ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 المحور الفقهي

في "رسالة الاسلام" مقالات عن "الشريعة الاسلامية" وعن "الاقتصاد الاسلامي" باعتباره أحد أبعاد التشريع، ثم مقالات تركز على الفقه والفقاهة وأصول الفقه.

ويلاحظ أن الحديث في الشريعة وخصائصها وسموّها على القوانين الوضعية [١]، ومبادئها [٢] مما يتحدث عنه السنيّ والشيعيّ في هذه المجلة بلغة واحدة وبفكر واحد، لا تكاد تعرف مذهب كاتبه من سطوره.

وهكذا الحديث عن نظام الحكم في الاسلام وعن الاقتصاد، يشترك فيه الفريقان بصورة تكاد تكون تامة [٣].

والمسألة المثيرة للنقاش في هذا المجال بين الجانبين هي قضية "الاجتهاد". فالشائع بين أهل السنة سدّ بابه وتقليد واحد من أئمة المذاهب الاربعة، والشائع عند الشيعة هو فتح باب الاجتهاد. والذي حققته المجلّة هو أنها بيّنت على لسان كبار علماء أهل السنّة "حرمة التقليد لمن توفرت فيهم شروط الاجتهاد"، وجواز "تقليد غير الائمة الاربعة"، ثم صدرت فتوى شيخ الازهر لتجيز لاهل السنة أن يتعبدوا بمذهب الجعفرية المعروف بمذهب الامامية الاثنا عشرية، وبذلك انفتح باب التفاهم في مجال الفقه والتشريع على مصراعيه، وتوفر إمكان التوصل الى تشريع كامل مشترك للحياة الفردية والاجتماعية بين أهل السنة والشيعة في إطار الاجتهاد الصحيح.

وفي هذا الملف ننشر من هذا المحور مقالين أحدهما للشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء من كبار علماء الشيعة في النجف والآخر كان قد كتبه المرحوم الشيخ محمد مصطفى المراغي شيخ الازهر الاسبق.

ونذكر أن مقال الشيخ المراغي كتبه على أثر مساجلته لفريق من العلماء بشأن مشروع قانون الزواج والطلاق، الذي كان من بين مواده أحكام عن الطلاق المعلّق، والطلاق الثلاث، لم يؤخذ فيها برأي الأربعة، وإنما أخذ فيها برأي يتفق وما يراه الشيعة الامامية.

واليك أهم ما جاء في مقال الإمام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء تحت عنوان:

الاجتهاد في الشريعة بين السنة والشيعة [٤]

الاجتهاد وحاجة الناس

من أهم الموضوعات الحية التي تتصل بالفقه الإسلامي اتصالا عملياً موضوع "الاجتهاد" وإنما كان هذا الموضوع من أهم الموضوعات، لأن عليه يترتب أهم وصف يوصف به الفقه الإسلامي، من حيث صلاحيته لكفالة الحياة السعيدة لكل زمان ومكان، وأن للّه في كل واقعة حكما حتى أرش الخدش، وما من عمل من أعمال المكلفين من حركة أو سكون إلا وللّه فيه حكم من الأحكام الخمسة: الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة، وما من معاملة على مال أو عقد نكاح ونحوهما إلا وللشرع فيها حكم صحة أو فساد.

