ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 خطاب الوحدة الاسلامية \ لاستاذ زكي الميلاد

عرض: التحرير

كتاب من القطع المتوسط يقع في ٣٢٠ صفحة، طبعته الاولى سنة ١٩٩٦ ببيروت - دار الصفوة، يهديه كاتبه الى من "زرعتم في قلب هذه الامة بذرة الوحدة… (و) بذلتم من حبر القلم ودمع العين أمل الوفاق … (و) تخطيتم الصعاب لإشراقة شمس الحرية … (و) الى كل نداء بالتآلف والتقارب والتسامح. (و) الى كل داعية لقيم الخير والعدالة والاخاء".

الكتاب يتضح من عنوانه بانه استقراء لنشاطات الوحدة الاسلامية، وتركيز على مساهمة الفكر الشيعي فيها.

يقول الكاتب في المقدمة:

"من "طنجة" غرباً، الى "جاكرتا" شرقا، مقلق مانراه من التمزق والتفتت والانقسام، الظاهرة التي مضى عليها زمن طويل، ولاتزال تأخذنا بقوة تداعيتها في حاضرنا وعلى امتداد العالم الاسلامي. ولا نعلم متى نضع حداً لنهايتها. فأينما تذهب يأتيك الحديث عن هذا التمزق والتفتت والانقسام، وبين من! بين أبناء القبلة الواحدة، والدين الواحد، والكتاب الواحد.

هذا الواقع البائس هو الصورة الحقيقية لما وصلنا إليه بما كسبت أيدينا. الواقع الذي هو أكبر من أن نخفيه ونتكتم عليه. وهذه المشكلات هي من أشد حالات

التخلف، لأن الحضارة تعبر عن نفسها بالعلاقات المتطورة، وبالتواصل الذي يتصف بالإيجابية والحيوية بمختلف أشكالها وأنماطها، وبالتعايش الكريم، وبتحويل الفروقات الى مصادر للتنوع والإثراء الحيوي. ومتى بدأت الحضارة تبدأ معها مسيرة الوحدة التي تأخذ حركتها التصاعدية. لأن مكتسبات الحضارة هي مقومات فاعلة في تدعيم وتجذير حركة الوحدة. ومن هذه المقومات الارتقاء بالانسان علمياً وثقافياً، تحسن مستويات المعيشة، تطور النظم والعلاقات الاجتماعية، التعاون والشراكة في الإنماء والإعمار، سيادة القيم والمبادئ الحضارية الى غير ذلك. فهذه المقومات لا تنفصل ومسيرة الوحدة في الأمم. ومتى مابدأ التراجع، بدأت حركة الوحدة بالانكسار وحلّ مكانها ما هو ضد الحضارة من التمزق والتفتت والانقسام.

وماهو جدير بالاهتمام أن الوحدة من المصالح العليا عند كل الأمم والشعوب، لأنها من الشروط الأساسية والمحرزة في حفظ النظام العام وفي قوامه وفاعليته، وهو الذي أكد عليه الفقهاء، وطالبوابه، وبتحصيل كل ما يدخل في عنوانه كالواجبات التي اصطلح عليها في الفقه الإسلامي بالواجبات الكفائية ومنها الطب والنظام السياسي وكل المؤسسات والأنشطة والفعاليات التي يتوقف عليها حفظ النظام العام وقوامه.

وحان الوقت الذي، نقف فيه وقفة جريئة في نقد الذات، ومن غير هذا النقد فلا إصلاح، ولا تجديد، في أوضاع الأمّة. فما من أمة نهضت إلا بعد اكتشاف ذاتها. وما نريده من نقد الذات هو اكتشاف ماهو أصيل من ماهو دخيل، واكتشاف ماهو حي من ماهو ميت، وما هو حضاري من ماهو ميت.

وأعتقد أننا في مرحلة وصلنا فيها الى أن نكون في مستوى الشجاعة على نقد الذات، وماهذا النهوض الاسلامي والصحوة الاسلامية إلا بداية لاكتشاف الذات ونقدها.

هذا من حيث الفعل; أما من حيث القوة فتتأكد هنا أهمية وضرورة الترشيد لحركة الصحوة الاسلامية وتوجيهها نحو المسارات الحضارية التي ترتبط بالمصالح العليا للأمة. ومع هذا النهوض الذي حصل في الأمّة والذي يشكل بداية سليمة على طريق البناء الحضاري، إلا أن الواقع بفعل التراكمات التاريخية لايزال يختزل اشكاليات ذهنية حرجة، ومشكلات تطبيقية صعبة. فلا يزال الشيعي يصعب عليه أن يتعايش مع السني، وهذا الآخر يصعب عليه أن يتعايش مع الشيعي. ولا يزال الحوار واللقاء بينهما صعباً. هذا هو الواقع الذي قلنا عنه، الواقع المر والرديء.

