ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 الكلمات الابراهيمية - ١ \ الشيخ محمد مهدي الآصفي

ابتلى اللّه سبحانه نبيه الكريم ابراهيم بكلمات، فما هي الكلمات؟ الباحث يحاول أن يستقرئ القرآن في هذا المجال. فيقسمها الى كلمات إيمان وكلمات دعوة وكلمات فتنة وابتلاء، وفي هذا القسم يتحدث عن سنة الابتلاء في حياة الانبياء، وعن كلمات الايمان باللّه. (وإذ ابتلى ابراهيمَ ربُـهُ بكلمات فأتمهُن قال إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذُريَّتي قال لا ينال عهدي الظالمين) [١].

في هذه الآية الكريمة دراسات وأبحاث قرآنية شيقة:

منها الكلمات التي ابتلى اللّه تعالى بها عبده وخليله ورسوله إبراهيم: (عليه السلام) (وإذ ابتلى إبراهيم ربُه بكلمات). وإتمام إبراهيم لهذه الكلمات "فأتمهنَّ". وهذه شهادة من اللّه تعالى لإبراهيم وناهيك بها في فضل إبراهيم ودرجته عند اللّه.

ومنها الامامة التي أناطها اللّه تعالى بإبراهيم بعد أن أتم هذهِ الكلمات. وعلاقة الامامة بالكلمات. وهل هي النبوة - وقد كان إبراهيم (عليه السلام) نبياً، عندما أتم بعض هذه الكلمات أم هي شأن آخر غير النبوة، وهو ما نرجحه، بل نقطع به.

ـ

١ - البقرة / ١٢٤.

ومنها الشرط الذي تقرره الآية الكريمة للامامة: (لاينال عهدي الظالمين).

عندما طلب إبراهيم (عليه السلام) الإمامة من اللّه تعالى لذريته، فاستجاب اللّه تعالى لدعائه، ثم بيّن اللّه تعالى له أنه لا يعهد بالامامة الى الظالمين من ذريته.

وماهو معنى الظلم الذي يمنع من الامامة؟ وهل يمنع التلبس بالشرك والظلم من الامامة في فترة من العمر؟ أم أن الآية الكريمة تقرّر أن اللّه تعالى لا يعهد بالامامة الى من يتلبس بالظلم حال التلبس.

تلك وغيرها أبحاث ودراسات في هذه الآية الكريمة، ونحن في هذه الدراسة نتناول البحث في "الكلمات الابراهيمية" إن شاء اللّه.

الابتلاء في حياة الانبياء

الابتلاء سُنة إلهية عامة في حياة الناس، وعلى سلّم الابتلاء يرقى الناس الى لقاء اللّه وقربه تعالى، ومهما كان حظّ الانسان من الابتلاء، ونجاحه في تجاوز الابتلاء أفضل يكون قُربه الى اللّه تعالى أكثر.

ففي الابتلاء يتضرع الانسان الى اللّه، ويكدح الى اللّه، ويقوى عوده على مقاومة الهوى، ويرقى الى لقاء اللّه تعالى وقربه.

ولا تستثني هذه السُنّة الالهية الانبياء (عليهم السلام). بل إن الانبياء أكثر الناس حظاً من الابتلاء، ومراتبهم عند اللّه تعالى في القرب هي درجاتهم في تجاوز الابتلاء.

١ - ابتلاء آدم (عليه السلام)

وأول من ابتلى اللّه تعالى أبانا آدم (عليه السلام) ابتلاه بالشجرة الممنوعة: (وقلنا يا آدمُ اسكن أنت وزوجك الجنّة وكلا منها رغداً حيثُ شئتما ولا تقربا هذه الشَّجرة فتكونا من الظالمين) [١].

ومهما يكن أمر هذا الابتلاء، ومهما تكن قصة الشجرة الممنوعة، فقد كان هذا

ـ

١ - البقرة / ٣٥.

الابتلاء أول ابتلاء في تاريخ الانسان، وكان هو السبب - كما نفهم - في دخول الانسان دار التكليف.

