون في حادثة عارضة تبدو غير ذات شأن أسرار أو توجيهات، وجذور أو امتدادات، يفيد منها العلم والدين لو خدمت ودرست.

ويدل على أصالة هذه الرغبة في نفوس المسلمين وشدتها أنهم يحرصون على اقتناء الكتب الجيدة المنصفة التي تتناول هذا الشأن الهام من شؤون الإسلام العليا، ويكفي أن يعلم القراء أن كاتبا كبيراً معاصراً ألف كتاباً بالفارسية في هذه الناحية

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١٠، ص ٢١٤ ومابعدها.

الهامة عنوانه بيامبر (أي الرسول) وأن هذا الكتاب أعيد طبعه أربع عشرة مرة، كل طبعة منها من عدة آلاف.

ثم إن السيرة المحمدية قد تداولتها أقلامٌ وعقول ذاتُ ثقافات مختلفة، وفي عصور مختلفة، ولم يكن ذلك في دائرة المسلمين فحسب، ولا في دائرة هذه الطائفة أو تلك من طوائفهم فقط، ولكن في دوائر المستشرقين والمستغربين أيضا، وإذا قلنا "المستشرقين" فإنهم معروفون، ولهم أساليبهم الفكرية، وغاياتهم سواء أكانت علمية خالصة، أم كانت سياسية تبشيرية، أما "المستغربون" فهو وصفٌ نستحسن إطلاقه على أولئك الباحثين الشرقيين الذين يستهدفون في بحوثهم أغراض الغرب أو ما يرضيه، ويستلهمون روحه وطرائقه، من حيث يشعرون أو لا يشعرون - نقول: إن السيرة المحمدية قد تداولتها أقلام وأفكار من هذه الألوان المختلفة، وأصبحت على طول المدى مشوبة بكثير مما هو غريب عنها، أو مدسوس عليها أو مخرج تخريجا هدفه الطعن وإظهار رسول الإسلام بمظهر يشفي غليل أعداء الإسلام.

لذلك أصبح من فروض الكفاية العلمية في هذا العصر أن تدرس السيرة المحمدية دراسة منصفة عادلة متثبتة كاملة، لكي يرى الناس عامة هذا الرسول المبعوث رحمة للعالمين على حقيقته الصافية، وفي صورته الواقعية، لم تفسدها المغالاة العامية، ولا الشطحات الشعبية التي أدخلت عليها تلبية لعوامل الحب والتقديس والإيمان بالعظمة، ولا التنكرُ والإجحاف والغمزُ واللمز التي سرت من روح العداء والخصومة وضعف الإيمان.

هذا أمل طالما راود المسلمين المخلصين، وإنه الآن لتحت الدرس في دار التقريب، تفكيراً في شروعه، وفي منهاجه، وفيمن يعهد إليهم بتنفيذه، وفي طرائق هذا التنفيذ.

واللّه المستعان، وهو ولينا ونعم النصير.

كان من نشاط "دار التقريب" أنها نشرت في موسم الحج جدولا مفصلا عن أحكام الحج على المذاهب المتعددة الحنفي والمالكي، والشافعي، والحنبلي، والامامي، والزيدي، وقد راج هذا الجدول في البلاد المقدسة رواجا عظيما، ولفت أنظار كثير من المسلمين، الى أن آراء فقهائهم في فروع عباداتهم ليست من التباعد والخلاف بحيث توجد الخصومة والفرقة والتباغض فيما بينهم.

مما لا يزال عالقا بأذهان كثير من العامة في البلاد الإسلامية، ظنهم أن الشيعة كلهم غلاة يرون في أمير المؤمنين علي أو في الأئمة من بعده رضي اللّه عنهم أجمعين ماهو كفر وارتداد عن ملة الإسلام، من مثل أن النبوة صرفت إلى النبي (صلى الله عليه وآله) بعد أن كانت مسوقة إلى أمير المؤمنين علي - أو أن اللّه يحل في أحد من خلقه، أو أن الأرواح تتناسخ، أو نحو ذلك - تعالى اللّه عما يقول الظالمون علواً كبيراً، وحاشا لنبيه وأوليائه أن يكون هذا شأنهم أو العقيدة فيهم.

