ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 محور القرآن

الدراسات القرآنية في مجلة "رسالة الاسلام" تشمل التفسير وعلوم القرآن. أكثر ما نشر في المجلة من تفسير بقلم الشيخ محمد شلتوت، بدأ بسورة الحمد، ثم البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، والانعام، والاعراف، والانفال، والتوبة، وهود. وجمعت الحلقات هذه في كتاب طبع بعد ذلك مستقلا.

منهج الشيخ في التفسير هو فهم القرآن بالقرآن، وعدم إغفال الجانب الاجتماعي والعطاء التربوي للآيات. والاهتمام بالوضوح والابتعاد عما لا طائل تحته من تأويل.

والدراسات القرآنية تشمل مسائل قرآنية مختلفة مثل الحروف السبعة [١] واعجاز القرآن [٢]، وفواتح السور [٣]، وصيانة القرآن من التحريف [٤].

وتتضمن أيضا تفسيرا موضوعيا مثل أدب الجدال في القرآن [٥]، وقضية البعث

ـ

١ - انظر مقال: أنزل القرآن على سبعة أحرف، عبد الستار فراج، العدد ١٠، ص ١٦٢.

٢ - انظر: اعجاز القرآن، توفيق الفكيكي، العدد ١١، ص ٢٩٢; ومعجزة محمد (صلى الله عليه وآله)، صدر الدين شرف الدين، العدد ٢٨، ص ٣٨٤.

٣ - انظر: رأي في تأويل فوااتح السور (في حلقتين)، عبد الوهاب حمودة، العدد ٤٥، ص ٧٤.

٤ - انظر: صيانة القرآن من التحريف، ابو القاسم الخوئي، العدد ٣٨، ص ١٨٦.

٥ - انظر مقال: عبد المتعال الصعيدي، العدد ١٣، ص ٤٩.

في القرآن [١]، وملامح الغرائز الانسانية في القرآن [٢]، والثروات الطبيعية في القرآن [٣].

ويلاحظ في كل هذه الدراسات التفسيرية والموضوعية اللغة الاسلامية البعيدة عن الطائفية والاختلافات المذهبية، مما يؤكد أن القرآن أفضل صعيد لالتقاء المذاهب الاسلامية، وتوحّد آرائها واتجاهاتها.

غير أنه اشتهر بين الباحثين وجود تفاسير شيعية وتفاسير سنية، والملاحظ أن تفاسير أهل السنة متداولة عند الشيعة، مثل تفسير الكشاف والتفسير الكبير… أما التفاسير الشيعية فلم تجد رواجا عند أهل السنّة، بل كانت نظرة أهل السنة تجاهها نظرة تشكيك وترديد، غير أن دار التقريب ومجلتها استطاعت أن تغيّر هذه النظرة للتفسير الشيعي بتقديمها تفسيرا شيعيا كتبه العلامة الطبرسي، مع مقدمة هامة بقلم شيخ الازهر الشيخ محمود شلتوت، وهذه المقدمة نشرتها مجلة "رسالة الاسلام" وفيها تعريف بالتفسير ومنهجه العلمي الرفيع، ونظرة الكاتب الى التفسير والمفسّر. وهذا العمل الكبير فتح في الواقع أفقا جديدا في التبادل الثقافي والمعرفي يقوم على أساس أن المسلمين "كلهم طلاب الحقيقة المستمدة من كتاب اللّه وسنة رسول اللّه، والحكمة ضالتهم جميعاً، ينشدونها من أي أفق".

وهذه هي مقدمة العلامة الشيخ محمود شلتوت بايجاز:

تقديم لكتاب "مجمع البيان" [٤]

الكتاب الجامع

يبدأ الشيخ شلتوت (رحمه الله) بنقل فقرة من مقدمة الشيخ الطبرسي لكتابه "مجمع

ـ

١ - انظر مقال: محمد محمد المدني، العدد ٣٦، ص ٤٢١.

٢ - انظر مقال: عبد الوهاب حمودة، العدد ٥٣، ص ٦٠.

٣ - انظر مقال محمد محمد المدني، العدد ٥٧، ص ٤٧.

٤ - العدد الثالث، السنة العاشرة، محرم ١٣٧٨، ص ٢٣١.

