ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مقدمة

* مقدمة

* البيان الاول وأصداؤه

* محور العقيدة

* محور القرآن

* المحور الفقهي

* محور الادب

* جولة في كلمات التحرير

* فهرست مواد مجلة "رسالة الاسلام" من ١ - ٦٠

مقـدمـة

دار التقريب بين المذاهب الاسلامية دار مباركة طيبة بدأت أعمالها في القاهرة قبل أكثر من نصف قرن (١٣٦٨هـ - ١٩٤٧م). وآتت أكلها على مدى عقود من السنين، وهي من مظاهر التعاون والتفاهم بين شرق العالم الاسلامي وغربه، أو قل بين ايران ومصر بالذات، وطالما أثمر هذا التعاون على مرّ التاريخ، وخاصة منذ منتصف القرن التاسع عشر عن ثمار طيبة ساهمت في دفع مسيرة أمتنا على ساحة التاريخ.

الشيخ محمد تقي القمي، رجُلٌ عاش هموم العالم الاسلامي، ورأى ضرورة مابدأه السيد جمال الدين الاسد آبادي المعروف بالافغاني في كسر الحواجز الاقليمية والمذهبية بين المسلمين، وعرف ما في نفسه من قدرة على هذا العمل الجبّار، فانطلق من إيران متجها الى نفس محط رحال السيد، واتصل بمن يشاركونه الفكرة من كبار علماء الازهر، فوجد الاستجابة المدهشة من رئيس هذا المركز الديني الكبير الى بقية علمائه وسائر المثقفين والجامعيين في أرض كنانة المسلمين.

ويتحدث الشيخ محمود شلتوت شيخ الازهر الاسبق عن قصة مؤسس الدار "ذلك العالم المجاهد الذي لا يتحدث عن نفسه، ولا عما لاقاه في سبيل دعوته، وهو أول من دعا الى هذه الدعوة، وهاجر من أجلها الى هذا البلد، بلد الازهر الشريف… فعاش معها والى جوارها منذ غرسها بذرة مرجوة على بركة اللّه، وظل يتعهدها بالسقي والرعاية بما آتاه اللّه من عبقرية وإخلاص، وعلم غزير، وشخصية قوية، وصبر على الغِيَر، وثبت على صروف الدهر، حتى رآها شجرة سامقة الاصول، باسقة الفروع، تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها، ويستظل بظلها أئمة وعلماء ومفكرون

في هذا البلد وفي غيره…. " [١].

ويشير الشيخ شلتوت الى "الاجتماعات في دار التقريب" حيث يجلس المصري الى الايراني، أو اللبناني أو العراقي أو الباكستاني، أو غير هؤلاء من مختلف الشعوب الاسلامية، وحيث يجلس الحنفي والمالكي والشافعي والحنبلي بجانب الامامي والزيدي، حول مائدة واحدة، تدوي أصوات فيها علم، وفيها أدب، وفيها تصوف، وفيها فقه، وفيها مع ذلك كله روح الاخوة، وذوق المودّة والمحبة، وزملة التعليم والعرفان" [٢].

ويتحدث الشيخ محمد تقي القمي عن حالة العالم الاسلامي التي دعت المفكرين الى حركة "التقريب" فيقول:

"كان الوضع قبل تكوين جماعة التقريب يثير الشجن، فالشيعي والسني كل كان يعتزل الآخر. وكل كان يعيش على أوهام ولدتها في نفسه الظنون أو أدخلتها عليه سياسة الحكم والحكام أو زينتها له الدعاية المغرضة، وساعد على بقائها قلة الرغبة في الاطلاع" [٣].

"أجل لقد ظلت الفرقة بين المسلمين غذاء مناسبا للحكم والحكام قرونا عدة، دأب فيها كل حاكم على استغلالها لتثبيت سلطانه، ولتحطيم عدوه، ثم جاءت السياسات الاجنبية فوجدت في هذه الفرقة خير وسيلة لتدخلها، وبث نفوذها ودعم سلطانها وفرض سيطرتها" [٤].