ولما كانت الأعمال غير محدودة، ووجوه التصرفات غير منحصرة، وإنما هي متجددة بتجدد الأزمان والأمكنة والأحوال، وقد يوجد في عصر لاحق مالم يوجد في عصر سابق; فإما أن يقف الناس أمام تلك الأمور حائرين مشدوهين، لا يجدون من يفتيهم فيها بحكم اللّه، ويبين لهم ما عليهم أن يفعلوه، وما عليهم أن يتركوه، فتكون دعوى الصلاحية لكل زمان ومكان في موضع الشك والتزلزل عند عامة الناس وخاصتهم، ويلتمس الناس لأنفسهم فقهاً وضعياً ملائماً لهم، قادراً على تلبية حاجاتهم، وإما أن يستقبل العلماء كل حادثة تجدّ، وكل قضية تعرض، بما كان يستقبل به الفقهاء الأولون حوادثهم، ووجوه التصرفات والمعاملات في زمانهم، فيستنبطوا حكم اللّه، ويبينوا للناس مانزل إليهم، ويدخلوا بهذا الفقه كل مجال، ويطرقوا به كل باب، ويحملوا أمتهم وحكامهم ونوابهم عليه حملا، لا بالقوة ولا بالثورة، ولكن بالاقناع والتوجيه وإبراز محاسنه، والتخلص من الجمود والتعصب، والضيق والتبرم، وحينئذ تصدق دعوى الصلاحية لجميع الأزمان والأمكنة علماً وواقعاً، ويتجلى للناس فضل الفقه الإسلامي، وسعة أفقه وطواعيته، وحسن تقبله لكل ما يفيد الأمة، ولا يخرج عن الاصول المحكمة التي هي أساس الشريعة.

الاجتهاد وطبيعة التشريع

وليس الذي يدعو إلى الاجتهاد هو حاجة الناس إليه فحسب، وإنما هو أمر تقضي به طبيعة الشريعية نفسها، ويؤذن به أن اللّه ختم بها النبوات، وجعلها آخر الرسالات، وأنه تعالى تكفل بحفظ كتابه الكريم إلى يوم الدين عزيزا لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولم يكن الخلود والعصمة لمجرد أن يتعبد الناس بتلاوته، وليست العزة لكتاب ما في مجرد تبرك الناس به، وإنما كان هذا وذاك عن حكمة أسمى، ورحمة أعم وأشمل، ذلك أن يظل الناس أبد الدهر منتفعين بكتاب ربهم في جميع شؤونهم وأحوالهم، وأن تبقى الحجة به قائمة على صدق الرسول، وحقية الشريعة، فما دام في المسلمين عقول تفكر، وقلوب تفقه، فلابد لهم من النظر في كتاب ربهم، وإلا كانوا منتسبين إلى القرآن بالاسم والميراث دون أن يكون منهم فرقة متفقهة في الدين، ينفرون إليه بعقولهم وقلوبهم وأجسامهم قائمين وراحلين فحصا وعلما ودرسا ونظرا وتبيينا وعرفانا واستنباطا لينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون.

ثم إن اللّه جلت حكمته قد أودع نبيه جميع أحكامه وأسراره وعرفها له بالوحي والإلهام. فكانت سنته عليه الصلاة والسلام هي الركن الثاني بعد القرآن، وهي البيان له والتفصيل والكشف….

الاجتهاد منذ عصر النبوة

وإذا أنعمت النظر في هذا اتضح لك أن الاجتهاد كان مفتوح الباب في زمن النبوة وبين الأصحاب فضلا عن غيرهم وفضلا عن سائر الأزمنة التي بعد ذلك، غاية الأمر أن الاجتهاد يومئذ كان خفيف المؤونة جدا، لقرب العهد، وتوافر القرائن، وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع، ثم كلما بعد العهد من زمن الرسالة وتكثرت الآراء، واختلطت الأعارب بالأعاجم، وتغير اللحن، وصعب الفهم للكلام العربي على حقائق معناه، وتكثرت الأحاديث والروايات، وربما دخل فيها الدس والوضع، وتوافرت دواعي الكذب على النبي (صلى الله عليه وآله) ; أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يصعب ويحتاج الى مزيد مؤونة واستفراغ وسع، وجمع بين الأحاديث، وتمييز الصحيح من السقيم، وترجيح بعضها على بعض، وكلما بعد العهد وانتشر الاسلام وتكثرت العلماء والرواة، ازداد الأمر صعوبة ولكن مهما يكن من شيء فباب الاجتهاد كان في زمن النبي (صلى الله عليه وآله) مفتوحا، بل كان أمراً ضرورياً عند من يتدبر.

