ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 محور الادب

المجلة غنية بالمادة الادبية، ولا عجب في ذلك فانها صدرت في مهد النهضة الادبية الحديثة مصر، حيث روّاد الشعر والنثر، وحيث كتّاب تاريخ الادب وكبار النقّاد.

وفي المجلة دراسات لكبار الباحثين في الادب مثل عبد السلام محمد هارون [٦]، وعلي الجندي، وعبد الجواد رمضان [٧]، وعلي النجدي ناصف [٨]، وأحمد الحوفي [٩]، ومحمد غنيمي هلال [١٠].

والجانب التقريبي في هذا المحور هو ما نشر حول "أدب الشيعة". والواقع أن هذا الاسم، قد يوحي الى الاذهان بأنه يقابل "أدب السنة" وليس كذلك أبدا. لأن الادب الشيعي خاصة في القرون الاولى يدور حول الولاء لآل بيت رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، وهذا الولاء يقوم على أساس ولاء عاطفي للاسلام ولرسوله الكريم، وولاء فكري لتعاليم الاسلام، وعلى أساس براءة من كل الظالمين والمتلاعبين بمقدرات الاسلام والمسلمين، وكلّ الساعين الى تحريف كتاب اللّه وسنّة رسوله. وكانت هذه العاطفة مقرونة دائما بايمان بما جاهدوا في سبيله من عدالة اجتماعية وسياسية واقتصادية [١١].

وفي هذا الملف ننشر مقال الشيخ عبد الجواد رمضان تحت عنوان:

صدق العاطفة

في الشعر الشيعي [١٢]

وفيه يتحدث عن حب آل البيت في الشعر الشيعي باعتباره شعبة من شعب الاسلام، والعاطفة في هذا الشعر صادقة غير مشوبة ولا مصطنعة، وأن شعراء الشيعة يدلون بطابع النبوة الذي يميّز الطالبيين، ويقارن بين هذا الشعر وشعر من خالفهم من أنصار بني أمية أو العباسيين. يقول:

كل مسلم شيعي; وكأن الشاعر الذي يقول:

حب آل النبي خالط قلبي *** كاختلاط الضيا بماء العيون

إنما يترجم عن عاطفة كل مسلم; وهل التشيع إلا حب آل محمد؟ ومن هذا الذي لا يحب آل بيت رسول اللّه الألى أذهب اللّه عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا؟

مَلامَك في أهل النبي فإنهم *** أحباي ما عاشوا وأهل ثقاتي

تخيرتهم رشداً لأمري فإنهم *** على كل حال خيرةُ الخيرات

فيارب زدني من يقيني بصيرة *** وزد حبهم يارب في حسناتي [١٣]

هذا الحب الذي هو شعبة من شعب الاسلام، ظاهرهُ عواطف أسى عميقة على ما أصاب أهل هذا البيت من كوارث، وما اصطلح عليهم من محن، وما اعتورهم من نكبات، في مختلف الأوطان والعصور الإسلامية، مما جعل حديثه شجى كل نفس، ولوعة كل قلب; ولم يلطف من طغيان هذه العواطف، أن آل البيت أنفسهم كانوا هم المغامرين دائما، بطلبهم للخلافة [١٤]، واستبسالهم في سبيل الوصول إليها، ومن طلب الحسناء لم يغلها المهر; وإذا كانت النفوس كبارا، تعبت الأجسام في مرادها; بل زادها اشتعالا وتأججا، أن المبالغة في التنكيل بهم أظهرتهم في مظهر المظلومين المعتدى عليهم، فكان العطف عليهم أعم، والتأثر لمصابهم أوجع.

هذه العواطف غير المشوبة، ولا المصطنعة، أضفت على الشعر الشيعي كله لوناً حزيناً باكياً، تحته جيشان نفسي ثائر; ذلك لدمهم المطلوب، وهذا لحقهم الممطول، وبين هذا وذاك، فخر يَفرع السماء بِـرَوْقيه، ومجد يطاول الأجيال، فكن ناصبياً، أو أمويا، أو خارجيا; قحطانيا أو عدنانيا; واقرأ شعر الشيعة، فإنك - بلا ريب - واجد فيه مصداق ما أجملت.

