ا.د. محمد علي آذرشب

استاذ في جامعة طهران

الاتصال بالدکتور
• هاتف: ٨٣١٤٨٢٤
• فکس: ٨٢٥٩٢٦٧
• ایمیل: Dr.Azarshab@Gmail.com
• ص.ب: طهران - ١٥٦ / ١٣١٦٥
 دعوة الاسلام الى الوحدة \ الدكتور احمد عمر هاشم

مسألة تطلّع كل العالم الاسلامي الى وحدة تجمع شتاته وتشدّ أجزاءه وترصّ صفوفه أصبحت حديث كل الصحافة الاسلامية الملتزمة ونحن في هذا الحقل نلقي الضوء على واحد من هذه الاحاديث، ننقله من مجلة الازهر الشريف وهو - وإن لم يحمل شيئا جديدا - لكنه يعبّر عن هذه المسألة الهامة التي تعنى بها مجلة رسالة التقريب.

الوحدة

هي اتحاد الدول أو البلاد والأفراد والجماعات في سائر أمور حياتهم ومعاشهم، وسيرتهم، وغايتهم، وبموجب هذه الوحدة يصبح الجميع شيئاً واحداً، أو أمة واحدة. يقال: اتحد البلدان، أي: صارا بلدا واحداً، واتحدت الأشياء، صارت شيئاً واحداً.

ويقال: وحّد المتعدد: أي صيّره واحداً، واتّحد به: أي صار معه شيئاً واحداً.

ولأهمية وحدة الأمة واجتماعها، رد اللّه - سبحانه - أنسابنا جميعاً منذ وجدت الخليقة وإلى يوم يبعثون إلى أصل واحد، فكلنا لآم (عليه السلام)، وللبشرية جمعاء أب واحد وأم واحدة، خلقنا منهما "من ذكر وأنثى" قال جل شأنه: (يأيها النَّاس إنا خلقنكُم من ذكر وأُنثى وجعلنكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقكم إن اللّه عليم

ـ

١ - مجلة الازهر - عدد شهر محرم الماضي.

خبير) [١]

ووضح - سبحانه - أن الأمة واحدة، وأن الرب واحد فقال جل شأنه: (وإنَّ هذه أُمتكم أُمَّة واحدة وأنا ربُّكُم فاتقون) [٢].

ووضح رب العزة - سبحانه وتعالى - أن وحدة الأمة تستوجب عليها ألا يختلفوا، فقال - سبحانه: (شرع لكم من الدين ما وصَّى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصّينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدِّينَ ولا تتفرَّقوا فيه كبر على المشركين ماتدعوهم إليه اللّه يجتبى إليه من يشاءُ ويهدى إليه من يُنيبُ) [٣].

والذين يفرقون دينهم ويختلفون شيعاً يعادى بعضهم بعضاً بعيدون عن الدين وعن الحق وعن اللّه ورسوله (صلى الله عليه وآله).

(إنَّ الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا لَّست منهم في شيء إنَّما أمرهُم إلى اللّه ثُمَّ ينبئُهم بما كانوا يفعلون) [٤].

والمتفرقون فريسة لأعدائهم يتغلبون عليهم بسهولة وتتداعى عليهم الامم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، فُيعتدى عليهم في كل وطن، ويقاتلون في كل مكان ويضيعون فرقة بعد أخرى وجماعة بعد جماعة، كما يكونون في فرقتهم فريسة للشيطان ولكل عدوان، عن سعيد بن المسيب (رضي الله عنه) قال: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله): "الشيطان يهم بالواحد والاثنين فإذا كانوا ثلاثة لم يهم بهم" [٥].

ولخطر الفرقة وعدم الوحدة حذر الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - منها أشد التحذير وبين أن الذي يخرج عن الطاعة ويفارق الجماعة يموت على ما كان عليه أهل الجاهلية من البعد عن الدين والوحدة فقال (صلى الله عليه وآله): "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية" [٦].

وواضح أن قوة المؤمنين في وحدتهم وأن ضعفهم في تفرقهم قال (صلى الله عليه وآله): المؤمن

ـ

١ - الحجرات / ٣.

٢ - المؤمنون / ٥٢.

٣ - الشورى / ١٣.

٤ الانعام / ١٥٩.

٥ - رواه مالك.

٦ - رواه البخاري.

للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً" [١].

ومن أجل أن يكون المؤمنون قوة واحدة، لابد أن يتألفوا ويتعارفوا وأن تسرى روح التعاطف والتراحم فيما بينهم ليصبحوا كالجسد الواحد فيشعر كل منهم بشعور الآخر يفرح لفرحه ويحزن لحزنه ويشاركه في السراء والضراء، ويخف لنجدته، ويبادر بمساعدته مصداقاً لقول الرسول (صلى الله عليه وآله): "مثل المؤمنين في توادهم وتعاطفهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" [٢].