البيان"، ثم يقول:

…. إن هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوعها، له خاصية في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده: فعهدنا بكتب التفسير الأولى أنها تجمع الروايات والآراء في المسائل المختلفة، وتسوقها عند الكلام على الآيات سوقاً متشابكا ربما اختلط فيه فن بفن، فما يزال القارئ يكد نفسه في استخلاص ما يريد من هنا وهناك حتى يجتمع إليه ما تفرق، وربما وجد العناية ببعض النواحي واضحة إلى حد الإملال، والتقصير في بعض آخر واضحاً إلى درجة الإخلال، أما الذين جاءوا بعد ذلك من المفسرين، فلئن كان بعضهم قد أطنبوا، وحققوا وهذبوا، وفصلوا وبوَّبوا; إن قليلا منهم أولئك الذين استطاعوا مع ذلك أن يحتفظوا لتفسيرهم بالجو القرآني الذي يشعر معه القارئ بأنه يجول في مجالات متصلة بكتاب الله اتصالا وثيقا، وتتطلبها خدمته حقا، لا لأدنى ملابسة، وأقل مناسبة.

لكن كتابنا هذا كان أول - ولم يزل أكمل - مؤلف من كتب التفسير الجامعة. استطاع أن يجمع إلى غزارة البحث، وعمق الدرس، وطول النفس في الاستقصاء، هذا النظم الفريد، القائم على التقسيم والتنظيم، والمحافظة على خواص تفسير القرآن، وملاحظة أنه فنٌّ يقصد به خدمة القرآن، لا خدمة اللغويين بالقرآن، ولا خدمة الفقهاء بالقرآن، ولا تطبيق آيات القرآن على نحو سيبويه، أو بلاغة عبد القاهر، أو فلسفة اليونان أو الرومان، ولا الحكم على القرآن بالمذاهب التي يجب أن تخضع هي لحكم القرآن!

ومن مزايا هذا التنظيم أنه يتيح لقارئ الكتاب فرصة القصد إلى ما يريده قصداً مباشراً، فمن شاء أن يبحث عن اللغة عمد إلى فصلها المخصص لها، ومن شاء أن يبحث بحثاً نحوياً اتجه إليه، ومن شاء معرفة القراءات روايةً أو تخريجاً وحجة عمد إلى موضع ذلك في كل آية فوجده ميسراً محرراً، وهكذا.

ولا شك أن هذا فيه تقريب أي تقريب على المشتغلين بالدراسات القرآنية، ولاسيما في عصرنا الحاضر الذي كان من أهم صوارف المثقفين فيه عن دراسة كتب التفسير ما يصادفونه فيها من العنت، وما يشق عليهم من متابعتها في صبر ودأب، وكدّ وتعب.

فتلك مزية نظامية لهذا الكتاب، بجانب مزاياه العلمية الفكرية.

اخلاص المؤلف للعلم

وهناك منهجان علميان في التأليف:

أحدهما: أن يستقبل المؤلف قرّاءه بما يراه هو، وما انتهى إليه بحثه واجتهاده، فيجعله قصاراه وهدفه، ويحطب في سبيله، ويجول في أوديته، دون أن يحيد عنه، أو يجعل لقارئه سبيلا سواه.

وهذا منهج له مواطنه التي يقبل فيها، ومنها أن يكون المؤلف يقصد بكتابه أهل مذهب معين، فله أن يفرض اتفاقه وإياهم على أصول المذهب وقواعده، وأن يخاطبهم على هذا الأساس.

الثاني: أن يقصد المؤلف بكتابه كل قارئ لا قارئا مذهبياً يتفق وإياه فحسب، وهذا يدعوه إلى أن يعرض العلم عاما لا من وجهة نظر معينة، فيأتي بما في كل موطن علمي من الآراء والأدلة، وله بعد ذلك أن يأخذ بما يترجح لديه، ولكن بعد أن يكون قد أشرك قارءه معه في التجوال بين الآراء، واستعراض مختلف وجهات النظر.

وهذا المنهج أعم فائدة، وأدنى إلى خدمة الحق والإخلاص للعلم، والكتب المؤلفة على أساسه أقرب إلى أن تكون "إسلامية عامة" ليست لها جنسية طائفية أو مذهبية.

بيد أن المؤلفين يتفاوتون في هذا النهج، فمنهم من يخلص له إخلاصاً عميقاً، فتراه يدور مع الحق أينما دار، يأخذ بمذهبه تارة، ويأخذ بغير هذا المذهب تارة أخرى، وإذا عرض المذاهب المختلفة عرضها بأمانة ودقة، وكأنه ينطق أصحابها ويسمع قراءه ما يقولون، دون أن يلوي القول، أو يحرف الكلم عن مواضعه، أو يغمز أو يلمز صرفا عن الرأي وتهويلا عليه، ومنهم من يكون إخلاصه للعلم دون ذلك، على مراتب أسوؤها ما يظهر فيه التعصب على مذهب الخصم، ونبزه بالألقاب، فترى السني مثلا ربما تحدث عن الشيعة فيقول: قال الروافض، وترى الشيعي كذلك ربما تحدث عن السنة فيقول: قال النواصب، بل ربما تجد الحنفي السني يتحدث عن الشافعية السنيين، فيقول: قال الشويفعية… وهكذا، وما كان هذا النبز ولا ذاك من ضرورات الحجاج، ولا من لوازم الجدال بالتي هي أحسن، الذي هو نصيحة القرآن حتى في شأن المجادلين من أهل الكتاب!

