ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 البيان الاول واصداؤه

صدر العدد الاول من مجلة "رسالة الاسلام" وهو يحمل بيانا هاما من الشيخ عبد المجيد سليم رئيس لجنة الفتوى بالازهر ووكيل جماعة التقريب، يتضمن الاسس التي يقوم عليها التقريب في رأيه. وبسبب ما كان للشيخ (رحمه الله) من مكانة مرموقة في مصر وفي أرجاء العالم الاسلامي، فقد حفّز البيان عددا من علماء الشيعة ليعلقوا عليه، ويدلوا في التعليق بآراء خطيرة على غاية من الاهمية، تبيّن الأفق الواسع لدعاة التقريب من علمائنا، وتوضّح عدم وجود مسألة لا يمكن الاتفاق عليها أو المصالحة بشأنها، وتؤكد أن مسألة التقريب لها رصيدها الضخم في التاريخ والتراث والواقع والمستقبل، ولها ما يوجبها علميا وعمليا.

وفي هذا الملف ننشر أقساما من مقال الشيخ عبد المجيد سليم الذي طلع تحت عنوان:

بيان للمسلمين [١]

وقد جاء فيه:

الدين الإسلامي قائم على نوعين من الأحكام:

أحدهما: أحكام ثابتة، يجب الإيمان بها، ولا يسوغ الاختلاف فيها وليس من شأنها أن تتغير بتغير الزمان والمكان، ولا أن تخضع لبحث الباحثين، واجتهاد

ـ

١ - العدد الأول - السنة الأولى - ربيع الاول ١٣٦٨هـ

المجتهدين. ذلك بأنها ثابتة عن الله تعالى بطريق يقيني لا يحتمل الشك، واضحة في معانيها، ليس فيها شيء من الإبهام أو الغموض.

والثاني: أحكام اجتهادية نظرية مرتبطة بالمصالح التي تختلف باختلاف ظروفها وأحوالها، أو راجعة الى الفهم والاستنباط اللذين يختلفان باختلاف العقول والأفهام، أو واردة بطريق لا يرقى إلى درجة العلم واليقين، ولا يتجاوز مرتبة الظن والرجحان.

والنوع الأول من الأحكام - وهو القطعي في روايته ودلالته - هو الأساس الذي أوجب الله على المسلمين أن يبنوا عليه صرح وحدتهم غير متنازعين، وربط به عزهم وقوتهم وهيبتهم في أعين خصومهم والمتربصين. والمسلمون كلهم مؤمنون به إيمانا ثابتاً لا يتزعزع، لا فرق في ذلك بين طائفة منهم وطائفة.

وإن جميع الآيات التي جاءت في النهي عن التفرق، وذم الاختلاف، والتحذير منه، وضرب الأمثال بما كان من الأمم السابقة حين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءتهم البينات، إنما تعني الاختلاف والتفرق في هذا النوع من الأحكام، ومن ذلك قوله تعالى: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا ليست منهم في شيء). (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعدما جاءتهم البينات). (فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة اللّه التي فطر الناس عليها. لا تبديل لخلق الله. ذلك الدين القيم. ولكن أكثر الناس لا يعلمون. منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين. من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا كل حزب بما لديهم فرحون).

فهذا هو الاختلاف المذموم المنهي عنه في كتاب اللّه تعالى.

أما النوع الثاني من الأحكام، فإن الاختلاف فيه أمر طبيعي، لأن العقول تتفاوت، والمصالح تختلف، والروايات تتعارض، ولا يعقل في مثل هذا النوع أن يخلو مجتمع من الاختلاف، ويكون جميع أفراده على رأي واحد في جميع شؤونه، وهذا النوع من الاختلاف غير مذموم في الإسلام، مادام المختلفون مخلصين في بحثهم، باذلين وسعهم في تعرف الحق واستبانته، بل إنه ليترتب عليه كثير من المصالح،

وتتسع به دائرة الفكر، ويندفع به كثير من الحرج والعسر، وليس من شأنه أن يفضي، ولا ينبغي أن يفضي بالمسلمين الى التنازع والتفرق، ويدفع بهم الى التقاطع والتنابز.