ولئن قيل إن مصرع الحسين بن علي رضي الله عنهما، على مبلغ فجيعته، لم يُؤثَر فيه شعر يستحق أن يروى، وهذا حق، لقد كان ذلك لتهيب الشعراء جانب بني أمية، وخشية قوارعهم.

هؤلاء ثلاثة من فحول الشعراء العباسيين، أحدهم عباسي، والآخران شيعيان يتناولون معنى واحدا، فيختلفون في أدائه اختلافا واضحا، ويختلف أثره في النفوس كذلك اختلافا واضحا، ولكن الذي لا يشتبه ولا يختلف هو أصالة العاطفة في بعض، واصطناعها في بعض.

يقول الكميت بن زيد، محتجا لبني هاشم على بني أمية في إحدى هاشمياته:

بخاتمكم غصبا تجوز أمورهم *** فلم أر غصبا مثله يُتَغصَّب

ويقول مروان بن أبي حفصة، محتجا لبني العباس على الطالبيين، في لاميته التي مطلعها:

طرقتك زائرةً فحيِّ خيالها *** بيضاءُ تخلط بالدلال جمالها

والتي يقول يونس بن حبيب لمروان: إنها أجود من لامية الأعشى، التي مطلعها:

رحلت سميةُ غدوةً أجمالها *** غضبى عليك، فما تقول بدالها؟

فيقول مروان: إنك تهزأ بي، فيقول يونس: لا. إنه يقول فيها: فأصبتُ حبةَ قلبها وطحالها، و"طحالها" لا يقولها شاعر. يقول مروان:

هل تطمسون من السماء نجومها *** بأكفكم، أم تحجبون هلالها؟

أم تجحدون مقالة من ربكم *** جبريل بلَّغها النبي فقالها؟

شهدت من الأنفال آخر آية *** بتراثهم فأردتمو إبطالها! [١٥]

ويقول مروان محتجا أيضا في قصيدة أخرى:

الوحي بين بني البنات وبينكم *** قطع الخصام، فلات حين خصام

ما للنساء مع الرجال فريضة *** نزلت بذلك سورة الأنعام

أني يكون، وليس ذاك بكائن *** لبني البنات وراثة الأعمام

ألغى سهامهم الكتاب فحاولوا *** أن يشرعوا فيها بغير سهام

ويقول دعبل الخزاعي:

ألم تر اني مذ ثلاثين حجة *** أروح وأغدو دائم الحسرات

أرى فيئهم في غيرهم متقسّما *** وأيديهم من فيئهم صفرات

أنظر كيف سما الكميت بالمعنى، فجعل أمور بني امية، إنما تنفذ بالخاتم الهاشمي الذي غصبوه غصبا لم يعهد في الغصب له نظير، وما هذا الخاتم غير الخلافة! فهو ينعى على الأمويين أنهم يحكمون باسم الهاشميين ظلماً وعدوانا، لا أنه يريد أن يثبت حق الهاشميين في الخلافة، فذلك مقرر مفروغ منه، لا ينتطح في الخلاف فيه عنزان!

وكذلك يفعل دعبل، فهو يكني بالفيء عن الخلافة، ويضيفها اليهم مرتين; وكما عجب الكميت لذلك الغصب الغريب، تحسر دعبل على تقسم الفيء في غيرهم من زبيريين وأمويين; سفيانيين ومروانيين، ثم عباسيين; وخلوّ أيديهم من ذلك الفيء!

وكلا النسقين في أسلوب الكميت ودعبل، نسق شعرى بالغ الجودة، رائع الأداء، ينبض حركة، ويسمو روحا.