٢ - ابتلاء يوسف (عليه السلام)

وابتلى اللّه تعالى يوسف الصدّيق (عليه السلام) بامرأة العزيز فيعصمه اللّه تعالى في هذه الفتنة التي تقول عنها امرأة العزيز: (ولقد راودته من نفسه فاستعصم). وآثر السجن على معصية اللّه: (قال ربِّ السجنُ أحب الي مما يدعونني اليه) [١].

وخرج منها منتصراً على الشيطان. فآتاه اللّه على ذلك الحكم والعلم (ولما بلغ أشدهُ آتيناهُ حُكماً وعلماً وكذلك نجزي المحسنين) [٢].

وبقي يوسف (عليه السلام) - رغم هذا الانتصار على الشيطان - يدعو اللّه تعالى أن يصرف عنه كيدهن، ويرفع الى اللّه تعالى فقره وضعفه وعجزه لولا رحمته وإمداده وتوفيقه وهدايته تعالى: (وإلاّ تصرف عني كَيدهُنَّ أصبُ اليهنَّ وأكن من الجاهلين. فاستجاب له ربّه فصرفَ عنه كيدهنَّ إنّه هو السميع العليم) [٣].

٣ - ابتلاء ذي النون (عليه السلام)

ومن نماذج ابتلاء الانبياء ابتلاء يونس (عليه السلام) ببطن الحوت في ظلمات ثلاث، ظلمة الليل، وظلمة البحر وظلمة بطن الحوت. فسبح للّه تعالى وأناب اليه واستغفره سبحانه فاستجاب اللّه تعالى له وأنجاه من سجنه.

يقول تعالى: (وذا النون اذ ذهبَ مغاضباً فظنَّ أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا اله إلا أنت سبحانكَ إنّي كنت من الظالمين. فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين) [٤].

ـ

١ - يوسف / ٣٣.

٢ - يوسف / ٢٢.

٣ - يوسف / ٣٣ - ٣٤

٤ - الانبياء / ٨٧ - ٨٨.

٤ - ابتلاء موسى (عليه السلام)

ومن أكثر الانبياء ابتلاءً كليم اللّه موسى (عليه السلام) فقد ابتلاه اللّه بكلمات كثيرة فأتمَّهنَّ، وآتاه اللّه تعالى الحكم والنبوة.

وها نحن نذكر نماذج مما ابتلى اللّه تعالى به عبده وكليمه موسى بن عمران (عليه السلام).

منها ابتلاؤه بدعوة طاغية عصره الى عبادة اللّه تعالى وإطلاق سراح بني إسرائيل، وكان ابتلاءً صعباً، أن يدخل موسى (عليه السلام) على طاغية عصره ليدعوه بدعوة اللّه تعالى: (اذهبا الى فرعون إنه طغى. فقولا له قولاً ليّـنا لعلَّه يتذكّر أو يخشى) [١].

ومن ذلك ابتلاؤه بعد عودته من ميقات اللّه سبحانه وتعالى بضلالة السامري وعبادته للعجل، ودعوته بني إسرائيل الى عبادة العجل: (ولما رجع موسى الى قومه غضبان أسفاً قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربّكم) [٢].

ومن ذلك ابتلاء موسى (عليه السلام) باتّـباع العبد العالم، وكان ابتلاءً شاقاً على كليم اللّه (عليه السلام) ولكنه كان يخضع بكل أدب النبوة لهذا الابتلاء الصعب مرة بعد اُخرى حتى بلغ العبد العالم من لدن كليم اللّه (عليه السلام) عذراً، فافترقا بعد أن قضى موسى (عليه السلام) معه جولة من الامتحان الصعب الذي كان لابد له أن يجتازه معه: (قال له موسى هل اتَّبعك على أن تُعلّمن مما علّمت رشداً. قال إنَّك لن تستطيع معي صبراً. وكيف تصبر على مالم تحط به خبراً. قال ستجدني إن شاء اللّه صابراً ولا أعصي لك امراً. قال فإن اتَّبعتني فلا تسئلني عن شيء حتى اُحدث لك منه ذكراً) [٣].

٥ - ابتلاء إبراهيم (عليه السلام)

وابتلى اللّه تعالى إبراهيم أبا الانبياء بكلمات فأتمهن كما يقول تعالى: (واذا ابتلى

ـ

١ - طه / ٤٣.