هذه هي الحقيقة بل هي جزء من الحقيقة، لأننا لم نتطرق الى ظاهرة التكفير، وكأن الإسلام ليس بيننا ديناً للتسامح، والحوار، والمجادلة بالتي هي أحسن، دينٌ للمودة والعفو والرحمة، دينٌ للعدل والمساواة والإخاء، دين للسلم والسلام والأمن… لا أدري كيف سنصف هذه العصور لو ارتقينا الى سلم الحضارة! هل سنصفها بالقرون الوسطى في تاريخ المسلمين وبعصر الظلام والظمات أم بأكثر من هذا…

فلنتدارك هذا الانحدار الخطير بأيد متحدة، وقلوب مجتمعة، وفكر لنغلق ملفات الماضي، ولنفتح ملفات المستقبل.

ولنصارح أنفسنا أكل هذا يحصل والقرآن بين أيدينا.

هو الجهل، بل هو العلم، لكن ليس علم النور والبصيرة والهدى، إنما العلم المغلف بالجهل، أو الجهل المغلف بالعلم.

العالم من حولنا يتغير ويتقدّم وقد دخل مرحلة تاريخية جديدة، ونحن نعيش خارج التاريخ، على هامش الزمن، ولدينا من الطاقات البشرية والزراعية والمعدنية الكثير، لكنها في ساحة الفعل لا تأثير لها ولا فاعلية.

لنرجع ونقول: (إن اللّه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

وحينما بحثت في هذا الموضوع وجدت نفسي أقف على تراث مشرق ينبض بالروح ويتلألأ ناصعاً، تتزاحم فيه عناصر الحياة، ومقومات النهوض، وإذا بي أجد نفسي بين نفحات من الروح تغمرني، وتأخذني بخيالات عدتُ بها الى ماض حي، وتحلق بي الى مستقبل تقنا وما وصلنا اليه.

نعم كان لنا عظماء، ومايزالون، كان لنا رجالات الوحدة، والتضامن والوفاق. ليتنا نعود ونسمع صرختهم من جديد، ونتعلم من مدرستهم مدرسة الوحدة الاسلامية الكبرى… لقد كانوا لكل الأمة، لكل قيم الخير والعدل والاحسان والتسامح، لكل قيم الوحدة والتعاون والتقارب والوفاق".

أما لماذا التركيز على الفكر الاصلاحي الشيعي يقول:

أولا: لضرورات منهجية تتعلق بإمكانية حصر البحث، وتوفير المعلومات، والإحاطة الممكنة بالبحث.

ثانياً: لأننا في العالم الشيعي بحاجة الى هذا الفكر الاصلاحي، والى إحيائه، لأسباب وظروف، أترك للواقع مهمة الافصاح عنها.

ثالثاً: إن التاريخ الشيعي لم يؤرخ - بفتح الراء - له بعدالة وانصاف، ولا تجد له حضورا في التاريخ الاسلامي العام".

في الفصل الاول من الكتاب مدخل في الاطار المعرفي والمنهجي. ويتناول مانزل بالتاريخ من تحريف وتزييف ويخلص الى النتيجة التالية:

"التاريخ الاسلامي كما هو مصنف في كتب بعض المؤرخين، بل كثير منهم، هو تاريخ تفريق وشقاق ويكرس الطائفية والتجزئة في الأمة… وهذا من المشكلات الخطيرة علمياً ومنهجياً في كتب التاريخ.

فهل نريد أن يكون تاريخنا تاريخ تفريق ونزاع وشقاق، ونحن نتطلع الى مستقبل حضارة، وهل إن الحضارة تنمو وتتقدم مع الفرقة والنزاع والشقاق… أم إن الحضارة تنهض على أرضية الوحدة والتعاون والتقارب…. كيف نصدق أنفسنا أننا نريد الوحدة وبوصلة تاريخنا تسير بنا نحو التفكك والانقسام…؟ !

كما لا نريد ان نحمِّل التاريخ مالا يحتمل.