وبعد أن يفصّل الشيخ القمي في الظواهر المؤلمة التي عجّت بها الساحة الاسلامية يومئذ، والحوافز التي دفعت الى التفكير في التقريب يقول:

"هكذا بدأنا التفكير في التقريب، ثم سلخنا بعد ذلك شهورا نبحث في سبل العلاج فدرسنا الدعوات التي سبقتنا وأفدنا منا كثيرا. ودرسنا المشاكل الطائفية برمتها،

ـ

١ - دعوة التقريب تاريخ ووثائق، طبعة وزارة الاوقاف المصرية، ١٤١٢هـ - ١٩٩١ ص ١٨.

٢ - نفس المصدر ص ١٩.

٣ - نفس المصدر، ص ٢٤.

٤ - نفس المصدر، ص ٢٥. والكتب المعتمدة عند كل فريق لنحدد الطوائف التي تتفق في الاصول الاسلامية، ودرسنا الخلافات الفرعية الفقهية ومبلغ ما وصلنا اليه ثم حددنا أنجح الطرق للوصول بفكرتنا الى الاعماق.

وقد أدى بنا التفكير الى أن هذه الدعوة يجب أن تقوم بها جماعة بدل أن يقوم بها فرد يتعرض لكثير من الاخطار، وأن تكون الدعوة الى التقريب بين أرباب المذاهب لا الى جمع المسلمين على مذهب واحد، فيبقى الشيعي شيعيا والسني سنيا، وأن يسود بين الجميع مبدأ احترام الرأي الذي يؤيده الدليل وأن تكون الجماعة ممثلة للمذاهب الاربعة المعروفة عند أهل السنة ومذهبي الشيعة الامامية والزيدية، وأن يمثل كل مذهب علماء من ذوي الرأي والمكانة فيه وأن تكون الجماعة بمعزل عن السياسة وأن تكون محددة الاهداف وأن يكون سعيها على أساس البحث والعلم كي تثبت أمام المعارضة وتكسب الانصار عن سبيل الاقناع والاقتناع، ولكي تستطيع بسلاح العلم محاربة الافكار الخرافية الطفيلية التي لا تعيش الا في ظل الاسرار والاجواء المظلمة. ولكي تتمكن في الوقت نفسه من مقاومة الطوائف والنحل التي ليست من الاسلام في شيء والتي يحسبها الشيعي سنية والسني شيعية بينما هي في حقيقتها حرب على الاسلام" [١].

ويقف الشيخ عند أكبر عقبة واجهت الجماعة، وهي رواسب الماضي، وما أثارته من ضجيج وإرجاف، وكيف واجهت الجماعة كل ذلك فيقول:

"لكن الجماعة هيأت نفسها لهذا من أول الأمر لأنها تعلم أنها تواجه رواسب قرون، وكانت تتوقع حملات فيها الطعن والتجريح وبدل أن تضعف الهجمات العزائم شحذت الهمم وقوت الجماعة على السير بالفكرة الى النهاية.

وكانت هذه الهجمات نفسها دليلا على ضرورة فكرة التقريب للمجتمع الاسلامي كي يتخلص من العناصر البغيضة ذات التفكير السقيم الذي يبلبل الخواطر ويصرف الأذهان عما ينفع الناس ويمكث في الأرض.

ـ

١ - نفس المصدر، ص ٢٧.

أذكر أن أحد هؤلاء المتعصبين ملأ كتابا بالطعن على الشيعة والهجوم على جماعة التقريب لقيامهم بهذه الفعلة النكراء فعلة التقريب بين السنة والشيعة.

وفي الوقت نفسه وصلنا كتاب عن الطرف الآخر من تلك الكتب المؤلفة في عهد الصفوية مليء بالهجوم على أهل السنة، وكلا الكتابين التقى مع الآخر في الهجوم على فكرة التقريب. فماذا تظن كان موقف الجماعة؟

انهم قرأوا بهدوء تلك المهاجمات العنيفة، ولكنهم لم يتأثروا، ولم يكفوا عن الجهاد، كما كان المؤلفان المتجنبان المتعصبان - سامحهما الله - يأملان، بل إنهم أجمعوا على أن الحاجة ملحة الى بذل نشاط أكبر مادام في العالم الاسلامي هذا النوع من الاشخاص، وهذا اللون من التفكير، وهذا الاصرار على محاولة التفرقة" [١].

ويذكر الاستاذ القمي (رحمه الله) النجاحات التي حققتها الجماعة على صعيد مصر والعالم وينظر بأمل الى مستقبل فكرة التقريب.