وأريد أن أقول إن صاحب كتاب "مجمع البيان" قد استطاع إلى حد بعيد أن يغلب إخلاصه للفكرة العلمية على عاطفته المذهبية، فهو وإن كان يهتم ببيان وجهة نظر الشيعة فيما ينفردون به من الأحكام والنظريات الخلافية اهتماما يبدو منه أحيانا أثر العاطفة المذهبية، فإننا لا نراه مسرفا في مجاراة هذه العاطفة، ولا حاملا على مخالفيه ومخالفي مذهبه.

والواقع أنه ينبغي لنا أن ننظر إلى هذا المسلك فيما يتصل بأصول المذاهب ومسائلها الجوهرية نظرة هادئة متسامحة ترمي إلى التماس المعذرة، وتقدير ما يوجبه حق المخالف في أن يدافع عما آمن به، وركن إليه، فليس من الإنصاف أن نكلف عالما مؤلفاً بحاثة دراكة، أن يقف من مذهبه وفكرته التي آمن بها موقف الفتور، كأنها لا تهمه، ولا تسيطر على عقله وقلبه، وكل ما نطلبه ممن تجرد للبحث والتأليف وعرض آراء المذاهب وأصحاب الأفكار أن يكون منصفاً مهذب اللفظ، أميناً على التراث الإسلامي، حريصاً على أخوة الإيمان والعلم، فإذا جادل ففي ظل تلك القاعدة المذهبية التي تمثل روح الاجتهاد المنصف البصير: "مذهبي صواب يحتمل الخطأ، ومذهب غيري خطأ يحتمل الصواب".

على أننا نجد الإمام الطبرسي في بعض المواضع يمر على ما هو من روايات مذهبه، ويرجح أو يرتضى سواه.

ومن ذلك أنه يقول في تفسير قوله تعالى: (أهدنا الصراط المستقيم).

"وقيل في معنى الصراط المستقيم وجوه:

أحدهما: أنه كتاب اللّه - وهو المروي عن النبي (صلى الله عليه وآله) وعن علي (عليه السلام) وابن مسعود.

وثانيها: أنه الإسلام - وهو المروي عن جابر وابن عباس.

وثالثها: أنه دين الله الذي لا يقبل من العباد غيره - عن محمد بن الحنفية.

والرابع: أنه النبي (صلى الله عليه وآله) والأئمة القائمون مقامه - وهو المروي في أخبارنا.

والأولى حمل الآية على العموم حتى يدخل جميع ذلك فيه، لأن الصراط المستقيم هو الدين الذي أمر الله به من التوحيد والعدل، وولاية من أوجب الله طاعته".

فظاهر أن الرواية الأخيرة هي أقرب الروايات تناسباً مع مذهب الشيعة في "الأئمة" وهي المروية في أخبارهم، ولكن المؤلف مع هذا لا يعطيها منزلة الأولية في الذكر، ولا الأولوية في الترجيح، بل يعرضها عرضا روائياً مع غيرها، ثم يحمل الآية على ما حملها عليه من العموم، وما أبرعه إذ يقول: "وولاية من أوجب اللّه طاعته" إن الشيعي والسني كليهما لا ينبوان عن هذه العبارة، فكل مؤمن يعتقد أن هناك من أوجب اللّه طاعته، وفي مقدمتهم الرسول وأولو الأمر، ووجه البراعة في ذلك أنه لم يعرض للفصل في مسألة "الولاية" و"الإمامة" هنا، لأن المقام لا يقتضي هذا الأمر، ولكنه مع ذلك أتى بعبارة يرتضيها الجميع، ولا ينبو عنها أي فكر.

