ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 تعليق على رسالتي الشيخ واعظ زاده وبن باز \ الاستاذ حسن بن علي السقاف

نشرنا في العدد السابق رسالتين متبادلتين بين الشيخ واعظ زاده الخراساني الامين العام والشيخ بن باز المفتي العام في السعودية، ثم نشر المجمع العالمي للتقريب هاتين الرسالتين في كتيب مستقل وعليهما جاءنا هذا التعليق. وأكثره على رسالة الشيخ بن باز ننشره اتماما للفائدة.

الحمد للّه رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين، ورضي اللّه عن صحابته المتقين.

أما بعد: فقد قرأت ذلك الكتيب الذي حوى رسالتين: إحداهما لفضيلة الشيخ العلامة محمد واعظ زاده الخراساني والثانية للشيخ العلامة ابن باز، وكان الشيخ واعظ زاده الخراساني قد بدأ فوجَّه رسالة إلى الشيخ ابن باز ناقشه بأدب جم في قضيتين:

الأولى: قضية التعبير في مسألة التوسل والاستغاثة واستلام الجدران والأبواب بأنها وسيلة للشرك.

الثانية: في قضية إفتاء الشيخ ابن باز بجواز الصلح مع اليهود!!

وقد أرسل فضيلة الخراساني رسالته للشيخ ابن باز سنة ١٤١٣هـ ولم يجب عليها الشيخ ابن باز إلا بعد سنتين وبضعة أشهر بعد أن نشر الشيخ الخراساني رسالته!! فأجاب الشيخ ابن باز على القضية الأولى وسكت عن الثانية فلم يجب

عليها!! وقد طبعت الرسالتان ووصلتني نسخة منها، وبعد قراءتها أحببت التعليق والتعقيب على بعض ماجاء في رسالة الشيخ ابن باز، واللّه الهادي إلى الصواب:

فأقول:

أقرّ فضيلة الشيخ ابن باز في مقدمة كلامه بعد أن ذكر شيئاً من كلام فضيلة الشيخ الخراساني أن التبرك بما مس جسده - عليه الصلاة والسلام - من وضوء أو عرق أو شعر أو نحو ذلك أمر معروف وجائز عند الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم وأتباعهم.

وأقرَّ أيضاً بأن استلام الحجر الأسود وتقبيله واستلام الركن اليماني كذلك.

وهنا ننبه على شيئين:

الأول: أنه بذلك ثبت إقراره بأن التمسح بالحجارة في هذين الموضعين دون غيرهما والتي وصفها بأنها لا تضر ولا تنفع هو إقرار بقاعدة عظيمة وهي أنَّ التمسح والتبرك إذا لم يقترن معه اعتقاد تأثير الممسوح والمستلَم لم يكن شركاً ولا كفراً ولا بدعة ولا يجب سد الذريعة فيها!! ولا يتحوّل ذلك إلى كفر وشرك إلا إذا قارن ذلك أن أضيف له اعتقاد التأثير، أي الضر والنفع!!

وهنا نسأل الشيخ ابن باز مؤكدين هذه القضية: هل تعتبر شرعاً من استلم هذين الحجرين معتقداً أنهما يضران وينفعان من دون اللّه تعالى ويؤثران بنفسهما كافراً مشركاً أم لا؟

ثمَّ يثبت بإقراره الأول المتقدم أن مسح الشيء ليس كفراً إن كان مشروعاً لكن هو بدعة ومن وسائل الشرك إن لم يكن مشروعاً.

والأمر الثاني: أنه عبَّر عن التبرك بما مسَّ جسده الشريف (صلى الله عليه وآله) بأنه أمر معروف وجائز عند الصحابة - رضي اللّه عنهم - وأتباعهم بإحسان إلى يوم الدين.

وأستغرب أنا من هذا التعبير!! (عند الصحابة ومن تبعهم بـإحسان) وكان اللائق أن يقول: (إنه أمر معروف وجائز شرعاً) لاسيما وأن في الصحابة من يخالف ذلك كما اعترف الشيخ وأقر بذلك في سيدنا ابن عمر - رضي اللّه تعالى عنهما - حيث كان يستلم منبر النبي (صلى الله عليه وآله) !!

وقول الشيخ: (لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره) غير صحيح، إذ لم يثبت نهي أبيه له أو نهي الصحابة - رضي اللّه عنهم - له عن فعله ذلك!! ثم لم يثبت ما أورده الشيخ من أن سيدنا عمر (رضي الله عنه) قطع الشجرة (شجرة بيعة الرضوان) بل المعروف عند علماء السلف ومنهم ابن جرير الطبري أن سيدنا عمر (رضي الله عنه) ذهب يسأل عنها ولم يجدها!! ففي تفسير الإمام الحافظ الطبري السلفي (٢٦ / ٨٢) عند تفسير الآية الكريمة التي ذكرت فيها الشجرة قال:

"وزعموا أن عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، فقال: أين كانت، فجعل بعضهم يقول هنا، وبعضهم يقول هاهنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا تكلّف، فذهبت الشجرة وكانت سمراء، إما ذهب بها سيل وإما شيء سوى ذلك".

