ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 محور العقيدة

طالما سمعنا من معارضي "التقريب" أن المسألة الهامة التي تفرّق بين الشيعة والسنّة هي العقيدة (أو الاصول)، وأن التقريبيين يحاولون أن يبحثوا في مشتركات الفقه (أو الفروع) كي يبعدوا أنفسهم عن الاختلاف "الحقيقي"! بين الفريقين.

والواقع أن دعاة التقريب لم يبتعدوا عن البحث في مشتركات الاصول، تشهد بذلك - على سبيل المثال - دراسات مجلة "رسالة الاسلام" فقد طرحت آراء الشيعة والسنة في هذا المجال، ويتضح من هذه المقالات بما لا يقبل الشك أن "التقليد" و"الجهل" في العقيدة، وعدم التفريق بين "الضروري" و"غير الضروري" من أصول الدين هو الذي يثير الخلاف ويخلق التعصّب بين المذاهب، أما لو عوجلت مسائل العقيدة في إطار "الاجتهاد" و"ضروريات العقيدة" لكان الاختلاف في مسائل العقيدة، مثل الاختلاف في مسائل الفقه، طبيعياً ناشئا عن "الاجتهاد" المحمود في الاسلام.

في هذا العرض نقدم من مجلة "رسالة الاسلام" مقالين، الاول تحت عنوان: "ضرورات الدين والمذهب عند الشيعة الامامية" للشيخ محمد جواد مغنية والثاني تحت عنوان: "التقريب بين المذاهب الاسلامية ودراسة علم التوحيد" للشيخ عبد المتعال وهما على غاية من الاهمية، ويحتاجان الى دراسة مستوعبة وتفصيل وتوضيح، كي يفهم المسلم الشيعي والسني دائرة الضروري من الايمان الديني

المشترك مع جميع المسلمين، ولكي لا يقع في أحابيل المشعوذين الذين يرفعون سلاح التكفير والتفسيق بحق من لا يجاريهم في أمور لاهي من ضروريات الدين ولا هي من ضروريات المذهب.

مقال "مغنية" يتحدث عن الكافي من عقيدة التوحيد، والكافي مما يتفرع من هذه العقيدة. كما يبّين ضرورات المذهب ويفصلها عن ضرورات الدين، ويشير الى ماليس بضروري لا من المذهب ولا من الدين.

أما مقال الشيخ عبد المتعال الصعيدي فيقع في ثلاث حلقات، ننشر الحلقة الثالثة منها.

في الحلقة الاولى يذكر أن هدف التقريب لا يتحقق "مادامت دراسة علم التوحيد باقية على حالها القديم، بل لابد أن نعيد تدوينه من جديد، لندرس فيه الفرق الإسلامية دراسة جديدة تقرب بينها، وتجعل منها فرقاً متصافية متحابة، لا يفرق بينها الخلاف في الرأي، ولا يجعل فرقة منها تنظر بعين العداء إلى الفرقة الأخرى، لأنها ضالة أو فاسقة في نظرها، إلى غير هذا من الأوصاف التي تكيلها كل فرقة للأخرى في ذلك العلم، ولا يمكن أن يكون التقريب بين المذاهب معها خالصا ظاهراً وباطناً" [١].

ثم يذكر النزاع بين الاشاعرة والمعتزلة، وكيف استتب الامر للاشاعرة وآرائهم في علم التوحيد حتى اليوم.

ويذكر في الحلقة الثانية من مقاله أنّ الخصومات بين الاشاعرة والمعتزلة في علم التوحيد ألبسوها طابعا دينيا، وجعل أبو منصور عبد القاهر بن طاهر البغدادي، صاحب كتاب "الفرق بين الفرق وبيان الناجية منهم" أن الفرقة الناجية الوحيدة هي فرقة الاشاعرة، والباقون ضالون في النار!

وبعد أن ناقش الكاتب حديث "ستفترق أمتي…. " من حيث المتن والسند وضعّفه، رفض التفرقة التي ذهب اليها أبو منصور البغدادي بين المختلفين في الاصول

ـ

١ - العدد ٩ - الصفحة ٥٩.

والمختلفين في الفروع، فالاختلاف يجري في الاصول كما يجري في الفروع.

