ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 مجمع البيان نموذج التفسير التقريبي \ الشيخ محمد واعظ زاده الخراساني

التفسير القيم "مجمع البيان" واحد من ثلاثة تفاسير للشيخ الجليل أمين الإسلام الفضل بن الحسن الطبرسي (المتوفى عام ٥٤٨هـ) وهو أولها وأساس التفسيرين الآخرين أي "الكافي الشافي" و"جوامع الجامع".

إنّ التعريف بهذا العالم ومقامه الشامخ وترجمة حياته ممّا لا يَـسَعُ له هذا الموجز، وقد دُونت المقالات بل الكتب في هذا المجال، وما يأتي في هذه السطور إنّما يوضّح بنحو موجز قيمة هذا التفسير النفيس.

ينحدر أمين الإسلام الطبرسي من عائلة علميّة جليلة، وأصله من مدينة "تَفْرِش" ومن ثمّ هاجر إلى خراسان، وأصل كلمة "طَبْرِس" يعود الى "تَفْرِش".

كان هذا العالم نزيل مشهد المقدسة، وفي أواخر حياته انتقل الى سبزوار حيث توفي فيها، وحمل جثمانه الى مشهد - بلد الإمام الرضا (عليه السلام) - ودفن في مكانه

ـ

١ - كتب بمناسبة اعادة "مجمع التقريب بين المذاهب الاسلامية" طباعة تفسير "مجمع البيان" للطبرسي (١٩٩٧) على النسخة التى نشرتها دار التقريب في القاهرة (١٩٧٠).

الحالي الذي كان قديماً يسمى بـ "قتلگاه"، وكانت مقبرة كبيرة، وشارع الطبرسي سمّي باسمه، بيد أنّه وبعد إجراء المشروع الضخم لتطوير ما حول حرم الإمام الرضا (عليه السلام) نُقل قبره الى وسط تلك المقبرة.

وحسب قول البيهقي المعاصر له في كتابه "تاريخ بيهق": كان نشاط هذا العلامة منصبّاً على تلخيص وتحرير كتب الآخرين، فتفسير "مجمع البيان" - استناداً الى ما ذكره في مقدمته - تطوير لتفسير "التبيان" للشيخ الطوسي (٣٨٥ - ٤٦٠هـ) كما أنّ كتاب "المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف" في الفقه التطبيقي أو مسائل الخلاف هو تطوير وتحرير جديد لكتاب مسائل الخلاف للشيخ الطوسي أيضاً.

وقد اشتهر في عصره بمختلف العلوم الشائعة آنذاك كالتفسير والفقه والكلام والسيرة وتاريخ الأئمة وألـّف الكتب في جميع هذه الفروع.

وكما هو واضح من كتبه لاسيّما تفسيريه المعروفين "مجمع البيان" و"جوامع الجامع" فإنّه ضليعٌ ومتبحرٌ في اللغة العربية وقواعدها، ويحرر العبارات العربية بغاية الجزالة والفصاحة والايجاز، وله ولع شديد بطرائف الأدب، وهذا التبحر والتعمق دفعه الى كتابة "الكافي الشافي" الذي يضمّ بين دفتيه الظرائف الأدبية لتفسير الكشاف للزمخشري (المتوفى عام ٣٥٨هـ) هذه الظرائف التي يفتقدها تفسير "مجمع البيان"، ولو ضمّت اليه لأصبح أكثر شمولية. وهنا نكتفي بذكر بعض ما قاله الطبرسي في فاتحة كتاب "جوامع الجامع".

١ - ذُكر في ترجمة الطبرسي أنّ له ثلاثة تفاسير وهي: الكبير والصغير والأوسط، إلا أنّ تشخيصها يتعذّر بدون مطالعة تلك الفاتحة، فنقرأ فيها أن الطبرسي ألّف في البدء تفسيره الكبير والأول "مجمع البيان" وبعد الوقوف على تفسير "الكشاف" اقتطف من طرائفه الأدبية وظرائفه البلاغية وأسماها "الكافي الشافي" وبعد إلحاح من ولده (أبي النصر الحسن) جمع تلك الطرائف والظرائف من كلا الكتابين وأوجزها في كتاب ثالث هو "جوامع الجامع".