٢ - الاعراف ١٥٠.

٣ - الكهف / ٦٥.

إبراهيم رَبّه بكلمات فأتمهن).

ويذهب بعض المفسرين مذاهب مثيرة للاستغراب في تفسير هذه الكلمات. ومن ذلك مارواه بعضهم أن هذه الكلمات هي الخصال العشر التي تسمى خصال الفطرة، وهي قص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك وفرق الرأس، وتقليم الاظفار، وحلق العانة، ونتف الابط، والاستجداد، وهي مجموعة تعليمات صحية مندوبة في الشريعة.

يقول الشيخ محمد عبده في التعليق على هذه الرواية:

إن هذا من الجرأة الغريبة على القرآن، ولاشك عندي في أن هذا مما أدخله اليهود على المسلمين، ليتخذوا دينهم هزواً، وأي سخافة أشدَّ من سخافة من يقول: إن اللّه تعالى ابتلى نبياً من أجلّ الانبياء بمثل هذه الامور، وأثنى عليه بإتمامها، وجعل ذلك كالتمهيد لجلعه إماماً للناس، وأصلاً لشجرة النبوة.

وإن هذه الخصال لو كُلِّف بها صبيٌ مميز لسهل عليه إتمامها، ولم يعدّ ذلك أمراً عظيما [١].

يقول الشيخ رشيد رضا صاحب "تفسير المنار": كتب اليه رجل من المشتغلين بالعلم في سورية كتاباً عقب قراءته رأي الشيخ محمد عبده في تفسيره هذه الاية في مجلة المنار، يقول فيه: إن تفسير الكلمات بخصال الفطرة مروي عن ترجمان القرآن - ابن عباس - فكيف يخالفه فيه، وشدد النكير في ذلك، وأطنب في مدح ابن عباس.

وقد أرسل إليَّ الاستاذ كتابه عند وصوله … فكتبت اليه - وكان صديقاً لي - كتاباً لطيفاً، كان مما قلته فيه على ما أتذكر:

إننا لم نر أحداً من المفسرين، ولا من أئمة العلماء التزم موافقة ابن عباس في كل ما يروى عنه وإن صح سنده، فكيف إذا لم يصح وقد قال الشيخ محمد عبده إنه يجل ابن عباس عن هذه الرواية ولا يصدقها [٢].

ـ

١ - تفسير المنار / ١ - ٤٥٤.

٢ - تفسير المنار / ١ - ٤٥٥.

ومناقشة الشيخ محمد عبده لهذه الروايات مناقشة صحيحة ومتينة… ولكن الشيخ، مع ذلك، لا يريد أن يأخذ بما ورد في القرآن مما حدثنا اللّه تعالى عنه من ابتلاءات إبراهيم العظيم، ومن أعظم ذلك ابتلاء إبراهيم بما رآه في المنام من ذبح ولده إسماعيل (عليهما السلام). ويناقش ذلك بمناقشات غير واضحة، فيقول: وإنّما هذا الامر كلمة واحدة جعلوها عشراً. ولست أعتقد بوجاهة هذه المناقشة فلم يرد في القرآن تحديد لعدد الكلمات، ثم إن ما يحدثنا القرآن الكريم به من ابتلاءات إبراهيم (عليه السلام) ليس بواحدة، وإنما هي كثيرة، قد تبلغ العشرة وقد تزيد.

استخراج الكلمات من القرآن

والقرآن نفسه خير مصدر نستخرج منه هذه الكلمات. وقد أولى القرآن الكريم حياة إبراهيم (عليه السلام) عناية كبيرة.

وشرح لنا أدواراً عديدة من حياة أبي الانبياء (عليهم السلام) وما ابتلاه اللّه تعالى به من ابتلاءات صعبة في مقاطع مختلفة من حياته، وبـإمكاننا نحن أن نستخرج من كتاب اللّه طائفة من هذه الكلمات التي ابتلى اللّه تعالى بها رسوله وخليله من غير عناء وجهد.

ونحن فيما يلي نستخرج من كتاب اللّه ابتلاءات عشرة ابتلى به تعالى إبراهيم.