باب الاجتهاد بين الفتح والاغلاق

ومن مفاخر الشيعة الإمامية: أن باب الاجتهاد ما يزال عندهم مفتوحا، ولن يزال إن شاء اللّه حتى تقوم الساعة، بخلاف المشهور عند جمهور المسلمين من أنه قد سد وأغلق على ذوي الألباب، وما أدرى في أي زمان وبأي دليل وبأي نحو كان ذلك الانسداد؟

وقد بين كثير من حذاق العلماء في مذاهب أهل السنة أن هذا زعم باطل، وتضييق لا دليل عليه، وأن هذا إنما كان يقال به في عصور الضعف الفقهي، والتعصب المذهبي، وبعض القائلين به إنما يريدون أنه لم يعد بين المسلمين من يصلح لهذا المنصب، لقصور الباع، وقلة المتاع، لا لأن بابا قد أقفل، أو وسعاً قد حجر، والأمر على هذه الصورة قريب، ومدى الخلاف في شأنه ليس بعيداً، فمن المتفق عليه: أن المجتهد هو من زاول الأدلة ومارسها واستفرغ وسعه فيها، حتى حصلت له ملكة وقوة يقتدر بها على استنباط الحكم الشرعي من تلك الأدلة، وهذا أيضاً لا يكفي في جواز تقليده، بل هناك شروط أخر، أهمها: "العدالة" وهي ملكة يستطيع معها الكف عن المعاصي، والقيام بالواجب كما يستطيع من له ملكة الشجاعة اقتحام الحرب بسهولة بخلاف الجبان، وقصاراها أنها حالة من خوف الله ومراقبته تلازم الإنسان في جميع أحواله، ولم تضق رحمة الله ونعمته حتى تحجر على عصر دون عصر، أو تفرض على قوم دون قوم، أو توضع لها السدود والأقفال من الأزمان والحساب.

الفتح المبين

ثم يذكر الشيخ كاشف الغطاء ماجاء في بيان الشيخ عبد المجيد سليم بشأن الانفتاح الفقهي في لجنة الافتاء في الحكومة والازهر ويقول:

ألا إن هذا لهو الفتح المبين لما زعمه الزاعمون مغلقا، والفسح والبسط لما حسبوه ضيقا.

ولقد كنت أعرف ذلك في فضيلة الأستاذ الجليل، وفي فريق صالح من إخوانه العلماء الأزهريين، ولكن نشوة من الفرح والأمل يجب أن تغمر كل مسلم لإعلان هذا بلسان هذا العالم الكبير المسؤول، ولذلك لا يسعني إلا أن أعلنه في الناس مرة أخرى، وأن أوجه إلى الشيخ وأصحابه - مع شديد الإعجاب - أكرم التحيات، والحمد للّه رب العالمين (انتهى مقال الشيخ كاشف الغطاء).

أما مقال فضيلة الشيخ محمد مصطفى المراغي فهو كما ذكرنا تحت عنوان:

الاجتهاد في الشريعة [٥]

المجتهد المطلق

…. ينبغي الاشارة إلى أن المجتهد قد يكون أهلا لاستنباط الأحكام الشرعية جميعها لتوافر الشروط فيه، ويسمى "المجتهد المطلق"، وقد يكون أهلا لاستنباط أحكام وقائع خاصة لإحاطته بما يلزم لتلك الواقع، ويسمى "المجتهد الخاص" أو "المجتهد الجزئي"، والمجتهد والفقيه والمفتي ألفاظ مترادفة في إصطلاح علماء الأصول.

ثم نقل فضيلته نصا طويلا عن الامام الغزالي في كتابه "المستصفى" وعلق عليه بقوله:

هذه هي شروط المجتهد المطلق الذي كلفه الشارع البحث عن الأحكام جميعها من أدلتها التفصيلية، وحرم عليه التقليد وتوسط أحد من خلق الله بينه وبين الأدلة، وتلخص فيما يأتي:

١ - يشترط في المجتهد أن يكون عالما بموضع الآية التي يريد الاستدلال بها وتطبيقها عند الحاجة، ولا يشترط فيه حفظ الكتاب كله ولا حفظ آيات الأحكام.

