ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دار التقريب بين المذاهب الاسلامية القاهرة القسم الثاني - تاريخ ووثائق \ مذكرات

* مذكرات

* وثائق

* رسائل

* مشاريع علمية

* نشاطات عالمية

* صدى الدار في الصحافة

* تساؤل

* تحامل ذكرنا في مقدمة القسم الاول من هذا الملف في العدد السابق أن دار التقريب بين المذاهب الاسلامية دار مباركة طيبة بدأت أعمالها في القاهرة قبل أكثر من نصف قرن (١٣٦٨هـ - ١٩٤٧م) وآتت أكلها على مدى عقود من السنين، وهي من مظاهر التعاون والتفاهم بين شرق العالم الاسلامي وغربه، أو قل بين ايران ومصر بالذات، وطالما أثمر هذا التعاون على مرّ التاريخ، وخاصة منذ منتصف القرن التاسع عشر عن ثمار طيبة ساهمت في دفع مسيرة أمتنا على ساحة التاريخ.

في القسم الاول من ملف الدار استعرضنا مجلة "رسالة الاسلام" وهي أهم تراث يمثل ادبيات الدار وتاريخها ومسيرتها الفكرية والعملية، وفي هذا القسم ننشر ما يسلط الضوءعلى نشأة الدار ونشاطاتها وصداها وارتباطاتها وردود الفعل تجاهها من خلال الوثائق المتوفرة آملين أن نكون قد وفينا هذه الدار التقريبية الرائدة بعض مالها من حق على كل دعاة التقريب، وأن نكون قد قطعنا شوطا على بلورة التجارب التقريبية المعاصرة وتقديم هذه التجارب لكل المتطلعين الى وحدة الامة الاسلامية.

الدكتور عبد الكريم بي آزار شيرازي معروف بقلمه التقريبي ونشاطاته التقريبية. فقد كتب في هذا المجال وترجم وسعى، وكان من أوائل المرتبطين بدار التقريب. وأهم من ذلك أن الفرصة توفّرت له ليسمع من رائد الدار الشيخ محمد تقي القمي ذكرياته عن مسيرة التقريب، وليحتفظ بوثائقها. وهذا تسجيل لما سمعه من الشيخ القمي من ذكريات وما عاصره هو شخصيا من أحداث ترتبط بدار التقريب ورائدها.

أول ارتباط

تعرفتُ دار التقريب عن طريق مجلتها "رسالة الاسلام"، ثم اتصلت مباشرة بمؤسس الدار الشيخ محمد تقي القمي بمناسبة ترجمة مقالات هذه المجلة الى اللغة الفارسية.

كان الشيخ القمي يبحث عن مترجم جيّد لمختارات من مقالات هذه المجلّة، فأعطاها لعدد من الافراد، ثم استحسن ترجمتي من بينهم، ولكنه لروحه العلمية الدقيقة لم يتركني والمقالات، بل ظلّ يوجّهني باستمرار، وهو بنفسه ترجم صفحات لتكون نموذجا للترجمة المطلوبة. وكان يرى أن الترجمة يجب أن ترتفع

ـ

١ - عضو المجلس الاعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، ورئيس جامعة المذاهب الاسلامية.

الى مستوى النصّ الاصلي بما يحمله من جمال أدبي وعمق في المدلول الفكري.

ومقالات رسالة الاسلام كتبت غالبا بيد علماء أدباء، ولذلك اهتمّ الشيخ القمي بدقّة الترجمة أيما اهتمام. خصّص جلسات يومية، كنت أذهب في الساعة الخامسة مساء اليه فاقرأ الترجمة وهو يطابقها مع الاصل كلمة بكلمة. وكان يشترك معنا في هذه الجلسة أستاذ من كلية الالهيات متضلع باللغة العربية هو الاستاذ المرحوم "آل آقا". وقد نقف في تلك الجلسات على كلمة ساعات لنجد أفضل مقابل لها في الفارسية.

وكانت تلك الجلسات بداية علاقة وثيقة توطدت مع الشيخ تجاوزت علاقة أستاذ بتلميذه، وتطورت لتكون علاقات عائلية ودية حميمة. ولتعاطفي الشديد مع حركة التقريب حرصت أن أسمع من الشيخ القمي كل ما يرتبط بالدار وتاريخها وظروف نشأتها. وهو لم يكن يبخل بسرد كل التفاصيل في هذا المجال.

دافع العمل

حول دافعه في انشاء دار التقريب وذهابه الى مصر وكيف بدأ عمله ذكر لي: أن ثمة ظروفا تجمعت في العالم الاسلامي آنذاك جعلت الصراع الطائفي بين أهل السنّة والشيعة على أشدّه. كان الجوّمفعما بين الفريقين بعدم الثقة والتوتر والتخاصم والشبهات، وكان أعداء الاسلام قد نجحوا في خلق حواجز ضخمة بين المذاهب، يتراشق أصحابها التهم بينهم، دون أن يفكروا في الجلوس على طاولة واحدة ليسمع كل منهم حديث الآخر بمعزل عن الطعن والتجريح والتشنّج.

مقتل السيد اليزدي

ثم حدثت حادثة هزّت كل المخلصين، واستحثّت كل المهتمين بمصير الامة الاسلامية. لقد أُعلن نبأ قتل ايراني من أبناء رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) هو السيد أبو طالب اليزدي في موسم الحج بأرض الحجاز لأنه أراد أن يهين الكعبة!! وانشدّت الانظار الى السعودية لتستطلع الخبر. فجاء التحقيق مذهلا مؤلما يعبّر عن جوّ فظيع من

انعدام الثقة والشبهة والتهمة بين المسلمين.