فلو كان سيدنا عمر (رضي الله عنه) قطعها لما قيل ذلك ولما خفي الأمر على مثل الحافظ ابن جرير ولكان نبَّه عليه!!

وعلى كل الأحوال; فالأصل في ذلك ليس فعل الصحابة، وإنما هو نصوص الشرع; القرآن والسنة، وهي تفيد أن ذلك ليس كفراً ولا شركاً بدليل جواز التمسح أو استلام الحجر الأسود والركن اليماني والملتزم.

وقد سئل الإمام أحمد كما هو ثابت في كتاب "العلل" المروي عنه عن تقبيل قبر النبي (صلى الله عليه وآله) وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك.

وأنتم تعلمون ذلك!!

فلو كانت هذه الأمور ذرائع للشرك والكفر لما شُرِع استلام الحجر الأسود وتقبيله ولا الركن اليماني ولا التبرك بعرق النبي (صلى الله عليه وآله) وشعره وثوبه وغير ذلك، إذ يستحيل شرعاً وعقلاً أن لا يكون في هذه الأمور شرك أو ذريعة للشرك وفي غيرها شرك!!

وقول الشيخ ابن باز: (وأما ما نقل عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - من تتبع آثار النبي (صلى الله عليه وآله) واستلامه المنبر فهذا اجتهاد منه (رضي الله عنه)، لم يوافقه عليه أبوه ولا غيره من أصحاب النبي (صلى الله عليه وآله) وهم أعلم منه بهذا الأمر وعلمهم موافق لما دلّت عليه الأحاديث الصحيحة. وقد قطع عمر (رضي الله عنه)، الشجرة التي بويع تحتها النبي (صلى الله عليه وآله) في الحديبية لما بلغه أن بعض الناس يذهبون إليها ويصلون عندها خوفاً من الفتنة وسداً للذريعة) فقول غير صحيح من أوجه:

منها: أن ابن عمر مجتهد، وأبوه عمر مجتهد أيضاً - رضي الله تعالى عنهما -، وقول المجتهد لا ينقض بقول مجتهد آخر كما هو مقرر في علم الأصول!!

ثم هذا على فرض صحة ثبوت عدم موافقة سيدنا عمر لما فعله ابنه، وهذا لم يثبت !! على أن الحافظ ابن حجر أجاب على هذا على فرض ثبوته إذ قال في "الفتح" (١ / ٥٦٩):

"لأنَّ ذلك من عمر محمول على أنه كره زيارتهم لمثل ذلك بغير صلاة أو خشي أن يشكل ذلك على من لا يعرف حقيقة الأمر فيظنه واجباً، وكلا الأمرين مأمون من ابن عمر…. فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين".

وما كتبه المعلق هناك على ذلك الكلام هو محض اجتهاد لا يصمد أمام النصوص التي ستأتي بعد قليل إن شاء الله تعالى في الكلام على أسطورة قطع سيدنا عمر للشجرة!!

هذا; ولم يثبت أن سيدنا عمر وغيره من الصحابة - رضي اللّه عنهم - لم يوافقوا ابن عمر على ما فعله البتة وهو محض تقوّل لا دليل عليه، ونحن نطالب الشيخ ببيان ذلك !! وإن لم يجب ولم يبيّن بأن ذلك ثابت بسند صحيح لا علة له تَـبيّـنَ صحة قولنا بعدم ثبوت ذلك عنه!!

وإذا ثبت ذلك فإنه لا ينقض اجتهاد سيدنا ابن عمر لا سيما والأدلة الشرعية والعقل السليم موافق لما فعل ابن عمر - رضي اللّه عنه وعن أبيه - !! فيكون بين الصحابة خلاف في ذلك!! فلا يكون ذلك كفراً ولا ذريعة للشرك والكفر; بل ليس ذلك ببدعـة طالمـا أن لـه دليلا وعمل به الصحابة والسلف وأفتى الإمام أحمد بأنه لا بأس به!!

وإنني هنا لا أود عرض جميع النصوص التي تثبت متابعة ابن عمر وإثبات التبرك عن غيره من الصحابة واستقصاء ذلك!! بل أكتفي أن أقول: بأن الدارمي روى في "سننه" (٩٢) بسند صحيح عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله قال: "قحط أهل المدينة قحطاً شديداً فشكوا إلى عائشة فقالت: انظروا قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فاجعلوا منه كوى إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سقف، قال: ففعلوا، فمطرنا مطراً حتى نبت العشب وسمنت الإبل حتى تفتقت من الشحم فسمي عام الفتق" [١].