٢ - يشترط أن يكون عارفا بموقع كل باب من أبواب الحديث بحيث يستطيع المراجعة وقت الفتوى، ولا يشترط أن يكون حافظا للأحاديث كلها، ولا أن يكون حافظا لأحاديث الأحكام، ويكفي أن يكون عنده أصل كسنن أبي داود ومعرفة السنن لأحمد البيهقي.

٣ - يلزم أن يعرف أن الآية التي يستدل بها ليست منسوخة والحديث الذي يستدل به ليس منسوخا.

٤ - يلزم أن يعرف أن المسألة التي يبحث فيها ليست مجمعا فيها على رأي يخالف رأيه، ولا يلزمه حفظ مواقع الاجماع والخلاف.

٥ - يلزم أن يكون عارفا باللغة والنحو على الوجه الذي يتيسر به فهم خطاب العرب، وأن يكون عارفا للأدلة وشروطها.

٦ - الأحاديث التي اشتهر رواتها بالعدالة وقبلتها الأمة لا يلزمه أن يبحث عن أسانيدها، أما الأحاديث التي ليست كذلك فيكفيه فيها تعديل الأئمة العدول لرواتها بعد أن يعرف مذاهبهم في الجرح والتعديل، وأنها مذاهب صحيحة.

ومعظم هذه الشروط يشتمل عليه ثلاثة فنون: الحديث، واللغة، وأصول الفقه، ولقد جمع العلماء آيات الأحكام في غير ماكتاب، وجمعوا الناسخ والمنسوخ في غير ما كتاب، وجمعوا مواقع الإجماع في غير ماكتاب، وأصبحت الأحكام مدونة في كتب الفقه وفي شروح الحديث وكتب التفسير.

وقد انتهى زمن الرواية للحديث وأصبحت الأمة تعتمد على الكتب المدونة كما تعتمد على آراء أئمة الجرح والتعديل في الرواة، ومع هذا فكتب الرجال موفورة تضم سيرهم وأحوالهم ولا يعسر على طلاب العلم البحث عن رواة أي حديث من الأحاديث.

واللغة العربية وفنونها من نحو وصرف وأدب وبلاغة تدرس في معاهد مصر الدينية وغيرها دراسة دقيقة تكفي لفهم خطاب العرب، كما يدرس أصول الفقه على أدق الوجوه وأكملها، وتدرس الأدلة وشروطها، وغير ذلك مما نص عليه الغزالي ومالم ينص عليه.

وليس مما يلائم سمعة المعاهد الدينية في مصر أن يقال عنها إن ما يدرس فيها من علوم اللغة والمنطق والكلام والأصول لا يكفي لفهم خطاب العرب ولا لمعرفة الأدلة وشروطها، وإذا صح هذا، فيالضيعة الأعمار والأموال التي تنفق في سبيلها.

ليس الاجتهاد ممكنا عقلا فقط، بل هو ممكن عادة، وطرقه أيسر مما كانت في الأزمنة الماضية أيام كان يرحل المحدث إلى قطر آخر لرواية حديث، وأيام كان يرحل الرواة لرواية بيت من الشعر، أو كلمة من كلم اللغة، وقد توافرت مواد البحث في كل فرع من فروع العلوم: في التفسير، والحديث، والفقه، واللغة، والنحو، والمنطق، وجمع الحديث كله، وميز صحيحه من فاسده، وفرغ الناس من تدوين سير الرواة، وأصبحت كتب هذه الفنون تضمها مكتبات للأفراد والحكومات في كل قطر من الأقطار الاسلامية، وهذا لم يكن ميسورا لأحد في العصور الأولى، ومذاهب الفقهاء جميعهم مدونة، وأدلتها معروفة.

والواقع أنه في أكثر المسائل التي عرضت للبحث، وأفتى الفقهاء فيها، لم يبق للمجتهد إلا اختيار رأي من آرائهم فيها، أما الحوادث التي تجدّ فهي التي تحتاج إلى آراء محدثة، والى حفظ آيات الأحكام جميعها وأحاديث الأحكام جميعها وفهمها فهما صحيحا، ومعرفة الناسخ والمنسوخ، وحفظ مواقع الإجماع، لا يحتاج إلى المجهود الذي يبذل لفهم مرامي كتاب من كتب الأزهر المعقدة.