أُصيب الرجل في الطواف بحالة غثيان، فأراد الخروج من بين الطائفين، لكنه لم يتمالك نفسه، حرص على أن لا يلوّث أرض المسجد، فجمع ثيابه وألقى قيأه فيه. ثم أسرع للخروج، فاستوقفه شرطي وسأله عمّا يحمله، فلّما رأى ما رأى ولم يفهم من السيد أبو طالب توضيحاته بالفارسية، أخذه وسلّمه الى القضاء. وهناك أيضا لم يفهموا ما يقوله السيد، فأفرزت ذهنيات القضاة هناك مايلي: إن هذا الرجل إيراني، والايرانيون عادة لا يحجون بيت اللّه الحرام وإنما يحجون كربلاء والنجف!! وإنما يأتون الى بيت اللّه الحرام بقصد إهانته!! وما يحمله هذا الايراني إنما كان يستهدف به تنجيس الكعبة!! ثم حكموا عليه بالاعدام … وضربوا عنقه!!

هذا نموذج واضح على نجاح الخطة الاستعمارية في ايجاد فصل نفسي وشعوري واعتقادي بين المسلمين.

هذا الحادث هزّ الشيخ القمي، كما هزّ الكثيرين من أبناء العالم الاسلامي، لكنه لم يحرّكه في اتجاه سلبي… لم يدفعه الى الانتقام من أهل السنّة، بل الى الانتقام من الجهل والفرقة وكل العوامل التي أدّت الى هذه الظاهرة وغيرها من الظواهر المؤلمة.

فكّر في الامر مليا، وقرر أن يتحرّك لكسر حواجز العزلة بين السنّة والشيعة، وكان لابدّ أن يكون هذا التحرك في مركز قادر على أن يشعّ بتأثيره على كل العالم الاسلامي. وليس أفضل لهذا الامر من الازهر والقاهرة.

السفر الى لبنان

هذا المشروع يحتاج أولاً الى تعلّم اللغة العربية، فالشيخ القمي درس العربية صرفها ونحوها وبلاغتها في الحوزة العلمية، ولكنه لا يجيد التحدث والتخاطب بها. ذهب بهدف تعلم اللغة العربية الى لبنان، وأقام في قرية لبنانية يعاشر أدباءها وشيوخها، ويعكف ليل نهار على التحدث باللغة العربية لمدة ٧ أو ٨ أشهر.

ومن ذكرياته عن تلك القرية اللبنانية ما يحمله عن رجل دين مسيحي يحبّه كل أبناء القرية. ما إن يخرج الى الشارع حتى يجتمع حوله الناس يحيونه ويقبلون يده،

سألته عن سرّ شعبيته هذه. قال لي وأشار الى كنيسة القرية وبجوارها مدرسة: السبب هو هذا. نحن ننشىء الى جانب كل كنيسة مدرسة. فنربّي فيها أبناء القرية ونرتبط بهم فيها فكريا وعاطفياوروحيا. يقول الشيخ القمي: عدت الى نفسي حين سمعت كلمة هذا الشيخ المسيحي، وفهمت سرّ تطور حضارتنا الاسلامية في عصورها الذهبية، حين كان التعليم لا ينفصل عن المسجد. وهذا مادعا الشيخ القمي لأن يكتب فيما بعد مقاله "ليكن شعارنا: المدرسة بجانب المسجد" [١] وفيه يركز على أهمية التحام العلم بالايمان، حتى يثمر عطاء العلم ويثمر عطاء الايمان.

الرحيل الى مصر

ويترك لبنان ويرحل الى مصر، فيتصل أول ما يتصل بالشيخ محمد المراغي الكبير، وكان يومذاك شيخ الازهر الشريف. يبثّ اليه شكواه، وينفث عنده مافي صدره من هموم، ويصف له ما آلت اليه حال المسلمين بسبب تفرقهم وتشتتهم، ويطرح عليه فكرة التواصل بين المذاهب الاسلامية، والتعارف بينها. ويتجاوب معه الشيخ المراغي كل التجاوب، ويقترح على الشيخ القمي أن يبدأ عمله من التدريس في الازهر، وأن يبدأ من تدريس الفلسفة. يبدأ بالتدريس ويشتغل ردحا من وقته في مكتبة الجامعة.

استأجر بيتا متواضعا بسيطا لسكنه ولنشاطه العلمي (أصبح فيما بعد مقر دار التقريب في القاهرة)، وكان يعيش على ما جاء به من مال، وعلى ما يُرسل اليه من إيران، عيشة قناعة وكفاف. وأمّا ما يحصل عليه من مال مقابل تدريسه وعمله المكتبي فيوزعه على مستخدمي الجامعة. وحينما زرت الدار في القاهرة كانت على حالتها من البساطة والتواضع، غير أنه ألحق بها مكتبة ومطبعة صغيرة. وكان الشيخ القمي وأسرته يسكنون في الطابق العلوي لهذا البيت.

وكان الشيخ المراغي مصيبا في اقتراحه التدريس بالازهر فلقد وفّر للشيخ

ـ

١ - العدد المتسلسل ٣١، ص ٢٤١ (العدد الثالث من السنة الثامنة).

القمي فرصة الاتصال بفئة كبيرة من العلماء والادباء والمثقفين الذين أعجبوا بشخصيته العلمية، وباتزانه وخلقه ورجاحة عقله وإخلاصه ومودّته.

وبالمناسبة كان الشيخ القمي ذا قامة ممشوقة مهيبة، ووجه مشرق بشّاش، ومنطق رصين متّزن، وخلق كريم جذّاب، وكان ذلك من عوامل نجاحه في دعوته.

