ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 التقريب بين مراتب الادلة في الاجتهاد \ الشيخ محمد علي التسخيري

ترتيب أدلة الاجتهاد لها أثر في النتائج، والتقديم يقوم على أساس القرينة. ولابد لعملية الاجتهاد أن تسلك السير الطبيعي في الاعتماد على الادلة. وهذه المسألة تطرح كثيراً من الاسئلة يحاول هذا البحث أن يجيب عليها.

مقدمة

قدمت من قبل بحثاً تحت عنوان "التفاهم حول اُصول الفقه سبيل للتقريب" تحدثت فيه عن أسباب الاختلاف الفقهي وانتهيت فيه الى أن التقسيم المعتمد للاختلاف هو الذي يركز على المنبعين التاليين:

الاول: الخلاف في الاصول والمباني العامة المعتمدة في الاستنباط الاجتهادي، كالخلاف في حجية القياس أو العقل أو الاستصحاب.

الثاني: الخلاف في تعيين مصاديق تلك الكبريات وموارد انطباقها كما أشرت فيه الى ثلاثة مواضيع لها أهميتها في مجال تقليل الاختلاف هي:

أ: ضرورة التحديد في منهج الاستدلال وملاحظة الترتيب المنطقي بين الادلة.

ب: ضرورة تحرير محل النزاع وتنقيح مركز الخلاف.

ج: ضرورة إخراج بعض ما ادّعي كونه من الاصول من دائرتها.

ـ

١ - عالم وباحث ورئيس رابطة الثقافة والعلاقات الاسلامية.

وها أنا ذا أحاول توضيح الموضوع الاول باعتبار أنّ تحقيقه وتوضيحه يترك أثره الكبير على تقريب شقة الخلاف الفقهي، وهو بدوره يؤثر في التقريب بين المذاهب الاسلامية.

والاختلاف في ترتيب الادلة قد يترك أثره في النتائج الى الحد الذي يمكن ضمه كمنبع ثالث الى المنبعين السابقين مما يتطلب تحرير البحث فيه على حدة وبغض النظر عن الخلاف في الاصل نفسه. فالاختلاف في ترتيب الادلة قد يقع بين الذين يؤمنون باُصول مشتركة ويختلفون في ترتيبها.

وعلى هذا; فمصب بحثنا هنا هو "الترتيب المنطقي بين الادلة"، وضرورته لتأمين عملية استدلال صحيحة مما لا يحتاج الى بحث.

وهناك مبادئ لابد من الاتفاق عليها أولاً، ولكي يتم التوافق على الترتيب المنطقي لابد من الاتفاق على بعض المبادئ لما لذلك من أثر في نوعية الترتيب المذكور، ومن أهمها مايلي:

١ - الادلة ونظرها الى الواقع.

٢ - الاحكام الاولية والثانوية.

٣ - العناصر الموجبة لتقديم بعض الادلة على البعض الآخر.

ولسنا بصدد الدخول في البحث المفصل حول هذه الامور بقدر ما نحن بصدد توضيحها لنبني عليها الترتيب الاستدلالي المنطقي المطلوب.

١ - الادلة ونظرها الى الواقع

لاريب في أن للشريعة واقعاً قائماً بذاته وبغض النظر عن علمنا به، وذلك واضح بملاحظة أنها تعبر عن تخطيط إلهي كامل لتربية الانسانية وهدايتها لتحقيق خلقتها.

وعندما نحاول اكتشاف هذا الواقع فإننا نلجأ الى "الأدلة الاجتهادية" التي تشير الى الواقع.

وهذه الادلة منها ما يوجب القطع والعلم بالواقع. والقطع حجية ذاتية لا تكتسب ولا تسلب. ومنها مايوجب الظن بالواقع ويسمى اصطلاحاً بـ "الامارة" إذا قام على

اعتبارها دليلا قطعياً أكد قطعاً على أن الظن الذي تنتجه هو ظن يعتبره الشارع ويعده كاشفاً عن الواقع رغم كون هذا الكشف غير تام في نفسه إلا أنه يتمم كشفه تعبداً.