إن الزمن لم يغير خلقة الإنسان، والعقول لم تضمر، والطبيعة باقية في الإنسان كما كانت في العصور الماضية، وهاهم أولاء علماء الأمم يحدوهم الأمل إلى بلوغ أقصى ما يتصوره العقل البشري ويصلون إليه بجدهم واجتهادهم، وقد كان أسلافهم في عماية وجهل، وكان أسلافنا في نور العلم وضياء المدنية، لم يقل أحد منهم بقصور العزائم، لا بتراخي الهمم عن البحث والتنقيب، بل كلما مر عليهم الزمن جدوا في البحث والتنقيب، وكثرت وسائط البحث والتنقيب.

وإني مع احترامي لرأي القائلين باستحالة الاجتهاد، أخالفهم في رأيهم، وأقول إن في علاء المعاهد الدينية في مصر من توافرت فيهم شروط الاجتهاد ويحرم عليهم التقليد.

الاجتهاد الخاص

ندع الاجتهاد المطلق وما يقال فيه من غير تبصر، ونتحدث عما يسمى الاجتهاد الخاص، أو الاجتهاد الجزئي وهو الاجتهاد في واقعة خاصة للوصول إلى معرفة حكمها الشرعي بالدليل، والقادر على هذا النوع يحرم عليه التقليد في المسألة التي يقدر على الاجتهاد فيها.

وقد اختلف العلماء في تجزؤ الاجتهاد وعدمه، والأكثرون منهم على تجزئه، ومنهم حجة الاسلام الغزالي والشيخ ابن الهمام، وقد استدلوا لذلك بأن التقليد في حال القدرة على الدليل فيه ترك للعلم واتباع للريب وهذا منهي عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: "دع ما يريبك إلى مالا يريبك" وقوله: "استفت قلبك وإن أفتاك المفتون" قال في مسلم الثبوت: ومن له حسن أدب بأحكام اللّه تعالى لا يتعدى هذا الأصل.

وفي المستصفى للغزالي: اجتماع هذه العلوم الثمانية إنما يشترط في حق المجتهد المطلق الذي يفتي في جميع الشرع، وليس الاجتهاد عندي منصبا لا يتجزأ بل يجوز أن يقال للعالم إنه مجتهد في بعض الأحكام دون بعض، فمن عرف النظر القياسي فله أن يفتى في مسألة قياسية وإن لم يكن ماهرا في علم الحديث، ومن عرف أحاديث قتل المسلم بالذمي، وطريق التصرف فيها فلا يضره قصوره عن علم النحو الذي يعرف به قوله تعالى: (وامسحوا برءوسكم وأرجلكم إلى الكعبين) وقس عليه مافي معناه.

وفي كتاب الإحكام للآمدي بعد أن نص على شروط المجتهد قال: وذلك كله إنما يشترط في المتجهد المطلق المتصدي للحكم والفتوى في جميع المسائل، وأما الاجتهاد في بعض المسائل فيكفي فيه أن يكون عارفا بما يتعلق بتلك المسألة وما لابد منه فيها، ولا يضره في ذلك جهله بما لا تعلق له بها مما يتعلق بباقي المسائل الفقهية.

المكلف إذا حصلت له أهلية الاجتهاد بتمامها في مسألة من المسائل، فإن اجتهد فيها وأداه اجتهاده إلى حكم فيها فقد اتفق الكل على أنه لا يجوز له تقليد غيره من المجتهدين في خلاف ما أوجبه ظنه، وإن لم يكن قد اجتهد فقد اختلفوا فيه، والمعتمد أن يقال إن القول بجواز التقليد حكم شرعي لابد له من دليل والأصل عدم ذلك الدليل، فمن ادعاه فعليه البيان.

هذه آراء علماء الأصول في الاجتهاد الجزئي، وهي صريحة في حرمة التقليد على من يقدر على الاجتهاد في وقائع خاصة، سواء أكان المقلد صحابيا أم تابعيا أم إماما من الأئمة الأربعة أو غيرهم.