وفي دار التقريب الآن بحث مستفيض مخطوط ألفه لها، تأييداً لفكرتها، عالم إمامي معاصر هو فضيلة العلامة الجليل الحاج ميرزا خليل الكمرئي يبين فيه رأي الإمامية سلفهم وخلفهم الذي أجمعوا عليه في هذه القضية الأساسية، وهو كفر هؤلاء الغلاة وارتدادهم عن دين اللّه، ووجوب حربهم والبراءة منهم، وما ورد عن أئمة الهدى من أقوال حاسمة في ذلك.

هذا المؤلف الحديث هو الآن قيد البحث والدرس في دار التقريب لمراجعته

ـ

١ - انظر ما ذكره الدكتور بي آزار شيرازي بشأن طباعة هذه الاحكام في مجلة الاخوان المسلمين ونشرها في موسم الحج بين الحجاج.

٢ - رسالة الاسلام، م ٨، ص ٢٢٠ ومابعدها.

والتعرف إلى مصادره، وتهيئته للنشر مستقلا في فرصة قريبة إن شاء اللّه.

من الأسس التي قامت عليها دعوة التقريب، وأعلنتها الجماعة القائمة على هذه الدعوة السامية منذ أول يوم، أنها تريد أن يتبادل أرباب المذاهب معارفهم ودراساتهم، ليعرف بعضهم ما عند بعض في هدوء العالم المتثبت المتبصر، الذي لا هَمَّ له إلا أن يرى ويعرف، ولا سبيل له إلا أن يعدل وينصف.

ولم تقصد في يوم ما إلى إدماج المذاهب المتعددة في مذهب واحد، أو إلى تغليب مذهب على مذهب، فكلهم من رسول اللّه مقتبس، وكلهم من بحر القرآن مغترف، وبأصول الإسلام معترف.

وهاهو ذا حدث تاريخي جليل يحدث في مصر الكريمة، الموطن العلمي لمذاهب السنة، يرمي إلى ما يرمي إليه التقريب، من التعريف والتأليف، وتقديم الحقائق العلمية في مذهب من مذاهب الأمة الإسلامية إلى أهل العلم في سائر المذاهب.

ذلك أن وزارة الأوقاف المصرية - وهي جهة من جهات الاختصاص الديني، ومن بين اختصاصها الإشراف على المساجد، ويتولى هذه الوزارة الآن عالم من علماء الدين [٢] - أراد اللّه أن يكتب لها القيام بعمل إيجابي عظيم له تأثيره في التقريب بين المسلمين، هو تقديم فقه الامامية إلى العلماء حيثما كانوا في أي شعب إسلامي، وفي أية طائفة إسلامية، فكان ذلك تجاوبا مع فكرة التقريب، وتحقيقاً لأهدافه، وكان من الطبيعي أن يتم هذا العمل الجليل بتعاون من رجال التقريب ووزارة الأوقاف، ورأي المشرفون على هذاالأمر اختيار كتاب: "المختصر النافع" الذي ألفه أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن الحلي المعروف بالمحقق من أئمة فقهاء الإمامية في القرن السابع.

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٩، ص ٢١٦.

٢ - هو الشيخ احمد حسن الباقوري (التحرير).

إحصاء المسلمين ومعرفة أحوال طوائفهم [١]

تختلف الأنظار في تحديد عدد المسلمين في العالم، وفي معرفة الأحوال الاقتصادية والثقافية لطوائفهم المتعددة، ووصل التفاوت في البيانات المتعلقة بذلك إلى حد بعيد.

ويقف الباحثون والمؤلفون من هذا الأمر موقف الحيرة والاضطراب. لا فرق في ذلك بين الباحثين المسلمين والباحثين الغربيين من مستشرقين وغيرهم.