وفي القسم الثالث الذي نشره في هذا الملف يقول كلمة الفصل في هذا الموضوع، ويذهب فيه الى أن الاختلاف في العقيدة إنما يقوم على أساس "تأويل المتشابه" والتأويل اجتهاد في النص، فيجب أن يباح لمن يبلغ رتبة الاجتهاد من العلماء، وأن ينظر الى المجتهد فيه كما ينظر الى المجتهد في الفروع.

واليك الآن مقال العلامة الشيخ محمد جواد مغنية:

ضرورات الدين والمذهب [١]

عند الشيعة الامامية

أصول الاسلام

المسلم من صدَّق مقتنعا بكل ما اعتبره الإسلام من الأصول والفروع، والأصول ثلاثة: التوحيد، والنبوة، والمعاد، فمن شك في أصل منها، أو ذهل عنه قاصرا أو مقصرا فليس بمسلم، ومن آمن بها جميعاً جازما فهو مسلم، سواء كان إيمانه عن نظر واجتهاد، أم عن التقليد والعدوى، على شريطة أن يكون وفق الحق والواقع.

أما ماذكره العلامة الحلي، والشهيد الثاني، وغيرهما، من وجوب الاستدلال والنظر في الأمور والعقائد، وعدم كفاية التقليد فيهما، فإن المقصود منه التقليد الذي لا يوصل إلى الواقع، أما إذا كان سبيلا للتصديق بالحق، فلا ريب في إجزائه وكفايته، وإلا لم يبق من المسلمين سوى واحد من كل مائة، ولذا قال العلامة الأنصاري في كتاب الفرائد: "والأقوى كفاية الجزم الحاصل من التقليد".

ـ

١ - العدد ٨ - صفحة ٣٨٧.

الكافي من التوحيد والنبوة

ويكفي من التوحيد الايمان بوحدة الله تعالى، وقدرته وعلمه وحكمته، ولا تجب معرفة صفاته الثبوتية والسلبية بالتفصيل، ولا أنها عين ذاته أو غيرها، ويكفي من النبوة الإيمان بأن محمداً (صلى الله عليه وآله)، رسول من اللّه صادق فيما أخبر به معصوم في تبليغ الأحكام، فإن الرسول قد يخبر عن الشيء بصفته الدينية المحضة أي كونه رسولا مبلغاً عن اللّه تعالى، وقد يخبر عنه بصفته الشخصية، أي كونه إنساناً من البشر، فما كان من النوع الأول، يجب التعبد به، وما كان من النوع الثاني فلا يجب.

أما التصديق والإيمان بأن النبي كان يسمع ويرى وهو نائم، كما يسمع ويرى وهو مستيقظ، وأنه يرى من خلفه كما يرى من أمامه، وأنه عالم بجميع اللغات، وأنه أول من تنشق عنه الأرض، فليس من ضرورات الدين ولا المذهب.

الكافي من المعاد

ويكفي من المعاد الاعتقاد بأن كل مكلف يحاسب بعد الموت على ما اكتسبه في حياته، وأنه ملاق جزاء عمله، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر، أما أنه كيف يحاسب العبد؟ وعلى أية صورة بالتحديد يكون ثواب المحسن، وبأي لون يعاقب المسيء؟ فلا يجب التدين بشيء من ذلك.

فالتوحيد، والنبوة، والمعاد دعائم ضرورية لدين الإسلام، فمن أنكر واحدا منها، أو جهله فلا يعد مسلما شيعيا، ولا سنيا.

الفروع الضرورية

أما الفروع التي هي من ضرورات الدين، فهي كل حكم اتفقت عليه المذاهب الإسلامية كافة من غير فرق بين مذهب ومذهب، كوجوب الصلاة، والصوم، والحج، والزكاة، وحرمة زواج الأم والأخت، وما إلى ذلك مما لا يختلف فيه رجلان من المسلمين، فضلا عن طائفتين منهم، فإنكار حكم من هذه الأحكام إنكار للنبوة، وتكذيب لما ثبت في دين الإسلام بالضرورة.