وشروط الاجتهاد الجزئي كما يرى سهلة المنال، فليس على مريد الاجتهاد في مسألة من مسائل البيع أو الطلاق إلا أن يعرف آيات البيع أو آيات الطلاق، وأحاديث البيع أو أحاديث الطلاق، ويعرف ما نسخ منها وما بقي، ويعرف مواقع الاجماع ليتجنب المخالفة بعد أن يكون على بصيرة في فهم اللغة، ونصب الأدلة، وليس عليه أن يحيط بجميع الأدلة وجميع علوم اللغة وفنون المنطق والكلام وآراء الفقهاء. فهل يجوز لمسلم بعد هذا أن يقول إن على المسلمين في جميع بقاع الأرض تقليد واحد من الأئمة الأربعة دون سواهم وإلا كانوا آثمين جاهلين خارقين للاجماع؟ !

وسأعرض لهذا الشيء المبتدع الذي سموه إجماع المحققين لأبين منزلته ومكانه بين الأدلة الشرعية، ولأكشف عن بصائر الناس هذا الغطاء الذي حجب عنهم نور الحق.

التقليد

العامي ومن ليس له أهلية الاجتهاد، وإن كان محصلا لبعض العلوم المعتبرة في الاجتهاد يجب عليه اتباع قول المجتهد والأخذ بفتواه، واتفقوا على جواز استفتائه لكل من عرف بالعلم وأهلية الاجتهاد والعدالة.

قال الآمدي: وإذا حدثت للعامي حادثة، وأراد الاستفتاء عن حكمها فإن كان في البلد مفت واحد وجب عليه الرجوع إليه والأخذ بقوله، وإن تعدد المفتون، فمن الأصوليين من ذهب إلى أنه يجب عليه البحث عن أعيان المفتين واتباع الأورع والأعلم والأدين، ومنهم من ذهب إلى أنه مخير بينهم يأخذ برأي من شاء منهم سواء أتساووا أم تفاضلوا وهو المختار.

وإذا اتبع العامي بعض المجتهدين في حكم حادثة وعمل بقوله فيها فليس له الرجوع عن ذلك القول في هذه المسألة، وهل له اتباع غيره في غير ذلك الحكم؟ اختلفوا فيه، فمنهم من منعه، ومنهم من أجازه، وهو الحق نظرا إلى ما وقع عليه إجماع الصحابة من تسويغ استفتاء العامي لكل عالم في مسألة، ولم ينقل عن أحد من السلف الحجر في ذلك، ولو كان ممتنعا لما جاز من الصحابة إهماله.

وإذا عين العامي مذهباً معيناً كمذهب الشافعي أو أبي حنيفة أو غيره، وقال أنا على مذهبه وملتزم له، فهل له الرجوع إلى قول غيره في مسألة من المسائل؟ اختلفوا فيه فجوّزه قوم ومنعه آخرون، والمختار التفصيل، وهو أن كل مسألة من مذهب الأول اتصل بها عمله فليس له تقليد الغير فيها، ومالم يتصل عمله بها فلا مانع من اتباع غيره فيها.

وفي التحرير وشرحه: لا يرجع المقلد فيما قلد فيه، أي عمل به، اتفاقا. ذكره الآمدى، قال الزركشي: وليس الأمر كما قال، ففي كلام غيره ما يقتضي وجود الخلاف بعد الفعل، وكيف يمتنع ذلك عليه إذا اعتقد صحته، وعلى هذا فإذا تعارض قولا مجتهدين يجب التحرى فيهما، والعمل بما يقع في قلبه أنه الصواب وليس له الرجوع عما عمل به إلا إذا ظهر له خطؤه.

ولو التزم مذهبا معيناً فقيل يلزم وقيل لا، وهو الأصح، لأن التزامه غير ملزم، إذ لا واجب إلا ما أوجبه الله ورسوله، ولم يوجب الله ولا رسوله على أحد من الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الأئمة فيقلده في دينه في كل ما يأتي ويذر دون غيره، وقد انطوت القرون الفاضلة على عدم القول بذلك، وصرح العلائي بأن المشهور في كتب المذهب جواز الانتقال في آحاد المسائل والعمل فيها بخلاف مذهب إمامه الذي يقلده إذا لم يكن ذلك على وجه التتبع للرخص.