أما قوله: (وقد قطع عمر (رضي الله عنه) الشجرة… وسداً للذريعة) فهذا غير صحيح ولا ثابت!! وذلك لأن هذه القصة رواها ابن سعد في "الطبقات الكبرى" (٢ / ١٠٠) عن نافع، وإسنادها صحيح إلى نافع كما قال ابن حجر في "الفتح" (٧ / ٤٤٨) لكنها منقطعة بين نافع وسيدنا عمر!! لأن نافعاً لم يدرك سيدنا عمر ولم يرو عنه، وقد صرَّح الحافظ ابن حجر في "تهذيب التهذيب" (١٠ / ٣٧٠) في ترجمة نافع أن الإمام أحمد بن حنبل قال:

"نافع عن عمر منقطع". وقد توفي نافع سنة ١٢٠هـ وهذا مما يؤكد أنه لم يدرك ذلك. وكان ينبغي له أن يصرح بذكر اسم شيخه في هذه الرواية!! وكان أحياناً يجتهد في إبداء بعض الآراء ويخطئ في ذلك كما سيتبين بعد قليل إن شاء اللّه تعالى. ونحن وإن صححنا السند إلى نافع فإنَّه لابدَّ من التنبيه على أن في سند هذه القصة عبد الوهاب بن عطاء، وليس هو بالقوي عند أبي حاتم وغيره كما يجد ذلك من يطالع ترجمته في مثل "تهذيب الكمال" وغيره.

فالمعروف المقرر عند أهل الحديث أن مثل هذا القول المنقطع ليس بحجة!! لا سيما وقد صرَّح بعض الحفاظ كالإسماعيلي بأن هذا ومثله هو من قول نافع ولا يعتبر مسنداً [٢] ولا سيما قد ثبت عنه وعن سيدنا ابن عمر ما يخالفه!! كما ثبت عن غير سيدنا ابن عمر بـإسناد صحيح ماهو ضده أيضاً!!

أما ثبوت ما يخالف هذا عنه: فروى ابن سعد (٢ / ١٠٥) قال: (أخبرنا علي بن محمد عن جويرية بن أسماء عن نافع قال: خرج قوم من أصحاب رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بعد ذلك - أي بعد نزول الآية التي ذكرت فيها الشجرة - بأعوام فما عرف أحد منهم الشجرة واختلفوا فيها، قال ابن عمر: كانت رحمة من اللّه).

فهذا النص يبين أنهم لم يكونوا يعرفونها بعد ذلك، فكيف يقطع سيدنا عمر ماليس بمعلوم ولا معروف؟ ! ولو فرضنا أنه قطع شجرة - وليس هذا بصحيح ولا ثابت - فمعناه أنه قطع شجرة أخرى ادّعى بعض الناس أنها شجرة بيعة الرضوان!!

ويؤكد ما قررناه ويبطل أسطورة قطع سيدنا عمر للشجرة ما رواه نافع نفسه بسند صحيح عنه عن عبد الله بن عمر!! فقد روى البخاري في "الصحيح" (٦ / ١١٧ / ٢٩٥٨) من طريق نافع قال: قال ابن عمر:

"رجعنا من العام المقبل، فما اجتمع منا اثنان على الشجرة التي بايعنا تحتها، كانت رحمة من اللّه، يقول راوي الحديث: فسألنا نافعاً، على أي شيء بايعهم، على الموت؟ قال: لا، بل بايعهم على الصبر".

أقول: أما قوله في هذا الأثر: (رجعنا) يعني هو وبعض الصحابة الآخرين ومنهم المسيب والد سعيد بن المسيب حيث جاء عنه كما في البخاري (٧ / ٤٤٧ / ١٦٣و٤١٦٤) أن سعيداً قال: حدثني أبي أنه كان فيمن بايع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) تحت الشجرة قال: "فلما رجعنا من العام المقبل نسيناها فلم نقدر عليها" وفي الرواية: الأخرى: "فرجعنا إليها العام المقبل فعميت علينا". وهذا في حياة النبي (صلى الله عليه وآله) وقبل خلافة سيدنا عمر بدهر طويل، وتقدَّم نقلاً من تفسير الحافظ ابن جرير (٢٦ / ٨٢): أن عمر بن الخطاب مر بذلك المكان بعد أن ذهبت الشجرة، والظاهر أن ذلك كان في خلافته فقال: أين كانت؟ فجعل بعضهم يقول هنا: وبعضهم يقول: هاهنا، فلما كثر اختلافهم قال: سيروا هذا تكلّف، فذهبت الشجرة وكانت سمراء; إما ذهب بها سيل وإما شيء سوى ذلك. ا هـ من تفسير ابن جرير.

فكيف بعد هذا يقال: إنَّ سيدنا عمر قطعها، أي في خلافته؟ !!!

وأما قول ابن عمر: (كانت رحمة من اللّه) فيه قولان ذكرهما في "الفتح" (٦ / ١٧١) الصحيح منهما عندنا للقرائن هو قوله هناك:

"ويحتمل أن يكون معنى قوله: رحمة من اللّه، أي: كانت الشجرة موضع رحمة اللّه ومحل رضوانه لنزول الرضا عن المؤمنين عندها" وهذا لا شك فيه!!

وقوله: (فسألنا نافعاً على أي شيء بايعهم… قال: بل بايعهم على الصبر) مردود وغير صحيح البتة!! لأن البخاري روى بعد هذا حديثين أثبت فيهما تصريح صحابيين بأنهم كانوا يبايعون على الموت!!

فيدلُّ هذا على أن مالم يسنده نافع لا حجة فيه، وهذا أوضح مثال على ذلك فتدبَّر!!