ولقد كان أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) والتابعون لهم بـإحسان، والأئمة عليهم الرضوان، يختلفون، ويدفع بعضهم حجة بعض، ويجادلون عن آرائهم بالتي هي أحسن، ويدعون إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة، ولم نسمع أن أحدا منهم رمى غيره بسوء، أو قذفه ببهتان، ولا أن هذا الاختلاف بينهم كان ذريعة للعداوة والبغضاء، ولا أن آراءهم فيما اختلفوا فيه، قد اتخذت من قواعد الإيمان وأصول الشريعة التي يعد مخالفها كافراً أو عاصياً للّه تعالى، وقد كانوا يتحامون الخوض في النظريات، وفتح باب الآراء في العقائد وأصول الدين، ويحتمون الاعتصام فيها بالمأثور، سداً لذريعة الفتنة، وحرصاً على وحدة الأمة، وتفرغا لما فيه عزهم وسعادتهم وارتفاع شأنهم، ولذلك كانوا أقوياء ذوي عزة ومهابة "أشداء على الكفار رحماء بينهم".

ولكن المسلمين لم يلبثوا أن انحرفوا عن هذه السبيل، واتخذوا من خلافاتهم عصبيات جامدة لا تعرف التفاهم، ولا تنزل على حكم البرهان والعقل، فكانوا باختلافهم المذهبي كالمختلفين في الدين. يتبادلون سوء الظن. ويتراشقون بالتهم جزافا، وينظر بعضهم إلى بعض في حذر وحيطة، بل أفضى بهم ذلك في كثير من الأحيان الى التضارب والتقاتل وسفك الدماء، وبذلك انحلت عرى الأمة، وانفصمت وحدتها، وقدر عليها أعداؤها. ونزع الله هيبتها من القلوب. وأصبحت غثاء كغثاء السيل. وانقلب الخلاف الذي كان رحمة ونعمة. إلى بلاء وشر وفتنة. وصار مثله كمثل الخلاف في الأصول. والنزاع على الأسس الأولى للإيمان.

ولقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يخشى هذا التفرق. ويحذّر منه. وكان يشبه المؤمنين بالجسد الواحد. ولم يكن شيء أبغض إليه بعد الكفر باللّه من الاختلاف والتنازع ولو في الأمور العادية.

إن هذه الأمة لن تصلح إلا إذا تخلصت من هذه الفرقة، واتحدت حول أصول الدين، وحقائق الإيمان، ووسعت صدرها فيما وراء ذلك للخلافات مادام الحكم فيها للحجة والبرهان.

ولقد أدركنا في الأزهر على أيام طلبنا العلم، عهد الانقسام والتعصب للمذاهب ولكن اللّه أراد أن نحيا حتى نشهد زوال هذا العهد، وتطهر الأزهر من أوبائه وأوضاره; فأصبحنا نرى الحنفي والشافعي والمالكي والحنبلي، إخوانا متصافين وجهتهم الحق، وشرعتهم الدليل، بل أصبحنا نرى بين العلماء من يخالف مذهبه الذي درج عليه، في أحكامه لقيام الدليل عنده على خلافه، وقد جريت طول مدة قيامي بالإفتاء في الحكومة والأزهر - وهي أكثر من عشرين عاما - على تلقي المذاهب الإسلامية - ولو من غير الأربعة المشهورة - بالقبول، مادام دليلها عندي واضحا، وبرهانها لدّى راجحاً، مع أنني حنفي المذهب، كما جريت، وجرى غيري من العلماء على مثل ذلك فيما اشتركنا في وضعه أو الإفتاء فيه من قوانين الأحوال الشخصية في مصر. مع أن المذهب الرسمي فيها هو المذهب الحنفي. وعلى هذه الطريقة نفسها تسير "لجنة الفتوى بالأزهر" التي أتشرف برياستها. وهي تضم طائفة من علماء المذاهب الأربعة.

فإذا كان الله قد برأ المسلمين من هذه النعرة المذهبية التي كانت تسيطر عليهم إلى عهد قريب في أمر الفقه الإسلامي; فإنا لنرجو أن يزيل ما بقي بين طوائف المسلمين من فرقة ونزاع في الأمور التي لم يقم عليها برهان قاطع يفيد العلم. حتى يعودوا كما كانوا أمة واحدة. ويسلكوا سبيل سلفهم الصالح في التفرغ لما فيه عزتهم. وبذل الوسع فيما يعلي شأنهم. واللّه الهادي إلى سواء السبيل. وهو حسبنا ونعم الوكيل (انتهى ما نقلناه من مقال الشيخ عبد المجيد سليم).