نشاط في كفاف وعفاف

ظلّ الشيخ ينشر فكرته بين مختلف فئات العلماء والمثقفين، وحظي بشهرة مرموقة في كل الاوساط. غير أنه كان يعاني بشدّة من شظف العيش وقلة المال. كانت أسرته في ايران موسرة نسبيا، وتمدّه بما يحتاجه من المال، لكن الظروف لم تكن مهيئة لوصول المال بشكل منظّم. وفي فترة عصيبة من فترات قلة ذات اليد اتصلت به سفارة غربية في القاهرة، ودعته. استجاب للدعوة، شرح هناك أهدافه ومقاصده، فقدّم اليه السفير مبلغا مغريا من المال دعما لمشروعه. فوجئ الشيخ بهذا العرض، خاصة وأنه يأتي في ظروف الحاجة الشديدة. لكنه بعد تريث بسيط، بادر الى مخاطبة السفير: إنني أحتاج الى المال أشدّ الاحتياج، لكني أرفض أخذ أي شيء من هذا، كي لا تدور حول الدعوة أية شبهة. والغريب أن الشيخ القمي رفض أن يقبض المبلغ في وقت كان جيبه يخلو حتى من المليم الواحد. هو يقول: رجعت من السفارة الى البيت راجلا، لعدم قدرتي على دفع أجور عربة!

واصل الشيخ القمي عمله الجامعي، وعن هذا الطريق أنشأ علاقات واسعة مع الاساتذة والعلماء، وكانت الجلسات تتوالى في بيته أو في أروقة الجامعة، تُطرح فيها هموم المسلمين، ومشكلة الطائفية، والشبهات المذهبية، وتدور أحاديث شيقة، نضّجت فكرة التقريب، وزادت من عدد المؤمنين بها.

تعاون الشيخ المراغي

كان الشيخ المراغي خلال كل هذه المدّة يبذل الجهد لانجاح مهمة الشيخ القمي. وكان مما فعله أن عرّف الشيخ القمي بطائفة من العلماء الذين يحملون هموم وحدة

المسلمين ونبذ التفرقة بينهم، منهم الشيخ مصطفى عبد الرازق الذي أصبح فيما بعد شيخا للازهر، والشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت وكلاهما أيضا توليا مشيخة الازهر فيما بعد، والشيخ محمد محمد المدني، والشيخ محمد علي علوبه باشا، ثم اختار الشيخ القمي جمعا آخر فيهم الشيخ حسن البنا والشيخ عبد العزيز عيسى، والشيخ علي المؤيد من اليمن والسيد الآلوسي نجل صاحب تفسير روح المعاني. ومن هذا الجمع تشكلت النواة الاولى لجماعة التقريب، وأقامت هذه الجماعة مؤسسة هي دار التقريب، واتخذت هذه المؤسسة المباركة من بيت الشيخ القمي المتواضع مقرا لاعمالها.

متعصب بين الجماعة

يقول الشيخ القمي: اخترت من بين أعضاء الجماعة فردا معروفا بتعصّبه لمذهبه ومعارضا لأية فكرة تقريب مع الشيعة. حين علم الشيخ المراغي بذلك أرسل اليّ وسألني مندهشا: لماذا اخترت هذا الرجل؟ قلت له: أنا اخترته على علم بتعصّبه، لاننا نريد في الجماعة شخصا يطرح الاعتراضات، فان كانت حقا أخذنا بها وصححنا مسيرنا، وإن كانت مجرّد شبهات فاننا نتصدّى للاجابة عليها بشكل غير مباشر قبل أن تنتشر بين الناس. انشرحت أسارير الرجل حين سمع جوابي، وقال والفرح يغمره: أبارك لك هذا التفكير وهذا الانفتاح. وأنت بهذا الخصائص سوف تنجح في دعوتك حتما.

وإذا راجعت مجلة رسالة الاسلام تجد فيها صدى ما فعلته هذه الجماعة وكان أفرادها لا يزيدون على العشرين، كما تجد النشاطات التي أدتها، والدستور الذي دونته لمؤسستها.

الشيخ عبد المجيد سليم

من الشخصيات التي برزت بين جماعة التقريب الشيخ عبد المجيد سليم. كان رجلا كبيرا في علمه وشخصيته وإخلاصه. قال عنه الشيخ المراغي: لو كان أبو

حنيفة حيا لما استخلف على مدرسته الفقهية سوى الشيخ عبد المجيد سليم. لإلمامه الكامل بالفقه الحنفي ولدقته وسعة علمه. ولما كان يمتاز به من صفات نبيلة انتخب لمشيخة الازهر دورتين.

في أحاديث الشيخ عبد المجيد سليم وكتاباته يظهر بوضوح ما كان يحمله من عواطف لآل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله). كان يستشعر الالم الشديد وهو يراجع ذاكرته التاريخية بشأن ما عاناه أهل البيت وأتباعهم من ظلم وسجن وتشريد وتعذيب وتقتيل خلال قرون الحكم الاموي والعبّاسي. وكان يسعى الى رفع هذا الظلم التاريخي عن مدرسة أهل البيت وأتباعهم. وهذا هو سرّ إصراره على إزالة حواجز العزلة بين السنة والشيعة. واهتمامه بامر التقريب جعله مرتبطا بالجماعة ارتباطا وثيقا حتى بعد اعتلائه مشيخة الازهر الشريف. وكان توقيعه يحمل دائما لقب: شيخ الازهر ووكيل جماعة التقريب.

والشيخ عبد المجيد سليم أول من راسل الامام آقا حسين البروجردي في قم وهي مراسلة هامة للغاية بين أكبر شخصيتين سنية وشيعية آنئذ. وظلت هذه المراسلات تتوالى عن طريق الشيخ القمي أو المسافرين بين مصر وايران. وكان السيد البروجردي يردّ على رسائله بكل إجلال واحترام.

وفي مرّة أرسل السيد البروجردي كتاب المبسوط للشيخ الطوسي، وهو دورة كاملة في فقه الشيعة الى الشيخ عبد المجيد سليم. أعجب الشيخ بالكتاب أيّما إعجاب، وكان يقول: متى ما أردت أن أشارك في جلسة استفتاء أراجع كتاب المبسوط، وكان لاطلاعه الواسع على فقه الشيعة أثر في فتاواه الفقهية التي تتجلّى فيها روح التقريب.