لاسيّما وأن البخاري والأئمة لم يعوِّلوا على ما ينقل بـإسناد منقطع عن سيدنا عمر، بل قاموا بسرد كثير من الأحاديث والآثار المروية عن ابن عمر والتي كان يتتبع فيها المواضع التي كان قد صلى النبي فيها ليصلي فيها، ثم جاء سالم بن عبد اللّه بن عمر بعد ذلك فاقتدى بأبيه، فكان يتتبع المواضع التي صلى فيها أبوه وأخبره أن النبي (صلى الله عليه وآله) كان يصلي فيها!! ولو كان قد ثبت عن عمر شيء في هذا لأوردوه وهو والدهم مع كون اجتهاده لا ينقض اجتهادهم!! وقد عقد البخاري في "صحيحه" (١ / ٥٦٧ / ٤٨٣ - ٤٩١) باباً سمّاه: (باب المساجد التي على طرق المدينة والمواضع التي صلى فيها النبي (صلى الله عليه وآله) ) أورد فيه تسعة نصوص تدل على أن هذا التبرك والتتبع هو مذهب الصحابة والتابعين ومن تبعهم بـإحسان إلى يوم الدين!! وليس كما يقول المعلّق على "الفتح" (١ / ٥٦٩) في الحاشية هناك بكل جرأة غريبة من أن ذلك من ذرائع الشرك!! كبرت كلمة لا دليل عليها لاسيما وأن فيها تسفيه صريح لفعل الصحابة والتابعين والأئمة ونبذ أقوالهم وأفعالهم لرأي ليس له دليل معتبر وإنما هو قائم على الخيالات والأوهام البعيدة عن النصوص الثابتة الشرعية!!

لاسيما والحافظ ابن حجر يقول هناك (١ / ٥٦٩ فتح):

"وقد تقدَّم حديث عتبان وسؤاله النبي (صلى الله عليه وآله) أن يصلي في بيته ليتخذه مصلى وإجابة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذلك، فهو حجة في التبرك بآثار الصالحين".

وقد ذكر الحافظ نحو هذا الكلام أيضاً في "الفتح" (١ / ٥٢٢) وحاول أن يرد عليه المعلّق هناك بكلام لا دليل عليه وإنما يقوم على الرأي المخطئ الصريح!!

وقد روى البخاري (٤٨٣) عن موسى بن عقبة أنه قال:

"رأيت سالم بن عبد اللّه يتحرّى أماكن من الطريق فيصلي فيها ويحدّث أن أباه كان يصلي فيها، وأنه رأى النبي (صلى الله عليه وآله) في تلك الأمكنة".

وبذلك يتلخص أن قضية قطع سيدنا عمر لشجرة بيعة الرضوان غير صحيحة ولا يتصوّر أن يفعل ذلك سيدنا عمر (رضي الله عنه)، ويثبت بما قدمناه أن من الأمور المستحبة عند الصحابة رضي اللّه عنهم أيضا استلام الأشياء المتعلقة بالأنبياء والصالحين وأنها ليست من الشرك في شيء.

ثم ذكر الشيخ ابن باز أن دعاء الأنبياء والأولياء والاستغاثة بهم من الشرك الأكبر!!

وأقول: لنا رسالة مستقلة في هذا الموضوع أسميناها "الإغاثة بأدلة الاستغاثة" أثبتنا فيها جواز الاستغاثة بالأحاديث والآثار الصحيحة الثابتة وأن ذلك ليس شركاً ولا كفراً!! ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" (٣ / ٣٣٨) عن ابن عمر - رضي اللّه عنهما - قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله):

"إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن، فبينا هم كذلك إذ استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد فيشفع ليقضى بين الخلق".

قال الحافظ ابن حجر عند شرح مثل هذا الحديث في "الفتح" (١١ / ٤٤١):

"وفيه: إن الناس يوم القيامة يستصحبون حالهم في الدنيا من التوسل إلى اللّه في حوائجهم بأنبيائهم".

وقد ثبت أيضا في البخاري (٢ / ٥٠١) وغيره أن الناس يلجأون إلى النبي (صلى الله عليه وآله) عند القحط ليدعوا اللّه لهم في إنزال الغيث، ولم يقل لهم النبي (صلى الله عليه وآله) إن المطر بيد اللّه وليس بيدي وعليكم أن تدعوا اللّه أنتم لقوله تعالى: (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعاني).

فإذا قال الشيخ: (بأن هذا توسل واستغاثة بالحي وكلامنا في الميت) !!

قلنا: الجواب على هذا من وجهين:

الاول: إن الشرك شرك; سواء كان في الدنيا أو في الآخرة، وسواء كان المستغاث أو المتوسّل به الى اللّه تعالى حيّاً أو ميتاً، لأن الكفر كفر في جميع الأحوال طالما أنك لا تنظر الى الاعتقاد والنية والقصد!! وعمومات مثل هذه النصوص تكفي أن تشمل الاستغاثة بالنبي (صلى الله عليه وآله) قبل وفاته وبعد وفاته وفي الآخرة!!