إن وحدة أمتنا واجبة وضرورية لمواجهة التحديات والتكتلات والأخطار التي تحدق بالأمة من كل جانب، ولو نظرنا إلى ما تملكه أمتنا الإسلامية والعربية من الثروة البشرية والمعدنية والبترول، والعقول والحضارة والعلم، والزراعة إلى غير ذلك من أسباب القوة والمنعة، لو نظرنا إلى ما تملكه أمتنا من هذا كله لكنا على يقين بأننا حين نتوحد ونتجمع نصبح أكبر قوة مؤثرة في العالم كله.

ومن أجل هذا أدرك أعداء أمتنا سر قوتنا، فراحوا يعملون على نشر مبدئهم: "فرق تسد" فكانت الحدود المصطنعة وكانت أساليب التفرقة المتعددة في الثقافة وفي نشر مبادئ الاختلاف بين الأمة لإحداث شروخ بين فصائل الشباب المسلم، وبينهم وبين الدعاة والأنظمة، ومحاولة تضخيم بعض الاجتهادات والخلافات الفقهية.

وإلى جانب هذا سعوا جاهدين في فصل الأمة عن دينها ودستورها لأنه يوحدها فقال أحدهم في بعض المؤتمرات: لا قرار لنا مادام المصحف في أيدي المسلمين.

الوحدة في الإسلام

أهمية الوحدة: إن الوحدة أساس كل خير في دنيا الناس وآخرتهم، وإن الفرقة أخطر الآفات التي تقضي على سعادة الناس، وترديهم في مهاوي التهلكة، وتجرهم

ـ

١ - رواه البخاري.

٢ - رواه البخاري.

إلى وحل المعصية وتظل تفرقهم شيعا حتى تجعلهم ينفصلون تماماً عن الدين، وفي هذا المعنى يقول الحق تبارك وتعالى: (إنَّ الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعاً لَّست منهم في شيء إنَّما أمرهم إلى اللّه ثمَّ يُنبئُهم بما كانوا يفعلون) [١].

بل إن العلم نفسه حين لا يقوم على أساس الإخلاص، يؤدي بأصحابه إلى الخلاف واشتجار الأفكار، ذلك لأن آفة العناد والتعصب والبغضاء والحسد كل ذلك يستبد بالفكر الإنساني، لهذا جاء القرآن الكريم في دعوته إلى الوحدة يحرر عقيدتها وفكرها من آفة البغي والحسد، ويرسي في النفوس دعائم التوحيد والتمسك بالشريعة القوية التي جاء بها الرسول (صلى الله عليه وآله) فقال تعالى: (إنَّ الدِّين عند اللّه الإسلام وما اختلف الَّذين أُوتوا الكتابَ إلا من بعد ما جآءهُم العِلم بغيا بينهم ومن يكفر بآياتِ اللّه فإن اللّه سريعُ الحساب) [٢].

أساس الوحدة

وبيّن - سبحانه - أن أساس هذه الوحدة التي يدعو اليها الإسلام هي الدين الإسلامي والاعتصام به وبكتابه الذي هو سبب النجاة، وحذر - سبحانه - من التفرقة لما لها من الأخطار المحدقة والأضرار الفادحة، وذكر اللّه عباده من هذه الأمة، بما كان عليه الأوس والخزرج قديما، فقيل: إنهما كانا أخوين لأبوين فوقع بين أولادهما العداوة وتطاولت الحروب بينهم مائة وعشرين سنة حتى جاء الإسلام فأطفأ نارها وأخمد شرها، وجمعهم بالإسلام وألف بينهم برسوله - صلوات اللّه وسلامه عليه - … وتدعيما لأصول تلك الوحدة وترسيخا لأساسها، يكلف اللّه - تعالى - هذه الأمة بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انتصارا للدين، وإقامة لوحدته، ودفعاً لآفات الشر والفساد التي قد تثار حول حماه، أو ترتكب في الوطن الإسلامي ويضرب لنا القرآن الكريم المثل بمن قبلنا حين اختلفوا بعد أن جاءتهم البينات فكان لهم الوعيد الشديد.

ـ

١ - الانعام / ١٥٩.

٢ - آل عمران / ١٩.

عن تلك الملامح كلها تحدث القرآن الكريم حديثاً شافياً، هادياً للتي هي أقوم.

فقال اللّه - تعالى:

(واعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت اللّه عليكم إذ كنتم أعداء فألَّف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يُبين اللّه لكم آياتهِ لعلَّكم تهتدون. ولتكن منكم أُمَّةٌ يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون. ولا تكونوا كالَّذين تفرَّقوا واختلفوا من بعد ما جآءَهم البيناتُ وأولئك لهم عذابٌ عظيم) ١١

وقد وجه الرسول (صلى الله عليه وآله) أمته إلى أساس الوحدة: وهو الاعتصام بحبل اللّه. عن أبي هريرة (رضي الله عنه) قال: قال رسول اللّه: "إن اللّه يرضى لكم ثلاثاً، ويكره لكم ثلاثاً: فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئاً، وأن تعتصموا بحبل اللّه جميعا ولا تفرقوا، وأن تناصحوا من ولاه اللّه أمركم… ويكره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال" رواه مسلم.