فالامارة إذن تعلن أنها تؤدي الى الواقع الشرعي من قبيل النصوص التي يظهر منها حكم شرعي، وهناك أدلة لا تعلن أن مؤداها هو الواقع ولكن تؤكد على المكلف أن ينزل مؤداها منزلة الواقع، كالاستصحاب الذي يقول ببقاء اليقين في حالة الشك وذلك من حيث الجري العملي [١].

وهناك أدلة أخرى لا تنظر الى الواقع بكل مراتبه وتسمى بـ "الاصول العملية" من قبيل أصل البراءة وأصل الاحتياط وأصل التخيير، ولن ندخل في تفاصيل هذا الموضوع وإنما نكتفي بهذه الاشارة.

٢ - الاحكام الاولية والثانوية

وللاحكام تقسيمات متعددة إلا أننا نشير هنا الى تقسيم يرتبط بموضوعنا هذا وهو تقسيمها الى الاحكام الاولية والثانوية.

فالحكم الاولي هو الحكم المجهول للشيء أولاً وبالذات، بغض النظر عن العوارض التي تعرض عليه وهي أكثر الاحكام الواقعية التكليفية كحرمة شرب الخمر أو الوضعية كبطلان العقد الربوي. أما الحكم الثانوي فهو ما يجعل للشيء من أحكام بعد طروء عنوان خاص يقتضي تغيير حكمه الاولي، كطروء الضرر على الوضوء مما يحول حكمه من الوجوب الى الحرمة مثلاً. وهي حالة تعبر عن مرونة عامة في الشريعة الاسلامية.

وهناك اصطلاح آخر للحكم هو الحكم الولائي، ويقصدون به الاحكام التي يصدرها ولي الامر في مجال ملء منطقة الفراغ أو المنطقة المباحة من التشريعات مما يغيرها الى أحكام إلزامية، ولا ريب في أن وجوب إطاعة أحكام ولي الأمر هو من

ـ

١ - مصباح الاصول / ٦.

الاحكام الاولية ولكن متعلقات هذه الاوامر تكتسب أحكاماً ثانوية تقوم على أساس المصالح التي يراها ولي الامر في عملية إدارته للمجتمع. ولسنا هنا أيضاً نريد الدخول في مجالات نفوذ أوامر الولي، فلها مجالها الواسع من البحث.

٣ - أهم عنصر في تقديم الادلة على غيرها

ويمكن القول بأن أهم عنصر يوجب تقديم دليل على آخر هو عنصر "القرينية" فإذا شكل دليل ما قرينة على المراد من دليل آخر فإنه يتقدم عليه باعتباره يكشف عن المراد الجدّي من هذا الدليل الآخر.

وهذه القرينية كما يمكنها أن تغير المراد من لفظ واحد إذا اقترن بقرينة صارفة كما في "الاسد الضاحك" يمكنها أن تصرف المراد في أحد الدليلين الى ما يؤدي اليه الدليل الآخر لو شكل هذا قرينة له.

وقد نتصور للقرينية موارد منها:

أ - حالة التخصيص، حيث يتم الاخراج من الحكم مع بقاء المورد موضوعاً.

ب - حالة التخصص، حيث يتم الخروج الموضوعي الوجداني.

ج - الحكومة حيث ينظر أحد الدليلين الى الآخر موسعاً تعبداً كما ورد (إن الفقاع خمر) أو مضيقاً كما في (لاربا بين الوالد وولده).

د - الورود، حيث يأتي دليل شرعي ينفي الموضوع وجداناً ولكن بواسطة تعبد شرعي كما في نسبة الدليل الاجتهادي الى دليل الاصل العملي.

الترتيب المنطقي

إذ عرفنا الامور السابقة أمكننا أن نوضح الترتيب المنطقي على النحو التالي:

أولاً: مرحلة البحث عن الحكم الشرعي الواقعي عبر الادلة الاجتهادية كالكتاب والسنة والاجماع.

ثانياً: مرحلة البحث عن الحكم الشرعي المنزل منزلة الواقع في مثل دليل الاستصحاب وأصالة الصحة وقاعدة التجاوز.