وهذه الابتلاءات العشرة تنظمها محاور ثلاثة. ولسنا نقول إنها هي التي ابتلاه اللّه تعالى من الكلمات، وإنما نقول إن بعض هذه الكلمات منها، وإنها مما ابتلاه اللّه تعالى بها وهي ابتلاءات صعبة. والمحاور الثلاثة هي:

١ - محور الايمان باللّه.

٢ - محور الدعوة الى اللّه.

٣ - محور الفتنة والابتلاء.

واليك تفصيل هذه الكلمات على هذه المحاور الثلاثة من كتاب اللّه.

أولاً: كلمات الايمان باللّه

وعلى هذا المحور نجد في القرآن ثلاث كلمات ابتلى اللّه تعالى بها إبراهيم (عليه السلام) وهذه الكلمات الثلاث: انتزاع النفس من الباطل. والتوجه الى اللّه (الحق). والولاء للّه والبراءة من أعداء اللّه.

فهذه ثلاثة كلمات أتمهنّ إبراهيم (عليه السلام) في المرحلة الاولى من حياته.

والكلمة الاولى التي أتمها إبراهيم (عليه السلام) أنه انتزع نفسه من سلطان الاصنام وسلطان الوسط الاجتماعي وثقافة الشرك باللّه، وكانت هذه الخطوة هي بداية انطلاق إبراهيم (عليه السلام) في رحلته الشاقة الى اللّه.

والخطوة الثانية هي الاقبال على اللّه بعد أن انتزع نفسه من سلطان الاصنام: (وجّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض).

ولا تتم الخطوة الثانية إلا بعد أن تتم الاولى، ولا يتم التوحيد في الايمان بالله، إلا بعد الكفر بالاصنام والطاغوت.

والخطوة التالية هي الولاء، الولاء للّه والبراءة من أعداء اللّه، وهي نتيجة طبيعية للخطوتين الاولى والثانية، فإذا أعرض الانسان عن الباطل وأقبل على اللّه فلابد أن ينظّم علاقاته مع الناس على أساس هذا الاعراض والاقبال، فيوالي اللّه تعالى ويوالي كل من يوالي اللّه، ويتبرأ من الاصنام والطاغوت، ويتبرأ ممن يوالي الطاغوت.

وهذا الاقبال والادبار والوصل والفصل من متطلبات الايمان باللّه والكفر بالطاغوت.

واليك تفصيل هذه الكلمات الثلاث في حياة إبراهيم (عليه السلام) من القرآن.

١ - انتزاع النفس من الباطل

إن للباطل سلطاناً على نفس الانسان، ومصادر هذا السلطان متعددة. فان للباطل ثقافة، وإعلام، وتاريخ، وإغراء وإرهاب، ومواقع في المجتمع، وفن، وينفذ الباطل الى نفس الانسان وعقله بكل هذه الادوات ومن منافذ مختلفة في النفس، فيحكم الانسان

ويرسخ في نفسه ويتمكن منه، وعندئذ يحتاج الانسان لكي ينتزع نفسه من سلطان الباطل الى قوة نفسية هائلة. ولقد آتانا اللّه تعالى هذه القوة الهائلة من دون ريب ولكن القليل من الناس من يستخدم هذا العزم في مقاومة سلطان الهوى والباطل على النفس، ويخضع لفتنة الباطل وسلطان الهوى.

وليس دائماً مشقة التحرر من الباطل في التباس الحق بالباطل، فقد يكون جزء من هذه المشقة في انتزاع النفس من سلطان الباطل حتّى بعد أن يعرف الانسان الحق والباطل من دون لبس. وقد تأخذ الانسان العزّة بالباطل، فيدفع نفسه ثمناً للباطل.

وإبراهيم (عليه السلام) نبي معصوم عصمه اللّه تعالى من الباطل والشرك، ولكن ذلك لا ينفي أنه (عليه السلام) كان يعيش في أجواء هذا السلطان الذي كان للباطل على عقول الناس ونفوسهم، وأنه انتزع نفسه من سلطان الباطل.

ويقُصَّ علينا القرآن قصة إبراهيم (عليه السلام) في مكافحة سلطان الباطل على نفسه وكيف انتزع نفسه من عبادة النجوم، وكيف رفضها وأعرض عنها.