ولا شك أن حبل اللّه هو دينه وكتابه يجمع معاني العهد بين الخلق وخالقهم والأمان لمن تمسك به، والصلة بينهم وبين اللّه - سبحانه وتعالى -، فمن تمسك به هديَ إلى صراط مستقيم.

(اللّه وليُّ الذين آمنوا يخرجهم من الظُّلماتِ إلى النُّور والَّذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظُلمات أولئك أصحابُ النار هم فيها خالدون) [٢].

وقد جاء في الحديث السابق التحذير من التفرقة، في قوله: (ولا تفرقوا) بعد الأمر بالاعتصام، لبيان أن من اعتصم بحبل اللّه فهو بعيد عن التنازع بعيد عن التفرقة، أما الإعراض عنه، والتماس الاعتصام بغيره ففيه الضلال "ومن التمس الهدى في غيره أضله اللّه" وقد أشار القرآن الكريم إلى تأكيد هذا المعنى في قوله - تعالى: (وأطيعوا اللّه ورسولهُ ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم) [٣].

ـ

١ - ال عمران / ١٠٣ - ١٠٥.

٢ - البقرة / ٢٥٧.

٣ - الانفال / ٤٦.

وقال - تعالى: (وإن هذهِ أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربكم فاتقون. فتقطعوا أمرهم بينهم زُبُراً كل حزب بما لديهم فرحون. فذرهم في غمرتهم حتّى حين) [١].

وهكذا نجد الآيات، بعد أن بين - سبحانه - أن الدين واحد والشريعة واحدة وأن الأمة واحدة تتفق على الإيمان والتوحيد في العبادة، أشار بعد هذا إلى حال بعض الأمم في المخالفة، وشق عصا الطاعة، فتقطعوا قطعاً وأحزابا مختلفة.

وفيما رواه البخاري، قال (صلى الله عليه وآله):

"من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتةً جاهلية".

وفي موطن آخر، أعلن الرسول (صلى الله عليه وآله) وسلم بُعدَهُ عن مخالف الجماعة الذي لم يف لها بعهد، وراح يفرق بين الصفوف، ويضرب البر والفاجر… فقال (صلى الله عليه وآله): "من خرج على أمتي يضرب برَّها وفاجرها، لا يتحاشى من مؤمنها ولا يفي بعهد ذي عهدها فليس مني ولست منه" رواه مسلم.

ويقول اللّه - تعالى: (ومن يُشاقِقِ الرَّسول من بعد ما تبيّن له الهدى ويتَّبع غير سبيل المؤمنين نولِّه ما تولَّى ونصلهِ جهنَّم وسآءت مصيرا) [٢].

العبادات تطبيق عملى للوحدة

والإسلام في حرصه الشديد على تقوية أركان الأمة الإسلامية وتضافر قواها جعل لعبادتها زيادة في الفضل والأجر إذا كانت في جماعة تعويدا لهم على الاتحاد، وغرساً لأصوله وروحه فيهم. فجعل لصلاة الجماعة من الثواب والفضل ما يزيد على صلاة المنفرد، وصلاة الجماعة إذ شرعها الإسلام جعل فيها روح الوحدة اليومية خمس مرات كل يوم وكما هو الشأن في صلاة العيدين من كل عام وفيهما يكون الاجتماع أكبر، كما شرع أوسع اجتماع ممكن وأكبر جماعة يمكن أن تضم أكبر عدد من المسلمين من مختلف الأقطار الإسلامية وعلى شتى الألوان والأجناس، وذلك في فرضه الحج إلى بيت اللّه الحرام. وفي عبادة الصيام والزكاة تطبيق عملي للوحدة.

ـ

١ - المؤمنون / ٥٢ - ٥٤.

٢ - النساء / ١١٥.

نهاية الفرقة

هذا ومن خالف الرسول (صلى الله عليه وآله) فيما جاء به، واتبع غير ما عليه المؤمنون من العقيدة والعلم، يدعه اللّه ويتخلى عنه ويوليه ما تولى ذلك في دنياه، وأما في الآخرة فيصليه جهنم وساءت مصيرا.

وفي هذا المعنى يقول - تعالى:

(ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتَّبع غير سبيل المؤمنين نوله ماتولّى ونُصله جهنَّم وسآءت مصيرا) [١].

والمتصفح لتاريخ الأمم والشعوب يرى أنه ما استطاعت أمة من أهل السلب والنهب والسطو والظلم أن تتمكن من غيرها إلا بعد أن تمكنت من تمزيق وحدة غيرها، ومحاولة بث الفرقة والخلاف وتلك هي سياسة الاستعمار، وما الغزو الصليبي أو الصهيوني عنا ببعيد فقد كانت أسلحة التفرقة أقوى من أسلحة الميدان، وكانت عناصر التفرقة أضر من ضربات السنان.