ثالثاً: مرحلة البحث عن الموقف العملي والوظيفة الشرعية عند غياب الواقع بكل مراتبه كأدلة البراءة الشرعية، والاحتياط الشرعي.

رابعاً: مرحلة البحث عن الموقف العملي كما يحدده العقل كأدلة البراءة العقلية - لو قلنا بها - أو التخيير أو الاحتياط. وهذا الترتيب إنما يقوم على قوانين الحكومة والورود.

فعندما يوجد دليل يكشف لي عن الواقع بنفسه فليس لي مجال للرجوع الى دليل الاستصحاب مثلاً، وهو إنما ينزل مؤداه بمنزلة الواقع الذي يفترض أنه غائب وليس بغائب هنا.

ومن الملاحظ أيضاً أن هذه المناطات في التقديم هي التي تقدم أدلة الاحكام الثانوية من قبيل "لا ضرر" و"لاحرج" على أدلة الاحكام الاولية كالوضوء والصلاة والحج، كما تقدم أدلة الاحكام الولائية على أدلة الاباحة باعتبارها ناظرة اليها وقرينة عليها.

وعلى هذا نستطيع أن نكتشف عدم الدقة في كثير من المناهج التي طرحت لعملية الاستدلال والتي بدأت مباشرة ببعض الاصول العملية الشرعية، بل وربما بدأت مطلقاً بالاصول العقلية من قبيل بعض من استدلوا لاعتبار شرط الاعلمية في من يجوز تقليده بقاعدة "أنه متى مادار الامر بين التعيين والتخيير فالمدار على التعيين" ولما كان الامر هنا يدور بين تعيين الاعلم والتخيير بينه وبين العالم فالمتعين هو لزوم تقليد الاعلم لحصول اليقين فيه بالخروج عن عهدة التكاليف.

ولسنا هنا بصدد شرح هذه القاعدة أو نقدها بقدر ما نريد الاشارة الى أن المسلك الطبيعي في مثل هذا المورد هو مناقشة الادلة الاجتهادية التي تطرح، من قبيل ادعاء جريان السيرة القطعية لدى المسلمين جميعاً على عدم التقيد بالرجوع الى الاعلم عند الاستفتاء رغم وجود علم إجمالي بالتخالف بين الصحابة والعلماء في نوعية الاستنباط.

وقد لاحظت أثناء مناقشات مجمع الفقه الاسلامي الدولي أن سير الاستدلال هناك في كثير من موارده - يعتمد إما على الاستناد الى أقوال الائمة أو حتى الى المجتهدين في إطار

المذاهب، أو الاستناد الى أدلة مختلفة المراتب في الاستدلال كالاستناد الى بعض الاصول المحرزة للواقع قبل تحقيق الامر في الادلة الاجتهادية. وهذا الامر طالما اعترضت عليه في جلسات المجمع المتتابعة، حيث أكدت على أن العملية الاجتهادية الحرة يجب أن تسلك السير الطبيعي. على أن أقوال الائمة والعلماء إنما يستأنس بها للاطمئنان الى النتائج المستنبطة لا أكثر اللهم إلا إذا شكلت إجماعاً فإن المجال سيختلف.

ثم إن هناك بعض النصوص التي جاءت في كتب العلماء متحدثة عن سبل الاستدلال ربما أمكن مناقشتها على ضوءالبحث السابق، ومنها النص الوارد عن حجة الاسلام الغزالي في كتابه "المستصفى من علم الاصول" حيث يقول في الفن الثالث من القطب الرابع وهو يتحدث عن بيان ترتيب الادلة: "ويجب على المجتهد في كل مسألة أن يرد نظره الى النص الاصلي قبل ورود الشرع، ثم يبحث عن الادلة السمعية المغيرة فينظر أول شيء في الاجماع فإن وجد في المسألة إجماعاً ترك النظر في الكتاب والسنة فإنهما يقبلان النسخ والاجماع لا يقبله، فالاجماع على خلاف مافي الكتاب والسنة دليل قاطع على النسخ إذ لا تجتمع الامة على الخطأ، ثم ينظر في الكتاب والسنة المتواترة وهما على رتبة واحدة لأن كل واحدة يفيد العلم القاطع. ولا يتصور التعارض في القطعيات السمعية إلا بأن يكون أحدهما ناسخاً فما وجد فيه نصاً من كتاب أو سنة متواترة أخذ به. وينظر بعد ذلك الى عمومات الكتاب وظواهره ثم ينظر في مخصصات العموم من أخبار الآحاد ومن القياسات فإن عارض قياس عموماً، أو خبر واحد عموماً فقد ذكرنا ما يجب تقديمه منها، فإن لم يجد لفظاً نصاً ولا ظاهراً الى قياس النصوص فإن تعارض قياسان أو خبران أو عمومان طل