عبد المجيد سليم والفتوى

كان لتعرف الشيخ عبد المجيد سليم على فقه الشيعة وفهمه لأصول هذا الفقه وسعة أبعاده وقربه من روح الشريعة أثر كبير على اتجاه نشاطات الشيخ. فقد نشر في جوّ الازهر الفقه المقارن، ثم رأى الجوّ مهيئاً لصدور فتوى جواز التعبّد بفقه

الشيعة. وكان ذلك قبل عشر سنوات من صدور فتوى الشيخ شلتوت بهذا الشأن.

هيأ الشيخ أذهان جماعة التقريب وأفكارهم لهذا الامر. وتقرر دراسة صيغة الفتوى في جلسة تعيّن وقتها. وقبل أسبوع من تلك الجلسة المقررة وصلت الى جميع أعضاء جماعة التقريب طرود بريدية مبعوثة من عواصم أوربية مختلفة، أُرسلت على عناوينهم في محل عملهم، وأرسل نظيرها على عنوانهم في بيوتهم، وهي تحمل ما ينسف فكرة إصدار الفتوى.

الامر عجيب، والتخطيط دقيق، ومتابعة القوى الشيطانية لنشاط التقريب حثيث. في توقيت دقيق تحركت هذه القوى للوقوف بوجه خطوة هامة من خطوات التقريب.

حضر الاعضاء في الجلسة المقررة وهم يحملون تلك الطرود، والغضب باد على وجوههم، وجلس الشيخ عبد المجيد في مقدمة المجلس. وإذا بالاعضاء يرفعون صوتهم دفعة واحدة، ويتحدثون بلهجة غاضبة قائلين: أتريدون أن نصدر فتوى في جواز العمل بفقه الشيعة وهم يعادون الصحابة! ثم فتح كل منهم طرده وأخرج منه كتابا منسوبا الى أحد علماء الشيعة يتحامل فيه على الخليفتين الاول والثاني. وقالوا: هذه وثيقة تبين طبيعة الشيعة وأفكارهم تجاه الخلفاء فماذا تقولون؟

يقول الشيخ القمي: استولى عليّ الوجوم، فما عدت قادرا على الكلام في هذا الجوّ المتشنّج. نظرت الى الشيخ عبد المجيد فرأيته ينظر الى كل واحد من المتكلمين بهدوء وطمأنينة كأنه يريد أن يستفرغ منهم شحنة غضبهم. وعندما تكلم الجميع وساد الجوّ هدوء نسبي، تناول الشيخ سليم الحديث وقال باتزان ووقار: هلا سألتم أنفسكم من أين جاءت هذه الطرود؟ وما هو هدف مرسليها؟ ولماذا أرسلوها في هذا الوقت بالذات؟ ثم استرسل في الحديث قائلاً: لو أن الشيعة والسنّة لم يكن بينهما اختلاف لما احتجنا الى التقريب والى جماعة التقريب ودار التقريب ومجلة رسالة الاسلام. لكننا بعد علمنا بوجود الاختلاف نهضنا بهذا المشروع، كي نركز على المشتركات ونقلل الاختلافات ونزيل الشبهات. ثم انظروا الى هذه الايدي التي فعلت فعلتها بطباعة كتاب يثير حساسيات أهل السنّة تجاه الشيعة في أوربا، وأرسلته في هذا الوقت الحساس اليكم، أهي حادبة على أهل السنّة؟ أيهمها مصلحة المسلمين؟

وهلا سألتم أنفسكم عن صحة نسبة هذا الكتاب الى مؤلفه؟ ولو قدّر أن هذه النسبة صحيحة، فهل ماجاء فيه يخرج المسلم من دائرة الاسلام ويفكه من رباط الاخوة الاسلامية؟ ! واسترسل يتحدّث بلغة رصينة مستحكمة. هدأ الجوّ، ولكنّ صدور الفتوى تأخر عشر سنوات حين أقدم الشيخ محمود شلتوت على تنفيذ المشروع.

عبد المجيد سليم ومجمع البيان

ومن المشاريع التقريبية التي نهض بها الشيخ عبد المجيد سليم إدخال تفسير "مجمع البيان" الى ساحة العالم الاسلامي. حين اطلع الشيخ على هذا التفسير وجد فيه بغيته، رآه التفسير الذي يجمع بين العمق العلمي، والسعة والشمول والوضوح والمنهجية، والابتعاد عن التعصب، والجمع بين آراء أهل السنة والشيعة. فكتب الى دار التقريب رسالة يشيد بهذا التفسير ويستحث الجماعة على طباعته. وكتب في مقدمته على هذا التفسير: هو كتاب جليل الشأن غريز العلم كثير الفوائد، حسن الترتيب لا أحسبني مبالغاً اذا قلت إنه في مقدمة كتب التفسير التي تعد مراجع لعلومه وبحوثه.

وهذا الحثّ دفع الشيخ محمود شلتوت أن يطالع هذا التفسير بامعان، فشُغف به حبا، وولع به ولعا يتضح من المقدمة التاريخية التي دوّنها لهذا التفسير. تقرّر طباعته، وعلى مدى أعوام طبع هذا التفسير أفضل طبعة تتصدرها رسالة الشيخ سليم ومقدمة الشيخ شلتوت.

الشيخ محمود شلتوت

والشيخ شلتوت كان عالما مفسّرا أديبا عاملاً ورث عن أستاذه الشيخ سليم إخلاصه وعلمه وروحه التقريبية. وكان يجلّ أستاذه ويحترمه ويقوم له في المجلس ويقبل يده.

خصّ كلّ جزء من أجزاء مجلة "رسالة الاسلام" بحلقة من التفسير يجمع فيها بين الوضوح والعمق والاصالة والمعاصرة. كان يكتب بروح الازهر وبلغة العصر.

ثم جمعت هذه الحلقات في كتاب وطبع فيما بعد.

