ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 من اصداء المؤتمر العاشر للوحدة الاسلامية

نشرت صحيفة تشرين السورية في عددها ٦٨٨٩ تحت عنوان "أصداء" تعليقا للدكتور عبد الكريم عبد الصمد على المؤتمر العاشر للوحدة الاسلامية الذي انعقد في طهران خلال اسبوع الوحدة الاسلامية. ثم نشر الدكتور حوارا مع الشيخ احسان بعدراني المشارك في المؤتمر المذكور. وهذا هو التعليق والحوار.

كان المؤتمر العاشر للوحدة الاسلامية متميزا حقا بما طرح من مواضيع هامة، مواضيع الفكر والحياة الاسلامية. وقد أفادنا الشيخ إحسان بعدراني الذي شارك في المؤتمر بأن الحوار تمركز بشكل خاص حول مسألة التقريب بين المذاهب الاسلامية وتحقيق التفهم الافضل والتفاهم المطلوب بين العلماء والمفكرين من أجل تحقيق الهدف الكبير … ومن هذا المنطلق فقد ثمن المؤتمرون - كما جاء في البيان الختامي للمؤتمر - وقدروا أرفع تقدير عمل المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الاسلامية، وأعلنوا تأكيدهم على نشر هذه الفكرة بين العلماء وتثقيف الجماهير الاسلامية أيضا بثقافة التقريب وشجبوا كل المحاولات الرامية للتفريق بين المسلمين وإيجاد او تضخيم النزاعات بينهم وتفتيت جهودهم وإهدار طاقاتهم الكبرى … كما وشجب المجتمعون كل المحاولات الرامية للنيل من قدسية الانبياء عبر الاساليب الادبية أو بشكل ملصقات وإعلانات كما فعل الصهاينة في فلسطين المحتلة أخيرا.

وأعلن المشاركون في المؤتمر وقوفهم الى جانب الشعب الفلسطيني في نضاله المتواصل ضد العدو الصهيوني، وشجبوا محاولات تهويد القدس وإهانة الانبياء وبناء المستوطنات، وحيوا نضال الشعب اللبناني لتحرير الارض. وقد تضمن البيان أهم القضايا العالمية… وفي الختام، قدم المشاركون شكرهم الجزيل

للجمهورية الاسلامية الايرانية ممثلة بقيادتها الاسلامية الرشيدة وشعبها على الحفاوة البالغة التي أولوها لهذا المؤتمر … هذا وكان الشيخ إحسان بعدراني قد ألقى كلمة في المؤتمر سبق أن نشرتها تشرين كاملة… واليوم ننشر حوارا مع الاستاذ بعدراني يعتبر متابعة لما جاء في الكلمة:

هل التراث الفقهي مفتاح لإخصاب الرؤية القرآنية نحو الوحدة؟

إن الوقوف عندالتراث الفقهي والانتصار عليه، واعتباره المساحة التي يجب التحرك ضمنها إنما يشكل عائقا بين المسلمين وبين الأخذ من النص الأصل، ألا وهو القرآن الكريم وفي الوقت نفسه يصبح عائقا في طريق الوحدة.

ليس التراث الفقهي الا مفتاحا يساعد على فهم القرآن. ويدعونا الى أن نعود إليه وهو في الوقت نفسه مفتاح الوحدة الاسلامية.

ليس التراث الفقهي حاجزا يحول دون الوصول الى النبع الأصل، والنهل منه وبالتالي ليس حاجزا بين المسلمين ووحدتهم الاسلامية.

هل يدعونا الاسلام الى أن نترك القرآن للسنة؟ هل يدعونا الاسلام بعدها الى أن نترك السنة لأقوال الأئمة؟

هل يدعونا الإسلام بعدها الى أن نترك أقوال الأئمة لمؤلفي المتون؟

هذه هي الصورة التي يسير عليها كثير من المسلمين… يدرسون المالكية من من العشماوية، ويدرسون الحنفية من متن نور الإيضاح. ويدرسون الشافعية من متن الغاية والتقريب، دون أن يكون هناك اتصال مباشر بالقرآن والسنة كمصدر أصل، وهما مصدر الوحدة.