ومن التعليقات الهامة على هذا المقال مقال بعثه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء فقيه النجف الكبير، وفيه إثارات هامة نشير الى بعضها:

- الاختلاف في "الامامة" و"الخلافة" إنما هو اختلاف في داخل الدائرة

الاسلامية، ولا يخرج من هذه الدائرة من لا يؤمن بالامامة أو لا يؤمن بالخلافة.

- نهى أئمة الشيعة المس من كرامة الخلفاء (الراشدين) أو الطعن فيهم.

- الرأي السلبي في الخلفاء إن كان عن اجتهاد لا يدخل في المعصية ولا يوجب فسقا استنادا الى المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد.

- لو نظرنا الى قضية الخلاف من زاوية ما جرّه على المسلمين في تاريخهم وواقعهم لفهمنا أكثر ضرورة التقريب ووجوبه.

في كلمة الامام الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء المنشورة تحت عنوان:

بيان للمسلمين [١]

جاء:

إن "جمعية التقريب" لعلها تقول: المسلمون بعد اتفاقهم كلمة واحدة على أن القرآن العزيز وحي من اللّه جل شأنه وأن العمل به واجب، ومنكر كونه وحياً كافر، والقرآن صريح في لزوم الاتفاق والإخاء والنهي عن التفرق والعداء، وقد جعل المسلمين إخوة فقال عز شأنه: (إنما المؤمنون إخوة). (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا). (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء) إلى كثير من أمثالها، فبعد اتفاقهم على وجوب الأخذ بنصوص الكتاب الكريم فأي عذر لهم في هذا التباعد والتباغض والعداء والبغضاء، وكفى بالقرآن جامعا لهم مهما بلغ الخلاف بينهم في غيره، فان رابطة القرآن تجمعهم في كثير من الأصول والفروع، تجمعهم في أشد الروابط من التوحيد والنبوة والقبلة وأمثالها من الأركان والدعائم. واختلاف الرأي فيما يستنبط أو يفهم من القرآن في بعض النواحي، اختلاف اجتهادي لا يوجب التباغض والتعادي.

نعم أعظم فرق جوهري، بل لعله الفارق الوحيد بين الطائفتين: السنة، والشيعة،

ـ

١ - العدد ٧ - الصفحة ٢٦٨.

هو قضية الإمامة حيث وقع الفرقتان منها على طرفي الخط، فالشيعة ترى أن الامامة أصل من أصول الدين، وهي رديفة التوحيد والنبوة، وأنها منوطة بالنص من اللّه ورسوله، وليس للأمة فيها من الرأي والاختيار شيء، كما لا اختيار لهم في النبوة بخلاف إخواننا من أهل السنة، فهم متفقون على عدم كونها من أصول الدين، ومختلفون بين قائل بوجوب نصب الامام على الرعية بالاجماع ونحوه، وبين قائل بأنها قضية سياسية ليست من الدين في شيء لا من أصوله ولا من فروعه، ولكن مع هذا التباعد الشاسع بين الفريقين في هذه القضية، هل تجد الشيعة تقول إن من لا يقول بالامامة غير مسلم (كلا ومعاذ اللّه) أو تجد السنة تقول إن القائل بالامامة خارج عن الاسلام - لا وكلا - إذن فالقول بالامامة وعدمه لا علاقة له بالجامعة الاسلامية وأحكامها من حرمة دم المسلم وعرضه وماله، ووجوب أخوته، وحفظ حرمته، وعدم جواز غيبته، إلى كثير من أمثال ذلك من حقوق المسلم على أخيه.

نعم ونريد أن نكون أشد صراحة من ذلك، ولا نبقى مالعله يعتلج أو يختلج في نفس القراء الكرام. فنقول: لعل قائلا يقول إن سبب العداء بين الطائفتين أن الشيعة ترى جواز المس من كرامة الخلفاء أو الطعن فيهم، وقد يتجاوز البعض إلى السب والقدح مما يسيء الفريق الآخر طبعاً ويهيج عواطفهم. فيشتد العداء والخصومة بينهم.