ب الترجيح فإن تساويا عنده توقف على رأي وتخير على رأي آخر" [١].

فالترتيب لديه يتم على النحو التالي:

١ - مقتضى قاعدة نفي التشريع قبل ورود الشرع.

٢ - الادلة المخالفة لهذا الاصل في هذا المورد بخصوصه.

ـ

١ - المستصفى من علم الاصول ٢ / ٣٩٢ - ٣٩٣.

وهنا يرجع أولاً الى الاجماع فإن وجد كفى الامر، وإلاّ تمّ الرجوع ثانياً الى النصوص المتواترة لفظاً وسنداً كالكتاب في نصوصه والسنة المتواترة في نصوصها التي لا تقبل الخلاف. ثم يرجع ثالثاً الى الظواهر والعمومات وما يطرأ عليها من مخصصات خبرية أو قياسية، وبعد ذلك يرجع للقياسات فإن تعارضت رجح الاقوى وإلا فالتوقف أو التخيير.

ولسنا بصدد المناقشة المستفيضة لهذا النص وهذا المنهج ولكنا نشير الى النقاط التالية:

١ - الظاهر أنه يقصد من النفي الاصلي استصحاب عدم الجعل قبل مجيء الاسلام أو استصحاب عدم الحكم المجعول في حق المكلف حال الصغر وهذا المعنى مناقش أصولياً باعتبار أن المراد هل هو استصحاب عدم ثبوت التشريع بحق هذا الفرد أو ذاك، فهذا لا يتحقق لعدم وجود حالة سابقة أو حالة لاحقة بالنسبة لهما، أم هو استصحاب عدم الجعل الكلي والذي يلازمه عقلاً عدم وجود حكم لنا في هذا العصر، فهو استصحاب مثبت لاقيمة له ولا يثبت لوازمه، كما أنه قد يشكل على مسألة استصحاب عدم الحكم المجعول حال الصغر الى مابعد البلوغ بأن المورد من موارد تبدل الموضوع. ثم إن استصحاب عدم الجعل هذا لايجري لوجود علم إجمالي بالجعل في كثير من الموارد المشكوكة ولايجري الاستصحاب مع وجود علم إجمالي في أطرافه.

٢ - إن اللجوء أولاً الى البراءة يعني اللجوء الى الرتبة المتأخرة، ولا يُلجأ اليها الا عند فقدان الدليل الاجتهادي الناظر الى الواقع أو الدليل المنزل لمؤداه منزلة الواقع.

٣ - لا ندري كيف يمكن تصور إجماع على خلاف الكتاب والسنة ومدى حصوله وكيفيته، فإذا لم يمكن تصور حصوله لم يكن هناك مجال لتصور النسخ من خلاله للكتاب والسنة، على أننا لا نتصور للاجماع حجية في ذاته ولكن بمقدار ما يكشف عنه من حكم شرعي. ولا ندري كيف يمكن أن يعتمد الفقيه على ما بدا له من إجماع دون الرجوع الى الكتاب والسنة؟ ثم إن الاجماع نفسه (لو اعتبرناه دليلاً قائماً بذاته) يقف الى صف الكتاب والسنة في الكشف عن الواقع، فكيف يمكن أن نعدّه مقدماً

عليهما بحجة أنه لايقبل النسخ وهما يقبلانه؟

٤ - ولم يشر عنه ذكر عمومات الكتاب وظواهره الى عمومات السنة وظواهرها فإن حالها في التخصيص والتقييد كحالها في الكتاب.