الثاني: أنه قد ثبتت نصوص غير هذه تثبت الاستغاثة به (صلى الله عليه وآله) بعد وفاته، فحديث الدارمي الصحيح الذي تقدّم في مسألة التبرك وفتح الكوى وإمطارهم، وما رواه ابن أبي شيبة بـإسناد صحيح كما تعلمون فيما ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (٢ / ٤٩٥) من رواية أبي صالح السمان عن مالك الدار الذي كان خازن سيدنا عمر (رضي الله عنه) حيث قال:

"أصاب الناس قحط في زمن عمر فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى الله عليه وآله) فقال: يا رسول اللّه استسق لأمتك فإنهم قد هلكوا…. ".

وقد أقره سيدنا عمر ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فصارت المسألة حائزة على الإجماع السكوتي!! فلو كان ذلك شركاً أو كفراً لما وسع سيدنا عمر والصحابة - رضي اللّه عنهم - السكوت والإقرار على ذلك!!

وليس المقام هنا مقام حصر للأدلة، ومن أراد أن يتتبعها فعليه برسالتنا "الإغاثة" وغيرها من كتب أهل العلم!! لكن يكفي أن أقول هنا أن إمام الشيخ ابن باز وهو الإمام أحمد بن حنبل جوَّز الاستغاثة بغير اللّه تعالى:

فقد روى الإمام الحافظ البيهقي في "شعب الإيمان" وابن عساكر من طريق عبد اللّه ابن الإمام أحمد، بـإسناد صحيح اعترف بصحته حتى الألباني المتناقض!! في ضعيفته (٢ / ١١١) وهو في كتاب "المسائل" لعبد الله ابن الإمام أحمد (٢١٧) قال: سمعت أبي يقول:

"حججت خمس حجج منها ثنتين راكباً وثلاثاً ماشياً، أو ثننتين ماشياً وثلاثة راكباً، فضللت الطريق في حجة وكنت ماشياً فجعلت أقول: يا عباد اللّه دلّونا على الطريق، فلم أزل أقول ذلك حتى وقعت على الطريق".

وهذا تطبيق لحديث سيدنا عبد الله بن مسعود (رضي الله عنه) المرفوع:

"إذا ضلّ أحدكم شيئاً أو أراد غوثاً وهو بأرض ليس بها أنيس فليقل: يا عباد الله أغيثوني، يا عباد الله أغيثوني، فإنَّ للّه عباداً لا نراهم". وهذه استغاثة صريحة بغير الله تعالى!! وللحديث عدة ألفاظ تجدها في رسالتنا "الإغاثة" ص [٢٢].

وقد نص جماعة من أهل الحديث على أن ذلك جرّب فتحقق، منهم:

الحافظ الطبراني عقب روايته لهذا الحديث، والحافظ الهيثمي في "مجمع الزوائد" (١٠ / ١٣٢) والإمام النووي في "الأذكار" [٣] وذكر أنَّ بعض شيوخه الكبار فعل ذلك، وقد حسّن هذا الحديث الحافظ ابن حجر في "أمالي الأذكار" [٤] واعترف بحسنه الألباني في ضعيفته (٢ / ١١١) حيث قال هناك:

"وبعد كتابة ما سبق وقفت على إسناد البزار في "زوائده"… قلت: وهذا إسناد حسن كما قالوا…. ".

وهذا كله وغيره كثير يثبت أن ما ذكره الشيخ ابن باز من قوله: إن ذلك شرك أكبر، ليس بصحيح!! بل ليس شركاً أصغر، وإنما هو من الأمور المستحبات التي وردت في الأحاديث الثابتة واستعملها السلف الصالح!! لكن أباها الشيخ هداه اللّه تعالى!!

وأُذكر القارئ هنا بأن الحافظ المحدث الذهبي نقل عبارات عديدة عن السلف تفيد بكل صراحة بأن هذه الأمور ليست شركاً بل هي من الأمور المشروعات أو المستحبات، فمن ذلك قول الذهبي في "سير أعلام النبلاء" (٩ / ٣٤٣) قال إبراهيم الحربي: "قبر معروف الترياق المجرَّب. يريد إجابة دعاء المضطر عنده لأن البقاع المباركة يستجاب عندها الدعاء".

وقال الذهبي في "السير" (١٠ / ١٠٧) أيضاً في ترجمة السيدة نفيسة:

"والدعاء مستجاب عند قبرها، بل وعند قبور الأنبياء والصالحين".

أما الآيات الكريمة التي أوردها الشيخ فإنها لا تدل على ما يريد!! وذلك لأنه ليس كل دعاء عبادة ومعنى حديث "الدعاء هو العبادة" أي دعاء الله تعالى من جملة عبادة اللّه أو من أعظم العبادات كما قال ذلك المناوي في "الفيض" (٣ / ٥٤٠) !! لا أن كل دعاء عبادة البتة!! وتدل على ذلك النصوص مثل قوله تعالى: (لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضاً) وقد توسعت في شرح ذلك وبيانه وما يتعلّق به في كتابي "التنديد بمن عدَّد التوحيد" ص (٣٠ / ٤٢) فليراجع!!