يقول تعالى: (فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكباً قال هذا ربي فلمّا أفل قال لا أُحبُّ الآفلين. فلمّا رآى القمر بازغاً قال هذا ربي فلمّا أفل قال لئن لم يهدني ربىّ لأكوننَّ من القوم الضّالّين. فلمّا رآى الشمس بازغةً قال هذا ربّي هذا أكبر فلمّا أفلت قال يا قوم إنّي بريء ممّا تشركون) [١].

ويبدو لي أن الحوار الذاتي الذي تعرضه الآية الكريمة لابراهيم (عليه السلام) مع نفسه حوار رمزي يرمز الى الطريقة التي انتزع ابراهيم (عليه السلام) نفسه من سلطان النجوم والقمر والشمس، وهذا الاسلوب من الحوار الرمزي شائع في القرآن الكريم نحو قوله تعالى: (يوم نقول لجهنم هل امتلئت؟ فتقول هل من مزيد؟ ).

والذي يلفت النظر في هذا الحوار التدرج والتسلسل الذي تشير اليه الآية الكريمة

ـ

١ - الانعام / ٧٦ - ٧٨.

من "الحسّ" الى "العقل" ومنه العقل الى "القلب".

فان المحطّة الاولى في هذه الرحلة التي تشير اليها الآية الكريمة هي "الحسّ" حيث يتلقف "اُفول" النجم والقمر والشمس وهو بالتأكيد حالة محسوسة.

و"العقل" المحطّة الثانية في هذه الرحلة، حيث يحكم ببطلان الافول. ويجزم بأن الآفل الزائل لا يمكن أن يكون رب هذا الكون.

و"القلب" المحطة الثالثة، في هذه الرحلة، ومهمة العقل أن يحب ولا يحب. (فلما أفل قال: لا أحب الآفلين) ومع الحب كره وبراءة: (قال يا قوم إني بريء مما تشركون).

وحيث يجزم العقل ببطلان شيء يرفض القلب أن يحبه، وإذا جزم العقل بالحق أحبه القلب، فالقلب يستلم من العقل والعقل مستلم اُصول حكمه من الحس… وهذه هي مدارج المعرفة يصورها القرآن في هذا الحوار الذاتي الذي يغلب عليه جانب الرمز، ولا يعتمد إبراهيم (عليه السلام) عقله بشكل مطلق في هذه الرحلة، فما أكثر ماتزل العقول والقلوب، وإنما يستعين باللّه تعالى واثقاً أن اللّه تعالى اذا لم يعنه في تجاوز هذه المرحلة، فلا يستطيع أن يقطع هذه الرحلة الشاقة الى نهايتها وغايتها: (لئن لم يهدني ربي لأكوننّ من القوم الضالّين).

٢ - التوجّه الى اللّه

وهذه هي الكلمة الثانية في الرحلة الابراهيمية.

فقد أعطى إبراهيم (عليه السلام) وجهه للّه تعالى، بعد أن انتزع وجهه وقلبه من الباطل.

فقال (عليه السلام)، بعد أن أعلن براءته مما يشركون: (قال يا قوم إني بري مما تشركون) …. بعد أن انتزع وجهه وقلبه مما كانوا يشركون، أعطى وجهه للّه تعالى فقال: (وجّهت وجهي للّذي فطر السموات والأرض حنيفاً، وما أنا من المشركين).

وكما أن الانسان ليس له إلا قلب واحد: (ما جعل اللّه لرجل من قلبين في جوفه) فإما أن يكون قلبه للحق أو للباطل… كذلك ليس للانسان إلا وجه واحد، فإما أن يكون

وجهه للحق أو للباطل، فإذا انتزع وجهه من الباطل كان له أن يعطي وجهه للّه، ولا يتمكن أن يشطر وجهه شطرين، فيعطي شطراً من وجهه للّه، ويعطي شطراً من وجهه لما يشركون من دون اللّه.

كما لا يمكن أن يشطر قلبه شطرين، فيعطي شطراً منه للّه، ويعطي الشطر الآخر منه لما يشركون.

والقرآن يرفض الشرك في القلوب والوجوه معاً.