والجواب أن هذا لو تبصرنا قليلا ورجعنا إلى حكم العقل بل والشرع أيضا لم نجده مقتضياً للعداء أيضا.

أما (أولا) فليس هذا من رأي جميع الشيعة وإنما هو رأي فردي من بعضهم، وربما لا يوافق عليه الأكثر. كيف وفي أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك فلا يصح معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرفين منهم.

(وثانيا) أن هذا على فرضه لا يكون موجبا للكفر والخروج عن الإسلام. بل أقصى ما هناك أن يكون معصية، وما أكثر العصاة في الطائفتين. ومعصية المسلم لا تستوجب قطع رابطة الأخوة الإسلامية معه قطعا.

(وثالثاً) قد لا يدخل هذا في المعصية أيضاً ولا يوجب فسقا إذا كان ناشئاً عن اجتهاد واعتقاد، وإن كان خطأ، فان من المتسالم عليه عند الجميع في باب الاجتهاد أن للمخطئ أجراً وللمصيب أجرين. وقد صحح علماء السنة الحروب التي وقعت بين الصحابة في الصدر الأول كحرب الجمل وصفين وغيرهما، بأن طلحة والزبير ومعاوية اجتهدوا، وهم وإن أخطأوا في اجتهادهم، ولكن لا يقدح ذلك في عدالتهم وعظيم مكانتهم. وإذا كان الاجتهاد يبرر ولا يستنكر قتل آلاف النفوس من المسلمين وإراقة دمائهم، فبالأولى أن يبرر ولا يستنكر معه - أي مع الاجتهاد - تجاوز بعض المتطرفين على تلك المقامات المحترمة.

والغرض من كل هذا أننا مهما تعمقنا في البحث ومشينا على ضوءالأدلة عقلية أو شرعية، وتجردنا من الهوى والهوس والعصبيات، فلا نجد أي سبب مبرر للعداء والتضارب بين طوائف المسلمين مهما اتسعت شقة الخلاف بينهم في كثير من المسائل.

هذا كله بالنظر إلى القضية من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات، فكيف إذا نظرنا إليها من حيث ما جرّه هذا الخلاف والعداء من الويلات والبليات على المسلمين، وما ضاع على أثره من الممالك الإسلامية الكبرى كالأندلس والقوقاز وبخارى ونحوها، ولو أن المسلمين كانوا في تلك الظروف يداً واحدة كما أمرهم اللّه، لما انتزع من الإسلام شبر واحد.

وإذا لم يكفنا عبرة ما سجله التاريخ من تلك الفجائع فليكفنا ما رأيناه بأعيننا من رزية المسلمين بفلسطين وهي الفردوس الثاني. سبع دول عربية إسلامية كما يزعمون تتغلب عليها عصابة من أذل الأمم مشهداً وأقلهم عددا. ثم يمزقون تلك الدول شر ممزق. يشردون تسعمائة ألف مسلم بل أكثر من عرب فلسطين فيملكون دورهم وقصورهم وأراضيهم وأموالهم، ويضعونهم في البراري والقفار، تحت رحمة الأقدار. يفتك بهم البرد والجوع والمرض، والمسلمون يسرحون ويمرحون لا ينصرونهم إلا بالكلمات الفارغة، والتأوهات الكاذبة. أما واللّه لو أن تلك الدول تركت

عرب فلسطين يحاربون اليهود بأنفسهم لما استطاع اليهود أن يتغلبوا على قرية من قراهم أو قطعة من أراضيهم. لم يكتف المسلمون بخذلان إخوانهم وتسليمهم إلى اليهود، بل كانوا ولا يزالون حتى اليوم عونا لليهود، يساعدونهم بكل ما في وسعهم من تهريب وغيره; بل يصنعون لليهود ما لايصنع اليهود لأنفسهم ; كل ذلك من آثار التقاطع والتخاذل بين المسلمين; فلا جامعة تجمعهم ولا رابطة تربط بعضهم ببعض، وتعطف بعضاً على بعض، لذلك حقت عليهم كلمة العذاب، ولا يسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين.