إن التاريخ الاسلامي الذي نريده هو تاريخ التوحيد وليس التفرقة، تاريخ التقريب وليس التبعيد، تاريخ الانصاف والموضوعية وليس الاجحاف والانفعالية، تاريخ احترام الذات والآخر، تاريخ الأمّة، وليس السلطان، تاريخ العلم وليس المال، تاريخ الحضارة وليس الحرب… هذا الذي نريده في إعادة كتابة التاريخ الاسلامي من جديد وبرؤية نقدية معرفية جديدة…

والتاريخ الشيعي ليس مفصولاً ولا مقطوعا ولا عرضياً على التاريخ الاسلامي العام كما لا نريد له أن يكون كذلك.

نحن نعلم أن ما تعرض له التاريخ الشيعي من تحريف وتزييف يفوق بكثير ما تعرض له التاريخ الاسلامي العام.

وحان الوقت، وبعد أن سبقنا كثيراً، أن نعيد النظر في هذا التاريخ ونعيد له الانصاف والموضوعية والاحترام والاعتبار، إنصافاً وموضوعية واحتراماً واعتباراً للحق والحقيقة".

وبعد أن يتناول الكاتب بعض التجارب التقريبية عبر حركة السيد جمال الدين ومؤتمرات القدس ودار التقريب ومجلتها رسالة الاسلام ومشاريع الوحدة الاسلامية في إيران الاسلام، يدخل في نقد معرفي لازمة الحوار الاسلامي عامة وأزمة الحوار السني الشيعي يشكل خاص. ويرى أن مشكلات المنهجية في الحوار هي:

"أولاً: أن يفكر كل طرف مسبقاً في الانتصار على الطرف الآخر، والنتيجة انهزام الطرفين، لأن كل طرف لن يرضى لنفسه بانتصار الطرف الآخر عليه… بينما منطق القرآن الحكيم في الحوار (وإنا أو إياكم لعلى هدىً أو في ضلال مبين) [١] إستيعاب هذه الآية يساهم في إعادة تشكيل العقل المسلم حيث تجذبه للحوار وبمنهجية موضوعية متوازنة توحي للطرف الآخر بضرورة تقصي الحق وقصد الحقيقة.

ثانياً: إننا نريد الحوار لكي يفهم بعضنا بعضا، ويتعرف على وجهات نظر كل طرف وعن قرب، ومن خلال منهجية الحوار.

وفي هذا الصدد يقول العلامة الشيخ "محمد جواد مغنية"] ١٣٢٢ - ١٤٠٠هـ / ١٩٨٠م [(إن في كتب الشيعة الامامية اجتهادات لا يعرفها الخواص من علماء السنة، ولو اطلعوا عليها لقويت ثقتهم بالشيعة وتفكيرهم، وكذا الشأن بالقياس الى كتب السنة وعلماء الشيعة، إن اطلاع كل فريق على ما عند الآخر من أقوى البواعث على

ـ

١ - سبأ / ٢٤.

تمهيد السبيل للتقريب بين الأخوة، من حيث يدرون أو لا يدرون) [١].

ويعزز هذه الحقيقة الشيخ "حبيب آل ابراهيم" صاحب كتاب "الحقائق في الجوامع والفوارق" بقوله: (ما الطائفة الشيعية إلا كغيرها من الطوائف السنية، فكما يوجد اختلاف بين الحنفية والشافعية، وبين الشافعية والمالكية وهلم جرا، كذلك يوجد بين الشيعة وغيرها، بل لا يكاد يوجد مسألة للشيعة فيها حكم إلا ولهم من السنة فيها موافق) [٢].

ويثبت هذه الحقيقة من علماء السنة الشيخ "سليم البشري"] ١٢٤٨ - ١٣٣٥هـ / ١٨٣٢ - ١٩٩٦م [بقوله: (لا يوجد في مسائل الفقه المروية عن آل البيت، ما يخالف المسائل المروية في كتب جمهور أهل السنة) [٣].

ثالثاً: إن المنهجية التي نريدها في الحوار، هي منهجية (الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم اللّه وأولئك هم أولوا الألباب) [٤].

فالحوار هو لاختيار أحسن الأقوال من أية مرجعية فكرية كانت بعيداً عن التعصبات والحساسيات المذهبية، بتحكيم العقل (وأولئك هم أولوا الألباب) ".

والوصول الى أحسن الأقوال بعد معرفة واستيعاب مختلف الآراء وتقليب النظر حولها وبتجرد علمي… وهذه هي منهجية التفاهم والتقريب…

رابعاً: ليست مهمة الحوار إلغاء نقاط الاختلاف حتى نصل الى نقاط الاتفاق، فهذه ليست منهجية علمية ولا تصل بنا الى التفاهم والتقارب… لأن إقصاء نقاط الاختلاف والخلاف ليس ممكناً، بل ليس مطلوباً - أيضاً - .