والعجب أن الشيخ أورد قوله تعالى: (ويعبدون من دون اللّه مالا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه…. ) [٥] وأن اللّه تعالى ردَّ عليهم!!

وأقول مجيباً: لا يمكن تطبيق هذه الآية على المسلمين المؤمنين الموحدين الذين يتوسلون ويستغيثون بالنبي (صلى الله عليه وآله) وغيره من عباد اللّه الصالحين!! وذلك لأن معنى الاستغاثة أن زوار الأنبياء وقبور الأولياء يطلبون منهم أن يدعوا اللّه لهم في قضاء حوائجهم، ولا يعبدونهم ولا يعتبرونهم آلهة ويعتقدون أنهم لا يستقلّون من دون اللّه تعالى بالضر والنفع، ولا يسجدون لهم!! خلافاً لأولئك الكفار الذين نزلت فيهم هذه الآية وغيرها من الآيات الكريمة حيث كانوا يسجدون لتلك الأصنام ويعبدونها من دون الله تعالى!! أما قولهم: (هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه) فمثل هذه المقالة منهم هي محض كذب منهم عند محاججة النبي (صلى الله عليه وآله) لهم وإقامة الحجة عليهم فلا يذعنون ولا ينقادون للأنبياء ولا يدرون بماذا يجيبون فيقولون هذه الجمل التي لا يعتقدونها ولا يؤمنون حقيقةً بمضمونها، فهي كذب بحت منهم، وقد بيَّن الله تعالى لنا أن هذه الجمل هي محض كذب منهم حيث قال في الآيات الأخرى التي أوردها الشيخ مفسراً لها على غير ما قررناه وهي قوله تعالى (…. والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إنَّ الله يحكم بينهم في ما هم فيه يختلفون إن

الله لا يهدي من هو كاذب كفار) [٦] فبين اللّه تعالى لنا أن هؤلاء الكفار كاذبون فيما زعموه لأنهم لا يعرفون اللّه ولا يريدون السجود له ولا يعترفون ولا يؤمنون به والدليل على ذلك وهو الذي لا يختلف فيه اثنان قوله تعالى: (وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفوراً) [٧]، وقوله تعالى: (…. وهم يكفرون بالرحمن قل هو ربي…. ) [٨]، وقال تعالى: (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم. قل يحييها الذي أنشأها أول مرة…. ) [٩]، وقال تعالى: (ولا تسبوا الذين يدعون من دون الله فيسبوا الله عدوا بغير علم…. ) [١٠]، فهذه الآيات جميعها تثبت خطأ الاستدلال بالآيات الأخرى التي ذكرناها على أن الاستغاثة ومطلق الدعاء شرك!! لأن هذه الآيات تثبت أن أولئك ما كانوا يؤمنون باللّه تعالى مطلقاً فضلاً عن أن يعتقدوا بأن أولئك الأصنام وغيرها ممن اتخذوها آلهة من دون اللّه تعالى ماهي إلا وسيلة تقربهم للّه تعالى وتشفع لهم عنده!! فلو كان كذلك لعظموا اللّه تعالى، ولكن شيئاً من ذلك لم يكن، لذلك قال الله تعالى عنهم: (إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار) وبذلك ينهدم كلام الشيخ واستدلاله بتلك الآيات الكريمة.

وهنا نعيد له كلامه الذي ردده هناك بعد هذا البيان الواضح ونقول له:

(فالواجب على مثلكم تدبر هذا المقام وإعطاؤه ما يستحق من العناية) !!

وما أورد الشيخ هناك ص [٥] في مقالته من آيات فسرها كما يريد على أن دعاء غير الله من الأنبياء والملائكة والجن وغيرهم شرك!! فلا يتم له بها الاستدلال لأننا قدَّمنا ماهو الصحيح من معناها لاسيما وقد خالفه في الملائكة في هذه القضية الشيخ الألباني حيث استثنى الملائكة لحديث حسن أورده في ضعيفته (٢ / ١١١) هناك إذ قال:

"فهذا الحديث إذا صح يعيّن أن المراد بالحديث الأول (يا عباد اللّه) إنما هم الملائكة، فلا يجوز أن يلحق بهم المسلمون من الجن أو الإنس ممن يسمونهم برجال الغيب".

ثم اعترف بعد ذلك بأسطر بأنه وقف على إسناد الحديث في زوائد البزار وأنّه حسن كما قال الحفاظ!!

ملاحظة: ثم ألفت نظر الشيخ هنا إلى مسألة الاستغاثة بالأنبياء، أي سؤالهم عند الوقوف على قبورهم وخاصة سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) أن يدعو اللّه لنا في قضاء الحاجات كما نص على ذلك جمع من الأئمة منهم الإمام الحافظ النووي في المجموع "شرح المهذب" ٨ / ٢٧٤ في باب ما يستحب أن يقول عند الزيارة - أنَّ الأنبياء أحياء وكذا الشهداء: (ولا تحسبنّ الذين قتلوا في سبيل اللّه أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون) ولا نحتاج لتأويل كلمة أحياء وإخراجها عن المعنى الذي نفهمه والذي تدل عليه اللغة العربية التي نزل بها القرآن إلى معنى لا نفهمه، لأن اللّه تعالى يخاطبنا في هذه الآية بما نفهم ونعقل!! فإذا كانوا أحياء وبعد سلام الزائر عليهم خاطبهم ليدعوا الله له في قضاء حاجته فما هو المانع من ذلك وماهو الشرك في هذا؟ !!