والسبب في هذا الاختلاف والتفاوت يرجع إلى أمور:

منها أنه لم توجد حتى الآن عناية بهذه المسألة الهامة من أية هيئة عالمية أو إسلامية، وقد همت بذلك "عصبة الأمم الأوربية" قبل الحرب العالمية الأخيرة ولكن دول هذه العصبة لم تتعاون عليه تعاونا صادقا لأسباب سياسية، فلم يتأت لهذه العصبة أن تخطو في شأنه خطوة عملية.

ومنها أن أصحاب المصلحة في أن يكون المسلمون في العالم قلة يتأثرون بهذه المصلحة فيعطون في بياناتهم عدداً يقل عن الواقع كثيراً، ومن جانب آخر تلعب العواطف دورها فتجعل بعض الكتاب الإسلاميين يذكرون أرقاماً عالية تتفاوت بين العشرات من الملايين والمئات منها.

ومن طريف ذلك أن كل طائفة من الطوائف الإسلامية تعطي نفسها عدداً كبيراً لتبرهن على أن أتباع المذهب الذي تعتنقه هم أكثر المسلمين، أو هم كثرة بحسب حسابها فيهم، حتى إننا لو جمعنا هذه الأرقام عن جميع الطوائف الإسلامية لما أبقينا لغير المسلمين في العالم رقما يذكر.

ومنها أن بعض البلاد الإسلامية لم تصل عنايتها بالإحصاء إلى الحد الذي يطمأن معه إلى مايذكر عنها من أرقام.

ومنها أن كثيرا من المسلمين يعيشون في بلاد غير إسلامية في أوربا وأمريكا

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ٥، ص ٢١٩ وما بعدها.

وغيرهما، ولا تعنى هذه الدول باحصائهم إحصاء دقيقا، ولا بإعطاء أية معلومات منضبطة عنهم.

ومنها أن بعض غير المسلمين ينتسبون إلى المسلمين مع عدم اعتراف المسلمين بهم لخروجهم عن أصول الإسلام التي يجب الإيمان بها.

إلى غير ذلك من الأسباب.

وما يقال عن الإحصائيات المعرِّفة بعدد المسلمين في العالم، من حيث الاضطراب وعدم الدقة، يقال عن البيانات المعرفة بأحوالهم ومشاكلهم وبلادهم ونواحيهم الاجتماعية والثقافية، فلا يجد الكاتب أو الباحث ما يعتمد عليه في ذلك وهو مطمئن، وكثيراً ما استعان بعض الباحثين بما لدينا من معلومات في هذا الشأن، فكتبوا إلى دار التقريب يطلبون بعض هذه المعلومات في نواح مختلفة.

ولاشك أن ذلك نقص يجب على المسلمين تلافيه، وإن أقل واجب على أية أسرة أن تعرف عدد أفرادها، وأن تفيد به من يريد أن يعرفه.

لذلك كان من الطبيعي أن تهتم دار التقريب بهذه الناحية، وتعرف عدد المسلمين أولا، وبالتالي عدد المنتمين إلى كل طائفة من الطوائف الإسلامية، وبلادهم، ومشاكلهم، وأحوالهم … الخ وقد أقدمت على ذلك منذ زمن، وهيأت فيه بعض مقدمات لهذه المعلومات النافعة، واثقة من أنها تؤدي بذلك خدمة جليلة للأمة الإسلامية الكريمة، تهيئها لها مكانتها في مختلف شعوب المسلمين وطوائفهم، بل مكانتها العالمية حتى في بلاد أوربا وأمريكا، وأنها حين تصل إلى النتيجة في هذا العمل الضخم تكون قد يسرت أمام الباحثين والمؤلفين طريقهم إلى ما يبتغون من علم وإصلاح.