فما نريده من الحوار أن نعرف أين نختلف وأين نتفق، ونؤسس الاختلاف أو الخلاف على أسس علمية محكمة ونجردها من التعصبات، ونحررها من التزييف

ـ

١ - دعوة التقريب بين المذاهب الاسلامية / ١٠٧.

٢ - الحقائق في الجوامع والفوارق. الشيخ حبيب آل ابراهيم / ١٠.

٣ - الاسلام بين السنة والشيعة. هاشم الدفتر المدني ومحمد علي الزعبي، ٢ / ٢.

٤ - الزمر / ١٨.

والتحريف السياسي والتاريخي والكلامي. ونؤسس الاتفاق على قاعدة علمية رصينة وثابتة.

وعن ذلك يقول الشيخ "محمد حسين آل كاشف الغطاء" (ليس المراد من التقريب بين المذاهب الاسلامية إزالة أصل الخلاف بينها، بل أقصى المراد وجل الغرض هو إزالة ان يكون هذا الخلاف سبباً للعداء والبغضاء، الغرض تبديل التباعد والتضارب بالاخاء والتقارب) [١].

وعن هذه المنهجية يقول العلامة السيد "مرتضى العسكري" (لن يتحقق أي تقارب أو تفاهم بين المسلمين دون تدارس مسائل الخلاف والبحث عن منشئها ثم المبادرة الى علاجها) [٢].

خامساً: ضرورة ان يخرج الحوار من إشكاليات الماضي ورواسب الواقع الى تجديد خطاب ثقافي للوحدة الاسلامية يتأسس على المعطيات الجديدة في الوضع الاسلامي، والتحولات العالمية الكبرى، وعلى قراءة جديدة وواعية للمستقبل وحساباته الشاملة.

فخطاب الوحدة الاسلامية ينبغي أن يتجدد ويصاغ بمعرفية جديدة، يشترك في تأسيسه وصياغته كل الفرقاء وعبر منهجية الحوار…

وأخيراً علينا أن ننتبه الى أزمة الحوار الاسلامي، والى إعادة النظر في هذه الأزمة، للنهوض بمشروعات الحوار الاسلامي لخلق الأرضية الحيوية والخصبة لمشروعات الوحدة الاسلامية".

والفصل الثاني من الكتاب يتناول "تطور مساهمات الشيعة في مشروعات الوحدة الاسلامية".

يلقي فيه نظرة على بعض الشخصيات مثل: محمد بن مكي العاملي المعروف

ـ

١ - دعوة التقريب بين المذاهب الاسلامية / ٦٧.

٢ - معالم المدرستين: بحوث ممهدة لتوحيد كلمة المسلمين. السيد مرتضى العسكري، طهران: مؤسسة البعثة ١ / ٢٣.

بالشهيد الاول، وزين الدين بن علي العاملي الملقب بالشهيد الثاني، والسيد حسين البروجردي، ومحمد حسن الشيرازي، والشيخ محمد رضا المظفر، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والشيخ محمد صالح المبارك، والشيخ محمد تقي القمي، والشيخ محمد جواد مغنية، والسيد محمد باقر الصدر، والسيد أبو القاسم الخوئي، والسيد محمد رضا الكلبايكاني.

واضافة الى مساهمة أولئك الاعلام يسلّط الضوء بشكل خاص على من احتلت هموم وحدة المسلمين الجانب الاكبر من حياتهم وهم:

الشيخ عبد الكريم الزنجاني، والسيد محسن الامين، الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والسيد عبد الحسين شرف الدين، والشيخ أبو الحسن الخنيزي.

ثم يعرض في الفصل الرابع بعض النصوص من الفكر الاصلاحي الشيعي حول الوحدة الاسلامية.

الكتاب محاولة هامة لابراز جانب من تاريخ هموم اسلامية في الوحدة والتقريب، وخاصة لدى الشيعة، ويحمل الدليل القاطع على أن الرسالية تعلو على المذهبية لدى كل من يخلص وجهه للّه في علمه وعمله. كما أنه جهد توحيدي مشكور أمام الجهود الضخمة التي تبذل في سبيل تكريس التفريق والتشتيت والحساسيات الطائفية.



[ Web design by Abadis ]