هل المسلمون يتعلمون ليقرأوا أم يقرؤون ليتعلموا؟ هل همهم ضبط اللفظ ومراعاة أحكام التجويد والنظر الى الشكل دون المضمون والغاية والقصد؟

التراث الفقهي مهم لاخصاب الدراية بالآيات القرآنية، ولا يمكن له أن يحتل محل الآيات القرآنية في القدسية. والدراية طريق الوحدة.

ليس المطلوب القفز فوق التراث ومحاولة الاتصال بالقرآن وتقرير الاحكام، وإنما جهد المجددين يجب أن يكون مضاعفا، وهو الاستئناس بالتراث ليكوم مفتاحا

للاتصال بالقرآن.

التراث الفقهي ليس دينا، ولا مقدسا، لأنه من مفهوم البشر، وإنما يستعان به، وهو وسيلة للوصول الى الأصل حتى نبقى مشدودين الى القرآن والسنن، وبهذا نكون قد وضعنا الخطوة الأولى: لمنهاج العود الى القرآن، وهنا لابد من القول: إن الاغتراف من القرآن مباشرة يدعونا الى امتلاك الوسائل التي تمكننا من الوحدة الاسلامية.

ليس من ينظر الى جلباب عمر (رضي الله عنه) كمن ينظر الى لباب عمر (رضي الله عنه).

وإذا كان الفقه القديم لايجوز القفز من فوقه فهل هذا يعني نهاية المطاف في الفقه؟

التعبير القرآني فيه مرونة، وهذا ما أشار اليه الإمام علي (رضي الله عنه) عندما قام ابن عباس وجادل الخوارج، أن لا يكون الحجاج بالقرآن، فان القرآن حمال أوجه. ففي الصياغة القرآنية مرونة لكي تبقى وتكون ممتدة مع الزمن يستقبلها العبقري ويغوص فيها، ويصل اليها العامي ويستقر عند حدودها الاولى فكلمة (لاريب فيه) تسع القارئ للقرآن وهو صغير، وتسعه حين يصير كبيرا… (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا) [١].

والسؤال: إذا كان فهم القرون الاولى للقرآن هو الاصل الذي لايجوز القفز من فوقه فهل هذا يعني أنه نهاية المطاف الذي لم يدع استزادة لمستزيد في مجال المعاملات وامتداد الحضارات، وطوارىء المشكلات والمستجدات، التي تعبد طريق الوحدة؟

النبي (صلى الله عليه وآله) حسم هذه القضية عندما قال: "فرب حامل فقه الى من هو أفقه منه".

وهو الذي قال: "بلغوا عني".

وهو الذي قال: "فرب مبلغ، أوعى من سامع".

والقرآن الكريم يقول؟ (ثلة من الاولين وقليل من الآخرين).

ـ

١ - النساء / ٨٢.

ويقول (ثلة من الاولين وثلة من الآخرين).

وهذا يعني أن العصور الممتدة التي جاءت بعد القرن الاول، قرن صاحب الرسالة ومن معه، فيها من غير شك عمالقة في فهمهم، لا يقلون عن العصر الاول.

وقد جاء في الحديث: "أمتي كالغيث، لا يُدرى أوله خير أم آخره".

رواه ابن عساكر عن عمرو بن عثمان مرسلا.

وفي رواية "أمتي مباركة، لا يدرى أولها خير أم آخرها".

القرآن الكريم خطاب الزمن كله، خطاب الأجيال كلها، ولا يمكن أن يجمد عند فهم معين في عصر معين.

نحن نستصعب فهم السابقين فيما يتصل بالآفاق الاخرى، آفاق - الكون والحياة، والعلوم الإنسانية، وغيرها، ذلك الفهم الذي وقف عند حد، وإن العصور المتأخرة لابد أن تزيد.

(سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق، أو لم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد) [١].

أما ما يتصل بفرائض العبادات، من صلاة وصوم وحج وزكاة مثلا، فقد كفانا السابقون بما أتوا عنها وما اجتهدوا فيها وعلينا أن نأخذ منها ما يقود للوحدة.

إن حاجتنا الى فقه سنن اللّه في الكون اليوم كحاجتنا الى فقه العبادات… والسنن تعني القوانين المطردة التي هي فقه العبادات… والسنن تعني القوانين المطردة التي لا تتخلف الا في قضايا السنن الخارقة، وهذا الفقه هو واحد من دعائم الوحدة الاسلامية.