نعود فنقول إن جمعية التقريب تريد أن تقرب بين الطوائف الإسلامية وترفع العداء المستحكم بينهم، وتدعوهم إلى الأخذ بما أمرهم اللّه به من الاعتصام بحبل الإسلام، وأن لا يتفرقوا ويتنازعوا فتذهب ريحهم، ويتسلط عليهم أذل عباده وأرذل خلقه; وليست هذه الفئة المباركة بأول من نهض بهذه الدعوة وقام بهذه الفكرة، بل سبقهم إلى ذلك جماعة من المخلصين الغيارى على الإسلام والمسلمين كالسيد الأفغاني وتلميذيه الشخ محمد عبده والكواكبي وغيرهم; سوى أن هؤلاء كانت دعوتهم بصفة فردية، ورجال التقريب قاموا بها بصفة جمعية; ولعل الحق جل شأنه بعنايته إذا علم بـإخلاصهم وصدق نياتهم يجعل لدعوتهم ثمراً جنياً، وأثراً حسيا.

أما هذا العاجز فقد أهبت بالمسلمين وصرخت فيهم بهذه الدعوة منذ عهد سحيق كما تشهد بذلك مؤلفاتنا التي طبعت قبل زهاء أربعين سنة، كالدين والإسلام والمراجعات وغيرهما. ثم ملأنا الصحف والمجلات بـإيقاظهم من نومهم، وبعثهم من موتهم، وألقينا مئات الخطب على المنابر في عواصم الإسلام، وقد طبع عدة منها كخطبة فلسطين التاريخية، طبعت مرتين; وخطبة الاتحاد والاقتصاد في جامع الكوفة والخطب الأربع إلى كثير من أمثالها، ولكن كأن اللّه ختم على قلوبهم وذهب بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (انتهى ما نقلناه من مقال الشيخ كاشف الغطاء).

ومن التعليقات الهامة جدا على بيان الشيخ سليم مقال الشيخ محمد صالح

المازندراني من كبار علماء ايران، ومن تلاميذ الآخوند الخراساني، معروف بفقهه وفلسفته، وزهده وابتعاده عن الاضواء، كان يسكن سمنان، ومن هذه المدينة، بعث وهو في الثانية والسبعين من عمره مقالا الى مجلة "رسالة الاسلام"، أشاد فيه كثيرا ببيان الشيخ عبد المجيد سليم، ووضح فيه أصول الاسلام، وطرح فيه مسائل على غاية من الاهمية منها:

- وجوب الرجوع الى الجوامع الحديثية السنية والشيعية في الاجتهاد.

- وعدم وجود تعارض بين "الامامة المنصوصة" و"الخلافة الملّية".

- وضرورة الاهتداء بسيرة أئمة أهل البيت في التوفيق والجمع بين منزلتي الامامة والخلافة.

- واجماع علماء الشيعة على صلاحية زيد بن علي للسلطان الاسلامي يدل على عدم التعارض بين الامامتين السياسية والامامة المنصوصة.

مقال الشيخ محمد صالح الحائري المازندراني نشر تحت عنوان:

الى إخواننا المسلمين [١]

وجاء فيه:

كنت أسرح النظر فيما لدي من أعداد مجلة "رسالة الاسلام" التي تصدر عن "دار التقريب بين المذاهب الاسلامية" والحق - والحق أقول - إن جملة مافيها لهو منتقى الجُمان، من مشتهى العلم والأدب، وملتقى اللؤلؤ والمرجان، من منتهى الفضل بلسان العرب.

ولقد راقني في العدد الأول …. بيان حضرة صاحب الفضيلة العلامة الأكبر شيخ الاسلام الشيخ عبد المجيد سليم في تقريب مذاهب هذه الأمة الواحدة، وتأليف علومها وثقافاتها، وإقامة صرح الإيمان بينها ليكون المسلمون جميعاً صفاً كأنهم بنيان مرصوص ….

ـ

١ - العدد ١٢ - صفحة ٤٠٣.