على أنه - رحمه اللّه تعالى - متأثر مع ذلك إلى حد ما، بما هو ديدن جمهرة المفسرين من إعطاء أسباب النزول أهمية خاصة، ذلك الأمر الذي يتعارض مع مجيء القرآن عاما خالداً شاملا لجميع العصور التي تدل عليها عباراته المنزلة من لدن حكيم خبير، على ما تقتضيه الدقة والإحكام، ولكن الإمام الطبرسي لا ينفرد بذلك كما ألمعنا، وإنما هو أمر سرى إليه ممن قبله، وشاركه فيه من بعده، ولا شك أنهم لا يقصدون ما قد يفهمه غير الخاصة، من قصر معاني الآيات على موارد نزولها، فإن العبرة - كما هي القاعدة المقررة - بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

انتصاران للطبرسي

ومؤلف هذا الكتاب رجل بحاثة في مختلف العلوم، له تصانيف كثيرة تعد بالعشرات، ومنها ما هو في موضوعات مذهبية شيعية.

ومما يلفت النظر أنه عنى بتفسير القرآن الكريم عناية خاصة. حتى جعلها أكبر همه، وأعظم مجال لهمته، وقد كانت هذه العناية صادرة عن رغبة نفسية ملحّة راودته منذ عهد الشباب، وريان العيش، كما يقول في مقدمة كتابه، وكان كثير التشوق، شديد التشوف، إلى جمع كتاب في التفسير على طراز معين وصفه، وجعله هدفه، حتى هيأ الله له ذلك، وأعانه عليه، وقد ذرّف على الستين، واشتعل الرأس منه شيبا، وناهيك برغبة تصاحب العمر، فلا تستطيع نوازع الشباب أن تنزعها، ولا مثبطات الكهولة والشيب أن تصرف عنها، ثم ناهيك بمثل هذه الرغبة المتمكنة في نفس رجل علامة كهذا يتدبر وسائل تحقيقها عمرا طويلا، ويتأتي لها ويتمرس بالتجارب العقلية، والوسائل العملية، حتى ينفذها في عنفوان فتوته العملية، وقد استحصف عقله، واكتهل وعيه، وغزر محصوله، ووقف على الذروة من صرح العلم والفهم والبيان.

ولقد ذكر المؤرخون لسيرته أمراً عجبا، ذلك أنه ألف كتابه هذا المسمى "مجمع البيان"، جامعاً فيه فرائد كتاب من قبله اسمه "التبيان" للشيخ محمد بن الحسن ابن علي الطوسي، ولم يكن قد اطلع على تفسير الكشاف للزمخشري، فلما اطلع عليه صنف كتابا آخر في التفسير سماه: "الكافي الشاف من كتاب الكشاف" ويظهر من اسمه أنه أتى فيه بما اطلع عليه من تفسير الزمخشري، ولم يكن قد عرفه حتى يودعه كتابه الأول، ويذكرون اسماً آخر لكتاب ألفه بعد ذلك أيضاً وأسماه "الوسيط" في أربع مجلدات، وكتاباً ثالثاً اسمه "الوجيز" في مجلد أو مجلدين، كل ذلك في تفسير القرآن الكريم، ألفه بعد تفسيره الأكبر "مجمع البيان"، وبعض هذه الكتب يعرف باسم "جامع الجوامع" لجمعه فيه بين فرائد التبيان وزوائد الكشاف".

ثم يقارن الشيخ شلتوت بين مقطع من تفسير مجمع البيان وما يقابله من تفسير الكشاف، ويستنتج من المقارنة أن الفرق بين المفسرين كبير، وهذا هو الذي جعل الطبرسي لا يقنع بما وصل اليه، حتى يصله بما جدّ له من العلم، فيخرج ما أخرج من كتاب جديد. ويقول:

إنني أقف هنا موقف الإكبار والإجلال لهذا الخلق العلمي، بل هذه العظمة في الإخلاص للعلم والمعرفة، فهذا الصنيع يدل على أن الرجل كان قد بلغ به حب الدراسات القرآنية حداً كبيرا، فهو يتابعها في استقصاء، ثم يجهد نفسه في تسجيلها وترتيبها على هذا النحو الفريد الذي ظهر في "مجمع البيان"، ثم لا يكتفي بما بذل في ذلك من جهد كفيل بتخليد ذكره، حتى يضيف إلى آثاره العملية ماجدّ له بعد أن انتهى من تأليف كتابه، ولعله حينئذ كان قد بلغ السبعين أو جاوزها!