لاسيما وابن قيم الجوزية يقول في كتابه "الروح" كما نقل المحدّث الكتاني عنه في "نظم المتناثر من الحديث المتواتر" (حديث رقم ١١٥):

"صحَّ عن النبي (صلى الله عليه وآله) أن الأرض لا تأكل أجساد الأنبياء وأنه (صلى الله عليه وآله) اجتمع بالأنبياء ليلة الإسراء… وقد أخبر بأنه ما من مسلم يسلّم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام إلى غير ذلك مما يحصل من جملته القطع بأن موت الأنبياء إنما هو راجع إلى أن غيبوا عنا بحيث لا ندركهم وإن كانوا أحياء موجودين كالملائكة فإنهم أحياء موجودون ولا نراهم". انتهى ما أردنا نقله، فتأمل!!

ثم نقل الشيخ كلاماً لابن تيمية لم يخرج مافيه من الكلام عن ما ذكرناه وفندناه من أقوال لا دلالة فيها وإنما هو إعادة الكلام وإبدائه فيما لا تحقيق فيه!!

ونلفت النظر هنا إلى أن كلام ابن تيمية لا قيمة له عندنا لأنه هو الأساس في هذه الخصومة بينه وبين باقي المسلمين فلا يجوز أن نأتي بكلام الخصم سواء من الفتاوى أو من رسالته إلى أتباع الشيخ عدي بن مسافر فنورده على أنه حجة أو كلام من شخص معتبر!! فإن الشيخ العلامة الخراساني لو جلب للشيخ كلام أحد أئمة الإمامية لم يقبل منه الشيخ ذلك ولقال له هذا لا يعترف به عندنا فلا فائدة من إيراد كلامه هنا!!

فكذلك ابن تيمية لا قيمة ولا اعتبار له عند جمهور علماء أهل السنة من غير المتمسلفين في القديم والحديث، وكم لهم عليه وعلى أفكاره من ردود يعرفها الشيخ!!وكذا لا قيمة له عند الإمامية والزيدية والأباضية وغيرهم من المسلمين الموحدين.

فكلام ابن تيمية لا يصح إيراده وهو غير مقبول ومن كانت لديه حجة فليوردها بعيداً عن ابن تيمية. والمناظرة أو المباحثة والمناقشة يجب أن تكون الأدلة والأقوال التي يتم الحوار بناء عليها متفقاً عليها أو معترفاً بها عند طرفه وإلا كان إيرادها من العبث الذي لا قيمة له.

وبقي شيئان في كلام الشيخ يجب الجواب عليهما باختصار، وإذا لم يقتنع بذلك فإننا سنطيل تفصيله والاستدلال عليه، وهما:

الأول: اعتباره أن تقبيل الشيء واستلامه نوع من أنواع العبادة!!

والجواب عليه: إن الأمر ليس كذلك، فقد قبّل النبي (صلى الله عليه وآله) وجه الصحابي الجليل عثمان بن مظعون وهو ميت وقبّل ما بين عينيه!! أنظر "مجمع الزوائد" (٣ / ٢٠) وغيره.

ومن ذلك تقبيل يد الوالدين واستلامهما مع تعظيمهما واحترامهما لا يعتبر عبادة بالاتفاق.

فاستلام الشيء لا يعتبر من العبادات حتى يحكم بذمه وأنه من الشركيات والبدع المذمومات!!

والثاني: أن حديث "لعن اللّه اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" لا يصح وإن رواه الشيخان لأن معناه مصادم لما جاء في القرآن كما سنبين وليس هذا بعجب!! فقد أمر الإمام أحمد بالضرب على أحاديث وقد خرجها فيما بعد الشيخان!! منها حديث "يهلك أمتي هذا الحي من قريش قالوا ما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: لو أن الناس اعتزلوهم".

قال عبد اللّه بن الإمام أحمد في "المسند" (٢ / ٣٠١) عقبه مباشرة:

"قال أبي في مرضه الذي مات فيه: اضرب على هذا الحديث فإنه خلاف الأحاديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) يعني قوله: اسمعوا وأطيعوا".

وهذا الحديث الذي فيه اتخاذ اليهود والنصارى قبور أنبيائهم مساجد فيه بكل صراحة تعظيم أنبيائهم!! لكن القرآن الكريم بين أن اليهود لم يكونوا يحترمون الأنبياء بل كانوا يكذبونهم ويقتلونهم!! قال تعالى: (…. أفكلما جاءكم رسول بما لا تهوى أنفسكم استكبرتم ففريقاً كذبتم وفريقاً تقتلون) [١١]، وقال تعالى: (…. قل فلم تقتلون أنبياء اللّه من قبل إن كنتم مؤمنين) [١٢].