لهذا كله فنحن نهيب بالمسلمين والعرب في شتى الأقطار الإسلامية والعربية أن يجمعوا أمرهم وأن يلتقوا على كلمة سواء وأن يدركوا قيمة الهدى النبوي في قول الرسول (صلى الله عليه وآله): "يد اللّه مع الجماعة ومن شذ شذ في النار" (رواه الترمذي).

فإلى وحدة قوية متماسكة البنيان، وصف واحد كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً، وإلى تعارف وتآلف تتظافر فيه القوى أمماً وشعوباً كما قال اللّه - سبحانه وتعالى: (يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر واُنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمكم عند اللّه أتقاكم إن اللّه عليم خبير) [٢].

واجب المسلمين في توحيد موقفهم تجاه التحديات المعاصرة

لقد وحدّ اللّه الأمة الإسلامية، بتلك العقيدة التي تدعوها إلى عبادة إله واحد لا شريك له وبتلك العبادات التي تتمثل فيها وحدة صفوفها في الصلاة خمس مرات

ـ

١ - النساء / ١١٥.

٢ - الحجرات / ١٣.

كل يوم.

وفي الزكاة التي تتوحد فيها مشاعر المسلمين في تعاونهم مع إخوانهم المحتاجين، بما شرعه اللّه - تعالى - في أموالهم من حق معلوم للسائل والمحروم.

وفي الصيام الذي يوحدهم حيث يمتنعون عن الطعام والشراب في وقت واحد، ويطعمون ويشربون عندالمغرب في وقت واحد… وفي الحج إلى بيت اللّه الذي يتلاقى فيه الناس من كل فج عميق ويجتمعون بزي واحد وفي وقت واحد يلبّون إلهاً واحدا لا شريك له، ويتدارسون - في مؤتمر الحج العالمي - قضاياهم ومشاكلهم. فجاءت كل تشريعات الإسلام توحد بين جميع المسلمين أفراداً وجماعات وأمماً وشعوبا، وجعل اللّه الغاية من خلقهم من ذكر وأنثى، ومن جعلهم شعوباً وقبائل أن يتعارفوا، قال - سبحانه: (يا أيُّها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا) [١].

وقال - سبحانه - آمرا بالوحدة: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) [٢].

ولنلق الضوء - أولا - على حقائق الإسلام في منهجه الرباني حتى نرى ونوقن أنها حقائق وتشريعات، توحد ولا تفرق.

موقف الإسلام من الاجتهادات الصحيحة

إن الإسلام هو دين العلم والمعرفة، يدعو أتباعه إلى المزيد من العلم والثقافة، بل أمر اللّه - تعالى - صفوة خلقه، وخاتم رسلهم بأن يطلب منه المزيد من العلم، وأن يدعو بذلك: (وقل رب زدني علما) وهو الدين العالمي الذي جاء بالدعوة العامة في الزمان وفي المكان، وبعث بدستوره السماوي الخالد خاتم رسل اللّه رحمة اللّه للعالمين سيدنا محمد (صلى الله عليه وآله).

ولعموم الدعوة، وخلودها إلى أن يقوم الناس لرب العالمين اتسم دستورها السماوي وهو القرآن الكريم بالعموم والخلود فنزل تبياناً لكل شيء: (إن هو إلا ذكر

ـ

١ - الحجرات / ١٣.

٢ - آل عمران / ١٠٣.

للعاملين) [١].

ولعموم الدعوة وخلودها تكفل اللّه بحفظ دستورها: (إنا نحن نزَّلنا الذِّكر وإنا له لحفاظون) [٢].

فحفظه رب العزة سبحانه وتعالى في الصدور وفي السطور.

ولعموم الدعوة وخلودها أرسل لها رسول هو رحمة اللّه للعالمين، لم تختص دعوته بقوم دون قوم ولا بزمان دون زمان، كما قال اللّه - تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) [٣].

ولعموم الدعوة وخلودها صان اللّه تشريعها السماوي من أي دخيل أو مدسوس، فكما تكفل اللّه - تعالى - بحفظ القرآن الكريم تكفل - سبحانه - بحفظ كل حقيقي وصحيح من الحديث النبوي، ليكون بياناً للقرآن: (إن علينا جمعه وقرآنه. فإذا قرأناه فاتَّبع قرآنه ثم إن علينا بيانه) [٤].

فقيض اللّه لحفظ السنة النبوية المطهرة رجالاً أمناء عرفوا بالعدالة وبالضبط والورع وقمة الذكاء فصانوا السنة النبوية المطهرة من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.

ولعموم الدعوة وخلودها كانت حقائق التشريع فيها توحد ولا تفرق وتدعو إلى التمسك بالوحي الإلهي من كتاب اللّه - تعالى - ومن سنة رسوله - صلوات اللّه وسلامه عليه -، وفي دائرة هذا الوحي المعصوم كان الاجتهاد في الأمور التي لم يرد فيها نص، وكان التفكير الإسلامي من أهل العلم المتخصصين.