ويلاحظ أن كل أعداد المجلة تحمل حلقة من تفسير الشيخ شلتوت، سوى عددين، كتب التفسير فيهما الشيخ محمد محمد المدني. وسبب انقطاع الشيخ عن كتابة التفسير في هذين العددين خلاف دار بينه وبين الشيخ محمد تقي القمي حول مسألة البناء على القبور.

ومعروف أن الاتجاه السلفي يرفض بناء الاضرحة والقباب على القبور عامة، بينما يجيزها غيرهم من أهل السنة والشيعة على قبور الاولياء والصالحين كي تكون مشاهدهم منارا يوحي بافكارهم ومواقفهم وسلوكهم. فالكراهية موجودة في بناء عامة القبور لا الحرمة، لكن قبور أئمة المسلمين وأولياء اللّه الصالحين لها شأن آخر في رأي غير السلفيين.

هذه كانت نقطة الخلاف بين الشيخين. وأدت الى قطيعة استمرت عدة أشهر، لكن سرعان ما عادت الامور الى مجاريها الطبيعية، إذ أحسّ الرجل الكبير شلتوت بضآلة حجم الخلاف وعدم أهميته، وعاد واعتذر الى الشيخ القمي، وواصل الكتابة في المجلة والتعاون مع الجماعة.

في عيادة الشيخ القمي

كان الشيخ شلتوت مؤمنا بأن الشيخ القمي ماجاء الى القاهرة في طلب مال ومتاع، وما جاء ليروّج فكرة مذهبية، بل ليتعالى المسلمون على الروح المذهبية ويرتفعوا الى الحالة الاسلامية. لقد شاهد بأم عينيه بساطة حياة الشيخ القمي وأعجب بها. وفي مرّة مرض الشيخ القمي، فجاء الشيخ شلتوت مع جماعة من علماء الازهر لزيارته في مسكنه. ودون أن يعلم الشيخ القمي صعد الشيوخ الى غرفة سكنه في دار التقريب، فاندهشوا لما رأوه. وجدوا الرجل يضطجع على سرير خشبي صغير، يتوسد عمامته، ويفترش قباءه ويتغطى بعباءته. خجل الشيخ القمي من الحالة، واعتذر اليهم، لكنّ الشيخ شلتوت راح يغدق عليه عبارات الثناء والاعجاب وقال: أشهد أن هذه هي حياة سيدنا عمر.

وإعجاب الشيخ شلتوت هذا جعل منه صديقا حميما للشيخ القمي، حتى أنه كان يشترك في مجلس تلاوة دعاء كميل الذي كان يعقده الشيخ القمي مع جمع من شيعة القاهرة في الدار ليالي الجمعة.

ومن العلوم التي اضطلع بها الشيخ شلتوت الفقه، وكان يمتاز في اتجاهه الفقهي بالانفتاح والعمق والمعاصرة أيضا. وانفتاحه دفعه الى الاهتمام بالفقه المقارن، وأقرّ تدريس الفقه المقارن في الازهر، وكان مذهبه في الفقه اتّباع أقوى الأدلة في المسألة، ولذلك انفتح على فقه الشيعة، وأخذ منه ما رآه قويا بالدليل، مناسبا للمجتمع. وأدخل بعض آراء فقه الشيعة في قوانين مصر، مثل قانون الطلاق.

مشروع شلتوت - القمي

ومن مظاهر روحه التقريبية ارتباطه بمراجع الشيعة وهو على رأس مشيخة الازهر. فقد راسل السيد البروجردي في قم وراسل السيد محسن الحكيم في النجف. وفي عهده بدأ العمل بتنفيذ مشروع شلتوت - القمي، ويقضي بجمع أحاديث السنة والشيعة في الموضوعات المختلفة، وهو عمل تقريبي هام يوفّر للباحثين سبل التحقيق، ويوضّح ما بين الفريقين من تقارب في السنّة بعد اتفاقهما الكامل على كتاب اللّه تعالى. كان المشرف على تنفيذ المشروع الشيخ محمد محمد المدني، وبعد وفاته (رحمه الله) توقّف. وأخيرا إجتمع عدد من تلاميذ المرحوم الشيخ شلتوت الذين تربّوا تربية تقريبية على يديه، ليواصلوا هذه الاطروحة.

فتوى الشيخ شلتوت

الفتوى الشهيرة التي أصدرها الشيخ محمود شلتوت توّجت أعماله التقريبية وجعلته في الخالدين. وكما ذكرت كان من المقرر أن تصدر قبل عشر سنوات غير أن التآمر المخطط حال دون ذلك، وحانت الفرصة لاصدار الفتوى حين أَقرّ الدستور اللبناني التقسيم الطائفي بين المسلمين بشكل ظالم. لقد أقرّ الدستور تقسيم الشعب اللبناني الى مسيحيين، والى مسلمين سنة، ومسلمين شيعة! اعتبر

المسيحيين على اختلاف فرقهم ومللهم ونحلهم أمة واحدة، وصيّر من المسلمين أمتين. واتجهت الخطة الى تركيز هذه التفرقة الطائفية بين المسلمين عن طريق تقوية كل منهما ليكون مقابلا للآخر. ثم أقرّ الدستور أن يكون الرئيس اللبناني مسيحيا لان عدد النصارى أكثر من عدد المسلمين السنة على انفراد، وأكثر من المسلمين الشيعة على انفراد. وأمام هذا التركيز الطائفي نهض الشيخ شلتوت لمعالجة هذا الموقف وأمثاله من المواقف التي قد تظهر في العالم الاسلامي نتيجة تركيز الطائفية بين المسلمين.