ولذلك أورد هذا الحديث المحدث الشريف عبد اللّه بن الصديق الغماري - أعلى اللّه درجته - في كتابه "الفوائد المقصودة في بيان الأحاديث الشاذة المردودة".

وأورد السيد المحدث الغماري هناك: أنَّ اللّه تعالى أثبت في القرآن الكريم أذية اليهود لنبيهم الأكبر سيدنا موسى - عليه الصلاة والسلام - في عدة آيات، منها قوله تعالى: (وإذ قال موسى لقومه يا قوم لم تؤذونني وقد تعلمون أني رسول اللّه إليكم فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم واللّه لا يهدي القوم الفاسقين) [١٣] هذا ولا يعلم أنهم أقاموا لأكبر وأعظم أنبيائهم سيدنا موسى قبراً يزورونه ويعظمونه حتى الآن!! فكيف يقال بعد ذلك إنهم عظموا قبور أنبيائهم واتخذوها مساجد؟ !!

وأما النصارى فليس لهم إلا نبي واحد!!

وأما إنكار الشيخ التوسل بالأنبياء في آخر جوابه أو مقاله، فجوابه أن الأحاديث الصحيحة في هذا الموضوع كثيرة جداً أفردت بتصنيفات مستقلة معلومة عندكم فيها أحاديث كثيرة صحيحة، منها حديث عثمان بن حنيف في قصة الأعمى الذي علّمه النبي (صلى الله عليه وآله) أن يقول: "اللهم إني أتوجَّه إليك بنبيك محمد نبي الرحمة" رواه الترمذي والنسائي والحاكم وغيرهم وصححه الأئمة، وفي رواية ابن أبي خيثمة في تاريخه بـإسناد صحيح زيادة: "وإن كانت حاجة فافعل مثل ذلك"وكذا علم سيدنا عثمان بن حنيف (رضي الله عنه) - راوي هذا الحديث رجلاً بعد وفاته (صلى الله عليه وآله) أن يدعو بمثل هذا الدعاء، وهو صحيح رغم محاولات بعضهم لتضعيفه، وتجد تفنيد أقوال من يحاول تضعيفه والكلام على تلك الروايات وعلى سندها وتحقيق ذلك في كتاب المحدّث الغماري "إرغام المبتدع الغبي بجواز التوسل بالنبي" [١٤] أن ابن تيمية أقر أخيراً بجواز التوسل وأصر وبقي منكراً للاستغاثة!!

والأصل في ذلك كله قوله تعالى: (وابتغوا إليه الوسيلة) [١٥] وقوله تعالى: (يبتغون إلى ربهم الوسيلة) [١٦].

هذا; ونسأل الله تعالى أن يمنحنا وإياكم وسائر المسلمين الرجوع للحق وتقوى الله تعالى في السر والعلن وأن يكرمنا جميعاً بالتفقه في دينه والثبات على التوحيد الخالص وأن يصلح أحوال المسلمين في كل مكان وأن يكرمهم بالفقه في الدين والحرص على الخيرات وترك المنكرات وأن يولي عليهم خيارهم ليحكموا بشرع الله تعالى انصياعاً لقوله جلَّ جلاله: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) ولقوله تعالى: (أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من اللّه حكماً لقوم يوقنون) اللهم صلِّ وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين ورضوان الله تعالى على صحابته المتقين وآخر دعونا أن الحمد للّه رب العالمين.

ـ

١ - إسناده صحيح، أبو النعمان هو محمد بن الفضل السدوسي الملقب بعارم، إمام ثقة، قال الدارقطني: لم يظهر له بعد اختلاطه حديث منكر. وسعيد بن زيد: ثقة، قال ابن معين وابن سعد والعجلي وسليمان بن حرب: ثقة، وقال البخاري والدارمي: صدوق حافظ. وصحح له ابن القيم في كتاب "الفروسية" ص [٢٠] وقال صديقكم الألباني عنه في "إرواء الغليل" (٥ / ٣٣٨): "لا ينزل به حديثه عن رتبة الحسن إن شاء الله تعالى". وعمرو بن مالك النكري ثقة، أنظر "تناقضات الألباني الواضحات " (٢ / ٧٠).

٢ - أنظر "الفتح" (٦ / ١١٧ / ٢٩٥٨) وشرح ذلك ص (١١٨) هناك.

٣ - ص ٣٣١ من طبعة دار الفكر دمشق بتحقيق أحمد راتب حموش.

٤ - أنظر شرح العلامة ابن علان على الأذكار (٥ / ١٥١).

٥ - يونس / ١٨.

٦ - الزمر / ٣.

٧ - الفرقان / ٦٠.

٨ - الرعد / ٣٠.

٩ - يس / ٧٨ - ٧٩.

١٠ - الأنعام / ١٠٨.

١١ - البقرة / ٨٧.

١٢ - البقرة / ٩١.

١٣ - الصف / ٥.

١٤ - ص ١٧ من طبعة دار الإمام النووي الثانية.

١٥ - المائدة / ٣٥.

١٦ - الاسراء / ٥٧.



[ Web design by Abadis ]