وحول وجوب الرجوع الى الجوامع الاربعة عشر في الاجتهاد قال:

فيجب على المجتهدين الجمع بين طرق الصحابة المدون معظمها في الصحاح الستة لأهل السنة، وبين طرق أهل البيت المدون أكثرها في الجوامع الثمانية للإمامية مع النقد والتحقيق في معرفة رجال السند والاستنباط الدقيق في الدلالة واستفراغ الوسع فيهما، وفي أقسام العلاج بين المتعارضين، وتبصرة الفكر، وتمرين القوة بالإحاطة على فتاوى أصحاب المذاهب الخمسة.

وبذلك يكمل الاجتهاد المبني على الفحص البالغ في النقليات، وعلى تشخيص مادان به الأولون السابقون المقربون في العقليات والفطريات، ولا يجوز الاكتفاء بأحد الطريقين عن الآخر، حتى أن المتقدمين كانوا يكتبون عن كل محدّث، بل كانوا يرحلون إلى شقة نازحة لطلب حديث واحد كيلا يشذ عنهم شيء من علم الرسول صلوات اللّّه وسلامه عليه، فإذا فعلوا ذلك وسلكوا السبيلين وتلقوا علم اللّه تعالى من كلتي يديه المبسوطتين زالت الوحشة عما بين المعشرين، وحصل التقريب والتعارف بين القبيلتين أصولا وفروعا، وكل ذلك من غير أن يتشيع سني أو يتسنن شيعي.

وعن طريق التصالح بين السنة والشيعة في الامامة والخلافة قال:

فإن ملاك التسنن الخالص عن الزوائد التعصبية إنما هو صحة الخلافة الملّية لا إنكار الإمامة السماوية المنصوصة، ولا الإعراض عن علوم أهل بيت الرسالة ورواياتهم وفتاواهم، كما أن ملاك التشيع الكامل اعتقاد الإمامة المنصوصة لعلي والائمة الأحد عشر من ولده وافتراض طاعتهم في العلوم الدينية لا إبطال خلافة من قام بمصالح الامة مع العدل والزهد والأمانة على بيت المال لإمكان رضا الإمام المنصوص بها، ولو لصلاح الوقت وخشية الفتنة، وقد كان الأمر في الصدر الأول على هذا المنوال، فلم يكونوا يشترطون في صحة الخلافة الجمهورية إنكار الإمامة المنصوصة الخاصة الإلهية لأهلها، ولا في الإمامة بهذا المعنى المتقوم بالنص والعصمة والمعجز إنكار صحة الخلافة للقائم بها دون الإمام برضا الأمة أو برضا الإمام، سيما إذا عهد النبي صلوات اللّه وسلامه عليه أن لا يقوم الإمام المنصوص

بها، ولا ينهض لها حتى يبايعوه ويأتوه طائعين، فإن مبحث الإمام ومبحث الخلافة مبحثان مستقلان لا يجب التناكر والتكاذب بينهما، وإنما ألقي البأس والخلاف بينهما بعد ذلك، فما روعي طريق التسالم بينهما فكانت عاقبته أمر المفرقين بينهما في الأمة خسرا.

لكن مع ذلك ظهر في كل عصر جماعة من السنة والشيعة حفظوا السلم والوحدة بين المنصبين من غير أن يكذب أحدهما الآخر لعدم الاصطكاك والاحتكاك بينهما ذاتاً إلا بالعرض والغرض، وإلا فجواز الجمع بينهما في شخصين وعدم امتناعه بديهي كما أن وجوبه مع رضا الإمام وتسليمه الخلافة لغيره ظاهر، سيما في مثل هذا العصر الذي يحرم فيه إلقاء الخصومة بين المنزلتين، ونقض الوحدة بين أمة لا إمامهم حاضر ولا أحد الخلفاء من الصحابة حي.

هذا مجمل الفكرة في بيان الأمر الثالث المعزز للأمرين الذي هو النمرقة الوسطى، وسواء الكلمة العملية الأخرى بعد سواء الكلمة العملية الأولى، وتمام هذا الأمر وكماله وضياؤه ومصباحه نصب كرسي لتدريس فقه أهل البيت في مصر، وآخر لتدريس عقائدهم الكلامية، فإنهما مرآتان تامتان مطابقتان لعقائد الخلفاء الراشدين والصحابة المنتجبين وفقههم وسيرتهم وهداهم وبيناتهم وعدلهم وزهدهم وأمانتهم وعباداتهم ومراوحتهم بين جباههم وركبهم ورسوخهم في العلم وغوصهم في أنوار الرسالة فمن أراد أن ينظر إليهم فلينظر في هاتين المرآتين، وليوقد هذين المصباحين، وليقم هذين العمودين، وليشيد أركانهما بعلوم سائر الأعلام الأفذاذ المخلصين من أئمة المذاهب الأربعة وخلص أتباعهم….