فأما مروان، فقد مضى بلاميته مدوِّية رائعة، ساحرة، حتى إذا انتهى إلى الاحتجاج، خرج بها إلى الفقه! فأسف وسفسف، معنى وأسلوبا، وفقد كل أثر شعرى كانت تزخر به قصيدته قبل ذلك. ولكي تلمس اختلاف وفقد كل أثر شعري كانت تزخر به قصيدته قبل ذلك. ولكي تلمس اختلاف النسق واضحا، أروي لك ما سبق الاحتجاج، فليس بعد العيان بيان، قال:

أحيا أميرُ المؤمنين محمد *** سنن النبي: حرامها وحلالها

ملك تفرّع من ذؤابة هاشم *** مدَّ الإلهُ على الأنام ظلالها

ثبت على زلل الحوادث راكب *** من صرفهن لكل حال حالها

كلتا يديك جعلت فضل نوالها *** للمسلمين، وللعدوّ وبالها

هل تطمسون من السماء نجومها *** بأكفكم أم تسترون هلالها؟

أم تجحدون مقالة من ربكم *** جبريل بلغها النبي فقالها؟

شهدت من الأنفال آخر آية *** بتراثهم، فاردتمو إبطالها

أنظر كيف هبط الشعر هبوطاً واضحا في البيتين الأخيرين; هبط في المعنى، إذ هو معنى علمي جاف، وهبط في اللفظ، فأسلوبه أسلوب مفكك مضطرب الضمائر، قافيته "إبطالها" وهي كلمة فقيه، لا كلمة شاعر! ثم أيّ آية لم يبلغها جبريل النبي فيقولها، حتى يحتاج الناس إلى أن يعرفوا أن جبريل بلغها النبي، وأن النبي قالها، إننا نعرف أن جبريل بلغ النبي كل آية، وأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد بلغها! وقالها!

أما أبياته في القصيدة الأخرى، فهي مسألة من "مسائل علم الميراث". وما أهون الخلافة إذا دخلت في "علم الميراث". وصلى اللّه وسلم على من قال: "نحن معاشر الأنبياء لا نورث" [١٦].

وعلى الجملة: إن شعراء الشيعة يدلون بطابع النبوة الذي يميز الطالبيين، وهذا من صنع السماء; أما غيرهم فيطبق أحكام الفقه، وهي من صنع الأرض. وأين الأرض من السماء؟ !

ومن أروع المثل على ذلك، ما رواه أبو الفرج الأصبهاني في ترجمة يحيى ابن عمر بن الحسين بن علي رضي اللّه عنهم، الخارج في أيام المستعين العباسي، قال:

وكان رضي اللّه عنه رجلا فارسا شجاعا، شديد البدن، مجتمع القلب، بعيداً عن رهق الشباب، وما يعاب به مثله; وكان مقيما ببغداد…. وكان له عمود حديد ثقيل، فربما سخط على العبد أو الأمة من حشمه، فيلوي العمود في عنقه، فلا يقدر أحد أن يحله عنه حتى يحله يحيى رضي اللّه عنه…. قال: وما بلغني أن كثيراً ممن قتل في الدولة العباسية من آل أبي طالب رثى بأكثر مما رثى به يحيى بن عمر، ولا قيل فيه كبعض مما قيل فيه. واتفق في وقت مقتله عدة شعراء مجيدون للقول في هذا المذهب، إلا أني ذكرت بعض ذلك كراهية الأطالة، فمنه قول علي بن العباس الرومي يرثيه، وهي من مختار ما رثى به…. وهي:

أمامَك فانظر أي نهجيك تنهجُ؟ *** طريقان شتى: مستقيم وأعوجُ

ألا أيُّهذا الناس طال ضراركم *** بآل رسول اللّه فاخشوا أو ارتجوا

أفي كل يوم للنبي محمد *** قتيل زكى بالدماء مضرج؟ ! [١٧] ومنها:

أيعد المكنّى بالحسين شهيدكم *** تضيء مصابيح السماء فتُسرج

لنا وعلينا، لا عليه ولا له *** تُسَحسُح أسرابُ الدموع وتنشج

ومنها:

أيحيى العلا، لهفي لذكراك لهفة *** تباشر مكواها الفؤادَ فينضج

لمن تستجدّ الأرض بعدك زينة *** فتصبح في أثوابها تتبرج؟

سلام، وريحان، وروح، ورحمة *** عليك وممدود من الظل سجسج [١٨]