وهنا نعرف أن التفسير الكبير له هو "مجمع البيان في تفسير القرآن" الذي عبّر الطبرسي نفسه عنه في هذه الفاتحة بـ "الكبير"، وعلى الأرجح فإنَّ التفسير الصغير هو "الكافي الشافي" والاوسط هو "جوامع الجامع"، أو بالعكس [١]، أي أن الأخير هو الصغير والكافي هو الأوسط، وعلى أية حال فلم يدوَّن تفسير آخر غير هذه الثلاثة بقلم هذا العالم.

ولو عثرنا على تفسير "الكافي الشافي" وقُدّر له النشر سيكون بين أيدينا التفاسير الثلاثة لهذا الرجل العظيم، ومن خلال المقارنة والمطابقة بينها ستتضح لدينا المواضيع التي اختارها من تفسير الكشاف، لكن بما أنا نفتقده فبامكاننا ومن خلال مطابقة ما ورد في "جوامع الجامع" مع "مجمع البيان" و"الكشاف" معرفة مدى استفادته من هذين التفسيرين وطريقة اختياره للموضوعات، ومن خلال التمعّن في مضامين هذين التفسيرين نستشف أن الطبرسي قد جهد في جمع المطالب المهمة والبارزة فيهما أو ظرائفهما في كتابه الثالث "جوامع الجامع".

٢ - إن تفسير "جوامع الجامع" ونظراً لشموليته وما يتمتع به من بلاغة وإيجاز، يعتبر من أفضل التفاسير الخاصة بالتدريس، وأثناء أيام دراستي في قم (خلال السنوات ١٣٢٨ هجرية وما بعدها) كان المرحوم آية الله الشيخ الحاج الميرزا أبو الفضل الزاهدي يدرسه للطلبة، ومن بين تفاسير الشيعة الإمامية بوسعنا معادلة هذا التفسير بتفسير البيضاوي المسمّى "أنوار التنزيل وأسرار التأويل"، وهذا الاخير من كتب التدريس في مدارس أهل السنة، وكان يدرَّس في حوزات الشيعة أيضاً حتى عهد الشيخ البهائي (المتوفى عام ١٠٣٠هـ) على الأقل، ولهذا كتب المغفور له الشيخ البهائي آراءه على تفسير البيضاوي تعليقا عليه أثناء تدريسه لهذا التفسير، ومن المناسب مطابقة هذه التعليقة مع النص لمعرفة قدرة الشيخ البهائي في علم التفسير.

كما أن المغفور له الفيض الكاشاني (المتوفى عام ١٠٩٣هـ) كان يلجأ إلى العبارات القصيرة والبارزة من تفسير البيضاوي في تأليفه لتفسير الصافي الذي يستند الى روايات أهل البيت (عليهم السلام)، وهذا الأمر سيتضح أيضاً من خلال المقارنة بين هذين التفسيرين.

٣ - الأمر الملفت للنظر والبالغ الأهمية هو ما يتصف به المرحوم الطبرسي من إنصاف وتأدب وطهارة نفس ونزاهة من التعصب الطائفي، وهو ما يستشف بوضوح من تفسير "جوامع الجامع" وفاتحته، فهو يعترف بصراحة بفضل العلامة الزمخشري المعاصر له وعلمه وأهليته ونفاسة تفسيره الموسوم بالكشاف، بالرغم من اختلافهما في المذهب والمسلك، فقد كان الطبرسي عالم الشيعة الإمامية وزعيمهم، وكان معروفاً في عصره لدى أتباع أهل البيت (عليهم السلام) لاسيّما أهل سبزوار المعروفين بولائهم الشديد لأهل البيت (عليهم السلام).

أما الزمشخري فقد كان عالماً ذائع الصيت في أوساط أهل السنة ومن المدافعين الأشداء عن مذهب المعتزلة، مع هذا فان الطبرسي لا يتردد في مدحه والثناء عليه، كما ينبغي وكما يستحقه في كتابه، ليخلّفه وثيقةً تقريبيّةً للأجيال التالية.