ويسرد السيّد عبد اللّه نجل الشيخ القمي ذكرياته عن الهجوم الذي تعرضت له الدار في بداية تأسيسها ويقول:

"لقد تعرضت هذه الدعوة المؤمنة وقوبلت في مطلعها بهجوم ممن لم تحسن نواياهم بالعداوة والبغضاء ورميت منهم ورمى المقبلون عليها بالتهم والظنون، فمن قائل بان دار التقريب هذه هي خليقة سياسات استعمارية من صنع الانجليز تارة. ومن صنع الروس تارة أخرى ثم من صنع أمريكا في العصر الحالي حتى لقد ظن البعض في عهد الملك فاروق أن الدار تعمل سرا لصالح الطائفة الاسماعيلية بقصد إرجاع الحكم الفاطمي الى مصر. وأتذكر دائما في هذا الخصوص مقولة والدي (رحمه الله) بشأن تهمة انتماء الدار الى الانجليز حيث كانت (الموضة) السائدة وقتها تقتضي إرجاع أي عمل أو حدث في منطقتنا الى الانجليز وتنسبه اليهم قال: (هؤلاء الانجليز الذين يعملون على التفرقة لو أنهم فكروا في العمل على التقريب فأهلا بهذا الذي يزعمون" [٢].

ويذكر السيّد عبد اللّه أيضا أن والده بسبب ظروف خاصة اختار الاقامة في

ـ

١ - نفس المصدر، ص ٢٨ و ٢٩.

٢ - نفس المصدر، ص ٨.

أوربا في الثمانينات، وكان عازما على العودة الى مصر سنة ١٩٩٠م واستئناف نشاط التقريب الا أن القدر لم يمهله، وفي ٢٨ / ٨ / ١٩٩٠ توفي (رحمه الله) في باريس إثر حادث مشكوك، ودفن في طهران مسقط رأسه الى جوار المرحوم والده.

وبقيت فكرة التقريب منهجا يترسمه الدعاة، وأملا يراود المخلصين، ومعلما هاما من معالم إرادة الامة المسلمة في الوحدة والتعاضد والعودة الى ساحة التاريخ.

من أبرز آثار دار التقريب مجلتها "رسالة الاسلام" هذه المجلّة كانت تنشر الفكرالتقريبي بين المسلمين، وتجمع العلماء على صعيد الحوار العلمي في مختلف المجالات، كتب فيها كبار علماء الشيعة من أمثال: الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء، والشيخ عبد الحليم كاشف الغطاء، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والسيد صدر الدين شرف الدين، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والشيخ محمد تقي القمي، ومحمد صادق الصدر، وغيرهم، وكبار علماء السنة من أمثال: الشيخ عبد المجيد سليم، والشيخ محمود شلتوت (وكلاهما من أئمة الازهر وشيوخه)، والشيخ محمد محمد المدني (رئيس تحرير المجلة)، والشيخ محمد أبو زهرة، والدكتور محمد البهي، والاستاذ محمود فياض، والشيخ محمد علي علوبه باشا، والشيخ محمدعبد اللّه دراز، والشيخ عبد المتعال الصعيدي، والاستاذ محمد فريد وجدي، والاستاذ أحمد أمين، والاستاذ علي عبد الواحد وافي، والاستاذ عباس محمود العقاد، وغيرهم كثير.

صدر العد الاول من هذه المجلة في ربيع الاول سنة ١٣٦٨هـ (يناير ١٩٤٩م)، وتواصلت تصدر كل ثلاثة أشهر، وتعثرت في الصدور بعض الاعوام، وصدر عددها الستون والاخير في رمضان ١٣٩٢هـ (اكتوبر ١٩٧٢م)، ومجموعة ما تضمنته من مقالات ودراسات وأخبار يشكل سفرا هاما من أدبيات التقريب في عالمنا المعاصر، إذ إن المجلة انفتحت على كُـتّاب أهل السنة والشيعة، وانعكست فيها مسيرة دار التقريب، ومسيرة التقريب في العالم الاسلامي. ومن هنا فانها تشكل رصيدا هاما للتقريب ومعلما لمسيرته. نبدأ ملف "دار التقريب" بالقاء الضوء على هذه المجلة، ونتناول في هذا العدد ما وسعنا من موضوعاتها الهامة.



[ Web design by Abadis ]