ولعموم الدعوة وخلودها كان منهاجها الرباني يتسم بالحكمةوالموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن، فلم ينتشر بالقوة ولا بالسيف فقد قال اللّه - تعالى: (لاإكراه في الدين قد تبين الرُّشد من الغيِّ) [٥].

ـ

١ - التكوير / ٢٧.

٢ - الحجر / ٩.

٣ - الأنبياء / ١٠٧.

٤ - القيامة / .

٥ - البقرة / ٢٥٦.

وقال سبحانه: (وما أنت عليهم بجبَّار) [١].

وقال جل شأنه: (لست عليهم بمصيطر) [٢].

وحين يكون المجتهدون - في أمور الدين - أهلا لهذا الاجتهاد وتتعدد الآراء فإن الإسلام لا يحجر على رأي، ولا يصادر فكراً، مادام صحيحاً ومادام صاحبه من أهل الاجتهاد، فقد كان رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) يقر الاجتهاد وتعدد الآراء، تأكيدا لسماحة الإسلام ويسره، وما كان يعنف أحداً، فقد روى أن النبي (صلى الله عليه وآله) قال يوم الأحزاب: "لا يصلّين أحد العصر إلا في بني قريظة".

فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي لم يرد منا ذلك فذكر ذلك للنبي (صلى الله عليه وآله) فلم يعنف أحداً منهم.

ومن أمثلة إقرار تعدد الآراء حين تكون صحيحة: نبأ الرجلين اللذين تيمّما صعيداً طيباً، وأثناء صلاتهما وجدا الماء، فأعاد أحدهما الوضوء والصلاة، ولم يعد الثاني، فقال النبي (صلى الله عليه وآله) للذي لم يعد: "أصبت السنة"، وقال لمن أعاد: "لك أجر مرتين".

بل كان ينفرد أحياناً بعض الصحابة باجتهاد في مسألة ما من المسائل أو حال من الأحوال التي تعرض له، وقد يرى البعض اجتهاد هذا الصحابي غريباً أو مستبعداً، ولكن رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - حين يرد إليه الأمر يبين لهم الحق فيه، فحين يرى في هذا التصرف أو الاجتهاد وجهاً من وجوه سماحة الاسلام يقره ولا يرفضه، ولا يعنف صاحبه، ولا يتشدد، ويقر الاجتهاد الصحيح ويقبل تعدد الآراء ما دام ذلك في إطار الحق والصواب، وما دام ذلك فيما لم يرد فيه نص، ولم يصادم آية من كتاب اللّه - تعالى - ولا حديثاً صحيحاً من أحاديث رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه - … بل إن علماء الحديث يعدون إقرار الرسول (صلى الله عليه وآله) لعمل أحد الصحابة نوعاً من أنواع السنة النبوية، والحديث الشريف، لأنهم يعرفونه بأنه ما أضيف إلى رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) من قول أو فعل أو تقرير أو صفة.

ـ

١ - ق / ٤٥.

٢ - الغاشية / ٢٢.

وعبر عصور الأمة الزاهرة، ما كان سلف هذه الأمة - حيث تتعدد آراؤهم - يُلزم أحدهم الآخر برأيه، ولا يكره أحد أحداً على شيء، فقد روي أن الإمام أبا حنيفة النعمان - رحمه اللّه تعالى - أنه قال: هذا الذي نحن فيه رأي لا نجبر أحداً عليه، ولا نقول: يجب على أحد قبوله بكراهية، فمن كان عنده شيء أحسن منه فليأت به.

موقف الإسلام من الآراء التي لا تكون صحيحة

وأما موقف الإسلام من الآراء التي لا تكون صحيحة، فإنه ينكرها ولا يقرها بل لا يقر - ابتداء - أحداً على القيام بالاجتهاد أو الإفتاء أو الرأي في دين اللّه إلا إذا كان مزوداً بعلوم الاجتهاد والإفتاء من التفسير وعلوم القرآن والقراءات وأسباب النزول والحديث وأسباب الورود والناسخ والمنسوخ والفقه والنحو والصرف وغير ذلك من العلوم…

ويأمر اللّه - تعالى - من لا علم لهم أن يسألوا العلماء المتخصصين وأهل الذكر العارفين، فقال - سبحانه: (فسئلُوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [١].

وحذر الإسلام من اتباع آراء من لا علم لهم، لأنهم يضلّون ويضلون كما قال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "إن اللّه لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الصدور، ولكن يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالم، اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا". رواه البخاري.

وإن من لاعلم له حين يفتي في دين اللّه أحداً يضله ولا يهديه، ويعرض من يفتيه إلى الهلاك، عن جابر (رضي الله عنه) قال: خرجنا في سفر، فأصاب رجلاً منا حجر في رأسه، ثم احتلم فسأله أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: مانجد لك رخصة، وأنت تقدر على الماء، فاغتسل فمات… فلما قدمنا على رسول اللّه (صلى الله عليه وآله)، أخبر بذلك، فقال - عليه الصلاة والسلام - : "قتلوه قتلهم اللّه ألا سألوا إذا لم يعلموا؟ فإن شفاء العي السؤال إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر أو يعصب على جرحه خرقة، ثم

ـ

١ - النحل / ٤٣.