ويسرنا أن نتلقى في هذا الموضوع كل ما يرى قراؤنا وأنصارنا أن يمدونا به من بيانات مدعمة على قدر المستطاع بما يؤيدها من الأدلة أو الشواهد، ونرجو أن يكون ما يبعث به الينا من ذلك بهذا العنوان:

دار التقريب بين المذاهب الإسلامية - لجنة الإحصاء - الزمالك - القاهرة

رسالة جديدة لعالم فاضل، وزميل باحث، جمع بين الثقافتين: ثقافة الأزهر، والثقافة الأوربية، وهو فضيلة الأستاذ الدكتور الشيخ سليمان دنيا، مدرس الفلسفة وعلم العقيدة بكلية أصول الدين.

لقد درس المؤلف الفاضل في رسالته هذه مسألة الخلاف بين الشيعة والسنة على أسلوب استعراضي لأهم مسائل هذا الخلاف وأبرزها، وبيّن أن أصول الوفاق بين الفريقين غالبة غامرة، وأن مسائل الخلاف قليلة ولها طابع الفرعية وكلها مما يرجع إلى تعدد وجهات النظر بناء على الاختلاف في الأدلة، ثبوتا أو رفضا، وقوة أو ضعفا، وإفادة أو قصورا، وأن خصوم الاسلام يهمهم أن يكبروا هذا الخلاف، ويوسعوا مداه، وأن على المسلمين أن يحذروهم، ويفسدوا عليهم خطتهم، وأن يعلموا أن ما وصله اللّه لا يقطع، وأن الاختلاف في الفروع لا يَجُبّ الاتفاق في الأصول.

وقد قامت إدارة الثقافة بوزارة الأوقاف بالقاهرة بطبع هذه الرسالة الثمينة وتوزيعها على أهل العلم ومختلف مراكز الثقافة الإسلامية بالمجان تعميما لنفعها، ونشرا لفكرتها، وقدم لها سماحة العلامة الأكبر، الحجة الثبت، الأستاذ محمد تقي القمي بمقدمة موجزة مركزة تؤيد فكرتها، وتقدم للمسلمين كاتبها جاء فيها:

فمنذ سنين اتصل بدار التقريب رجلٌ من أهل الفضل والعلم، وهو فضيلة الدكتور سليمان دنيا الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر الشريف، مؤلف "الحقيقة في نظر الغزالي" و"المعرفة" وغيرهما من المؤلفات القيمة التي تدل على سعة العلم، وعمق التفكير.

كبَّ هذا العالم المدقق على الدراسة والبحث في كتب المذاهب الإسلامية، واقتنع بسلامة الفكرة التي تدعو إليها، ولمس حاجة المسلمين إلى الأخذ بها، فلم يهدأ له بال، حتى كتب بحثا بيّن به للناس الوفاق والخلاف، واعتمد فيه على المنطق السليم،

ـ

١ - رسالة الاسلام، م ١٠، ص ٢١٩ - ٢٢٠.

وتجرد فيه من الأهواء والغايات، وسار به إلى نتائج أدى إليها تفكيره السليم، ولعل هذا يكون مقدمة لبحوث أخرى يدبجها يراعة في المستقبل إن شاء اللّه.

وإذا كانت الأقلام بالأمس هي التي ضخمت مشكلتنا. فكانت معاول هدم في بنائنا; فإنها اليوم بحمد اللّه أصبحت من عوامل البناء. حيث نقلها اللّه بلطفه إلى أيدي رجال فضلاء يغارون على إسلامهم، ويعملون لوحدة أمتهم، ويجاهدون بأقلامهم أعظم الجهاد وأوفاه".

ولاشك أن قراء رسالة الاسلام وجميع أصدقاء التقريب والمؤمنين بفكرته سيفرحون بهذه الرسالة، وسيحمدون لصاحبها، ولوزارة الأوقاف بالجمهورية العربية المتحدة ولادارة الثقافة، ولدار التقريب، هذا التعاون المثمر الذي ظهرت آثاره، بل تتابعت أثرا بعد أثر، وإنا لنبغي فوق ذلك مظهراً إن شاء اللّه.



[ Web design by Abadis ]