٥ - وعندما يتساوى الدليلان لديه فيستحكم التعارض فإن مقتضى القاعدة هو التساقط ولا مجال للتوقف أو التخيير.

٦ - ولم يتضح لدينا معنى التوقف إلا أن يريد به الاحتياط وهو خلاف المصطلح.

٧ - ثم إنه بعد فقدان الدليل الاجتهادي يجب التوجه الى الاصول الاحرازية للواقع كالاستصحاب لا العبور مباشرة الى الاصول العملية الاخرى.

٨ - على أن هذه الاصول الاخرى منها ماهو شرعي فيتقدم، وما هو عقلي فيتأخر رتبة.

وهكذا نجد أن هناك الكثير من التساؤلات التي قد تبقى بلا جواب في هذا المنهج.

رأي لامام الحرمين الجويني في ترتيب أصول الفقه

ولا يفوتني هنا أن أشير الى أن علم أصول الفقه يقوم على أسس منطقية متينة تنطلق أساساً من التصور الدقيق عن واقع الشريعة وعن السبل الكاشفة عنه وليس علماً سمعياً مأخوذاً من سيرة الصحابة أو الائمة رغم عظمة مكانتهم، وهو الرأي الذي ذكره إمام الحرمين الجويني إذ يقول عن أصول الفقه إنه نظم ما جاء من سير الصحابة الاكرمين، وضم مابلغنا من عبرهم، ولو كانوا عكسوا الترتيب لاتبعناهم ويضيف: "نعم ما كان يعتني الكثير منهم بجمع مابلغ الكافة من أخبار رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) بل كانت الواقعة تقع فيبحث عن كتاب اللّه، وكان معظم الصحابة لا يستقل بحفظ القرآن ثم كانوا يبحثون عن الاخبار فإن لم يجدوها اعتبروا ونظروا وقاسوا" [١].

وهناك مواقع للنظر في هذا النص منها:

ـ

١ - غباث الامم في التياث الظلم للامام الجويني / ٤٠٦.

أولاً: ما قلناه قبل قليل من أن علم اُصول الفقه قائم على اُسس موضوعية وليس تدويناً لاُسلوب معين من الاستنباط قام به المجتهدون الاوائل، ومن الغريب أنه نفسه كان يرجح مذهب الامام الشافعي على رأي بعض الصحابة باعتبار دقة المنهج فيه.

ثانياً: لم يثبت أن الصحابة ماكانوا يتحرون الآيات كلها والاخبار كلها قدر الامكان.

ثالثاً: نستطيع أن نقرر أن الاجتهاد آنذاك لم يكن بالمستوى من التعقيد كما نراه اليوم نتيجة لقرب العهد ووضوح القرآن وكثرة الشهود ووضوح المقصود وحضور القرائن ونقاء النصوص النبوية وسلامتها من التحريف أو الوضع; الامر الذي كان يسهل الاستنباط. وهذا لا يعني أن نعتمد نحن نفس الاسلوب على مافيه من سهولة بعد تغير الاحوال وهذا مايحتاج الى استدلال.

رابعاً: الاعتبار والنظر والتأمل والدقة في الاستنباط من القرآن والسنة شيء والقياس المشار اليه في آخر العبارة شيء آخر، إذا لاحظنا أنه مصطلح متأخر له شروطه وقوانينه، ولذا لايمكننا أن نسند اليهم بكل وضوح قيامهم بالعملية القياسية، وغالب مانُسب اليهم بل وأحياناً الى الرسول الكريم وهو "ما ينطق عن الهوى" إنما هو في واقع الحال تنقيح لصغريات وتطبيق لكبريات وعمومات على مواردها وهذه اُمور ينبغي توضيحها في محلها.

خامساً: لاريب في أنهم رضي اللّه عنهم كانوا يعملون بالاستصحاب والبراءة والاحتياط كل في موارده بعد ورود النصوص الشريفة في ذلك، إلا أن النص قد تجاوز كل ذلك.