يمسح عليها ويغسل سائر جسده" … (رواه أبو داود وغيره).

ففي قوله (صلى الله عليه وآله): "قتلوه قتلهم اللّه" ما يفيد اعتبار الذين أفتوه خطأ فأوردوه موارد الموت بمثابة القتلة لأخيهم حين أفتوه خطأ بغير علم.

ومن ذلك أيضا ما رواه أسامة بن زيد قال: بعثنا رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) - في سرية، فصبحنا الحرقات من جهينة، فأدركت رجلاً فقال: لا إله إلا اللّه، فطعنته، فوقع في نفسي من ذلك، فذكرته للنبي (صلى الله عليه وآله)، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه وآله): "أقال لا إله إلا اللّه وقتلته"؟ قلت: يا رسول اللّه إنما قالها خوفاً من السلاح، قال: "أفلا شققت قلبه حتى تعلم من أجل ذلك قالها أم لا؟ من لك بلا إله إلا اللّه يوم القيامة؟ " فما زال يكررها حتى تمنيت أن لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم. رواه البخاري ومسلم وأحمد وأبو داود.

ومع الاختلاف في الرأي فإن الأمر لا يصل إلى حد أن يكفر أحد أحدا ولا أن يحكم أحد على المخطئ بالفسق أو الابتداع، لأنه لا يمكن لأحد أن يدخل قلوب الناس، أو أن يسيطر عليها، فلا يعلم ما في القلوب إلا علام الغيوب، ولا يسطر عليها إلا اللّه - سبحانه وتعالى - الذي خلقها.

لا تعصب في اجتهادات الأئمة

لقد كان لأئمتنا - رحمهم اللّه تعالى - جهودهم التي تذكر فتشكر في مجال الاجتهاد وكانت لهم آراؤهم المتعددة، والتي قد يختلف بعضهم مع الآخر، ولكنهم مع هذا لم يتعصبوا، ولم يلزم أحدهم الآخر برأيه.

فقد كانت هناك أسباب عديدة لاختلاف وجهات النظر من بينها: ألا يكون الحديث قد بلغ بعضهم، أو يكون بلغه ولكنه لم يثبت عنده، لأن أحد رجال الإسناد مجهول أو متّهم أو سيء الحفظ، أو يعتقد ضعف الحديث باجتهاد قد خالفه فيه غيره، أو يكون الحديث قد بلغه وثبت عنده ولكنه نسيه.

ومن أسباب الاختلاف - أيضا - مايرجع إلى بعض القواعد الأصولية كأن يأخذ بعضهم مثلاً ببعض تلك القواعد الأصولية: (كالمصالح المرسلة أو سدّ الذرائع أو الاستحسان أو الاستصحاب أو العرف) ولا يأخذ البعض بهذه القواعد.

ومع اختلافهم في بعض الأحكام، إلا أنهم لم يتعصبوا لآرائهم لأنها لم تكن اختلافات على الأصول بل في الفروع، كاختلافهم في قراءة البسملة وعدم قرائتها، وفي الجهر بها أو الإسرار، ولم يلزموا أحداً بآرائهم ولم يمنع اختلافهم هذا أن يصلي بعضهم خلف بعض.

فنرى الإمام الشافعي (رضي الله عنه)، يصلي في مسجد الإمام أبي حنيفة قريباً من مقبرته، فلم يقنت في صلاة الصبح، مع أن القنوت عند الإمام الشافعي سنة، فلما قيل له في ذلك، أجاب قائلاً: أخالفه وأنا في حضرته؟ وعندما أراد الخليفة المنصور أن يلزم الناس بالموطأ قال الإمام مالك: "يا أمير المؤمنين لا تفعل هذا، فإن الناس قد سبقت لهم أقاويل، وسمعوا أحاديث، ورووا روايات، وأخذ كل قوم بما سبق إليهم… فدع الناس وما اختار كل بلد منهم لأنفسهم"… فقال الخليفة: وفقك اللّه يا أبا عبد اللّه.

ومن احتياط أئمتنا وتواضعهم ما روي عن الإمام مالك (رضي الله عنه) أنه سئل عن ثمان وأربعين مسألة، فقال في اثنتين وثلاثين منها: "لا أدري".

وقال أبو الدرداء (رضي الله عنه): "لا أدري نصف العلم" فلا يصح لمن لم يؤت فقهاً في الدين، واستعدادا في الاجتهاد أن يتجرأ على القول في دين اللّه بغير علم، فأجرأ الناس على الفتوى أجرؤهم على النار، وعلى عامة الناس ألا يسألوا في دين اللّه - تعالى - إلا من كان عالماً متخصصاً، كما قال اللّه - تعالى: (فسئلوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون) [١].