وإبراهيم (عليه السلام) إذ ينتزع وجهه وقلبه من الباطل، يعطي وجهه وقلبه للّه.

وحيث انتزع إبراهيم (عليه السلام) قلبه ووجهه مما يشركون وأعطاهما للّه تعالى وحده… رفعه اللّه درجات وآتاه الحجة على قومه، وجعل النبوة في ذريته: (وتلك حُجّتنا آتيناها إبراهيم على قومه نرفع درجات من نشاء إنّ ربَّك حكيم عليم. ووهبنا له إسحق ويعقوب كلاّ هدينا ونوحاً هدينا من قبل ومن ذريّته داود وسليمان وأيّوب ويوسف وموسى وهارون وكذلك نجزي المحسنين) [١].

وهذه سنّة وقانون، وليس استثناءً يختص به إبراهيم (عليه السلام): (وكذلك نجزي المحسنين).

٣ - الولاء والبراءة

وهذه هي الكلمة الثالثة في الرحلة الابراهيمية. فلا يقتصر الامر في هذه الرحلة على الايمان باللّه والكفر بالطاغوت (على الصعيد العقلي) وعلى حب اللّه ورفض الطاغوت (على صعيد الحب والعاطفة)، وإنما يستتبع هذا الايمان والكفر موقعاً عملياً في الولاء والبراءة:

الولاء للّه ولاولياء اللّه والبراءة من الطاغوت وحزب الطاغوت. إن الايمان باللّه والكفر بالطاغوت قضية نظرية تستتبع حباً وبغضاً أولاً، ومنهجاً في السلوك والتحرك ثانياً، وتنظم علاقات الانسان ثالثاً.

ـ

١ - الانعام ٨٣ - ٨٤.

فينتزع الانسان من شبكة من العلاقات الاجتماعية والسياسية، وهذه هي شبكة الولاء، والى جنب كل ولاء براءة، فالايمان باللّه والكفر بالطاغوت إذن ينظمان علاقات الانسان على أساس وتصوّر جديين يرتبطان بهذا المحور، وقد أعلن إبراهيم (عليه السلام) لأبيه (عمه) وقومه انفصاله عنهم ومقاطعته لهم وبراءته مما يعبدون. وجعل هذه البراءة والمفاصلة كلمة باقية في أعقابه، كما جعل التوحيد كلمة باقية في عقبه من بعده: (وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنَّني براءٌ مما تعبدون. إلا الَّذي فطرني فإنَّه سيهدين. وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) [١].

ولما أصرَّ عمّه على الشرك، ورفض الايمان باللّه لم يتردد إبراهيم (عليه السلام) أن يعلن براءته منه: (وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إيّاهُ فلما تَبيّن له أنّه عدوّ للّه تبرأ منه إنَّ إبراهيم لأوّاهُ حليم) [٢].

وإن من أشق الامور على الانسان أن ينتزع نفسه مرة واحدة من وسط علاقاته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فيعتزل ويهاجر عندما يستدعي الامر الاعتزال والهجرة.

ولما أعلن الفتية من أصحاب الكهف الدعوة الى اللّه في أجواء البلاط: (…. إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلهاً لقد قلنا إذاً شططا) [٣]. لم يحدد أبداً من أن يبتروا علاقاتهم الاجتماعية والسياسية والاقتصادية بتراً ويعتزلوا قومهم وما يعبدون من دون اللّه، ويأووا الى الكهف: (وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا اللّه فأوا الى الكهف ينشر لكم ربُّكم من رحمته) [٤].

يقول أمير المؤمنين (عليه السلام): "ولقد كنا مع رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) نقتل آباءنا وأبناءنا وإخواننا وأعمامنا، ما يزيدنا ذلك إلا إيماناً وتسليماً ومضياً على اللقم وصبراً على مضض الألم" [٥].

هذه ثلاث كلمات في الايمان باللّه، وننتقل الآن الى كلمات الدعوة الى اللّه.

ـ

١ - الزخرف / ٢٦ - ٢٨.

٢ - التوبة / ١١٤.

٣ - الكهف / ١٤.

٤ - الكهف / ١٦.

٥ - نهج البلاغة / خطبة رقم ٥٦.



[ Web design by Abadis ]