الفرق بين الاصول والفروع الضرورية

والفرق بين الأصول والفروع الضرورية، أن الذي لا يدين بأحد الأصول يكون خارجا عن الإسلام، جاهلا كان أم غير جاهل، أما الذي لا يدين بفرع ضروري، كالصلاة والزكاة، فإن كان ذلك مع العلم بصدوره عن الرسول (صلى الله عليه وآله)، فهر غير مسلم، لأنه إنكار للنبوة نفسها، وإن كان جاهلا بصدوره عن الرسالة، كما لو نشأ في بيئة بعيدة عن الإسلام والمسلمين، فلا يضر ذلك باسلاميته إذا كان مؤمنا بكل ماجاء به الرسول، ولو على سبيل الإجمال، فالتدين بالأصول أمر لابد منه للمسلم، ولا يعذر فيها الجاهل، أما إنكار الأحكام الفرعية الضرورية فضلا عن الجهل بها، فلا يضر بـإسلامية المسلم إلا مع العلم بأنها من الدين، فالإمامة ليست أصلا من أصول دين الإسلام، وإنما هي أصل لمذهب التشيع، فمنكرها مسلم إذا اعتقد بالتوحيد، والنبوة، والمعاد، ولكنه ليس شيعيا.

ضرورات المذهب

ضرورات المذهب عند الشيعة على نوعين: النوع الأول يعود إلى الاصول، وهي الامامة، فيجب على كل شيعي إمامي أن يعتقد بـإمامة الاثنى عشر إماما، ومن ترك التدين بـإمامتهم عالما كان أم جاهلا، واعتقد بالأصول الثلاثة، فهو عند الشيعة مسلم غير شيعي، له ما للسملمين، وعليه ماعليهم، فالإمامة أصل لمذهب التشيع الذي يرجع معناه ودليله إلى حديث الثقلين "مثل أهل بيتي كسفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق".

النوع الثاني من ضرورات مذهب الشيعة يرجع إلى الفروع، كنفي العول والتعصيب، ووجوب الاشهاد على الطلاق، وفتح باب الاجتهاد، وما إلى ذلك مما اختصوا به دون سائر المذاهب الإسلامية، فمن أنكر فرعا منها مع علمه بثبوته في مذهب التشيع لم يكن شيعياً.

ليس عند الشيعة "صحاح"

وأغتنم هذه المناسبة لألفت نظر من يحتج على الشيعة ببعض الأحاديث

الموجودة في كتبهم - ومنها الكافي، والاستبصار، والتهذيب، ومن لا يحضره الفقيه - (فأقول: إن) فيها الصحيح والضعيف، وأن كتب الفقه التي ألفها علماؤهم فيها الخطأ والصواب، فليس عند الشيعة كتاب يؤمنون بأن كل مافيه حق وصواب من أوله إلى آخره غير القرآن الكريم، فالأحاديث الموجودة في كتب الشيعة لا تكون حجة على مذهبهم، ولا على أي شيعي بصفته المذهبية الشيعية، وإنما يكون الحديث حجة على الشيعي الذي ثبت عنده الحديث بصفته الشخصية.

وهذه نتيجة طبيعية لفتح باب الاجتهاد لكل من له الأهلية، فإن الاجتهاد يكون في صحة السند وضعفه، كمايكون في استخراج الحكم من آية أو رواية.

ولا أغالي إذا قلت: إن الاعتقاد بوجود الكذب والدس بين الأحاديث ضرورة من ضرورات دين الإسلام من غير فرق بين مذهب ومذهب، حيث اتفقت على ذلك كلمة جميع المذاهب الإسلامية. (انتهى مقال الشيخ مغنية).

أما مقال الشيخ عبد المتعال الصعيدي فكما ذكرنا تحت عنوان:

التقريب بين المذاهب الاسلامية [١]

ودراسة علم التوحيد

إذا أردنا أن نعرف حقيقة حكم الإسلام في خلاف الفرق في الأصول، وجب أن نعرف: هل هناك ما يقتضي وجود هذا الخلاف؟ لأنه إذا كان هناك ما يقتضي وجود الخلاف في الأصول، وجب أن يقبل الخلاف بين الفرق فيها، كما يقبل في الفروع، فلا يكون هناك فرق بين ما يقبل الخلاف من أصول الدين وفروعه، بل يجب أن ينظر إلى الخلاف في البابين نظرة واحدة، لأن قبول الخلاف في أحدهما دون الآخر، يكون تحكماً غير مقبول.

وقد ذكر ابن رشد في كتاب - فصل المقال فيما بين الحكمة والشريعة من الاتصال - أن معرفة الله تعالى هي السعادة التي دعت إليها الحكمة والشريعة، وقد

ـ

١ - العدد ١٢ - صفحة ٣٠٧.