وهكذا نهج سلفنا من أئمة المسلمين منهج التثبت في دين اللّه وعدم التعصب لرأي دون رأي أو اجتهاد دون اجتهاد، مادام لم يصادم نصاً من كتاب اللّه - سبحانه وتعالى - أو حديثاً صحيحاً من سنة رسول اللّه - صلوات اللّه وسلامه عليه.

ـ

١ - النحل / ٤٣.

دعوة الإسلام إلى توحيد موقف المسلمين تجاه التحديات المعاصرة

إن حقائق الإسلام وتشريعاته، توحد المسلمين ولا تفرقهم وإن اجتهادات الائمة وتعدد الآراء واختلافها - أحياناً - إنما كان في الفروع لا في الأصول… ولم يمنع الاختلاف من وحدتهم وتضامنهم ولم يكن - يوماً - مدعاة للتعصب لرأي دون الآخر.

ولما كان للتشريع الإسلامي هذا المنهج… فإن من الطبيعي أن نقدر دعوته لتوحيد موقف المسلمين في كل أمورهم الدنيوية، وفي كل خطاهم وحياتهم، وخاصة تجاه التحديات المعاصرة التي يتعرضون لها.

لقد وضح القرآن الكريم وحدة هذه الأمة: (وإنَّ هذه أُمتكم أُمة واحدة وأنا ربّكم فاتقون) [١].

وفي دعوة الإسلام لتوحيد موقف المسلمين تجاه التحديات يحذر القرآن الأمة الإسلامية من أهم تلك التحديات التي يحاول أعداؤها نشرها بينهم وهي التي تتمثل في: الخلافات بين المسلمين.

والخلافات أكبر تحد وأخطر معول هدام يقضي على هذه الأمة، ومن أجل ذلك نرى الاستعمار قبل أن يغادر بعض الدول التي تحررت ترك حدوداً مصطنعة وترك حدوداً تمثل تنازعاً واختلافاً بين الدول حتى لا تتحد الأمة وحتى تظل في خلافات سياسية ودولية فيما بينها….

وإلى جانب الاختلاف على الحدود، راح أعداؤنا يضخمون الخلافات الفقهية التي جرت بين العلماء في بعض المسائل الفرعية، ففي جو الخلاف تضعف الأمة، ويتغلب عليها عدوها، وبهذه الخلافات في الأمور الدينية استطاعوا أن يحدثوا شروخاً بين فصائل الشباب المسلم ولا شيء أقسى وأخطر من الاختلاف في الدين، إنه اختلاف يتهدد دنيا الانسان بالأخطار، ويتهدد آخرته كذلك، ولذا اعتبره القرآن خروجاً عن حظيرة الإسلام: (إن الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شيعا لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى اللّه ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون) [٢].

ـ

١ - المؤمنون / ٥٢.

٢ - الانعام / ١٥٩.

والذين يشغلهم الخلاف يهدرون حياتهم دون طائل، ويضيعون أعمارهم من غير فائدة.

ومن بين تلك التحديات ما ينهض به أعداء هذه الأمة من محاولة حصرها في موقف المدافع، لا في موقع المنطلق لنشر دعوته، المهاجم بها لكل الأباطيل، وبهذا المخطط الخبيث بث أعداؤنا كثيرا من الشبهات ليجعلوا المسلمين في موقف المدافع عنها وليشغلوهم بها، فانتشرت دعاوى وشبهات حول المرأة في الإسلام وكون الرجل يأخذ ضعفها في الميراث، وشبهات أخرى حول تعدد الزوجات، وحول الطلاق، وانتشار الإسلام بالسيف أو بالقوة وكلها شبهات زائفة ولا أساس لها من الصحة، وتعاليم الإسلام ذاتها تحمل الحكم التشريعية العليا، والأسرار الإلهية التي تحمل سعادة البشر وتحمل العدالة والحق والخير في كل تشريع إلهي محكم… وليس معنى هذا ألاّ نردّ على تلك الشبهات، بل المراد أن نرد عليها بالقيام بنشر الإسلام وإبراز فضائله ومحاسنه وتشريعاته السمحة التي كانت من أهم الأسباب في نشر الإسلام واعتناق الكثيرين له عن اقتناع ومحبة.

وهناك تحديات كثيرة عسكرية وسياسية واجتماعية واقتصادية وصحية وثقافية… وتتمثل التحديات العسكرية في الاستعمار وغزوه لكثير من البلاد والدول والأقليات الإسلامية.

وتظهر التحديات السياسية في محاولة نشر المنظمات السياسية التي تفرق الأمة في تناحر، وخلافات لا تنتهي.

وتظهر التحديات الاجتماعية، في نشر التعامل في المجتمع بتلك التقاليد الوافدة في الأسرة وفي البيئة وفي الزي وفي غير ذلك من المجالات الاجتماعية.

وتتضح التحديات الاقتصادية في نشر التعامل بالربا ومحاولة تسميته بغير اسمه، ومحاولة استدانة الدول الاسلامية ووقوعها غريقة بالديون التي تضيع معها هيبتها، ويهتز معها قرارها.