محاولة الشاه

حين صدرت الفتوى شاء نظام الشاه أن يستثمرها لصالحه، لأنه طالما تظاهر كذبا وخداعا بأنه نصير الشيعة والتشيّع في العالم، وهو من التشيّع بل من الاسلام بعيد كبعد الادعاء من العمل. وعلم الشيخ القمي وهو في إيران أن الاذاعة والتلفزيون سيقطعان بثّ الاخبار فجأة، ثم يذيعان نبأ الفتوى محاطة بتجليل وتبجيل. اتصل بالمسؤولين الاعلاميين وطلب منهم أن لا يفعلوا ذلك، أجابوه: إنها أوامر الشاه، وليس لنا من الامر شيء. ماذا يفعل والامر خطير في اعتقاده، سارع الى لقاء الشاه، وأصرّ عليه أن لا يحدث ذلك. قال له الشاه مندهشا: أنا فعلت ذلك لصالح الفتوى ولصالح التقريب. ولكنه واجه إصرار الشيخ القمي، فاضطرّ أن يسحب تعليماته الى الاذاعة والتلفزيون، وخرج القمي والشاه مستاء.

اعلان الفتوى

اختار الشيخ القمي محفلا علميا دينيا مقدسا يعلن فيه الفتوى في ايران. المكان مدينة مشهد المقدسة مثوى الامام الرضا (عليه السلام). والمحفل يضم جمعا من كبار العلماء على رأسهم مرجع ديني كبير هو السيد الميلاني. بالمناسبة كان بين الحاضرين الامام السيد علي الخامنئي وكان آنئذ في بداية شبابه، كما كان أيضا الاستاذ الشيخ واعظ زاده الخراساني الامين العام للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية حالياً.

السيد البروجردي والتقريب

لهذه المواقف المشرفة للشيخ شلتوت حظي الشيخ باحترام واسع في جميع أرجاء العالم الاسلامي. وكان يجلّه كبار العلماء من الفريقين وعلى رأسهم المرجع الكبير السيد البروجردي. ومن مظاهر هذا الاجلال أن السيد البروجردي في أواخر أيام حياته أصيب بسكتة دخل فيها باغماء طويل. وكان المسلمون قلقين على صحته، والتقارير الصحية عن حالته تتناقلها وسائل الاعلام. ثم أفاق السيد من غيبوبة طويلة، وفتح عينيه، وأول ما نطق به قال: التقريب مشروع مهم. وكنت أودّ أن أكتب الى الشيخ شلتوت رسالة بشأن تنشيط هذا الامر الهام. تعجّب مَن حول السيد البروجردي لاهتمامه الكبير بأمر التقريب وبالشيخ شلتوت. العالَم قَلِق على صحته وهو قَلق على هذا الامر الرسالي.

طريق شائك

ومن الضروري أن أذكر أن الشيخ شلتوت كان ينهض بأعباء التقريب ويسير بها على طريق مليء بالاشواك والمثبطات والارجاف والتعويق. وقد لاقى من جراء فتواه عنتا وتهما وافتراء. قيل له يوما: إن الشيخ القمي خدعك واستحصل منك الفتوى. أجابهم - على عادته - بلغة تجمع بين الجدّ والدعابة، وملؤها الثقة واليقين: لو كان الشيخ القمّي خدعني فنعمّا فعل، فأنا مؤمن باخلاصه، وأسأل اللّه أن أُحشَر معه يوم القيامة!

واستمرت محاولات المعوّقين حتى بعد وفاة الشيخ شلتوت رضوان اللّه عليه، فاتصلوا بمن خلفه على الازهر محاولين إصدار فتوى تنقض فتوى شلتوت، لكن الشيخ كان قد دخل بشخصيته وبأفكاره وبمشروعه في قلوب الازهريين، وأصبح الجميع يشعرون بحقّ استاذيته عليهم. وكان ممن اتصل به المرجفون الدكتور الشيخ الفحام شيخ الازهر، لكنه رفض طلبهم، وردّهم بشدّة قائلا: إن فتوى الشيخ محمود هي فتواي، وهو استاذي.

بين القمي والمدني

والواقع أن فكرة التقريب تخلق بين المؤمنين بها ارتفاعا وسموّا وتجعلهم متحابين في اللّه، منشدين الى هدفهم الكبير، ، مترابطين عاطفيا أيّما ارتباط. وأذكر على ذلك شاهدا من ارتباط الشيخ القمي بالشيخ محمد محمد المدني.

كان الشيخ المدني مثالا عظيما للعلم والادب والجدّ والاخلاص. فقد رأَسَ تحرير مجلة رسالة الاسلام، اضافة الى عمله الجامعي، إذ كان عميد كلية الشريعة بالازهر الشريف. وكان الشيخ القمي يعطيه الفكرة ويأخذها هو فيثريها بعلمه ويتوسّع في بيانها بقلمه. وكان العالم المبرز الاول بعد شيخ الازهر. سافر الى الكويت وهناك اصطدم بسيارة نقل على أثرها الى المستشفى. يقول الشيخ القمي: حين بلغني نبأ الحادث تجمعت هموم الدنيا في قلبي. ورحت أتضرّع الى اللّه سبحانه أن يشفيه. وحين جُنَّ الليل فرشت سجّادتي، وجلست أتضرّع الى اللّه أن يقبل منّي حياتي فداء لحياة الشيخ المدني، وأن يتوفاني بدله، لأنه أنفع مني الى الاسلام والتقريب. لكن اللّه سبحانه شاء أن يتوفى الشيخ المدني وينتقل الى جوار رحمته.

وفي السنوات الاخيرة كان لي حديث مع نجل الشيخ القمي، وذكرت له تضرّع والده. قال: إن الاسرة جميعها تذكر هذه الحادثة، وتذكر أن والدته حين سمعت تضرّع زوجها جاءت اليه منكسرة القلب وقالت له: باللّه عليك كفّ عن هذا الدعاء. فانت لك أبناء صغار، وأبناء الشيخ المدني كلهم كبار!

هذه صورة من الانشداد العاطفي بين جماعة التقريب. ومن الغريب أن الشيخ القمي أيضا توفي في باريس على أثر حادث اصطدام أيضا. فكانت نهاية الحبيبين واحدة كما كانت مسيرتهما الحياتية على طريق التقريب واحدة.