إن هذا اللون من المتابعة ومن النشاط العقلي، أو المراقبة العملية العقلية لفن من الفنون، ماكان منه، وما جد فيه، وما يمكن أن يضاف إليه، هو السمة الأولى التي يتسم بها العالم المخلص المحب لما يدرس، الذي يؤمن بالعلم، ويعرف أن بابه لم يقفل، وأنه ليس لأحد أن يزعم أنه قال في شيء منه الكلمة الأخيرة، فهو يتابع "السوق العملية" إن صح هذا التمثيل، ويراقبها مراقبة الهواة الذين يحرصون على اقتناء الطرف والتحف، ونحن نجد هذا الخلق العلمي في عصرنا الحاضر هو الذروة التي وصل إليها علماء الاختراع والكشف، فإن من تقاليد العلم المقدسة أن تراقب الدراسات، وتعرف التطورات، وأن يتجه النظر إلى جديد يُعرف، لا أن يتجمد تجاه ماعُرف.

إن هذا السلوك العلمي الرفيع هو الذي يوحي به القرآن الكريم، فإن الله تعالى يقول: (وما أوتيتم من العلم إلا قليلا) ويأمر رسوله بأن يستزيده من العلم، ويجعله من أعز آماله التي يتوجه فيها بالدعاء إلى ربه فيقول: (وقل رب زدني علما) فإذا كان الإنسان مهما أوتي من العلم لم يؤت إلا قليلا منه; وإذا كان المثل الأعلى للبشرية الكاملة، وهو محمد (صلى الله عليه وآله) محتاجا إلى أن يستزيد ربه علم مالم يعلم، فما بالنا بالإنسان المحدود علماً وعقلا، أليس من واجبه أن يتطلع دائماً إلى كل أفق ليعلم مالم يكن يعلم.

ولذلك طربت وأخذتني روعة لصنيع هذا العالم الشيعي الإمامي، حيث لم يكتف بما عنده وبما جمعه من علم شيخ الطائفة ومرجعها الأكبر في التفسير "الإمام الطوسي صاحب كتاب التبيان" حتى نزعت نفسه إلى علم جديد بلغه، هو علم صاحب الكشاف، فضم هذا الجديد إلى القديم، ولم يحل بينه وبينه اختلاف المذهب، وما لعله يسوق إليه من عصبية، كما لم يحل بينه وبينه حجاب المعاصرة، والمعاصرة حجاب، فهذا رجل قد انتصر بعد انتصاره العلمي الأول نصرين آخرين: نصراً على العصبية المذهبية، ونصراً على حجاب المعاصرة، وكلاهما كان يقتضي المعاظمة والمنافرة، لا المتابعة والمياسرة، وإن جهاد النفس لهو الجهاد الأكبر لو كانوا يعلمون.

ضرورة التبادل الثقافي

فإذا كنت أقدم هذا الكتاب للمسلمين في كل مذهب، وفي كل شعب، فإنما أقدمه لهذه المزايا وأمثالها، وليعتبروا بخير مافيه من العلم القوي، والنهج السوي، والخلق الرضيّ.

وقد يكون في الكتاب بعد هذا مالا أوافق أنا عليه، أو مالا يوافق عليه هؤلاء أو أولئك من قارئيه أو دارسيه، ولكن هذا لا يغض من عظمة هذا البناء الشامخ الذي بناه الطبرسي، فإن هذا شأن المسائل التي تقبل أن تختلف فيها وجهات النظر، فليقرأ المسلمون بعضهم لبعض، وليقبل بعضهم على علم بعض، فإن العلم هنا وهناك، والرأي مشترك، ولم يقصر الله مواهبه على فريق من الناس دون فريق، ولا ينبغي أن نظل على ما أورثتنا إياه عوامل الطائفية والعنصرية من تقاطع وتدابر وسوء ظن، فإن هذه العوامل مزورة على المسلمين، مسخرة من أعدائهم عن غرض مقصود لم يعد يخفى على أحد.

إن المسلمين ليسوا أرباب أديان مختلفة، ولا أناجيل مختلفة، وإنما هم أرباب دين واحد، وكتاب واحد، وأصول واحدة، فإذا اختلفوا فإنما هو اختلاف الرأي مع الرأي، والرواية مع الرواية، والمنهج مع المنهج، وكلهم طلاب الحقيقة المستمدة من كتاب اللّه، وسنة رسول الله، والحكمة ضالتهم جميعاً ينشدونها من أي أفق.

فأول شيء على المسلمين وأوجبه على قادتهم وعلمائهم أن يتبادلوا الثقافة والمعرفة، وأن يقلعوا عن سوء الظن وعن التنابز بالألقاب، والتهاجر بالطعن والسباب، وأن يجعلوا الحق رائدهم، والإنصاف قائدهم، وأن يأخذوا من كل شيء بأحسنه (فبشر عبادالذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه، أولئك الذين هداهم الله، وأولئك هم أولو الألباب) (انتهى ما نقلناه من مقال الشيخ شلتوت).



[ Web design by Abadis ]