وأما التحديات الصحية: ففي نشر الخمور وتداولها والمخدرات والسموم البيضاء، وغيرها من المواد التي تقضي على صحتها وعلى عقل كل فرد من أفراد هذه الأمة.

وأما التحديات الثقافية: فتظهر في الغزو الفكري الذي يمثل أخطر هذه التحديات، والذي يعمل على تغريب هذه الأمة وتغييب رسالتها التي تقوم بها، وبإيقاف المدّ الإسلامي إلى الخارج وبضربه من الداخل.

وفي محيط هذه التحديات المتعددة، والمحيطة بالأمة من كل جانب تصاب الأمة بالوهن، وتوشك الأمم أن تتداعي عليها بسبب ضعفها وتسبب الخلافات التي تفرق فيها، كما أخبر بذلك رسول اللّه (صلى الله عليه وآله) حين قال: "يوشك أن تداعي عليكم الأمم كما تداعي الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يارسول اللّه؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن اللّه من صدور عدوكم المهابة منكم، وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول اللّه؟ قال: حب الدنيا، وكراهية الموت" رواه أحمد وأبو داود. وفي مواجهة تلك التحديات، لابد لنا من التمسك:

أولا: بالعقيدة الإسلامية، وهي عقيدة التوحيد التي نؤمن فيها باللّه رباً وبالإسلام دينا وبسيدنا محمد (صلى الله عليه وآله) نبياً ورسولا، ونؤمن فيها باللّه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، وبتطابق الإيمان مع العمل… والتمسك بالإسلام عقيدة يستوجب التمسك به تشريعاً ومعاملة وسلوكاً وأخلاقاً. والتمسك بالعقيدة الإسلامية عقيدة التوحيد يجعل من الأمة وحدة واحدة لا تختلف ولا تتفرق بل تعتصم بحبل ربها، كما قال جل شأنه: (واعتصموا بحبل اللّه جميعاً ولا تفرقوا) [١].

والتمسك بعقيدة التوحيد يجمع الناس ويوحدهم فلا يخرج أحد عن الطاعة ولا يفارق الجماعة: قال (صلى الله عليه وآله): "من خرج عن الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية" رواه البخاري.

ثانيا: أن نتمسك بالقرآن ونشر تعاليمة ومدارسته، وتطبيق ماجاء به من هداية ومنهج رباني يهدي إلى أقوم السبل. ولأهمية القرآن الكريم في توحيد الأمة، وفي إمدادها بالقوة الإيمانية الكبرى، أدرك أعداؤها ما يمثله القرآن من خطر عليهم فقال المستر "غلا دستون" وزير بريطانيا الأول وكبير أعمدة الاستعمار في الشرق

ـ

١ - آل عمران / ١٠٣.

الأوسط: "مادام هذا القرآن موجودا فلن تستطيع أوربا السيطرة على الشرق بل ولا أن تكون هي نفسها في مأمن".

وقال "سيمون": "إن الوحدة الإسلامية التي تجمع آمال الشعوب السمر، وتعبر عن إيمانهم هي التي تساعدهم على رفض السيطرة الأوربية والتخلص منها".

ثالثاً: لابد من تكوين وحدة إسلامية بين جميع المسلمين، وحين يكون للمسلمين - على الأقل - موقف إسلامي موحد فإنه لن يكون لتلك التحديات سبيل علينا، بل تصبح الأمة الإسلامية أكبر الدول والأمم وأقواها وأعزها.

إن هذه الوحدة المنشودة هي التي دعا إليها الإسلام وأكد الدعوة إليها: (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأُنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند اللّه أتقاكم إن اللّه عليم خبير) [١].

ودعا الرسول - صلوات اللّه وسلامه عليه - إلى توحيد المسلمين ومعاونة بعضهم فقال - صلوات اللّه وسلامه عليه - :

"المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً ثم شبك أصابعه" رواه البخاري.

وإن على المجتمعات والدول الإسلامية أن توحد موقفها وتتعاون لإنقاذ الأقليات الإسلامية، ومواجهة التحديات العالمية وعلى جميع الدول الإسلامية أن تمدّ يد العون لكل البلاد المحتاجة والفقيرة وتساعد الأقليات، وتخلصها مما يُدبره لها أعداء الإسلام، وحتى لا يكون لتيارات الفساد والشر سبيل لها.

ويوم أن تتحد بلاد العالم الإسلامي وتتوحد على هدف منشود تحقق به خيرها، وتنصر دينها، يوم أن ينصرها اللّه نصراً مؤزرا، ويمكّن لها في الأرض لتقيم شريعة اللّه في الأرض مؤكدة صلتها به، ومقوية روابطها بالمجتمع، ومدافعة عن دين ربها، آمرة بالمعروف وناهية عن المنكر.

(ولينصرنَّ اللّه من ينصرهُ إن اللّه لقويٌّ عزيز. الذين إن مكَّناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزّكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر وللّه عاقبة الأمور).

ـ

١ - الحجرات / ١٣.



[ Web design by Abadis ]