هذا الاعتراف يعبّر عن طهارة نفس وانصاف ذلك العالم وصفاء قلبه من كل أنواع التعصب الطائفي، وهو مايجب أن يتحلى به كل العلماء، لاسيما في عصرنا الراهن الذي يتعرّض فيه الإسلام العظيم للتهديد، وتتعرض فيه بيضة الإسلام للخطر، حيث يشن أعداء الإسلام من الشرق والغرب، من الهندوس المشركين والنصارى واليهود الذين يتظاهرون بأنهم أهل الكتاب، والملحدين الذين لا دين لهم، وأرباب السياسة السلطويين هجومهم العسكري والثقافي والعلمي والصناعي ضد الإسلام.

ففي مثل هذا الوقت تعتبر الوحدة الإسلامية والوئام بين المذاهب الإسلامية من أهم الواجبات، وهذا ما يتحقق بالتحلّي بالإنصاف ومراعاة الأدب، وليس مفروضاً على أحد التخلي والعدول عن مذهبه الذي تربى عليه وألفه.

هذا هو الهدف المقدس الذي أوصى به الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) وأئمة أهل البيت (عليهم السلام) علماء الإسلام وقادته في الماضي والحاضر، ومن بينهم رأس مراجع الشيعة وعلماؤهم في زماننا المغفور له آية الله العظمى السيد البروجردي (المتوفى عام ١٣٨٠هـ) والإمام الخميني (رضوان اللّه عليهما) اللذان أكدا على هذا الأمر أكثر من غيرهما.

ولهذا الغرض وبناءً على الأمر الصادر من قائد الثورة الإسلامية سماحة الامام السيد علي الخامنئي فقد جاء تأسيس "المجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلاميّة" في الجمهورية الإسلامية في ايران.

وفي نظري فإنّ أحد السبل الكفيلة لبلوغ هذا الهدف هو نشر وإشاعة مثل هذه الكتب. والعجيب أنّ المدافعين ودعاة التقريب بين المذاهب ممّن سبقونا في هذا المشروع العظيم قد اهتموا بهذا الأمر وأشاروا الى أمين الإسلام الطبرسي وتفسيريه "مجمع البيان" و"جوامع الجامع" من بين آلاف العلماء وعشرات التفاسير.

فقد كتب المغفور له الشيخ محمود شلتوت - شيخ جامع الأزهر سابقاً وكان من مؤسسي "دار التقريب بين المذاهب الإسلامية" في القاهرة، وممّن بذلوا الجهود في التقريب بين المذاهب - مقدمة لتفسير مجمع البيان الذي طبعته "دار التقريب"، ونشرت المقدمة في مجلة "رسالة الإسلام" في عددها الثالث للسنة العاشرة [٢]، قبل نشر تفسير مجمع البيان من قبل دار التقريب وفيها يركز على:

أولا: إنصاف الطبرسي وصفائه الباطني ونزاهته من كلّ تعصب طائفي، والشاهد على ذلك تبجيله للعلامة الزمخشري وتفسيره الكشاف على ما بينهما من اختلاف مذهبي.

وفي هذا المضمار قارن الباحث بعض العبارات من جوامع الجامع مع الكشاف ومجمع البيان وأثبت أن الطبرسي وفى بعهده واقتطف بعض المسائل والطرائف الخاصة بالكشاف التي يخلو منها مجمع البيان ودوّنها في جوامع الجامع.

ثانياً: إن الطبرسي أورد أقوال السلف من المفسّرين بكل أمانة وحياد دون النظر إلى مذاهبهم مضيفاً إليها ما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام)، أو أنّه يذكر بشأن أحد الأقوال: "وهو المروي عن أئمتنا" وربّما يرجّح ما قاله الآخرون على ما هو منسوب الى أئمة أهل البيت (عليهم السلام) قائلاً: "هذا القول هو الأقرب إلى ظاهر القرآن".

ثالثاً: إنّ تفسير مجمع البيان بما فيه من مزايا يفضل على جميع تفاسير القرآن المؤلفة من قبل علماء الإسلام على اختلاف مسالكهم ومذاهبهم طوال مئات السنين وهذا نص كلامه: "…. إن هذا الكتاب نسيج وحده بين كتب التفسير، وذلك لأنه مع سعة بحوثه وعمقها وتنوعها، له خاصية في الترتيب والتبويب، والتنسيق والتهذيب، لم تعرف لكتب التفسير من قبله، ولا تكاد تعرف لكتب التفسير من بعده".