وفي التحرير وشرحه نقل الإمام في البرهان إجماع المحققين على منع تقليد العوام أعيان الصحابة، وأن عليهم أن يقلدوا الأئمة الذين جاءوا بعد الصحابة، لأنهم دونوا وهذبوا وفصلوا وبوبوا وأوضحوا طرق النظر، وعلى هذا بنى ابن الصلاح وجوب تقليد الأئمة الأربعة لانضباط مذاهبهم وتحرير شروطها، وغير ذلك مما لم يعلم مثله في غيرهم، وحاصل هذا أنه امتنع تقليد غيرهم لتعذر نقل حقيقة مذهبهم، وعدم ثبوته حق الثبوت، لا لأنه لا يقلد، ولذلك قال ابن عبد السلام إن تحقق ثبوت مذهب عن واحد منهم جاز تقليده وفاقا وإلا فلا، وإذا صح عن بعض الصحابة حكم لم يجز مخالفته إلا بدليل أوضح من دليله، ومعلوم أنه لا يشترط أن يكون للمجتهد مذهب مدون، وأنه لا يلزم أحدا أن يتمذهب بمذهب أحد الأئمة بحيث يأخذ أقواله كلها ويدع أقوال غيره انتهى بتصرف.

وفي مسلم الثبوت وشرحه بعد أن نقل ما في التحرير وشرحه من إجماع المحققين ورأى ابن الصلاح:

قال القرافي: انعقد الإجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر، وأجمع الصحابة رضى اللّه عنهم على أن من استفتى أبا بكر وعمر أميري المؤمنين فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، فمن ادعى رفع هذين الإجماعين فعليه البيان، وقد بطل بهذين الإجماعين قول الإمام (يريد بذلك قوله إن المحققين أجمعوا على منع تقليد أعيان الصحابة).

وقوله أجمع المحققون ليس معناه الاجماع الذي هو حجة حتى يقال أن إجماعهم عارض الإجماعين السابقين. وفي كلام الإمام خلل آخر: لأن التبويب والتهذيب والتفصيل، لا دخل له في التقليد، فإن المقلد إن فهم مراد الصحابي عمل به وإلا سأل مجتهداً آخر، وبهذا بطل قول ابن الصلاح أيضاً. وفي كلامه خلل آخر: إذ المجتهدون الآخرون أيضاً بذلوا جهدهم مثل بذل الأئمة الأربعة، وإنكار هذا مكابرة وسوء أدب، والحق أنه إنما منع من تقليد غيرهم لأنه لم تبق رواية مذهبهم محفوظة حتى لو وجدت رواية صحيحه من مجتهد آخر يجوز العمل بها، ألا ترى أن المتأخرين أفتوا بالتحليف للشهود إقامة له مقام التزكية على مذهب ابن أبي ليلى؟

أطلنا في بيان النصوص في هذه المسألة لنجلي الحق فيها، ولنبرهن على صحة ما قلناه في مذكرة المشروع من خطأ القول بعدم جواز تقليد غير الأئمة الأربعة، ومن أن هذا رأي حادث في الأمة الإسلامية لم يقله أحد قبل ابن الصلاح، وهو رأي خاطئ مبني على خطأ.

كان المسلمون مجمعين على جواز تقليد أي عالم من علماء المسلمين، فجاء الإمام ونقل إجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة، لأنه ليس في وسع العامي أن يعرف غرضهم، وأن يفهم مقصودهم، ثم رتب ابن الصلاح على هذا وجوب تقليد الأئمة الأربعة دون سواهم، وبذلك نسخ حكم الإباحة الذي كان مستفادا من إجماع المسلمين برأي ابن الصلاح المبني على إجماع المحققين.

ابن الصلاح هذا فقيه مقلد فكيف يؤخذ برأي فقيه مقلد ليس واحدا من الائمة الأربعة، وكيف ينسخ الاجماع برأي واحد لا يصح تقليده ولا الأخذ بقوله.