وفي ختام هذا البحث لابد لي من التنبيه على اُمور لها دخلها في عملية الاستنباط الصحيح وفق المنهج القويم وربما كانت الاشارة من باب الاستطراد:

الامر الاول

من المسلم به أن هذا البون التاريخي الشاسع بيننا وبين عصر النص الشريف

حمل معه مضاعفات عديدة - كما يقول المرحوم الشهيد الصدر - "كضياع جملة من الاحاديث ولزوم تمحيص الاسانيد، وتغير كثير من أساليب التعبير وقرائن التفهيم والملابسات التي تكتنف الكلام ودخول شيء من الدس والافتراء في مجاميع الروايات الامر الذي يتطلب عناية بالغة في التمحيص والتدقيق، هذا إضافة الى أن تطور الحياة يفرض عدداً كثيراً من الوقائع والحوادث الجديدة لم يرد فيها نص خاص فلابد من استنباط حكمها على ضوء القواعد العامة ومجموعة ما أعطي من أصول وتشريعات، ثم إن الحقيقة الاسلامية اُعطيت منثورة في المجموع الكلي للكتاب والسنة وبصورة تفرض الحاجة الى جهد علمي في دراستها" [١].

وإذا كان الأمر كذلك فمن الطبيعي أن لايترك هذا الامر لكل وارد، وإنما يجب أن يقوم به المتخصصون المحققون الذين يملكون ملكة الاجتهاد ويقدرون على استنباط الحكم وتنقيح المواضيع بدقة.

فإذا أضفنا الى الحقائق السابقة حقيقة أخرى يتطلبها توحيد الموقف وتحديد المسار العام خصوصاً إذا تعلق الامر بالقضايا الحساسة والمصيرية والمشاكل الاجتماعية المستعصية، والمسائل المستحدثة التي لها مساقط واسعة، وجدنا أن من الضروري أن تشكل المجامع العلمية المشهود لها بالقدرة والنزاهة والموضوعية ليتم فيها تبادل الرأي في الحكم الشرعي، وفق المنهج السليم المحدد والضوابط الاجتماعية الدقيقة، كما يتم فيها تحديد الموضوعات وملاحظة ملابساتها. وتحديد الموضوع له الدور الكبير في معرفة نوع الحكم بلا ريب. ولايتم ذلك في كثير من الموارد إلا بحضور الاختصاصيين في الطب والفلك والبيئة وأمثال ذلك وتبعاً لنوع الموضوع المبحوث عنه.

والحقيقة هي أن الادلة التي قررت مشروعية الاجتهاد والتقليد لا تقرر هذه المشروعية للآراء المجمعية فحسب بل تكاد تفرض ضرورتها أحياناً، هذا وقد تمت بعض الخطوات على هذا السبيل من قبيل تشكيل مجمع الفقه الاسلامي بجدة ومجمع فقه أهل البيت (عليهم السلام) في الجمهورية الاسلامية الايرانية من قبل قائد الثورة الاسلامية آية اللّه الخامنئي - حفظه

ـ

١ - الفتاوى الواضحة / ٤ - ٥ للامام الشهيد الصدر.

اللّه - وكذلك مجمع البحوث الاسلامية في القاهرة وهي خطوات قيّمة ولكنها تحتاج الى تطوير مستمر.

الامر الثاني:

قلنا إنه لاريب في توقف عملية الاستنباط وإصدار الحكم على تنقيح المواضيع وتحديدها، فالحكم يتغير بتغير الموضوع وربما ينقلب الى نقيضه في الحلية أو الحرمة. ولا يمس هذا مسألة ثبات الاحكام، فحلال محمد (صلى الله عليه وآله) حلال الى يوم القيامة وحرامه حرام الى يوم القيامة.