هذا الاعتراف من قبل الشيخ شلتوت بحد ذاته يعتبر شاهداً على طهارة نفسه ونزاهته هو الآخر، وهو في الحقيقة جزاء لتبجيل وإكرام الطبرسي للزمشخري.

نعم، إن مثل هؤلاء العلماء بـإمكانهم توحيد المسلمين على اختلاف مذاهبهم ومناحلهم وتقريب مذاهبهم، وإعادة مياه الإسلام إلى مجاريها من خلال أعمالهم هذه، وما علينا إلا الابتهال إلى الباري عزّ وجلّ أن يزيد من أمثال هؤلاء العلماء والمصلحين في جميع المذاهب الإسلامية، هؤلاء الذين تنبض قلوبهم من أجل الأُمة الإسلامية جمعاء - في حين أنّهم ثابتون على مذاهبهم، ملتزمون بها - ولكنهم يقدّمون مصلحة الإسلام العليا على مصلحة مذهبهم الخاص بهم.

جدير بالذكر أن الشيخ شلتوت لم يتسنّ له الاطلاع على كتاب "المؤتلف من المختلف بين أئمة السلف" الذي ألـّفه الشيخ الطبرسي، وهو تحرير لكتاب "مسائل الخلاف" للشيخ الطوسي، لأنه لم يطبع ولم ينشر حينذاك، وقد طُبع مؤخراً من قبل مؤسسة التحقيقات الإسلامية التابعة للروضة الرضوية المباركة باشتراك منّا في تصحيحه وإخراجه.

فمن خلال مقدمة هذا الكتاب يستشف أن الطبرسي أزال مواطن الخلل الموجودة في كتاب مسائل الخلاف، من بينها الاستدلالات الضعيفة للشيخ الطوسي، وحذف دعاواه المتكررة حول مسائل الإجماع، وشخّصها بعلامة (ج).

وما يلفت النظر هو اسم هذا الكتاب الذي يعاكس الكتاب الأصلي "مسائل الخلاف" فالطبرسي وقبل أن يهتمّ بقضايا الاختلاف أولى اهتمامه بالقضايا التي هي محلّ اتفاق، وجعل اسم الكتاب ينسجم مع هذا الدافع المقدس، واختار ما يحظى بالاتفاق والائتلاف من بين قضايا الاختلاف، وعبّر عن أصحاب هذه الآراء المختلفة من العلماء الماضين بأئمة السلف.

هذا الاسم ذكّرني باسم كتاب "أبي الحسن الأشعري" إمام الأشاعرة "مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين" ففي هذا الكتاب ذكر الأشعري المذاهب الإسلامية بما كانت عليه بشكل مهذّب وبغاية الأمانة، وبالرغم من اعتقاده بأن مذهب الحق هو مذهب أهل الحديث الذي اشتهر فيما بعد بمذهب الأشاعرة نسبةً الى هذا الامام، فقد عبّر عن سائر المذاهب بالمذاهب الإسلامية، ووصف اختلافهم باختلاف المصلّين، واصفاً المسلمين قاطبة بأنهم أهل القبلة والصلاة، على العكس من أولئك الذين يرمون غيرهم من المسلمين بالشرك ويحلون سفك دمائهم!

نسأل اللّه أن يهدينا جميعا سواء السبيل… وهو دون شك سبيل تركيز عزّة المسلمين وسؤددهم، المتمثّل عمليا في تقريب قلوبهم، وتوحيد صفوفهم، وإزالة الحواجز النفسية التاريخيّة بين فئاتهم ومذاهبهم، إنه تعالى سميع مجيب.

ـ

١ - الطبرسي صرّح في مقدمة "جوامع الجامع" بأن هذا الكتاب وسط بين "مجمع البيان" و"الكافي الشافي" ومع ذلك يُحتمل العكس.

٢ - انظر ملف دار التقريب في هذا العدد، محور التفسير.



[ Web design by Abadis ]