ولا برح القاع الذي أنت جاره *** يرفّ عليه الأقحوان المفلجُ

ويا أسفا ألا ترد تحية *** سوى أرج من طيب المسك يأرج

ألا إنما ناح الحمائم بعد ما *** ثويت، وكانت قبل ذلك تهزج

وختمها بقوله:

نظارِ، فان اللّه طالب وتره *** بنى مصعب، لن يسبق اللّه مدلج

لعل قلوبا قد أطلتم غليلها *** ستظفر منكم بالشفاء فتثلج! [١٩]

والقصيدة في عشرة ومائة بيت، كلها على هذا النسق من الجودة والسمو معنى وأسلوبا; لولا هجاؤها "الفاحش" كما قال أبو الفرج; وقد سيقت على وجهها في الكتاب، وفي ديوان ابن الرومي. لمن طلب المزيد.

وقلما عرض الشعر للحقائق العلمية، واحتفظ بروحه; ولكن فتى الأزد محمد بن هانئ الأندلسي، شاعر العبيديين "الفاطميين" وهم من الشيعة الإسماعيلية، يعرض في شعره لمصطلحاتهم وعقائدهم فتطوّعها مرانته وقوة روحه للانسياب في جداوله الرقراقة، حتى تزاوج الخيال وتساميه، وتسابقه إلى القلوب في تعاشق وانسجام. فاسمع ما يقول في إحدى قصائده:

ووراء حق ابن الرسول ضراغم *** أسد، وشهباء السلاح متون

الطالبان: المشرفية، والقنا *** والمدركان: النصر والتمكين

وصواهل، لاالهضب يوم مغارها *** هضب، ولا البيدالحزون حزون

عرفت بساعة سبقها، لا أنها *** علقت بها يوم الرهان عيون

وأجل علم البرق فيها أنها *** مرت بجانحتيه وهي ظنون

* * *

ماذا تريد من الكتاب نواصب *** وله ظهور دونها وبطون

هي بغية أضللتموها فارجعوا *** في آل ياسين ثوت ياسين

ردّوا عليهم حكمهم، فعليهم *** نزل البيان، وفيهم التبيين

البيت بيت الله، وهو معظم *** والنور نور الله، وهو مبين

والستر ستر الغيب وهو محجب *** والسر سر الوحي وهو مصون

النور أنت، وكل نور ظلمة *** والفوق أنت، وكل فوق دون

فرضان من صوم، وشكر خليفة *** هذا بهذا عندنا مقرون

فهو يشير بقوله: "ماذا تريد من الكتاب نواصب" إلى أحد مصطلحاتهم وهو "التأويل" فعندهم "لكل ظاهر من الأحكام الشرعية باطن، ولكل تنزيل تأويل، فالتأويل هو الباطن، والتأويل لا يعلمه أحد إلا اللّه ورسوله وخلفاؤه المنصوبون بالنص والتوقيف منه، ويناله الناس منهم على قدر استعدادهم وتهيئهم.

ويشير بقوله: "فرضان من صوم وشكر خليفة" إلى إحدى عقائدهم، وهي أن معرفة الإمام واجبة على كل الناس، وكذلك ولايته، لقوله (صلى الله عليه وآله): "من مات ولم يعرف إمام زمانه، مات ميتة جاهلية"….

وهكذا ينتظم شعر ابن هانئ، جميع مصطلحات الاسماعيلية وعقائدهم، ويجلوها في أسلوبه الأخاذ، وسحره النفاذ; مع الاحتفاظ بروحه الشعري القوي وهذه ميزة يمضي بها الشعر الشيعي متفردا مستبدا بين جمهرة الشعراء الذين عالجوا نظم العلوم، فخرجوا بها إلى منطقة "النظم" الذي ينكره الشعر كما هو مشهور متعالم، وما كان هذا الفرق، إلا لأن الشعر الشيعي أصدق عاطفة، وأقوى روحا.



[ Web design by Abadis ]