ليس هناك فوضى في الكون، وسنن هذا الكون انطبقت على صاحب الرسالة، محمد (صلى الله عليه وآله)، ومن كان معه، نصرا وهزيمة.

انطبقت عليهم هزيمة، عندما قصروا في اتخاذ الأسباب المطلوبة لاستكمال النجاح في "أحد" وقيل لصاحب الرسالة: (ليس لك من الأمر شيء) [٢].

ـ

١ - فصلت / ٥٣.

٢ - آل عمران / ١٢٨.

قال تعالى: (ولقد صدقكم اللّه وعده اذ تحسونهم بإذنه حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدما أراكم ما تحبون. منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة. ثم صرفكم عنهم ليبتليكم. ولقد عفا عنكم…. ) [١].

وانطبقت عليهم نصرا، عندما ألحقوا بالمشركين (بقريش) الهزيمة في (بدر) حيث قال تعالى: (ذلك بما قدمت أيدكم وإن الله ليس بظلام للعبيد كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كفروا بآيات اللّه فأخذهم اللّه بذنوبهم إن اللّه قوي شديد العقاب. ذلك بأن اللّه لم يك مغيرا نعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وأن اللّه سميع عليم) [٢].

القانون الذي انطبق على الفراعنة انطبق على المشركين.

(إن اللّه لا يصلح عمل المفسدين) [٣].

(إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم) [٤].

إن تعطيل قانون السببية بشيوع فلسفة الجبر من جهة والتي أدت الى أن ساد التواكل واضمحلت الفاعلية، والى شيوع عقيدة القدر من جهة ثانية بحيث أخذ المسلمون ينظرون الى أنفسهم على أنهم ريشة في مهب الريح، يدعونا اليوم إلى إدراك سنن اللّه في الكون وحسن تسخيرها والانتقال من موقع الانفعال المجرد الى موقع الفعل.

وهذا الادراك هو واحد من أسباب قيام الوحدة الاسلامية.

هل لأحد من الناس أن يلزم الناس بما عنده؟ وبعبارة أوضح: هل ما يصل إليه الإنسان باجتهاده هو رأي، أم دين مقدس؟

إذا كان هذا الاجتهاد هو رأي. فهل هذا الرأي معرض للخطأ والصواب؟

واذا كان هذا الرأي معرضا للخطأ والصواب، فإنه يمثل فهم شخص وقد يفهم آخر من خلال ما يتمتع به من الامكانية والموهبة والكسب المعرفي أو النظر فهما آخر.

ـ

١ - آل عمران / ١٥١.

٢ - الانفال / ٥١ - ٥٣.

٣ - يونس / ٨١.

٤ - الرعد / ١١.

يمكن اعتبار الآراء في النصوص التي تقبل الاجتهاد ضمن إطار إغناء الرؤية القرآنية، وبذلك نخلص من مطاردة التحريم، والتكفير، والتخطي. وهذه المطاردة واحدة من الأسباب التي تبعد الوحدة.

القرآن جاء بالمبادئ وترك الاجتهاد في تنزيل النص على الواقع (النص العام) لأن الإسلام ربط الحق بالمنفعة: (كذلك يضرب اللّه الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء. وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض) [١].

فالحق نفاع للناس، وفيه صالح الامم، والباطل مضر للناس، وفيه هلاك الامم.

الترف باطل وحرّمه الاسلام لأن فيه الفساد في الارض. فكيف نمنع تكونه؟

ليست هناك وسيلة معينة، وإنما تركت الوسائل لاجتهاد مطلق.

الامام مالك (رضي الله عنه) كان يرفض أن يعتبر رأيه دينا.

ومعروف من حكمته أنه رفض وهو صاحب الموطأ، أن يفرض على الناس لأنه قد تبدو للناس علوم أو معارف أخرى، وهذا من صميم الدين الاسلامي.

ليس لأحد أن يلزم الناس بأن ما عنده هو الدين، وهو المقدس.

باب الاجتهاد في العبادات أخذ حقه هل الاجتهاد في المعاملات الادارية والاجتماعية والدولية وغيرها لم يأخذ حقه؟

وهذا واحد من الأسباب التي قصر فيها المسلمون، فكان سببا في بعد الوحدة عنهم.