ثم يستعرض سيرة أئمة أهل البيت وسعيهم لتعليم الناس أدب التقريب بين الامامة والخلافة، ويذكر رواية ردّ فيها الامام علي بن الحسين زين العابدين (عليه السلام) على نفر من متشيّعة العراق نالوا أمامه في الخلفاء الثلاثة، ويقول:

فليتعلم معشر الشيعة وإخوانهم السنة طرز الجمع والتوفيق بين المنزلتين، فهل ترى الإمام السجاد ينتقص بهذه الشهادات منزلة نفسه من الإمامة، أم هل يمكن أن

ينظر إلى خلافتهم التي كان عمدة نظر أولئك النفر العراقيين القدح فيها مع هذه الحجج إلا بنظر الصحة والرضا، فما بالنا نتعارك في ذلك، هذا بانكار النص، وذاك بانكار صحة الخلافة، إذا لم يتوقف صحة الإمامة على بطلان الخلافة، أو صحة الخلافة على بطلان الإمامة وأمكن الإقرار بصحتهما والاعتزاز بهما معا لكلا المعشرين، لأن الشيعة يمكنهم القول بصحة الخلافة بما أشرنا إليه من الاقتداء والتسليم، ومن الوفاء بعهد الرسول صلوات الله وسلامه عليه إليه بالصبر والإمساك والاكتفاء بمنزلة الإمامة والمحافظة على ما يعجز عنه غيره من إقامة الحجج والمعجزات على حقانية الرسالة الختمية ودين الإسلام على الملل، وتنجيز عدات النبي صلوات اللّه وسلامه عليه، وغير ذلك مما لا يجري إلاعلى يد نبي أو وصي نبي مضافا إلى حفظ اتصال سلسلة الأوصياء في الصفوة من آل محمد (صلى الله عليه وآله) من لدن شيث إلى المهدي الموعود.

كما أن أهل السنة يمكنهم القول بالإمامة المنصوصة لعلي والأئمة من ولده، وبأن الصحابة لم يخالفوا النص، وإنما جوزوا تأخير العمل بالنص لصلاح الوقت ومراعاة ضعف أحوال الناس، ولم يبطلوه ولا كذبوه، ولا تركوا العمل به رأسا فتلقوا باجتهادهم النص واجباً مؤقتاً بوقته المأمون عن الفتنة ونفوذ أعداء الاسلام في أمر الأمة في أول المصيبة العظمى، وقبل اتساع دائرة الفتح والنصر في البلاد، وعلو كلمة اللّه في المشارق والمغارب، ولم يتلقوا النص واجبا مطلقا منجزا مقارنا لوفاة الرسول صلوات اللّه وسلامه عليه، كيف وقد أخبر علياً بما سيكون بعده، وأوصاه بترك القيام والخلاف حتى تجتمع عليه الأمة بطباعهم، وأنهم سيجمعون عليه وسينصره بالعراق مائة ألف سيف.

وبهذا القول ترضى الشيعة ولا يكون على إخوانهم السنة فيه ضرر، ولا في تركه والجدال فيه أقل فائدة، كما أن القول بصحة الخلافة من الشيعة وعدم كونهما عدوانا ترضي أهل السنة، ولا يكون على إخوانهم الشيعة ضرر ولو مثقال ذرة، فقد علموا أن الأئمة (عليهم السلام) نهوهم عن انتقاص الخلفاء رضي اللّه عنهم، وأمروا بوجوب تعظيم شأنهم ومؤازرتهم على إعزاز الإسلام وتوحيد الكلمة.

وأما اختلاف الرأي في ابتداء الأمر في تعيين الأمير والخليفة، أو في وحدته وتعدده، أو أنه في أي قبيلة، فلم يكن خلافا منهم في الإمامة ولا تكذيباً لها، ولم يخطر ببالهم يومئذ أن تعيين القائم بالأمر مضادة لأقوال الرسول (صلى الله عليه وآله) ومشاقة للّه سبحانه وله….