ليس لاجماع المحققين قيمة بين الأدلة الشرعية، فهي محصورة: كتاب اللّه وسنة رسوله، وإجماع المجتهدين، والقياس على المنصوص، ولم يعد أحد من الأدلة الشرعية إجماع المحققين، فكيف برز هذا الاجماع، وأخذ مكانته بين الأدلة، وأصبح يقوى على نسخ إجماع المسلمين؟

لم نعرف أحدا من العلماء، تكلم عن إجماع المحققين، وشروطه، وطريقة نقله، وهل هو ممكن أو مستحيل، وهل يمكن نقله، وهل يكفر مخالفه، وغير ذلك من القواعد التي وضعها العلماء لاجماع المجتهدين، فكيف مع هذا نأخذ من إجماع المحققين أحكاما شرعية تحصر الدين الاسلامي جميعه في أشخاص أربعة بعد أن كان الفقهاء لا يمكن عدهم في جميع العصور الماضية؟

الاجماع الذي هو حجة معروف في كتب الأصول أنه اتفاق جميع مجتهدي عصر من العصور على حكم شرعي ظني، وليس يعنينا الآن أن نبين إمكانه واستحالته، وإمكان نقله وعدم إمكانه، فهذا لا يدخل في بحثنا الآن، ولكن نذكر شيئا واحدا وهو أن محققي العلماء يرون استحالة الاجماع ونقله بعد القرون الثلاثة الأولى نظرا لتفرق العلماء في مشارق الأرض ومغاربها، واستحالة الإحاطة بهم وبآرائهم عادة، وهذا رأي واضح كل الوضوح لا يصح لعاقل أن ينازع فيه.

وإذا كان هذاواضحا بالنسبة لاجماع المجتهدين - وهم أقل عدداً بلا ريب من المحققين - فكيف عرف إجماع المحققين على منع تقليد أعيان الصحابة؟ وكيف أمكن نقل هذا الاجماع؟

ولندل على رأي الأئمة في الاجماع، نثبت هنا ما قاله الإمامان الجليلان الشافعي وأحمد رضي اللّه عنهما: قال الشافعي في الرسالة: مالا يعلم فيه خلاف فليس بـإجماع. وقال عبد الله بن أحمد بن حنبل: سمعت أبي يقول ما يدعى فيه الرجل الاجماع فهو كذب، من ادعى الاجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، ما يدريه ولم ينته إليه؟ فليقل: لا نعلم الناس اختلفوا.

هذا ونصوص رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) أجل عند العلماء من أن يقدموا عليها توهم إجماع مضمونه عدم العلم بالمخالف، ولو ساغ ذلك لتعطلت النصوص، وساغ لكل من لم يعلم خلافا في حكم مسألة أن يقدم جهله بالمخالف على النصوص.

ولكن ضعفاء الأحلام، ومن لم ينضج عليهم صاروا يدعون الاجماع عند عدم العلم بالمخالف قبل البحث عنه، ولم يكف الناس ماهم فيه من شر ادعاء الإجماع كذبا حتى زادوا لهم شيئا سموه إجماع المحققين.

والخلاصة أنه يجوز تقليد غير الأئمة الأربعة متى صح النقل عن غير الأئمة الأربعة، ومما ينبغي الاشارة إلى فساده ماقاله صاحب الأشباه، وهو: "الخامس مما لا ينفذ القضاء به ما إذا قضي بشيء مخالف للإجماع وهو ظاهر، وما خالف الأئمة الأربعة مخالف للإجماع، وإن كان فيه خلاف لغيره، فقد صرح في التحرير أن الاجماع انعقد على عدم العمل بمذهب مخالف للأربعة لانضباط مذاهبهم، وانتشارها، وكثرة أتباعهم" فان هذا مبني على اعتبار حصول الاجماع، وهو غير صحيح. لأن الذي حصل هو قول ابن الصلاح بالمنع بناء على إجماع المحققين، وقد عرف مافي هذا كله من الفساد. (انتهى ما اردنا نقله من مقال الشيخ المراغي).



[ Web design by Abadis ]