أمر بها كل مسلم من الطريق الذي تقتضيه طبيعته من التصديق، لأن طباع الناس في التصديق متفاضلة، فمنهم من يصدق بالبرهان، ومنهم من يصدق بالدليل الجدلي، ومنهم من يصدق بالدليل الخطابي، لأنه ليس في طبع كل واحد منهم أكثر من ذلك، ثم ذكر أنه لما اختصت شريعتنا بدعوة الناس من هذه الطرق الثلاث، عم التصديق بها كل إنسان، إلا من يجحدها عناداً بلسانه، أو من لم تتقرر عنده طرق الدعوة فيها إلى اللّه لإغفاله ذلك من نفسه، وخص النبي (صلى الله عليه وآله) بالبعث إلى الأحمر والأسود، لتضمن شريعته طرق الدعوة إلى اللّه تعالى، كما جاء في قوله تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن) فالحكمة إشارة إلى البرهان، والموعظة إشارة إلى الدليل الخطابي، والجدال بالتي هي أحسن إشارة إلى الدليل الجدلي.

وقد اقتضى هذا أن تختلف نصوص القرآن إلى محكم ومتشابه، كما اقتضاه نزول القرآن في أعلى درجات البلاغة، لتدخل بلاغته في إعجازه، كما يدخل غيرها من وجوه الإعجاز، ولابد في البلاغة من استعمال أساليب المجاز والاستعارة والكناية، وما إلى هذا من أساليبها، وهذه الأساليب كثيراً ما تقتضي وجود قسم المتشابه في نصوص القرآن.

وهذا المتشابه من نصوص القرآن هو الذي اقتضى وجود الخلاف بين المسلمين في الأصول، كما يشير إلى هذا قوله تعالى: (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات، فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، وما يعلم تأويله إلا اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنا به، كل من عند ربنا وما يذكر إلا أولو الألباب). وقد اختلف العلماء في تأويل المتشابه، ففريق يمنعه لأنه يقف على قوله "إلا اللّه" فيكون مما استأثر اللّه بعلم تأويله، وعلى الراسخين في العلم أن يؤمنوا به من غير تأويل، وربما يشهد لهذا قوله: (فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله) وفريق لا يمنع التأويل لأنه يقف على قوله: (والراسخون في العلم) فيكون الراسخون في العلم ممن يعلم تأويل المتشابه، ويجوز لهم أن يذهبوا إلى تأويله اذا

لم يكن قصدهم به ابتغاء الفتنة، وارادة تفريق كلمة المسلمين، وإيقاع العداوة والخصام بينهم، وانما يكون قصدهم الوصول الى الحقيقة، والاجتهاد في معرفة المقصود من المتشابه.

وجمهور المسلمين الآن يذهب إلى جواز تأويل المتشابه، ويرى أنه إذا تعارض دليل النقل، ودليل العقل، وجب تأويل دليل النقل بما يوافق دليل العقل، والتأويل اجتهاد في النص، فيجب أن يباح لمن يبلغ رتبة الاجتهاد من العلماء، وأن ينظر إلى المجتهد فيه كما ينظر إلى المجتهد في الفروع، وأن يقبل الخلاف فيه كما يقبل الخلاف فيها، لأن إباحة الاجتهاد في شيء تقتضي إباحة الخلاف فيه، إذ لا يباح الاجتهاد إلا فيما لا يقين فيه بدليل نقلي أو عقلي، وعند فقد اليقين يأتي الخلاف ويتشعب الرأي، ولا يليق بسماحة الدين أن يضيق في مثل هذا الخلاف، لأنه لا يعلم فيه الحق بيقين، فيكون من التحكم الإلزام فيه برأي من الآراء، بل يكون لكل مجتهد رأيه فيه، فان كان مصيباً في الواقع فهو مأجور، وإن كان مخطئاً في الواقع فهو معذور، ولا يحرم من أجر على اجتهاده، وتكون ميزة المصيب عليه أنه يؤجر أجرين: أجر على اجتهاده، وأجر على صوابه.