وحول التصالح بين الامامية والزيدية يقول:

وقد كادت هذه الخلافة الملية التي لا تزاحم الإمامة ولا تكذب النص، تشبه الإمامة التي أسسها الزيدية، المبنية على الخروج بالسيف لإقامة العدل وإدارة الملك واصلاح المجتع ونحو ذلك، ويكفي في هذا النحو من الإمامة ما قررناه في تصحيح الخلافة من كونها أمراً سائغاً عقلاً مباحا غير محظور ولا ممنوع من نبي أو وصي نبي، أو نائبه الخاص، إذ لا مانع من القيام برياسة عامة عادلة لإعلاء كلمة اللّه، لئلا تكون للأعداء والمتآمرين فرصة يبادرون فيها إلى تملك معاقلهم، واستعمال بلادهم، ويطعمون في تفتيت أعضادهم، وتشتيت جامعتهم.

ولو أن الزيدية قعدوا بعد زيد عن ذلك، لم يكن اليوم وما قبله لهم دولة ولا سلطان، فكم من دولة إسلامية تشكلت لهم بهذه الإمامة التي أسسوها واستفادوها من قعود الأئمة المنصوصين المعصومين عنها فضلا عما بعدهم حتى انهم وفقوا لتشكيل دولة عظمى في بلاد طبرستان كدولة أبي محمد الحسن بن علي الأطروش وأقرانه، وهو - مع أنه كان شيعياً أثنى عشريا له كتاب يثبت فيه إمامة الأئمة الإثنى عشر بالنصوص المتواترة - تولى إمامة الزيدية وروج أمرهم وطريقتهم لاحقاق حق أهل البيت بأي اسم ورسم….

ولقد أجاد الشيخ المفيد محمد بن محمد بن النعمان المطلع المتبحر الخبير في كتابه "الفصول" وهو فصول من أماليه ومجالسه جمعها تلميذه العظيم علم الهدى السيد المرتضى الموسوي، وهذا الكتاب مخطوط عندنا منه نسخة قديمة، فقد جمع بين الإمامتين، وصالح بينهما على نحو ما أدت إليه فكرتنا بين الإمامة والخلافة قبل النظر إليه.

قال السيد المرتضى فيه ما نصه: "حضر الشيخ، أيده اللّه، بمسجد الكوفة،

فاجتمع إليه من أهلها وغيرهم أكثر من خمسمائة إنسان، فانتدب رجل من الزيدية أراد الفتنة والفساد، فقال: بأي شيء استجزت انكار إمامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: قد ظننت علي ظناً باطلا، وقولي في زيد لا يخالفني عليه أحد من الزيدية فلا يتصور مذهبي في ذلك بخلاف لهم، فقال الرجل: ما مذهبك في إمامة زيد بن علي؟ فقال له الشيخ: أنا أثبت من إمامة زيد ما يثبته الزيدية، وأنفي من ذلك ما تنفيه. فأقول: إن زيداً كان إماما في العلم والزهد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأنفي عنه الإمامة الموجبة لصاحبها العصمة والنص والمعجز، وهذامالا يخالفني عليه أحد من الزيدية، فلم يتمالك جميع من حضر من الزيدية أن شكروه ودعوا له وبطلت حيلة الرجل فيما أراد من التشنيع والفتنة" انتهى….

وإنما حدثت الأبحاث حول الإمامة والخلافة بعد ذلك تعصبا، وإلا فرب الإمامة وربيبها ورب الخلافة وربانها كانا متسالمين لم يسمع ولم ير من أحدها هدم أساس منزلة صاحبه بمنزلة نفسه، بل اجتمعا على نقطة سواء، وتوازرا على هدف واحد بمنزلتين أحدهما إلهية والأخرى خلقية.

ولو فرض على خلاف الواقع أن الأمر لم يكن على وجه السلم والوحدة، وجب على زعماء العلم والملك ستره عن الأغيار، وأن يقولوا لا خلاف بين الأمة في منزلة العترة ومنزلة الخلفاء، وكل عندنا على كرامته المنصوصة أو الملية…. (انتهى ما نقلنا من مقال العلامة السمناني).



[ Web design by Abadis ]