الشيخ حسن البنا والتقريب

وحين يتحدث الشيخ القمي عن ذكرياته مع جماعة التقريب يقف طويلا عند الشيخ حسن البنا. حين يذكره يسري الى جسده نوع من النشاط والحيوية في الكلام كأن نشاط الشيخ البنا يسري الى جسده. لم يكن حسن البنا عالما أزهريا ولم

تكن له علاقات مع شيوخ الازهر، لكنه كان جبلا شامخا في همومه وتحركه ونشاطه وتخطيطه وإخلاصه. بهذه الصفات الكبيرة اخترق أوساط الشباب الجامعي وربّى جيلا تقيا ورعا مجاهدا مثقفا ثقافة اسلامية واعية صحيحة. كان يحمل همّ التقريب بين مذاهب المسلمين انطلاقا من هدفه الذي كان يعيشه بكل وجوده، وهو عودة الامة المسلمة الى عزّتها وكرامتها ومكانتها على الساحة التاريخية. روحه التقريبية هذه سرت الى جماعة "الاخوان المسلمين" التي أسسها ورعاها وأشرف على مسيرتها. وآثاره لاتزال حتى اليوم موجودة بين جماعات الاخوان المسلمين. فهي الجماعة السلفية الوحيدة التي ترفض التعصب الطائفي وتقيم علاقاتها على أساس الاسلام وحده لا المذهب، ولا تعير أهمية للخلافات المذهبية.

الشيخ البنا هو الذي سمّى الدار

جدير بالذكر أن الشيخ حسن البنا كان من أوائل جماعة التقريب ومن المهتمين بدفع مسيرة الدار، وكان الحديث في الايام الاولى لتشكيل الجماعة يدور عن اسم للمؤسسة التي يهم الشيخ القمي بانشائها، هل تحمل اسم الوحدة، أو التعارف، أو التعاضد أو….؟ غير أن الشيخ حسن البنا اقترح اسم التقريب لأنه أقرب الى التعبير عن أهداف الجماعة. وحملت الجماعة والدار أسم التقريب، بناء على اقتراح هذا الشيخ التقي المجاهد.

صحيفة البنا تتبنى التقريب

لا بأس أن نذكر أن الشيخ كان مهتما أن ينشر في صحيفته ما يقرّب بين أهل السنّة والشيعة، وكان يتعاون مع دار التقريب في إيصال صوتها الى السعودية التي حظرت هذا الصوت آنذاك. ولا بأس أن أذكر إحدى ذكريات الشيخ القمي في هذا المجال.

بعد حادثة إعدام السيد أبو طالب اليزدي في الحجاز كما مرّ ذكرها انقطع سفر الايرانيين الى الحج لسنوات، ثم عاد حج الايرانيين، وعمدت دار التقريب الى نشر

مناسك الحج على المذاهب الخمسة أي مذاهب أهل السنة الاربعة ومذهب الشيعة الامامية، من أجل إزالة ما علق في الاذهان تجاه الشيعة إثر التشويش الذي حدث بعد إعدام السيد الايراني وخلال سنوات انقطاع الايرانيين عن الحج. هذه المناسك توضّح بمالا يقبل الشك أن السنة والشيعة متفقان في معظم مناسك الحج إن لم يكن كلها.

ما كان بالامكان إدخال هذه المناسك الى السعودية لتوزيعها في موسم الحج، لان التعليمات هناك لم تسمح بذلك آنئذ.

الشيخ حسن البنا وجد الطريق الى ذلك، فطبع كل هذه المناسك في صحيفته، وأدخلها في موسم الحج الى السعودية، وتوزعت بين الحجاج وكان لها أبلغ الاثر بين المسلمين.

وفي تلك السنة حجّ الشيخ حسن البنا، والتقى في أيام الحج بالعالم المجاهد آية اللّه أبو القاسم الكاشاني الزعيم الديني لحركة تأميم النفط في ايران.

ليلة استشهاد البنا

وبمناسبة الحديث عن الشيخ حسن البنا يذكر الشيخ القمي ليلة استشهاد البنا (رحمه الله). لقد كان في دار التقريب، وما إن خرج حتى انقطع التيار الكهربائي، وفي وسط الظلام امتدت الأيدي الآثمة لتصفي هذا الداعية الكبير. وقد تكون هذه الايدي هي التي صفّت الشيخ المدني في الكويت ثم الشيخ القمي نفسه في باريس.

هدايا الى السيد البروجردي

وبمناسبة ذكر انقطاع حج الايرانيين ثم عودته لا بأس أن أذكر حادثة ترتبط الى حدّما بدار التقريب أيضا. قبل عودة العلاقات بين ايران والسعودية جاء الملك سعود بن عبد العزيز الى إيران، وكانت له لقاءات بعلماء الدين حضرها الشيخ محمد تقي القمي. أوضح القمي للملك سعود أسباب الجهل الكامنة وراء إعدام السيد أبو

طالب اليزدي، وضرورة إزالة هذه الحالة وخلق جوٍّ من التفاهم بين المسلمين ليفهم بعضهم بعضا بمعزل عن الحساسيات الموروثة والدعاوات المضلّلة. وشرح له مايقوم به السيد البروجردي من جهود لخلق جوّ من الحوار والتعارف والتفاهم بين المسلمين. بعد عودة الملك سعود بعث حقيبة الى السيد البروجردي ومعها رسالة. والرسالة تقول: إن في الحقيبة خمس عشرة نسخة من المصحف الشريف وقطعة من ستار الكعبة المشرفة إضافة الى هدايا ثمينة أخرى. وكان ردّ السيد البروجردي في رسالة الى السفير السعودي في طهران جاء فيها: "…. فتحيرتُ في الأمر لأن سيرتي عدم قبول الهدايا من الملوك، والعظماء ولكن اشتمال هذه الهدية على القرآن الكريم وستار الكعبة الشريفة الزمني بقولها، فاخذت نسخ القرآن الكريم والقطع من حزام منار الكعبة الشريفة وأرسلت الحقيبة "بما بقي فيها" الى جنابكم هدية مني الى شخصكم لأكون على ذكر منكم في أوقات الصلوات والدعوات ولما كان أمر الحج في هذه السنين بيد جلالة الملك، أرسلت حديثاً طويلاً في صفة حج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) ".