وقد بلغ من تسامح القائلين بالتأويل وهم جمهور المسلمين أن ذهبوا إلى أنه لا كفر مع التأويل ولو خرق الإجماع، وقد أشار ابن رشد إلى هذا في كتابه السابق، فذكر أنه إذا كان في الشرع أشياء أجمع المسلمون على حملها على ظاهرها وأشياء أجمعوا على تأويلها، وأشياء اختلفوا فيها، فهل يجوز أن يؤدي البرهان إلى تأويل ما أجمعوا على ظاهره أو ظاهر ما أجمعوا على تأويله، ثم أجاب عن هذا بأنه لا يصح ذلك إذا ثبت الإجماع بطريق يقيني، وإذا كان ظنيا فقد يصح، ولهذا قال الغزالي وإمام الحرمين: إنه لا يقطع بكفر من خرق الإجماع بالتأويل في أمثال هذه الأشياء.

ثم ذكر أنه مما يدل على أن الإجماع لا يثبت في النظريات بطريق يقيني كما يثبت في العمليات - الفروع - أنه لا يمكن ثبوته في مسألة مافي عصر ما إلا إذا كان ذلك العصر محصوراً عندنا، وكان علماؤه معلومين عندنا بأعيانهم وعددهم ونقل إلينا في المسألة مذهب كل واحد منهم بالتواتر، وصح عندنا اتفاقهم على أنه ليس في

الشرع ظاهر وباطن، وأن العلم بكل مسألة لا يصح أن يكتم عن أحد، وأن الناس طريقهم واحد في علم الشريعة، وقد نقل عن كثير من الصدر الأول خلاف ذلك، كما نقل عن علي (رضي الله عنه) أنه قال: حدثوا الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب اللّه ورسوله؟ ! فكيف يتصور مع هذا إجماع في مسألة نظرية، ونحن نعلم أنه لا يخلو عصر من علماء يرون أن في الشرع أشياء لا يصح أن يعلم حقيقتها إلا أهل التأويل، وهم العلماء الراسخون في العلم، وهذا بخلاف العمليات - الفروع - لأن الناس كلهم يرون إفشاءها لجميع الناس على السواء، فيكفي في ثبوت الإجماع فيها أن تنتشر المسألة فلا ينقل إلينا فيها خلاف.

وقد ذكر ابن تيمية أن عدم الفرق في الاجتهاد بين الأصول والفروع هو قول السلف كأبي حنيفة والشافعي والثوري والظاهري وغيرهم - منهاج السنة النبوية ج ٣ ص ٢٠ - وقد ذهب إليه بعدهم عبيد الله بن الحسن العنبري، وحجتهم في هذا أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإن أخطأ فله أجر واحد" وأي حاكم أحق بهذا من الذي يحكم على الوجود بأنه كذا أوليس كذا، وما إلى هذا من المسائل العويصة في الأصول، وهؤلاء الحكام هم العلماء الذين خصهم اللّه تعالى بالتأويل، والخطأ المصفوح عنه هوالخطأ الذي يقع منهم، والخطأ الذي يقع من غيرهم إثم محض، لأنه ليس من أهل التأويل مثلهم. وهذا إلى أن التصديق بالشيء من جهة الدليل القائم بالنفس اضطراري لا اختياري، وإذا كان من شرط التكليف الاختيار فالمصدق بالخطأ لشبهة عرضت له معذور إذا كان من أهل العلم.

وبهذا يكون الخطأ على قسمين: خطأ يعذر فيه من هو من أهل النظر فيما أخطأ فيه، كما يعذر الطبيب الماهر إذا أخطأ في صناعة الطب، وخطأ لا يعذر فيه أحد من الناس، فاذا وقع في مبادئ الشريعة فهو كفر، وإذا وقع فيما بعد المبادئ فهو بدعة، وهذا الخطأ هو الذي يكون في الأمور التي تؤدي جميع أصناف الأدلة الى معرفتها فتكون معرفتها ممكنة لجميع الناس، كالإقرار باللّه تعالى والنبوات والسعادة والشقاء الأخرويين، فالجاحد لها كافر معاند بلسانه دون قلبه، أو بغفلته عن معرفة دليلها، لأنه اذا كان من أهل البرهان فقد جعل له سبيل الى التصديق بها بالبرهان،

وان كان من أهل الموعظة فقد جعل له سبيل إلى التصديق بها بالموعظة، وإن كان من أهل الجدل فقد جعل له سبيل إلى التصديق بها بالجدل.