والتغير تارة يكون في الموضوعات من داخلها كتغير اللحم النجس الى تراب ورماد مما يغير حكمه الى الطهارة وأخرى يكون التغيير من الخارج أي بتغير عنصري الزمان والمكان، فهل يمكن تصور هذا التغيير بحيث يترك آثاره على تغير الحكم؟

الملاحظ أن هناك اتجاهين خطيرين متطرفين إزاء هذا الموضوع، فالاتجاه الاول يرفض أي دخل لهذا العنصر في الموضوعات ويجمد عليها بل وينكر التغيير في الزمان نفسه، فيفترض بقاء الظروف الزمانية على ماهي عليه والشروط الاجتماعية على ماهي عليه من بساطة رغم كل هذا التعقيد الاجتماعي الملحوظ.

وهناك اتجاه آخر ينفتح الى حد الميوعة فيفترض لهذا العامل دخلا دائما مما يؤدي في نهاية الامر الى فناء الشريعة وتبدل الاحكام وفق الاهواء، وهو اتجاه خطير بدوره، ومانراه من موقف صحيح هو الرجوع الى دليل الحكم ولسانه لمعرفة التحديد الذي يقرره للموضوع. فإن كان يطلق الامر دونما تحديد فليس لنا الخروج عن الدائرة التي يرسمها، وإن كان يسمح حسب الفهم العرفي بمستوى معين من التدخل للزمان سرنا معه ولاحظنا هذه المرونة. فلا نحمّل النص مالا يتحمل من امتداد، ولا نقعد عن ارتياد الآفاق التي يفتحها بحجة الاحتياط. هذا هو المنهج الذي نراه منسجماً مع الحقيقة الشرعية المقررة ونرى العدول عنه خطيراً جداً.

إن موضوع تحريم الربا وتحريم الخمر، والسماح بالزواج وإقامة المجتمع على

أساس عائلي من المواضيع التي لا تتدخل فيها التغيرات الزمنية كما يبدو ذلك من أدلتها في حين لا نجد في مواضيع من قبيل الشورى وتنظيم النسل، والمباحات العامة ومناطق الفراغ المتروكة للحاكم الشرعي، لا نجد فيها تحديدات تمنع من تدخل عنصري الزمان والمكان في صياغة نوع الحكم فيها.

أقول هذا، وأرفض مطلقاً أن ننسى وظيفة المجتهد في الوصول الى الحجة الشرعية عن طريق القطع إما بالحكم أو بحجية الوسيلة الموصلة اليه.

الامر الثالث

قلنا إن هناك أحكاماً أولية ذكرتها الشريعة للاشياء في حد ذاتها وبغض النظر عن عوارضها. كما أن هناك أحكاماً ثانوية تنتجها الظروف القاهرة، كالاضطرار والاكراه والضرر والحرج، فهي أمور تطرأ على الاشياء فتبدل من أحكامها، ثم إن هناك أحكاماً ولائية يصدرها ولي الامر وفق ما يراه من مصلحة لتسيير دفة الحكم ويغير بها أحكام الكثير من المباحات الاولية فهي بالتالي أحكام طارئة، وإن كانت إطاعة ولي الامر الشرعي نفسها من الاحكام الاولية.

ولسنا هنا بصدد بيان المساحات التي تنفذ فيها أوامر ولي الامر بقدر ما نحن بصدد بيان هذه الحقيقة وهي أن الاصل في الحياة الطبيعية إنما هو الاحكام الاولية وكلما قربت الحياة اليها قربت الى الصورة الاسلامية طبعاً مع ملاحظة أن الشريعة نفسها فسحت المجال لولي الامر بالتدخل وأعطته الضوابط العامة والاضواء الكاشفة التي تساعده على ممارسة هذه العملية، ولكن يبقى الحكم الاولي هوالاصل تعود اليه الحياة متى سمحت الظروف وارتفعت الطوارئ.

ولاننسى أن نشير الى أن هناك مباحات أكد الشارع الكريم على إباحتها (ولو بالمعنى العام الشامل للمكروه والمستحب) وحينئذ فمن الصعب جداً حتى لولي الامر أن يحدّ منها، اللهم إلا لظروف قاهرة جداً، فإباحة الزواج تختلف في لسان الشارع عن إباحة المشي وأمثاله وهذه أمور ينبغي التركيز عليها والتدقيق فيها والاحتياط في مجالها للدين.



[ Web design by Abadis ]