كانت هدية السيد البروجردي للملك كتيبا يتضمن رواية تشرح حج رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يرويها الامام محمد بن علي الباقر (عليه السلام) الامام الخامس من أئمة أهل البيت عن الصحابي جابر بن عبد اللّه الانصاري (رضي الله عنه).

والرواية مذكورة في كتب أحاديث الشيعة وفي كل صحاح أهل السنّة عدا البخاري. وتتضمن كل أحكام الحج، وعليها المعوّل لدى علماء أهل السنّة والشيعة، ولذلك اتفق الفريقان في المناسك، خاصة فيما يرتبط بحج التمتع. اللهم إلا في طواف الافاضة، فهو عند الشيعة طواف النساء، والاختلاف في التسمية لا غير.

وإهداء هذا الكتيب له معنى عميق، فانه ينطق بمدى التقارب بين أهل السنة والشعية في واحد من أركان الاسلام، وهو نموذج للالتقاء والتقارب في سائر أحكام الاسلام المستندة الى القرآن والسنة. إنه دعوة الى التفاهم لازالة حالة الشك وسوء الفهم بين أبناء الامة الواحدة.

الشيخ القمي والثورة الاسلامية

كان الشيخ القمي إبان الثورة الاسلامية في ايران. وبعد الانتصار، وفي خضم الانفراط الطبيعي الناتج عن الثورة أساء نفر الى الشيخ القمي. ربّما تكون هذه الإساءة نتيجة خطأ في فهم الشيخ وفهم ارتباطاته بالزعماء السياسيين. لقد كان له ارتباط بالشاه وكان له ارتباط بعبد الناصر، ولكن حياته لم تسمح لأن يتسرّب اليها شك في عمالة - والعياذ باللّه - لهذا أو ذاك. وربّما تكون هذه الاساءة متعمّدة لابعاد هذه الشخصية عن الثورة الاسلامية. على أي حال حدث هذا الشيء المؤسف. غير أن الامام الراحل تدخل بسرعة وحلّ المشكلة. ويذكر أن الشيخ القمي أبرق بعد الانتصار الاسلامي الى الامام يهنئه بالانتصار ويشيد بالثورة وقائدها.

أحسّ الشيخ القمي برغبة في الاقامة خارج ايران، ربّما تأثّرا لما حدث له، أو رغبة منه في مواصلة نشاطه التقريبي. رحل الى باريس وأقام عند ابنته.

في تلك الأيام جاءني أحد الاخوان مهموما ومستغربا وبيده مجلة "المجلة" الصادرة من لندن، وفيها مقابلة مع الشيخ القمي يحمل فيها الشيخ على الثورة وقائدها. فوجئت بذلك وما كدت أصدق. كتبت رسالة اليه ذكرت فيها: أنك طالما ابتعدت عن السياسيين الكبار والصغار لاعتقادك أن دخول عالم الدين في لعبة مع هؤلاء ستسفر عن غلبة السياسيين حتما، فلماذا عملت هذه المقابلة، أليست تعني دخولك في هذه اللعبة. ثم إن هذه الثورة بما أعلنته من أهداف على لسان قيادتها تعتبر أكبر انتصار لوحدة المسلمين وأكبر انتصار للهدف الذي نذرت نفسك من أجله.

بعد أن استلم الرسالة اتصل بي تلفونيا، وقال: أنا أؤيد كل ما كتبته، إن هدف الثورة الاسلامية هو هدفي. والمحاولات هنا كثيرة لجعلي في صف المعارضة للثورة، ولكني رفضت باصرار، وكنت أقول لكل الساعين: إنني حين غادرت طهران، ودّعني ممثل عن الامام الخميني، وتلا في أذني دعاء السفر، رادا بذلك على من حاول تصوير وجود جفوة بيني وبين الثورة الاسلامية، أما بالنسبة للمقابلة فانها كاذبة تماما، وأنا كتبت لك رسالة في ذلك.

قلت له: هذه المشاكل تحدث لك بسبب وجودك في باريس، وطلبت منه أن يعود الى إيران. قال لي عبارة رَمـَـزَ فيها الى معنى: إني أخشى مَن خلفي!!

ثم جاءتني الرسالة وفيها يرفض بشدّة كل ما جاء في المقابلة. ويقول: كتبت ردا على هذه المقابلة وبعثته الى المجلة لكنها لم تنشره. اتصلت به تلفونيا وقلت له: هذا لايكفي، لابد أن تكتب بيانا تعلن فيه ذلك. طلب منّي عناوين بعض الشخصيات، وكتب بيانا وأرسله. لكن البيان لم يكن يخلو من تحفّظ، ربما بسبب الظروف التي كانت تحيطة والتي أشار اليها في حديثه الهاتفي رمزيا.

آخر ارتباط بالشيخ القمي

وحين عزم السيد القائد الامام الخامنئي على تأسيس المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، رأى أن رعاية حرمة السابقين تقتضي استشارة الشيخ القمي، وصلتني من سماحته رسالة شفوية بهذا الشأن الى الشيخ القمي، وأنا نقلتها اليه، فسُرَّ الشيخ كثيرا، وبعث عن طريقي بجواب جميل يتناسب مع ما ناله من إكرام السيد القائد.

ثم سمعت بأن هذا التكريم بعث فيه حيوية ونشاطا، ودفعه الى التحرك من جديد على طريق التقريب، بل وفكر في العودة الى القاهرة لاستئناف نشاطات الدار، لكن حادث الاصطدام أنهى حياة هذا الرجل الذي أصبح في عصرنا الحديث رمزا للتقريب.



[ Web design by Abadis ]