النبي (صلى الله عليه وآله) لم يلتزم التخميس عندما وزع غنائم هوازن وثقيف، فقد حرم بعض الصحابة "الانصار" من هذه الغنائم.

وعمر (رضي الله عنه) صنع مثل هذا عندما رفض أن تقسم الأرض المفتوحة، وفرض عليها الضرائب، وأعطى الفاتحين انصبة، أو مرتبات، من هذه الأرض المفتوحة.

هل الإسلام قوالب ثابتة، أم مبادئ وقيم ثابتة؟

الاجتهاد تنزيل نص على حادثة معينة.

ـ

١ - الرعد / ١٧.

مازعم أحد من الأئمة أنه أصاب الحق الذي يريده اللّه سبحانه، بل كل منهم قال: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

وبقي الود بين الأئمة، وبقي التواضع عند كل واحد منهم لأنه بذل الجهد لمعرفة مراد اللّه سبحانه وتعالى، ومراد نبيه محمد (صلى الله عليه وآله).

أبو حنيفة يرى أن قراءة المأموم للفاتحة حرام.

الشافعي يرى أن قراءة المأموم للفاتحة واجبة.

ومع هذا يسأل الشافعي عن أبي حنيفة فيقول: الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة، ولو سئل أبو حنيفة لقال: إن الناس عيال على الإمام جعفر الصادق.

بعض أتباع المذاهب ممن ضاق فكرهم وقل علمهم وأدبهم، يرون الرأي تبعا لفكر اجتهادي لصاحب مذهبهم، ثم يلغون أو ينسون المذاهب الاخرى… وهذا واحد من الاسباب التي تبعد الوحدة عن المسلمين.

الرسول محمد (صلى الله عليه وآله) لم يستخلف احدا.

ابو بكر الصديق (رضي الله عنه) استخلف واحدا.

عمر الفاروق (رضي الله عنه): استخلف ستة يختارون من بينهم.

ليست هناك صورة معينة محددة، ومن هنا ليس هناك من يستطيع أن يقول: أنا أولى بالحق من غيري. الصحابة الكرام اختلفوا في قوله (صلى الله عليه وآله): "لا يصليّن أحد العصر الا في بني قريظة".

هل يصلون العصر في بني قريظة أو يصلونه في الطريق؟ ولم ير الرسول (صلى الله عليه وآله) في آراء الصحابة حرجا، بل جمعهم صفا واحدا أمام اليهود، ولم يعلق على هذا الموضوع ولم يتوقف عند الامر.

كذلك الامر بالنسبة لمن تيمموا وصلوا ثم وجدوا الماء قبل مضي وقت الصلاة، فتوضأ بعضهم وأعاد الصلاة، ولم يعدها بعضهم الآخر، فالذي أعاد الصلاة قال له الرسول (صلى الله عليه وآله): "نور على نور".

والذي لم يعدها قال له: "أجزأتك صلاتك".

وفي آية مثل قوله تعالى: "أو لامستم النساء" هل مطلق اللمس ينقض الوضوء؟

أم المقصود باللمس هنا، لمس معين؟

الرأي ليس دينا مقدسا، ولا تفريقا للدين، بل هو اجتهاد في فهم النص، وليس لأحد أن يقول: بأن الخروج عليه إثم، أو باطل، أو حرام، أو كفر، وإن حدث ففيه تفريق وليس توحيد.

الناس يتفاوتون في فهم القرآن تفاوتا عجيبا، وهذا التفاوت بقدر ما يؤتي أحدهم من إدراك.

الناس أوان، دقتها وسعتها من عند اللّه، فالمطر ينزل فيملأ الآنية الصغيرة والآنية الكبيرة.

هناك من يستطيع أن يفهم في القرآن أو السنة أمورا يهديه اللّه اليها وفي الوقت نفسه يستغربها غيره حين تساق اليه وهي من مصدر واحد، ألا وهوالقرآن. وهذا سر ماجعل علي بن ابي طالب (رضي الله عنه) يقول: "إلا فهما يؤتاه رجل في كتاب اللّه".

قال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها) [١].

ـ

١ - الرعد / ١٧.



[ Web design by Abadis ]