وإذا كان هذا شأن الخلاف في مسائل الأصول، ، وإذا كانت فرقها ناجية أصابت أو أخطأت، فإنه يجب أن يكون الجدال بين هذه الفرق بالتي هي أحسن فلا يتعدى الإقناع بالدليل إلى إثارة الفرقة والخصام، ومحاولة التفريق بين المسلمين ليضعف أمرهم، ويتمكن أعداؤهم منهم، لأن من يقصد إلى هذا لا يكون مسلما بل كافراً، ومن فعله من غير قصد قد يكون آثما لأنه يضر المسلمين بفعله، ولا يصح أن يعذر فيما يضر به غيره.

وكذلك لا يصح أن يتعدى الجدال بين الفرق حد الاقناع بالدليل الى الطعن في الدين، والحكم على المخالف بفسق أو إثم، لأنه لا فسق ولا إثم في ذلك الخلاف، بل يكون الآثم والفاسق فيه هو من يحكم على المخالف بالإثم والفسق.

وقد سن القرآن الكريم سنة دعوة المخالفين في الدين من المشركين وغيرهم بالحكمة والموعظة الحسنة، فأمرنا أن نجادلهم بالتي هي أحسن، فقال تعالى: (ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن). وقال تعالى: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن). ولا شك أن الموافقين لنا في الإسلام أولى بهذه المعاملة الكريمة عند الخلاف في أمر من أمور الدين، فيجب أن يدعو بعضنا بعضا بالحكمة والموعظة الحسنة، ويجب أن يجادل بعضنا بعضا بالتي هي أحسن حتى لا يفرق بيننا الخلاف في الرأي، ولا يثير بيننا شيئاً من العداوة والخصومة، ومن ميزة الإسلام أنه لم يجعل الخلاف بين الناس في الدين سببا من أسباب العداوة بينهم، فلم يرض للمسلمين أن يعادوا غيرهم لمجرد الخلاف في الدين، ولهذا قال الله تعالى: (لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن اللّه يحب المقسطين) ولاشك أن فرق المسلمين أولى بالموادة فيما بينهم، لأن الخلاف فيما بينهم لا يبلغ ما يبلغه الخلاف بينهم وبين غيرهم.

ويجب أن يكون هذا أيضاً شأن الفرق الناجية من المسلمين مع الفرقة غير

الناجية، وهي فرقة الزنادقة، والهاء في زنادقة عوض من الياء في زنديق، والزنديق فارسي معرب، كان أصله عندهم - زنده كرد - زنده: الحياة، وكرد: العمل، أي يقول بدوام الدهر، ويقال له في العربية: ملحد، ودَهري بفتح الدال، فإذا أرادوا معنى السن قالوا دُهري بضمها، وقال القاموس: الزنديق بالكسر من الثنوية، أوالقائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وهذا المعنى الأخير هو الذي يناسب عندي الحديث السابق: "تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، كلها في الجنة إلا الزنادقة" لأن الزنادقة بالمعنى الأخير يمكن أن يعدوا من فرق المسلمين بحسب ظاهرهم، بخلاف المعاني التي قبل المعنى الأخير، والزنديق بهذا المعنى يرادف كلمة منافق، وقد ظهر المنافقون في عهد النبي (صلى الله عليه وآله)، فكان يقبل منهم ظاهرهم ويجري عليهم أحكام المسلمين، ولا يكلف نفسه التفتيش عن عقائدهم، بل كان يقول: "أمرت أن آخذ بالظاهر، واللّه يتولى السرائر". وقد روى عدي بن الخيار أن رجلا سارَّ رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فلم ندر ما ساره حتى جهر رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، فاذا هو يستأذنه في قتل رجل من المنافقين، فقال رسول اللّه (

صلى الله عليه وآله) أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) أولئك الذين نهاني اللّه عنهم.

ولا ينافي هذا ما ورد في سورة التوبة من التشدد في أمر أولئك المنافقين، لأن هذا كان في شأن فريق منهم كان يكيد للإسلام والمسلمين، ويقوم بالتجسس عليهم لأعدائهم، ولا يكتفي بما يبطنه من الكفر، فيخون وطنه كما يخون دينه، وخيانة الدين بـإبطان الكفر يمكن الإغضاء عنها في الدنيا، ولا يمكن الإغضاء عن خيانة الوطن بذلك الشكل، لأن خيانته لدينه بـإبطان الكفر يعود ضررها على نفسه، وخيانته لوطنه يعود ضررها على غيره، فلا يصح أن يغضى عنها كما يغضى عن الأولى. (انتهى مقال الشيخ عبد المتعال).



[ Web design by Abadis ]